|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
|
| ||
جهود الغرب الأمنية والشرق الأوسط الكبيربقلم الدكتور انطوني ايتش كوردسمان زميل أول وأستاذ كرسي ارليه آي بورك للاستراتيجية في مركزالدراسات الاستراتيجية والدولية
يملك حلف الأطلسي دوراً قوياً في تأمين الاستقرار في أوروبا، ولا زال يوفر البنية لتوحيد مختلف الدول الأوروبية من خلال إطار عمل جماعي للأمن، تضمنه القدرات العسكرية للولايات المتحدة. أما في الوقت الحاضر، فتنطلق التحديات الأساسية للغرب "من خارج المنطقة". يبقى البلقان المنطقة المتبقية الوحيدة في أوروبا التي لم تستقر من الوجهة العسكرية، بينما لازالت كافة المناطق في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى تتعرض لتهديد التطرف الإسلامي والإرهاب. تحتاج الأنظمة السياسية الصديقة في هذه المناطق إلى ضمانات أو مساعدات عسكرية من الخارج، وقد أظهرت الصراعات في العراق وأفغانستان ان باستطاعة الدول الغربية ان تحقق اكثر بكثير في التعامل مع الأنظمة السياسية العاجزة، وفي مواجهة التهديدات الإقليمية إن هي عملت بصورة جماعية. * تركيز الاهتمام على الشرق الأوسط الكبير ركز التطرف الإسلامي الذي كان وراء الهجمات الإرهابية في 11 أيلول/سبتمبر 2001 اهتمام العالم على التهديدات الصادرة من تلك المناطق. ويتمثل موقف إدارة الرئيس بوش بأن الشرق الأوسط الكبير مسؤولية غربية، وليست مسؤولية الولايات المتحدة، وان الحاجة لمهمات الحلف الأطلسي لم تعد أولوية نظرية لتحسين القدرات القتالية بل أصبحت بالأحرى حاجة ملموسة وفورية. لم يتوضح حتى الآن إلى أي حد من الحماس سوف تحاول اتباعه الإدارة الأميركية بغية إعادة تركيز جهود الغرب في مجال الأمن، لكنها بدأت تتحرك لتحقيق أربع مبادرات رئيسية: تعزيز متواصل للوجود الأمني لحلف الأطلسي في أفغانستان، وتشكيل قيادة واحدة للحلف في أفغانستان بحلول عام 2005 مما سيجعل الحلف مسؤولاً فعلياً عن عملية صنع السلام وبناء الدولة كما دحر بقايا الطالبان والقاعدة هناك. تعديل وضع الحلف في العراق بحيث يتم إنشاء قيادة للحلف الأطلسي برئاسة الولايات المتحدة تتعامل بشؤون المساعدة العسكرية والأمنية بعد نقل السلطة إلى العراقيين، يرافقها جهد سياسي واقتصادي تقوده منظمة الأمم المتحدة. إعادة هيكلة وضع القوات الأميركية ونشرها في أوروبا لتتناسب مع تفاعل أكبر مع الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وذلك من خلال تقليص الوجود الأميركي في مناطق مثل المانيا وإنشاء مرافق وقواعد جديدة في أوروبا الشرقية والجنوبية. التحول من إنشاء قدرات إظهار قوات عسكرية تقليدية وثابتة إلى حد كبير إلى الانتشار الفعلي. لا توافق دول أوروبية عديدة على أجزاء من هذا البرنامج، بالأخص فيما يتعلق بلعب دور في العراق. لكن وفي نفس الوقت لدى أوروبا والولايات المتحدة أسباب جيدة للتعاون في هذه المنطقة من بينها ضرورة العمل سوية من الوجهة العسكرية، والاعتماد على نفط الشرق الأوسط، والتهديد الإرهابي على يد جماعات إسلامية متطرفة. * مشاكل تحويل القوات تواجه الولايات المتحدة بعض مشاكل تحديث الأنظمة الدفاعية لحلفائها الأوروبيين حتى مع تخصيص ميزانيات للدفاع تتجاوز 400 مليار دولار. أظهرت حرب العراق ان الولايات المتحدة تواجه اجهادات كبيرة في