العراق: من الخوف إلى الحريةبناء مستقبل للعراقيين يتعلم طلاب المدارس الاميركيون أن الحضارة البشرية بدأت في بلاد ما بين النهرين، حيث ابتدأ الناس لأول مرة بزراعة الأرض والعيش وفقاً لقواعد وقوانين مدونّة. العراقيون شعب موهوب وعظيم، يملك ثقافة قديمة. ومثلهم مثل أي شعب آخر في العالم، فهم يستحقون التحرر من الطغيان. تسعى الولايات المتحدة في الأمد الطويل، وبالعمل مع المجتمع الدولي، إلى تشكيل حكومة ديمقراطية ذات قاعدة تمثيلية واسعة في العراق. سوف يكون عراق المستقبل دولة متحدة- وموحدة- لها حكومة تنبذ الإرهاب وتتخلى عن أسلحة الدمار الشامل، وتحترم القوانين والمعايير الدولية، وتمنح حرية التعبير لجميع المجموعات الدينية والاثنية، وتلتزم بحكم القانون، وتصبح مثالاً للسلام والتسامح للمنطقة بأجمعها.
حسب قول زالماي خليلزاد، كبير مستشاري الرئيس بوش حول شؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا: "سوف تكون مهمتنا في العراق موجهة لخدمة مصالح وآمال الشعب العراقي." وخلال فترة تحول العراق من ديكتاتورية إلى ديمقراطية، ستقوم الولايات المتحدة بتوفير الموارد الضرورية لتلبية أي حاجات إنسانية فورية، وسوف تحافظ على وحدة الأراضي العراقية، وتستثمر في عمليات إعادة الاعمار لوضع العراق في مسار يؤدي إلى ازدهار اقتصادي أعظم. كما أن عراقا حرا سوف يجد نفسه في بيئة دولية متحولة. وكما تمّ إيجازه في كتاب جديد نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط بعنوان كيف يُينى عراق جديد، فإن تغيير النظام في بغداد سوف يوفر للمجتمع الدولي فرصة العمل الجماعي لدمل جراح السنوات الإحدى عشرة الماضية، ولمساعدة العراقيين في إعادة بناء حياتهم السياسية والاجتماعية لفائدة جميع المواطنين العراقيين، اليوم وفي العقود الآتية. سوف يكون العراق الجديد شريكاً مُرحباً به في الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومنظمة الدول الإسلامية، وفي منظمات التنمية الاقتصادية، وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني التواقة لرؤية العراق يتقدم.
من اجل مساعدة الشعب العراقي في الإعداد للتحول إلى عراق حر، دعمت الولايات المتحدة تشكيل عدد من مجموعات العمل العراقية التي تعرف باسم مشروع مستقبل العراق وقد ضمت هذه المجموعات سوية عراقيين أحرار – من الذين يعيشون خارج البلاد وفي شمال العراق ممن تحميهم قوات التحالف. يقدم مشروع مستقبل العراق إلى هؤلاء فرصة مناقشة وتخطيط قضايا التحول، بدءا بالمبادئ والممارسات الديمقراطية وحكم القانون، وصولاً إلى شؤون الاقتصاد، والنفط والطاقة، والصحة والتعليم.
وكما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية في مؤتمر عقد في حزيران/يونيو، 2002: "ان دور حكومة الولايات المتحدة هو معرفة ما يريده العراقيون والاميركيون العراقيون. يجب ان يصدر الدافع للتغيير عنكم وليس عناّ. هذه هي وظيفة العراقيين داخل وخارج (العراق)." جمع لقاء عقد في واشنطن في تموز/يوليو 2002، حول العدالة الانتقالية في العراق، عدداً من رجال القانون العراقيين، والاميركيين العراقيين، والخبراء الدوليين لوضع خطط لاستعادة العدالة، وإقامة حكم القانون في عراق ما بعد صدام. يستحق العراقيون فرصة تقرير ما هي القوانين ودوائر الشرطة اللازمة لسلامتهم العامة. لقد انشأ صدام جهاز الأمن الذي يبغضه الشعب العراقي والذي يضم اكثر من 400 ألف عميل، لحمايته وحماية نظامه ولا مكان لهذا الجهاز في عراق المستقبل.
