عندما وضع مؤسسو الجمهورية الأميركية دستور الولايات المتحدة في العام 1787، لم يتصوروا دوراً للأحزاب السياسية في النظام الحكومي. وفي الحقيقة، فإنهم سعوا من خلال ترتيبات دستورية متنوعة، مثل فصل السلطات، والضوابط والتوازنات، والنظام الفدرالي، والانتخاب غير المباشر لرئيس الجمهورية من قبل هيئة انتخابية، إلى عزل الجمهورية الجديدة عن الأحزاب والفئات السياسية.
وعلى الرغم من نوايا المؤسسين، أصبحت الولايات المتحدة الأميركية في العام 1800 أول دولة تطور أحزاباً منظمة على الصعيد القومي وتنقل السلطة التنفيذية من حزب إلى آخر عن طريق الانتخابات.
ظهور وانتشار الأحزاب السياسية
إن تطور الأحزاب السياسية كان مرتبطا ارتباطا وثيقا باتساع حق الاقتراع عندما أُلغيت مؤهلات الملكية باعتبارها مؤهلا للتصويت خلال أوائل القرن التاسع عشر. ومع اتساع جمهور الناخبين على نطاق واسع، تطلب الأمر وسيلة لتعبئة جموع الناخبين. وأصبحت الأحزاب السياسية ذات صفة مؤسساتية لإنجاز هذه المهمة الأساسية. وهكذا، برزت الأحزاب في أميركا كجزء من هذا التوسع للديمقراطية، ومع حلول ثلاثينات القرن التاسع عشر كانت هذه الأحزاب قد أصبحت جزءاً راسخاً بصورة ثابتة من الحياة السياسية.
وينتشر الحزبان الجمهوري والديمقراطي حالياً في جميع أجزاء العملية السياسية. ويعتبر حوالي ثلثي الأميركيين تقريباً أنفسهم إما جمهوريين أو ديمقراطيين، وحتى أولئك الذين يقولون إنهم مستقلون، عادة ما تكون لهم ميول حزبية ويُظهرون مستويات مرتفعة من الولاء الحزبي. فعلى سـبيل المثال، صوّت حوالى 75 بالمئة من المستقلين الذين "يميلون" إما إلى الحزب الديمقراطي أو إلى الحزب الجمهوري لصالح مرشحي الرئاسة المنتمين الى حزبهم المفضل في الانتخابات الرئاسية الخمسة التي جرت ما بين عامي 1980 و1996. وفي انتخابات العام 2000 الرئاسية صوّت 79 ممن "يميلون" إلى الحزب الجمهوري لصالح الجمهوري جورج دبليو بوش، في حين صوّت 72 بالمئة من "الميالين" إلى الحزب الديمقراطي لصالح المرشح الديمقراطي، آل غور.
كما يصل تأثير انتشار النفوذ الحزبي إلى الحزب الحاكم. فالحزبان الرئيسيان يسيطران حالياً على رئاسة الجمهورية، والكونغرس، ومناصب حكام الولايات، والمجالس التشريعية التابعة للولايات. وقد كان كل رئيس جمهورية منذ العام 1856 حتى الآن إما جمهورياً أو ديمقراطياً. وفي حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بلغ معدل حصة الحزبين الرئيسيين من أصوات الأميركيين المشاركين في انتخاب رئيس الجمهورية 94,8 بالمئة.
وفي أعقاب انتخابات العام 2002 المحلية ولاختيار أعضاء الكونغرس، كان هناك سناتور مستقل واحد بين المئة سناتور الذين يشكلون مجلس الشيوخ، ونائبان مستقلان فقط من بين الأربعمئة وخمسة وثلاثين نائباً في مجلس النواب الأميركي. أما على صعيد الولايات، فقد كان جميع الحكام الخمسين إما جمهوريين أو ديمقراطيين، ولم يُنتخب سوى واحد وعشرين عضوا في مجالس الولايات التشريعية (أي 0,003 بالمئة) من بين الأكثر من 7300 مشرع ممن لم يكونوا منتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي. والحزبان الرئيسيان هما اللذان ينظمان الحكومة ويهيمنان عليها على الصعيد القومي وصعيد الولايات أيضا.