القتال حتى في النزاعات الطويلة. لا يعود سبب ذلك إلى عدم إمكانية استخدام الولايات المتحدة لأفضلياتها الهائلة في امتلاك قوات تقليدية تتمتع بتكنولوجيا عالية لخوض حروب إضافية أو أوسع بل بالأحرى لكونها لا تستطيع القيام بذلك بوجود البنية الحالية لقواتها، وضرورة المحافظة على دورة نشر القوات واستبدالها الدوري من اجل الاحتفاظ بقواتها المحترفة الماهرة. بدأ الآن فقط تنفيذ التحولات الرئيسية الضرورية لتمكين الولايات المتحدة من خوض حروب لا متماثلة بصورة فعالة. لذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى أكثر من تحالفات سياسية فهي تحتاج إلى تحالفات مستعدة لخوض القتال. ورغم مشاكل الولايات المتحدة، فإن الدول الأوروبية تدرك جيداً ان التحديث العسكري القائم لدى أميركا وتطوير قواتها يتجاوزان بدرجة كبيرة ما تقوم به أوروبا في هذه المضمار. يعود ذلك جزئيا إلى تشكيل بنيات اكثر كفاءة للقوات وتطبيق أولويات أكثر وضوحاً من أجل التحسين واهتمام أكبر بوظيفة القوات في الولايات المتحدة. كما يعود ذلك جزئياً لكون معظم الدول الأوروبية مهتمة بأولوياتها الاقتصادية والاجتماعية وبمستقبل الاتحاد الأوروبي اكثر بكثير من اهتمامها باستراتيجية الدفاع والإنفاق على شؤون الدفاع. إلاّ أن ذلك يعود أيضا إلى تخصيص الولايات المتحدة تمويلاً أكبر للدفاع. وعلى الرغم من ان أوروبا لا تستطيع تحمل اكلاف محاكاة ما قد يشابه المزيج الأميركي المكوّن من وسائل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وأنظمة الإطلاق الدقيقة للصواريخ البعيدة المدى، والبنية التحتية اللازمة لإبراز القوات العسكرية، وتطوير قدرات الحرب المتشابكة، إلاّ أنها تنفق ما يقارب 140 مليار دولار للتنسيق المحدود بين القوات التقليدية دون ان توكل إليها مهمة واضحة. وبريطانيا هي الدولة الأوروبية التي بدأت تجد فعلاً حلاً وسطاً فعالاً بين العمل المستقل والحاجة إلى الاعتماد على أنظمة ودعم الولايات المتحدة في الحالات الطارئة الرئيسية لنشر القوات. ولكنها، مع ذلك، لا زالت تُجري تخفيضات تدريجية في عديد قواتها وتقلّص خطط تحديثها. أما خطط القوات الفرنسية فهي غير مرتهنة بنفس الدرجة لقلة التمويل، وهي اكثر ابتكاراً. فقد حققت نتائج افضل مما حققته دول أوروبية أخرى في إيجاد توازن جديد بين التحديث، والإصلاح، والإنفاق العسكري، رغم ان قسماً كبيراً من القوات الفرنسية لازال بدون وسائل الانتشار الفعّال في أي منطقة تدعو الحاجة إلى وجودها فيها بالواقع. وفي حين ان ألمانيا لا زالت تملك بعض العناصر من القوات ذات القدرة العالية، فهي تنفق أقل مما كانت تنفقه - حسب النسبة المئوية من إجمالي الناتج القومي - خلال الحرب الباردة وأقل كثيراً مما تنفقه فرنسا وبريطانيا أو حتى معظم الدول الأوروبية، دون أن نذكر الولايات المتحدة. ويعتبر هذا الإنفاق ضئيل للغاية لتحديث قواتها. بالإضافة إلى ذلك، فإن ألمانيا ملتزمة الآن سياسياً بخفض الإنفاق الإجمالي حتى العام 2007، وقد تكون المقاربة الألمانية في الإبقاء على هيكليات لقواتها ونظام تجنيد تجاوزها الزمن صحيحاً من الوجهة السياسية بالنسبة لسياستها المحلية ولكنه يعتبر هدراً مفرطاً بالنسبة للقدرة العسكرية. تباطأت معظم الدول الأوروبية الصغيرة في التخلي عن أسلوبها التقليدي في تنظيم