اجتمعت مجموعة المبادئ والممارسات الديمقراطية خارج لندن في أيلول/سبتمبر وفي تشرين الأول/أكتوبر، 2002. أكد عدد وتنوع الأحزاب والمنظمات الممثلة في الاجتماعين الالتزام بالديمقراطية والتعددية الحزبية. كان بين أعضاء المجموعة ممثلون عن المؤتمر الوطني العراقي، والجبهة الوطنية العراقية وحركة الوفاق الوطني العراقي، والاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والحركة الدستورية الملكية، والجبهة التركمانية العراقية، والحركة الوطنية العراقية، وتحالف القبائل العراقية، والتجمع العراقي للديمقراطية، والائتلاف الوطني العراقي، وممثلون عن الآشوريين. يناقش خبراء عراقيون أيضاً العناصر الأساسية لإنشاء نظام اقتصادي قوي ومحترم في العراق. سوف تكون الاحتمالات الاقتصادية لحقبة ما بعد صدام منطوية على الوعد والتحدي في الآن ذاته. يقول الاقتصادي باتريك كلوسون انه إذا تمكن العراق من زيادة إنتاجه النفطي إلى 6 ملايين برميل في اليوم على الأقل خلال العقد الأول بعد اطاحة صدام، فإنه يستطيع أن يحقق إيرادا يبلغ 33 بليون دولار سنوياً، حتى في ظل سعر منخفض يبلغ 15 دولاراً للبرميل. يقول زالماي خليلزاد: "إن الولايات المتحدة ملتزمة ضمان استخدام العراق ثروته النفطية لتلبية الحاجات الاقتصادية ومستلزمات إعادة الاعمار للشعب العراقي." لن يستفيد أحد من حرمان عراق مسالم ومسؤول عن موارده الطبيعية. ففي الواقع، ان الاستقرار، وليس نفط العراق هو المفتاح المؤدي إلى قيام اقتصادات سليمة في جميع القارات. شـمال العـراق في رده على الكارثة الإنسانية التي جاءت بها الهجمات العسكرية العراقية في آذار/مارس ونيسان/إبريل 1991، أنشأ التحالف الدولي منطقة حظر جوي وملاذاً آمناً شمال خط العرض 36 درجة يحرم فيه دخول جميع المعدات العسكرية وممارسة جميع النشاطات الحربية في أي مكان من المنطقة. تفرض الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى قرار الحظر الجوي والملاذ الآمن في الشمال (كما تفرضان أيضا قرار الحظر الجوي في جنوب العراق لحماية السكان الشيعة الذين يشكلون الغالبية في هذه المنطقة). تحت مظلة الطائرات الحربية الأميركية والبريطانية وفي الملاذ الآمن في شمال العراق، انشأ حزبان كرديان هما الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني سلطات حكم ذاتي تتميز بمستويات من الحرية الفردية والمشاركة المدنية وحكم القانون لم تعرفها المنطقة في السابق. تستطيع هذه المجتمعات، رغم عدم خلوها من النزاعات والضائفة الاقتصادية، أن تكون بشيراً للفوائد التي يمكن أن توفرها الحرية إلى كامل العراق في حقبة ما بعد صدام. يقول جون بيرنز، مراسل صحيفة نيويورك تايمز، الذي جال على شمال العراق إن أحزاب المعارضة، والصحف المستقلة ومحطات التلفزيون الفضائية، تزدهر هناك. ويقول: "كل هذه الأمور محظورة أو ممنوعة في عراق صدام حسين." وما هو غائب عن هذه المنطقة لا يقل أهمية عن هذا، وهو مباني الشرطة السرية. وحسب قول بيرنز، فإن مراكز الشرطة هذه التي كانت تستخدم للتعذيب والإعدام تحت حكم صدام، باتت "مهجورة الآن، أو تم تحويلها إلى استعمالات غير مؤذية." وصف برهام صالح رئيس حكومة المنطقة الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني هذا التحول في مقابلة اجرتها معه الصحفية النيويوركية، اسلا ايدنتاسباس، لمجلة صالون الإنترنتية:
يلاحظ صالح بفخر أن المنطقة التي كانت توجد فيها جامعة واحدة و804 مدارس في سنة 1990، أصبح لديها الآن ثلاث جامعات وأكثر من 2700 مدرسة. يبلغ العدد الإجمالي للطلاب المسجلين في الجامعات الثلاث، السليمانية وصلاح الدين ودهوك، أكثر من 15 الف طالب ليسوا جميعهم من الأكراد بل من إثنيات متنوعة، تشمل التركمان، والآشوريين، والعرب الذين اختاروا الهرب من اضطهاد صدام. تزايد عدد الأطباء الى أكثر من الضعف. وبينما يحمّل النظام العراقي العقوبات الاقتصادية الدولية المسؤولية عن زيادات معدلات وفيات الأطفال، فإن معدلات وفيات الأطفال في شمال العراق، الذي يخضع للعقوبات الاقتصادية ذاتها، انخفضت بدرجة كبيرة.