وعلى الرغم من أن الأحزاب الأميركية تميل الى أن تكون أقل تماسكا من الناحية الإيديولوجية (العقائدية) وأقل ميلاً إلى وضع البرامج من مثيلاتها في كثير من الدول الديمقراطية، إلا أنها تلعب بالفعل دوراً رئيسياً، وفي أحيان كثيرة حاسماً، في صياغة السياسة العامة. وفي الحقيقة، أنه منذ انتخابات العام 1994، أظهر الجمهوريون والديمقراطيون في الكونغرس اختلافات سياسية حادة بين الحزبين ومستوى عاليا بصورة غير اعتيادية من توحد الصفوف داخل كل من الحزبين، مقارنة بما كان مألوفاً في الماضي. وتأتي الخلافات السياسية بين الحزبين ضمن سياق انتخابات تجرى مرة كل عامين لاختيار أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ، وهي انتخابات تنطوي على احتمال حقيقي بالتأدية إلى تغيير السيطرة الحزبية في مجلسي النواب والشيوخ. وقد خلق الانقسام حول السياسة، بالإضافة إلى المنافسة الحادة للسيطرة على الكونغرس، في السنوات الأخيرة جواً محموماً من النزاع الحزبي في مجلسي الشيوخ والنواب على السواء.
وقد انخرط زعماء كل من الحزبين في الكونغرس والمتنافسون الديمقراطيون للفوز بترشيح حزبهم لخوض الانتخابات الرئاسية، في الفترة السابقة لانتخابات عام 2004، كما انخرطت حكومة بوش، في سلسلة مستمرة من المناورات الرامية إلى كسب فائدة انتخابية.
لماذا نظام حزبين سياسيين؟
تبرز المنافسة الانتخابية بين الحزبين باعتبارها واحدة من أبرز الظواهر وأكثرها ديمومة في النظام السياسي الأميركي. فقد سيطر الجمهوريون والديمقراطيون على السياسات الانتخابية منذ الستينات من القرن التاسع عشر. ويعكس هذا السجل الذي لا يضاهيه سجل آخر من حيث احتكار نفس الحزبين لسياسات بلد ما الانتخابية بشكل متواصل جوانب بنيوية للنظام السياسي بالإضافة إلى ميزات خاصة تتميز بها الأحزاب السياسية الأميركية.
إن الترتيب الأميركي المتبع لانتخاب المشرّعين على المستوى القومي ومستوى الولايات هو نظام "العضو الواحد" للدائرة الانتخابية. وما يعنيه هذا هو أن من يحصل من المرشحين على أغلبية الأصوات (أي أكبر عدد من الأصوات في أي دائرة انتخابية) يفوز في الانتخابات. وخلافا لأنظمة الحصص التناسبية، فإن نظام "العضو الواحد" للدائرة يتيح لحزب واحد فقط أن يفوز في أي دائرة محددة. وهكذا فإن نظام "العضو الواحد" يخلق حوافز لتشكيل حزبين كبيرين بقاعدة عريضة لكل منهما قادرين على الفوز بأغلبية في الدوائر الانتخابية، والحكم على الأحزاب الصغيرة والثالثة بهزيمة دائمة تقريباً، دون أن تتوفر لها إمكانية البقاء ما لم تضم قواها إلى حزب رئيسي. ولكن ضم القوى إلى حزب رئيسي ليس خياراً متاحاً لمعظم الأحزاب الثانوية لأن جميع الولايات، باستثناء عدد ضئيل منها، تحظر ما يعرف باللوائح الانتخابية المشتركة التي يتنافس فيها المرشح كمرشح عن أكثر من حزب واحد.