قواتها، والاعتماد بدلاً عن ذلك بقدرات مهمة لنشر القوات. فالنروج، على سبيل المثال، تعتبر واحدة من الدول الصغيرة القليلة العدد التي تخصصت بفعالية في شؤون المهمات التي تقوم بها القوات الخاصة، بدلاً ان تحاول الاحتفاظ بمزيج تقليدي لا يمكن تحمل نفقاته من قوات برية، والبحرية، والجوية. كما أظهرت كل من بولونيا وإسبانيا أيضا ان باستطاعتهما نشر قوات بميزانيات محدودة. إلاّ أن دولاً أوروبية عديدة بدأت تتحول إلى مأوى للعسكريين الكهول. * الاعتماد على الطاقة من الشرق الأوسط يشمل مشروع الشرق الأوسط الكبير مصالح أمنية وطنية استراتيجية حيوية فعلاً لأوروبا كما للولايات المتحدة. أصبحت الدول الصناعية في العالم تعتمد باطراد متزايد على اقتصاد عالمي تغذيه صادرات النفط من الشرق الأوسط وتزداد درجة هذه التبعية بسرعة بغض النظر عما إذا كانت الدول الافرادية تزيد أو لا تزيد من مستورداتها المباشرة للنفط من الخليج الفارسي وشمال إفريقيا. ويعود سبب ذلك إلى ان حجم المستوردات المباشرة للنفط لا يشكل إلاّ جزءاً من التبعية الاستراتيجية. كما تزداد درجة تبعية اقتصاد الولايات المتحدة وأوروبا على مستوردات مكثفة للنفط من آسيا ومناطق أخرى. لا تجري الوكالة الأميركية لمعلومات الطاقة تقديرات حول المستوردات غير المباشرة من نفط الشرق الأوسط، بمعنى النفط الذي يتوجب على الدول المصدرة للسلع الجاهزة إلى الولايات المتحدة وأوروبا ان تستورده بغية إنتاج هذه السلع. فإذا شملنا هذه المستوردات قد يصبح الرقم الناتج لدرجة تبعية الولايات المتحدة، للنفط، مثلاً، أعلى بنسبة 30 و 40 بالمئة. علاوة على هذا، تعتمد الدول المصنعة بصورة متزايدة على سلامة الاقتصاد العالمي. على سبيل المثال، باستثناء أميركا اللاتينية، والمكسيك، وكندا، يعتمد كافة الشركاء التجاريون الرئيسيون للولايات المتحدة بدرجة حاسمة على صادرات نفط الشرق الأوسط. * المشاكل الأمنية المستمرة في الشرق الأوسط يشكل تهديد التطرف الإسلامي مسألة إستراتيجية موحدة أخرى ومسألة سوف تستمر طويلاً بعد انتهاء المشاكل مع العراق والطالبان والقاعدة في يومنا الحاضر. مشاكل التطرف الإسلامي والإرهاب لها أصول عميقة ثقافية وعقائدية. فهي تتأثر بالفشل العريض للسياسات والإيديولوجيات العلمانية في الكثير من مناطق الشرق الأوسط، والتغييرات الاجتماعية والثقافية الجذرية التي فرضها انهيار العديد من القطاعات الزراعية، والتوسع الحضري المفرط، والتغييرات الكاسحة في وسائل الإعلام والاتصالات مثل التلفزيون عبر الأقمار الصناعية والإنترنت. تشير "الصدمة الثقافية" والمشاكل السياسية الناجمة عن هذه التطورات إلى فترة طويلة من عدم الاستقرار بسبب محاولة العديد من الناس في الشرق الأوسط اللجوء الأمن الذي يوفّره الدين وإلى إعادة بعث الثقافة العربية. في نفس الوقت، تتجمع التأثيرات الناجمة عن الاستعمار التركي والغربي، والتوتر المذهبي، والنزاع العربي - الإسرائيلي، والعداء تجاه مادية الغرب التي لا يمكن تحمل كلفتها فينتج عنها جميعها عداء تجاه الولايات المتحدة وأوروبا. وتتأثر هذه المشاكل بالضغوط الاقتصادية والديموغرافية الأساسية. كان التطور الاقتصادي الإقليمي ضعيفاً منذ انتهاء فترة الازدهار النفطي في أواخر السبعينات من القرن العشرين. فقد أظهر تقرير البنك الدولي حول التطور