يلاحظ مايكل روبين، وهو عالم اميركي، كان قد سافر الى شمال العراق ودرّس فيه من أيلول/سبتمبر 2000 إلى حزيران /يونيو 2001، حصول ازدهار تجاري واقتصادي أيضا. وقال في مقابلة أجرتها معه وزارة الخارجية،" لقد أعيد بناء معظم القرى وبدلاً من ذهاب سكان شمال العراق إلى بغداد للتسوق فقد أصبح عكس ذلك يحدث الآن". ويشير أيضاً إلى أن مركز التسوق والجامعة في دهوك قد بنيا مكان قاعدة عسكرية سابقة لحزب البعث. ويقول روبين: "ان ما قاموا بعمله في الشمال، هو فقط الاستيلاء على ارض في موقع مميز كان يستخدمها الجيش العراقي فقط وإعطائها إلى الشعب لشيء يمكنهم الاستفادة منه. وصح هذا القول أيضا في السليمانية، حيث بنيت حديقة عامة فسيحة أطلق عليها اسم ازادي بارك (حديقة الحرية) مكان قاعدة عسكرية كان يشغلها الحرس الجمهوري تقع في وسط المدينة." يشير روبين إلى تباين دراماتيكي آخر بين عراق صدام والشمال: قيام حكم القانون والقضاء المستقل الآخذين في الترسخ في الشمال. ومن اللافت أن هذه التطورات لم تعن التخلي عن قواعد القوانين القديمة أو كتابة قوانين جديدة. ويقول روبين: "برزت هذه التطورات ليس من خلال تشريع قانون كردي جديد. فالمحاكم لا زالت تستند في أحكامها إلى القانون العراقي السائد. انهم يتبعون الدستور العراقي."
التراث والمجتمع المدني رغم ذلك، يحمل المجتمع العراقي والشعب العراقي معه بعض المصادر الرائعة للقوة لمواجهة هذا التحدي. تورد المديرة التنفيذية للمؤسسة العراقية في واشنطن، العاصمة، رند رحيم فرانك، لائحة مثيرة للاعجاب من عناصر القوة التي يوفرها التاريخ والتراث العراقيان والتي يمكن استخدامها لبناء دولة جديدة. تشير هذه العناصر أولاً إلى أن العراق كان دائماً يتمتع بأحد أعلى معدلات القراءة والكتابة في العالم العربي، سوية مع أحد أعلى النسب من خريجي الجامعات. وثانيا، كانت هناك في العراق ولمدة طويلة طبقة متوسطة ونشطة وكبيرة الحجم نسبيا، مقترنة بتقليد قوي من الخدمة العامة والمؤسسات الحكومية الفعالة. تقول رند إنه على امتداد العقدين الأخيرين، "اختار صدام متعمداً التشديد على الاختلافات بين المجتمعات الأهلية لفصلها عن بعضها البعض. علينا أن نعكس هذا الاتجاه وان نستعيد بناء التسامح والعلاقات الأخوية بين المجتمعات الأهلية." ودلالة على علامات روح البحث لدى العراقيين، تشير رند رحيم فرانك إلى الزيادة المفاجئة في درجة اهتمامهم بالتاريخ العراقي لاستعادة الشعور القديم العهد والأكثر ثباتاً بالهوية والثقافة الوطنية. "لا تستطيع أن تتصور كم من العراقيين يكتبون حالياً حول تاريخهم – ليس تاريخ صدام – بل لاستعادة تاريخهم الخاص السابق." وهي تطرح كمثال على ذلك، ثورة عام 1920 ضد السيطرة الأجنبية، عندما ثار رجال الدين والمثقفون الشيعة ضد الانتداب البريطاني ثم مدوا يدهم نحو المؤسسة السنية. أنهت ثورة عام 1920 الحكم الأجنبي وأدت إلى إقامة نظام ملكي عراقي. وتضيف قائلة: "بدأ الناس الآن يعقدون المقارنات بين ثورتي عام 1920 وعام 1991. وينمو الآن وعي تاريخي لدى الشعب العراقي، واعتقد أنه يشكل مصدر قوة هائلة." تقول رند رحيم فرانك ان العراق، بمجتمعاته الأهلية الاثنية والدينية