وهناك مسألة أخرى تتعلق بطبيعة المؤسسات وتشكل حافزا آخر يدفع باتجاه نظام الحزبين، وهي ما ينص عليه نظام الهيئة الانتخابية الخاصة باختيار رؤساء الجمهورية. فبموجب هذا النظام لا يُدلي الأميركيون عملياً بأصواتهم لصالح لائحة من المرشحين للرئاسة. بل هم يقترعون في كل ولاية، بدل ذلك، لانتخاب لائحة من "الناخبين" الذين تعتبر أصواتهم مضمونة لمرشح أو آخر. ويتطلب انتخاب رئيس الجمهورية أكثرية مطلقة من مجموع الأصوات الانتخابية الـ 538 للولايات الأميركية الخمسين. ويجعل هذا الشرط من الصعب جداً على أي حزب ثالث الوصول إلى رئاسة الجمهورية لأن الأصوات الانتخابية لكل من الولايات توزع على أساس ترتيب يكسب فيه الفائز جميع أصوات الولاية في الهيئة الانتخابية. وهذا يعني أن أي مرشح يحصل على أغلبية الأصوات في الانتخابات الشعبية في تلك الولاية، حتى ولو كانت أغلبية ضئيلة، يفوز بجميع أصوات تلك الولاية في الهيئة الانتخابية. وتعمل الهيئة الانتخابية بذلك، مثلها في ذلك مثل نظام العضو الواحد للدائرة الواحدة، لغير صالح الأحزاب الثالثة، التي تكاد لا تتمتع بأي فرصة للفوز بالأصوات المخصصة لأي ولاية في الدائرة الانتخابية، ناهيك عن الفوز بعدد كاف من الولايات لانتخاب رئيس منها.
وبسيطرة الجمهوريين والديمقراطيين على الجهاز الحكومي، فليس مستغربا أن يكون هذان الحزبان قد وضعا قوانين انتخابية أخرى تعمل لصالحهما. إن مجرد وضع اسم حزب جديد على اللوائح الانتخابية في الولايات يمكن أن يكون عملية صعبة ومكلفة. وكمثال على ذلك فإن ولاية نورث كارولاينا تشترط، لإدراج حزب جديد اسم مرشحه الرئاسي على قائمة انتخابات عام 2004، وجود عريضة تطالب بذلك تحمل تواقيع 58,842 من الناخبين. وعلاوة على ذلك، فإن قانون الحملة الانتخابية الفدرالي يمنح فوائد خاصة للأحزاب الرئيسية، بما في ذلك تمويل حكومي للحملات الرئاسية على مستوى أعلى بكثير مما هو متوفر للأحزاب الثانوية، حتى تلك التي حصلت على نسبة الخمسة بالمئة من الأصوات في الانتخابات العامة السابقة التي تؤهلها للحصول على ذلك التمويل.
كما أن عملية اختيار المرشحين المميزة في أميركا تشكل حاجزا بنيويا إضافيا أمام الأحزاب الثالثة. وتتميز الولايات المتحدة عن جميع الدول الديمقراطية الأخرى في العالم في اعتمادها على الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحين حزبيين لمناصب في الولايات وفي الكونغرس، وفي استخدام الانتخابات التمهيدية للرئاسة على مستوى الولاية في عملية اختيار مرشحي الرئاسة. وبناء على هذا النوع من نظام الترشيح، يقوم المقترعون العاديون من بين أبناء الشعب الذين يدلون بأصواتهم في انتخابات الرئاسة التمهيدية باختيار المرشحين للرئاسة. وتسيطر، في معظم الدول، المنظمات الحزبية وزعماء الأحزاب على عملية اختيار مرشح الحزب. أما في الولايات المتحدة الأميركية، فإن الناخبين هم الذين يتخذون القرار النهائي بشأن من سيرشح في نهاية الأمر من الجمهوريين والديمقراطيين.
ورغم أن هذا النظام، يساعد على إيجاد أحزاب أضعف تنظيماً داخلياً عما هو عليه حال الأحزاب في معظم الديمقراطيات الأخرى، فإن عملية المشاركة هذه في تسمية المرشحين قد ساهمت أيضا في سيطرة الجمهوريين والديمقراطيين على السياسات الانتخابية الأميركية طيلة حوالى مئة وخمسين عاما. ويمكن للمتمردين العاملين ضد قرارات أحزابهم السياسية كسب الوصول إلى القوائم الانتخابية العامة، وبالتالي تعزيز فرصهم في تحقيق فوز في الانتخابات العامة من دون تنظيم أحزاب ثالثة، عن طريق الفوز بترشيح حزبهم لهم من خلال الانتخابات التمهيدية. وهكذا، فإن عملية الترشيح التمهيدية تميل نحو توجيه الانشقاق إلى داخل الحزبين الرئيسيين مما يجعل عادة انهماك المنشقين بعملية تشكيل حزب ثالث، التي هي عملية صعبة، أمراً غير ضروري. ويؤدي نظام الانتخابات التمهيدية لاختيار المرشحين للرئاسة، بالطبع، أيضاً إلى جعل النفاذ إلى الحزبين الرئيسيين سهلاً جداً وإلى اختراق حركات اجتماعية "ثانوية ذات آراء متطرفة" أو نوع مرشحين "خارجيين" لهما أحيانا.