الاقتصادي العالمي للعام 2003 أن نمو الدخل الفردي بالأسعار الثابتة هبط من 3.6 بالمئة خلال الأعوام 1971-1980 إلى 0.6 بالمئة خلال الأعوام 1981 - 1990، وسجل ارتفاعاً قدره 1 بالمئة فقط خلال الأعوام 1991 - 2000 وهذا يعكس دخلاً جامداً دام طوال مدة تبلغ عشرين عاماً في منطقة تعاني من ضعف كبير في عدالة توزيع الدخل. تملك بعض الدول، كالكويت، وقطر، والإمارات العربية المتحدة ثروة نفطية وغازية كبيرة بالنسبة للفرد بحيث تستطيع ان تجد طريق الخلاص من أخطائها بالمال إلى ما لا نهاية. لكن معظم دول الشرق الأوسط تعاني بحدة من سوء الإدارة الاقتصادية والسيطرة المفرطة للدولة على الاقتصاد. بدأ تنفيذ إصلاحات اقتصادية بنيوية في الجزائر، والمغرب، وتونس، ومصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية، ولبنان، والبحرين، لكن هذه الإصلاحات تبقى غير ثابتة إلى حد كبير كما لم يتطور أي إصلاح إلى النقطة التي يتوفر له فيها الاحتمال الجدي بالنجاح. تملك الدول الأخرى في الشرق الأوسط احتمالات عير مؤكدة بالازدهار على المدى القريب إلى المتوسط، وهذا صحيح أيضا بالنسبة لمعظم الدول المصدرة للنفط. فمثلاً، شهدت المملكة العربية السعودية على امتداد عقد عجزاً في موازنتها العامة وأصبحت ثروتها النفطية هامشية بصورة متزايدة مع نمو السكان بمعدل أسرع من نمو اقتصادها. وقد شلت الحرب المتواصلة الاقتصادين الإسرائيلي والفلسطيني. كما تعاني كل من مصر، والأردن، ولبنان، وسوريا من مشاكل اقتصادية وديموغرافية خطيرة ويبقى الاقتصاد العراقي ضعيفاً وعرضة لمواجهة صدمات في المستقبل. الاقتصاد الإيراني واقع في أزمة خطيرة تضاعف خطورتها نزاعات عقائدية عميقة. والنتيجة النهائية هي ان هذا الخليط المكوَّن من مداخيل نفطية، ومعدلات نمو سكاني عالية، والتخلف في تحديث وتنويع الاقتصاد بمجمله تهدد بتحويل الثروة النفطية السابقة للدول المصدرة إلى فقر نفطي. تتضاعف هذه الضغوط الاقتصادية بفعل مشاكل ديموغرافية رئيسية. ازداد العدد الإجمالي للسكان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من 78.6 مليون نسمة في العام 1950 إلى 307.1 مليون نسمة في العام 2000، وتتوقع التقديرات المحافظة ازدياد هذا العدد إلى 376.2 مليون نسمة في العام 2010، والى 522.3 مليون نسمة في العام 2030، والى 656.3 مليون نسمة في العام 2050. سوف تستهلك هذه الزيادة مصادر المياه الطبيعية، وترغمها على التبعية الدائمة للمستوردات، وترفع عدد السكان الشباب في سن العمل (15 إلى 30 سنة) من 20.5 مليون في العام 1950 إلى 145.2 مليون في العام 2050. وحيث تزيد نسبة سكان المنطقة من فئة العمر 14 سنة أو أصغر عن 40 بالمئة في الوقت الحاضر، سوف تحصل موجة قوسية من الإجهاد في المستقبل على الأنظمة الاجتماعية، والإقليمية، والسياسية، والاقتصادية. يضاف إلى هذا، أن الكيانات السياسية تبقى هشة واستبدادية بدرجة كبيرة بغض النظر عن البنية الرسمية لنظام الحكم. بعبارات أوضح لم تتمكن أي دولة في المنطقة من خلق ثقافة سياسية مدنية تؤمن تعددية فعالة. ازداد الاضطراب الاجتماعي حدة بسبب عدد سكان المنطقة من جيل صغار السن جداً؛ ومن الأنظمة التعليمية المزدحمة وتجاوزها الزمن، وتخلّف سوق العمل عن إيجاد فرص عمل للعديد من الشباب الذين ينضمون إلى صفوف القوى العاملة. تخلق الهجرة مصدراً آخر للاضطراب الاجتماعي كما تخلق الحواجز الدينية، والثقافية، ومسألة توظيف المرأة مشاكل أخرى أكبر من حيث الإنتاجية والقدرة على التنافس مع المناطق المتقدمة في العالم. هل العام 2004 هو عام حلف الأطلسي والشرق الأوسط الكبير؟ * العراق - بغض النظر عن طريق نشوء وتبرير الحرب في العراق لا تستطيع الدول الأوروبية الآن التنحي جانباً والسماح بسهولة بفشل التحالف الأميركي البريطاني. في نفس الوقت فإن مشاكل العراق سياسية واقتصادية بقدر ما هي عسكرية ومن غير الواضح تماماً ما قد تعنيه أي مهمة يقوم بها الحلف الأطلسي. من المحتمل ببساطة ان لا يصبح العراق مستقراً وقابلاً بدرجة كافية لتطبيق دور أميركي/ أوروبي من النوع الذي تتصوره الولايات المتحدة. فإذا كان العراق يريد دوراً قيادياً للولايات المتحدة استشارياً وتعليمياً، فهذه مسألة تختلف بالكامل. وقد يكون العراق قليل التسامح تجاه وجود قوات للحلف الأطلسي أو وجود أوروبي رئيسي، إلاّ إذا استطاع ان يستغل هذا الوجود ضد الولايات المتحدة. من المحتمل جداً ان تهزم الولايات المتحدة المتمردين، ولكن ان لم تنجح فقد تطلب من حلف الأطلسي، وبالأخص الدول الأوروبية في الحلف الأطلسي، ان تقوم بمهمة أمنية غير محددة تشمل الدخول في معارك حقيقية. أظهرت الفرقة المتعددة الجنسيات ان بإمكان مزيج متنوع من القوات البولونية، والإسبانية، والأوكرانية، وقوات أخرى ان يعمل جيداً في مهمة حفظ السلام في منطقة مستقرة نسبياً بالاستعانة بقدرات الحلف الأطلسي. أما قيام نزاع وإرهاب بوتيرة منخفضة ومستديمة، فهذا شأن آخر من غير الواضح أيضاً، حتى ولو اعتبر عدد من وزارات الدفاع الأوروبية هذه المهمة مرغوبة، ما إذا كانت تلك الدول قادرة على تأمين الدعم السياسي المطلوب للقيام بهذه المهمة. تتحدث الولايات المتحدة حول إبراز جدي للقوات الأوروبية وتطرح المباحثات التي جرت حتى هذا التاريخ بين الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي شكوكاً جدية حول مدى الفهم الجيد لأي دولة أوروبية باستثناء بريطانيا لاكلاف وصعوبات نشر إعداد كبيرة من القوات عبر مسافات بعيدة. إن إعطاء مثل هذه المهمة إلى الحلف الأطلسي يتحدى بصورة غير مباشرة، على الأقل، السياسات الفرنسية والألمانية حيال العراق، ويعني التزاماً رئيسياً للحلف مقابل مصالح أخرى. والدور الألماني أو الفرنسي الكبير يعني أيضاً حلول وسط أميركية رئيسية مهمة. ان طول مدة المهمة اللازمة في العراق وأفغانستان سوف تشكل قضية. من السهل الدخول في مثل هذه الأدوار. لكن الواقع يشير إلى انقضاء السنة الخامسة على وجود قوات حفظ السلام في كوسوفو، وانقضاء السنة الثامنة على وجودها في البوسنة، وان الخروج من هاتين المنطقتين أصعب بكثير من دخولهما. سوف تصبح المسائل الاقتصادية والنفطية في العراق اكثر أهمية باضطراد خلال العام 2004، كما سوف تزداد أهمية المسائل المتعلقة بمن يُعطى ويدير ماذا بالنسبة للمساعدات، وإلغاء الديون، والإصلاحات. * أفغانستان - تلعب أوروبا وحلف الأطلسي دوراً رئيسياً في أفغانستان. أظهرت المانيا، بشكل خاص قيادتها في التعامل مع المشاكل الاقتصادية والسياسية في أفغانستان. لكن لازالت هناك المسائل العملية التالية: باستثناء التقدم في تشكيل اللويا جيرغا (البرلمان)، سوف تبقى