المتنوعة، هو في أساسه مجتمع متعدد، وان بناء مفهوم حكم المجتمع المدني وممارسته سوف يكونان حاسمين لنجاح دولة ما بعد صدام. وتضيف: "علينا أن نحتفي بالتعددية، بدلاً من أن نقمعها أو ننكرها." رند رحيم فرانك ليست الوحيدة في هذا الرأي. فقد تم تصميم هيكلية شبكة مشروع عراق المستقبل بحيث يستفيد المشروع من الثقافة والخبرة المثيرة للاعجاب للمجتمع العراقي الموجود خارج الوطن. يقول أحد الخبراء الاميركيين: "لقد وصل العديدون منهم إلى مراكز مهمة في دول أخرى، فهم الآن رؤساء شركات، وأطباء، ومحامون، وعلماء، ومؤلفون، وخبراء في حقوق الإنسان." علاوة على هذا، سوف يعرف مجتمع العراقيين الأحرار افضل الطرق للاستفادة من معرفة وقدرات الخبراء والموظفين الحكوميين من المستوى المتوسط، ومن غير المسؤولين عن جرائم النظام، اذ أنهم يشكلون موردا لا يقدر بثمن لاعادة إحياء المجتمع المدني- والمتمدن – في العراق الحر في المستقبل. ينتظر أربعة ملايين مبعد عراقي فرصة رؤية الشمس تشرق فوق ارض آبائهم وأمهاتهم من جديد. وكما لاحظت الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط، ايلين ليبسون، في الكتاب الذي نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط تحت عنوان "كيف نبني العراق الجديد"، فإن إعادة توحيد، حتى ولو نسبة متواضعة، من هؤلاء المبعدين، قد يكون لها تأثير واسع النطاق على المرحلة الانتقالية ما بعد صدام، لأنهم سيعودون ومعهم ليس فقط موارد مالية بل أيضاً أفكار التسامح والانفتاح السياسي التي اكتسبوها في الخارج. التحرر من الخوف
ولكن بعد زوال نظامه، سوف تتوفر للشعب العراقي فرصة لاستعادة بلدهم وبناء مؤسسات الديمقراطية والازدهار والتي لا يجرؤون حتى التفكير بها تحت ظل القمع الساحق لصدام حسين. صدام حسين هو جلاد شعبه، وتهديد لجيرانه، وخطر يهدد السلام والاستقرار الدولي. إن إزالته لن تؤدي فقط إلى القضاء على الخطر المحدق المتعاظم الذي يهدد المنطقة والعالم فحسب، بل إنه سيسمح كذلك من جديد للشعب العراقي بصوغ مستقبله بحرية تامة ودون خوف. سوف تدعم الولايات المتحدة الشعب العراقي في هذه الجهود. قالت مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس في مقابلة اجرتها مع صحيفة الفاينانشال تايمز في أيلول/سبتمبر 2002 إن الولايات المتحدة سوف "تكرس كل جهودها" لإعادة بناء العراق كدولة موحدة، ديمقراطية بعد رحيل صدام حسين. قال الرئيس بوش في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2002:
قبل عقدين من الزمن، توقف فعلياً تاريخ العراق واصبح مجرد قصة رجل واحد يسعى بوحشية إلى السلطة. ولكن الشعب العراقي يستطيع الآن التطلع قدماً إلى زمن يصبح فيه قادراً على تجديد حكايته الوطنية واستعادة هوية مواطنيه - في دولة حرة وكشعب حر. |
|
يشرف على هذا الموقع مكتب برامج الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الاميركية. إن الآراء المتضمنة في المواقع المرتبطة بهذا الموقع وغير التابعة للحكومة الاميركية، لا تعكس بالضرورة آراء وزارة الخارجية. زوروا موقعنا الرئيسي واطلعوا على مزيد من المعلومات والأبواب المفصلة باللغة الإنكليزية: IIP Home Page |
|
|