الدعم العريض القاعدة والمواقف الوسطية
الأحزاب الأميركية متعددة الطبقات وذات قاعدة عريضة لناحية حصولها على الدعم الانتخابي. وباستثناء الناخبين الأفارقة الأميركيين، الذين صوّت 90 بالمئة منهم للمرشح الديمقراطي في انتخابات العام 2000، فإن كلا من الحزبين الجمهوري والديمقراطي يستمد فعلياً مستويات عالية من التأييد من كل فئة اجتماعية اقتصادية رئيسية في المجتمع. وعلى الرغم من أنه يُعتقد بشكل عام أن أفراد أسر أعضاء نقابات العمال، على سبيل المثال، هم من الديمقراطيين، إلا أن باستطاعة الجمهوريين أن يتوقعوا في معظم الانتخابات أن يحصلوا على ثلث أصوات نقابات العمال على الأقل، وقد حصل الحزب في العام 1984 على 46 بالمئة من تلك الأصوات. كما صوت سبعة وثلاثون بالمئة من أسر أعضاء النقابات لصالح الحزب الجمهوري في العام 2000. وبالمثل، فإنه في الوقت الذي يهبط فيه الدعم للديمقراطيين عادة لدى ارتفاع مستويات الدخل في شرائح المجتمع الأميركي، فإن باستطاعة مرشحي الرئاسة الديمقراطيين أن يتوقعوا في العادة دعما جوهريا من ناخبين من الطبقة فوق المتوسطة. وعلى سبيل المثال، فقد حصل مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة في عام 2000، آل غور، على 43 بالمئة من أصوات الناخبين الذين يبلغ دخلهم العائلي السنوي أكثر من مئة ألف دولار.
وتُبدي الأحزاب السياسية الأميركية مستويات منخفضة نسبيا فيما يتعلق بالوحدة الداخلية، كما أنها تفتقر إلى الالتزام الصارم بإيديولوجية أو مجموعة من الأهداف السياسية. وبدلا من ذلك، فهي تركز اهتمامها الأساسي في المقام الأول تقليدياً على الفوز بالانتخابات والتحكم في موظفي الحكومة. ونظراً لقواعد الأحزاب الأميركية الاجتماعية- الاقتصادية العريضة من الناخبين وحاجتها إلى العمل ضمن مجتمع وسطي بصورة أساسية من الناحية الإيديولوجية، فقد تبنّت مواقف سياسية وسطية بصورة أساسية. وأظهرت هذه الأحزاب أيضا مستوى عاليا من المرونة السياسية. وهذا المسلك غير المتقيد بالنظريات المجردة يمكّن الجمهوريين والديمقراطيين من إجازة وجود تنوع كبير في داخل صفوفهم، كما وأنه ساهم أيضا في مقدرتهم على استيعاب الأحزاب الثالثة وحركات الاحتجاج لدى حدوثها.
أحزاب لامركزية
من الصعب المغالاة في تقدير مدى تميّز الأحزاب الأميركية بهياكل قوة لامركزية. ففي نطاق الحزب الذي يتولى الحكم، لا يستطيع رؤساء الجمهورية أن يفترضوا أن أعضاء حزبهم في الكونغرس سيكونون مؤيدين موالين لبرامج الرئاسة، كما أن قادة الحزب في الكونغرس لا يستطيعون أن يتوقعوا تصويتا على أساس حزبي من جانب أعضاء حزبهم. وفي نطاق تنظيم الحزب، تعمل لجان الحملات الانتخابية من الجمهوريين والديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ (المؤلفة من المشرعين الموجودين في المجلسين) بصورة مستقلة عن لجان الحزب القومية المرتبطة بالانتخابات الرئاسية-اللجنة القومية الجمهورية واللجنة القومية الديمقراطية. وعلاوة على ذلك، فإن المنظمات الحزبية القومية نادراً ما تتدخل في شؤون الحزب على صعيد الولايات باستثناء ممارسة قدر قليل من السلطة بالنسبة للإجراءات المتعلقة باختيار مندوبين إلى مؤتمر الترشيح القومي.