تحديات تحويل "كابولستان" إلى أفغانستان خطيرة وتشمل مجموعة من التحديات السياسية والاقتصادية على المستوى القومي، إضافةً إلى تحديات عسكرية أيضاً. تطرح عملية بناء هذه الدولة مشاكل اكبر بالنسبة للاكلاف والموارد. بالإضافة إلى ذلك، من غير الواضح ببساطة وجود خطة عملية يمكنها ان تتخطى الانقسامات الداخلية في أفغانستان، وضعف حكومتها المركزية، ومشاكل التنمية الاقتصادية الخطيرة التي تواجهها. تمتد مشكلة الأمن إلى عمق باكستان ويقودها بشدة متطرفون إسلاميون باكستانيون، وتنظيم القاعدة، وحركات سلفية جديدة. يجب تحديد دور الحلف الأطلسي في التعامل مع هذه المسائل التي قد تشكل عدداً من التحديات بقدر التحديات القائمة في أفغانستان. بصورة عامة اكثر، من غير الواضح ببساطة أين تتوقف حدود الشرق الأوسط الكبير. فإذا كان سيضم أفغانستان والعراق، فيمكنه ان يضم أيضاً باكستان، ومنطقة بحر قزوين، وآسيا الوسطى، ومن خلال ذلك سوف يزداد خطر بروز توترات واختلافات جديدة حول قضايا معينة. تقع أفغانستان في الحديقة الخلفية لروسيا وتؤثر على المصالح الأمنية الروسية. وما لم يكن لروسيا دور واضح هناك، فقد تجد في احتمال وجود قوات رئيسية للحلف الأطلسي مسألة غير مستحبة. كما انه من غير الواضح ما إذا كان من الممكن فك ارتباط هذه القوات بالكامل عن الحركات الإسلامية المتطرفة التي تعمل في بقية مناطق آسيا الوسطى. وكذلك سوف تكون الصين وإيران مهتمتين وجديرتين بالاهتمام أيضاً بلعب دور هناك. * التحدي العربي والإسرائيلي - تمثل عملية إحلال السلام بين العرب وإسرائيل تحديا إقليميا بنفس الخطورة. لا تستقطب أي قضية اهتمام العالمين العربي والإسلامي اكثر من النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. يتوجه مظهر العداء لهذا الواقع درجة كبيرة ضد الولايات المتحدة وليس ضد الغرب بوجه عام، نظراً لأن الحكومات الأوربية والرأي العام الأوروبي ينتقدون إسرائيل اكثر مما ينتقدها أي حزب سياسي في الولايات المتحدة أو الشعب الأميركي. ظهرت خارطة الطريق على أنها تقدم طريقاً للخروج بحل وسط قد يتوحد الغرب حوله، لكنها بقيت مجمدة. لدى إسرائيل والفلسطينيين الآن زعامتان فاشلتان وهيكليات سياسية عاجزة عن التقدم نحو سلام حقيقي. ومن المحتمل جداً ان يكون لهما شعبان مخذولان حيث الأغلبية لدى كلا الطرفين غاضبة جداً وتخشى التسوية أو لا تريد النظر إلى الحاجات الشرعية للطرف الآخر بعين الاعتبار. من الممكن ان يدفع المزيج المؤلف من السور الأمني الإسرائيلي، والمستوطنات الإسرائيلية، والإرهاب الفلسطيني إسرائيل إلى اتخاذ خطوات تجعل إقامة دولة فلسطينية ذات معنى أمرا مستحيلاً، هذا إذا لم تكن قد أنتجت ذلك فعلاً ديموغرافيات واقتصاديات غزة والضفة الغربية. ومن المؤكد ان عدم قدرة الولايات المتحدة وأوروبا على الاتفاق حول تفاصيل حدود إسرائيل، ومسائل مثل وضع مدينة القدس عند رسم خريطة الطريق، لن تشكل تحدياً اكثر سهولة في المستقبل. * يطرح هذا الوضع الأسئلة التالية: هل يمكن فك ارتباط دور الحلف الأطلسي/أوروبا في العراق وأفغانستان عن قضية السلام بين العرب وإسرائيل؟ من المرجح ان يكون ذلك ممكناً في نظر الأميركي،ن ولكن ليس في نظر الأوروبيين، وربما ليس أيضا في نظر الشعوب العربية والإسلامية من حيث العداء تجاه المهمات المرتبطة بالولايات المتحدة. قد يكون الخيار الأفضل لعملية صنع السلام ان تتولى دور الزعامة بريطانيا ودول أوروبية أخرى، تستطيع الولايات المتحدة الوثوق بها بالنسبة لحساسيتها الكاملة تجاه الاهتمامات الإسرائيلية. هل يستطيع حلف الأطلسي إهمال الحاجة المحتملة لبعثة مشتركة لحفظ السلام تتعامل مع الأزمة العربية - الإسرائيلية؟ لم تصبح الحرب حتى الآن بالدرجة الوحشية والمستنزفة للقوة بدرجة تكفي لقبول القيادات السياسية والرأي العام لدى أي من الطرفين بالسلام بسبب الإجهاد المطلق، بعد ان ظل سلام الثقة غير ممكن لفترة طويلة. وكلما ازدادت سوءاً احتمالات السلام القائم على الثقة كلما كان من الضروري إيجاد شكل ما لدور عسكري خارجي. فالتوصل إلى اتفاق حول هذا الأمر داخل حلف الأطلسي لن يكون سهلاً على الإطلاق، ولكن يجب من كل بد تقريباً ربط أي جهد عسكري بجهود المساعدات الاقتصادية المكلفة والطويلة الأجل. * إيران - من المحتمل ان تنضم أوروبا إلى الولايات المتحدة في السعي لوقف انتشار الأسلحة النووية الإيرانية، ولكنها لا ترى إيران كجزء من محور الشر. ففي حين سعت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على إيران سعت أوروبا إلى فتح حوار، وإجراء مبادلات ثقافية وإقامة روابط اقتصادية. وهذه مقاربة تبدو أكثر نجاحاً ومن المحتمل اكثر ان توفر للقوى المعتدلة في إيران النفوذ والقوة. قد تميل إدارة بوش إلى الابتعاد عن فرض عقوبات والى ممارسة سياسة الاحتواء، ولكن على أي سياسة أمنية موحدة تجاه الشرق الأوسط الكبير ان تتعامل مع المسألة الإيرانية. * الحرب على الإرهاب - لم تتطرق أي من المناقشات السابقة بعمق إلى ضرورة التعامل مع المشكلة الأوسع للإرهاب الإسلامي، والحاجة إلى تطوير أساليب متكاملة بصورة افضل وفعالية اكثر لمواجهة الإرهاب وضمان الأمن الداخلي. تحصل حالياً تحسينات مهمة بطرق عديدة. حصل تبادل افضل مما سبق بكثير للمعلومات الاستخبارية والتعاون بين الدول، وحوار أفضل حول الأمن الداخلي وتعاون أفضل داخل منظمة الأنتربول. يسعى الحلف الأطلسي الآن ليكون مركز مقاصة للاستخبارات القومية المختلفة لتحليلها. ان الحاجة لمواصلة الاستناد إلى هذا التقدم والزخم أمر حيوي، ولكن ذلك يطرح مسائل حول مستوى وقدرة الاتفاق على سياسات مشتركة بقدر ما تطرحه البعثة الأمنية العسكرية. * الصدام بين الحضارات مقابل الصدام داخل حضارة واحدة - وأخيراً تبقى مخفية بعيداً عن كافة هذه القضايا الأمنية والدبلوماسية المسألة العريضة المرتبطة بكيفية تعامل الغرب مع النزاعات والتوترات داخل العالمين العربي والإسلامي، وبالأخص التحدي الذي يطرحه التطرف الإسلامي على الاستقرار والأنظمة السياسية للدول في المنطقة، وبالتالي للدول الأخرى. تتضاعف المشاكل في المقاربات الغربية تجاه مشروع الشرق الأوسط الكبير بسبب غياب فهم حقيقي للإسلام، ولإيران والعالم العربي، وأحيانا بسبب التحيّز العرقي والثقافي المكشوف أو المستتر. بالنسبة للولايات المتحدة، تضيف الروابط مع إسرائيل وصدمة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر إلى حالات إساءة الفهم هذه. في أوروبا تتأثر المشكلة بالهجوم على أسبانيا في شهر آذار /مارس الماضي، وبالتهديد بعمليات إرهابية في المستقبل، كما بالصدمة الاقتصادية والثقافية الناجمة عن