ويعكس هذا المستوى من التشرذم التنظيمي، جزئياً، النتائج المترتبة على نظام الفصل الدستوري بين السلطات، تقسيم السلطة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، مع اختيار كل سلطة منها من خلال إجراءات مختلفة، وتحديد فترات مختلفة لأعضاء كل منها في مناصبهم، وتمتع كل منها بالاستقلالية عن السلطتين الأخريين. ويوجد هذا النظام من سلطات الحكومة الموزعة بين أجزائها حوافز محدودة فقط لتوحيد صفوف المشرعين من حزب معين مع رئيس جمهورية من نفس حزبهم. وينطبق هذا بشكل عام سواء تعلق الأمر بعلاقة أعضاء الكونغرس برئيس من نفس حزبهم، أو بعلاقة مشابهة بين مشرعين في ولاية ما وحاكم تلك الولاية.
كما أن مبدأ النظام الفدرالي الذي نص عليه الدستور، والذي استحدث نظاماً متعدد الطبقات من حكومة فدرالية وحكومات ولايات وحكومات محلية في الولايات المتحدة، يزيد من لامركزية الأحزاب عن طريق إيجاد آلاف الدوائر الانتخابية المنفصلة - أيضاً على المستويين الفدرالي والمحلي ومستوى الولايات - ولكل منها موظفوها المنتخبون. وكما أشرنا سابقا، فإن استخدام الانتخابات التمهيدية لاختيار المرشحين يُضعف هو أيضا التنظيمات الحزبية بحرمانها من القدرة على السيطرة على اختيار مرشحي الحزب.
ولذلك، يشجَع المرشحون الأفراد على إقامة منظماتهم الشخصية الخاصة بحملاتهم وتعزيز جمهور ناخبيهم للفوز أولا بالانتخابات التمهيدية ومن ثم بالانتخابات العامة. وتُعتبر حتى حملات جمع التبرعات لتمويل الحملة الانتخابية إلى حد كبير من مسؤولية المرشحين الشخصية، لأن منظمات الحزب تملك عادة موارد مالية محدودة وهي غالباً ما تكون مقيدة قانونا وبشكل مشدد في ما يتعلق بكمية المبالغ التي تستطيع المساهمة فيها، وبخاصة في الحملات الانتخابية الفدرالية.
مخاوف الأميركيين بشأن الأحزاب
بالرغم من الأدلة القوية على الحزبية داخل النظام السياسي الأميركي، فإن عدم الثقة في الأحزاب يعتبر من المكوّنات الأساسية المتأصلة في الثقافة المدنية الأميركية. وإن تبني الانتخاب التمهيدي المباشر لاختيار المرشحين للكونغرس وللولايات في وقت مبكر من القرن العشرين والانتشار الواسع النطاق الأحدث عهداً لنظام الانتخابات التمهيدية الرئاسية، التي أصبحت العامل المقرر في الترشيحات الرئاسية، يعتبران شهادة على المشاعر المناهضة للأحزاب لدى الجمهور. فالأميركيون لا يشعرون بالارتياح تجاه ممارسة زعماء المنظمات الحزبية سلطة كبيرة على حكومتهم. وتكشف استطلاعات الرأي العام على الدوام أن نسبا كبيرة من جمهور الناخبين تعتقد أن الأحزاب تساهم في تشويش القضايا أكثر من توضيحها، وأنه من الأفضل لو أنه لم يكن هناك ما يدل على الصفة الحزبية في بطاقات الاقتراع.