الهجرة الشرعية وغير الشرعية، وذلك على الرغم من كون النسيج الديموغرافي الأوروبي يرغم أوروبا بالفعل على الاعتماد على هجرة الأيدي العاملة من العالمين العربي والإسلامي، وحتى ما بعد الجيل القادم بكثير. لكن، إذا وضعنا آراء هنتنغتون جانباً (صموئيل هانتنغتون، مؤلف كتاب "صدام الحضارات")، تتمثل المشكلة الحقيقية ليس "بصدام حضارات" بين الغرب والعالم العربي/الإسلامي بل بالصدام داخل العالم العربي/ الإسلامي. فالمشكلة الحقيقية هي ما إذا كان هذا العالم يستطيع ان يتعامل مع الضغوطات السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والديموغرافية الخاصة به من خلال تطبيق الإصلاح وتحقيق التطور، أم إذا كان سيواجه فترة طويلة من العنف والثورة. وهناك أيضاً التساؤل حول ما إذا كانت الجزائر، وإيران تجسدان ما سوف يأتي بالتطرف الإسلامي إلى المنطقة. من المحتمل جداً ان تكون القوى التي تعمل داخل العالم العربي/الإسلامي كبيرة وتملك الكثير من الزخم بحيث لا تؤدي جهود الغرب في دعم التطور والإصلاح إلاّ إلى تأثير هامشي، كما حصل في الماضي. جرت حوارات عديدة، وقُدمت بعض المساعدات الاقتصادية، وحصلت مبيعات هائلة من الأسلحة المهدورة ولم يتحقق إلاّ تقدم ضئيل. ويصح هذا القول بالنسبة لجهود المساعدات الأمنية والعسكرية. لم تثمر حوالي عشر سنوات من الحوار المتوسطي داخل الحلف الأطلسي أي نتيجة فعلية حتى الآن باستثناء الحوار. لذلك قد يكون مفيداً ترسيخ علاقة ذات معنى أكثر في هذا المجال. * الخلاصة لا يستطيع الغرب ان يأمل بالتعامل مع مشاكل عدم الاستقرار، والعنف والإرهاب في العالم العربي/الإسلامي ما لم يُجري محاولة حقيقية للتعامل مع أسبابه الأساسية. كما عليه ان يطور شراكة أيديولوجية مع الأنظمة السياسية المعتدلة، ومع المثقفين العرب والإسلاميين إذا كان يريد ان تتوفر له أي فرصة لدحر الإيديولوجية العدائية. تطرقت إدارة بوش إلى كافة هذه المسائل في دعوتها لتطبيق الديموقراطية في العالم العربي، كما تطرقت إليها دعوات أوروبية مشابهة للإصلاح، ولكن لا يوجد حتى الآن دليل على أن أي كان يقوم فعلاً بتشكيل السياسات الدقيقة والعملية المطلوبة لتلبية الحاجات المختلفة جداً لكل من الدول العربية والدول الإسلامية. كيف يمكن ان تصبح أنظمة حكم لا توجد فيها أحزاب سياسية حقيقية، أو لا تملك خبرة بالتعددية، ديموقراطيات حقيقية ومستقرة؟ كيف ستحل أنظمة الحكم هذه الحاجة إلى حكم للقانون يتوافق مع حقوق الإنسان في ثقافات سياسية علمانية؟. وما يتوجب القيام به للتعامل مع مشاكل الديموغرافيا والحاجة إلى إصلاحات اقتصادية رئيسية؟ بدت بصورة عامة الجهود الجارية، عن قصد أو غير قصد، في نظر سكان المنطقة على أنها دعوات لتغيير النظام ليكون مؤيداً للولايات المتحدة، وليس دعوات لدعم الإصلاح العملي الحقيقي. إذا تعامل الغرب فقط مع قضية الشرق الأوسط الكبير وفق مفاهيم أمن حلف الأطلسي فإن أفضل ما يستطيع ان يأمله هو مزيج مكون من الاحتواء، والإرهاب المستمر، والحرب بين الحين والحين. بغية القضاء على الإرهاب، أو تحقيق أمن الطاقة، يجب معالجة الأسباب الأساسية للمشاكل في المنطقة بطريقة شاملة وعملية كما تتم معالجة أية مهمة عسكرية. تاريخ النشر:
17 ايلول/سبتمبر 2004 آخر تحديث:
|
||
|
استخدام الصفحة:
|
|
||||||||||||||||||