والأحزاب الأميركية لا تعمل في جو ثقافي غير محبذ لها عموماً فقط، بل إنها تواجه أيضا مشكلة العدد المهم من الناخبين الذين لا يعلقّون أهمية كبيرة على هويتهم الحزبية الشخصية. وأحد الأدلة على هذا الإحساس المتضائل بارتباط الناخبين الحزبي هو ما يحدث على نطاق واسع من ظاهرة "تقسيم البطاقة الانتخابية" بحيث يتم التصويت لمرشحين من أحزاب مختلفة في نفس عملية الاقتراع. وهكذا، قام عشرون بالمئة من الناخبين في عام 2000 بتقسيم بطاقاتهم من خلال التصويت لمرشحين من أحزاب مختلفة للرئاسة ولمجلس النواب الأميركي. ونتيجة لذلك، فاز مرشحو الحزب الديمقراطي لمجلس النواب في 40 بالمئة من دوائر مجلس النواب الانتخابية التي فاز فيها جورج دبليو. بوش في الانتخابات الرئاسية.
ونتيجة لضعف الشعور النسبي بالالتزام الحزبي لدى الكثير من الأميركيين، ووجود شريحة لا بأس بها من الناخبين الذين يعتبرون أنفسهم مستقلين، والاتجاه السائد بين نسبة مهمة من المواطنين لممارسة تقسيم البطاقة الانتخابية، باتت الانتخابات الأميركية انتخابات تتمحور أساساً حول المرشح لا الحزب. وعنى هذا على الدوام أن تقاسم سيطرة الحزبين على الفرعين التنفيذي والتشريعي للحكومة بات أمرا شائعا في الحكومة القومية وحكومات الولايات الخمسين. وهكذا كانت الرئاسة وعلى الأقل مجلس واحد من مجلسي الكونغرس، في جميع السنوات منذ عام 1980، ما عدا أربع سنوات منها، تحت سيطرة حزبين مختلفين. كما تقاسم الحزبان السلطة بعد انتخابات العام 2002 في تسع وعشرين ولاية (أي 58 بالمئة من الولايات).
|
الأحزاب الثالثة في التاريخ الأميركي
|
|
الحزب الثالث |
السنة |
النسبة من الأصوات الشعبية |
الأصوات الانتخابية |
المصير في الانتخابات |
|
المناهض للماسونية |
1832 |
7,8 |
7 |
أيد مرشحا من الويغ |
|
الأرض الحرة |
1848 |
10,1 |
صفر |
حصل على 5% من الأصوات؛ وفر قاعدة من المؤيدين للجمهوريين |
|
أنصار "ويغ أميركا" |
1856 |
21,5 |
8 |
حُـلّ الحزب |
|
الديمقراطي الجنوبي |
1860 |
18,1 |
72 |
حُـلّ الحزب |
|
الاتحاد الدستوري |
1860 |
12,6 |
39 |
حُـلّ الحزب |
|
الشعبي |
1892 |
8,5 |
22 |
تبنى مرشحا ديمقراطيا |
|
التقدمي (ت.روزفلت) |
1912 |
27,5 |
88 |
عاد إلى الحزب الجمهوري |
|
الاشتراكي |
1912 |
6 |
صفر |
حصل على 3,2 % من الأصوات |
|
التقدمي (ر.لافوليت) |
1924 |
16,6 |
13 |
عاد إلى الحزب الجمهوري |
|
حقوق الولايات ديمقراطي |
1948
|
2,4 |
39 |
حُـلّ الحزب |
|
التقدمي (هـ. ولاس) |
1948
|
2,4 |
صفر |
حصل على 1,4 % من الأصوات |
|
الأميركي المستقل (ج. ولاس) |
1968 |
13,5 |
45 |
حصل على 1,4 % من الأصوات |
|
جون ب. أندرسون |
1980 |
7,1 |
صفر |
لم يخض انتخابات 1984 |
|
روس بيرو |
1992 |
18,9 |
صفر |
شكل حزب الإصلاح وخاض الانتخابات مرة أخرى في عام 1996 |
|
الإصلاح (بيرو) |
1996 |
8,4 |
صفر |
رشح الحزب بات بيوكانان للرئاسة، ونال 0,5% من الأصوات |
|
الخضر (ر. نادر) |
2000 |
2,7 |
صفر |
|
|
الأحزاب الثالثة والمرشحون المستقلون في النظام الأميركي
لقد ظل مرشحو الأحزاب الثالثة والمرشحون المستقلون، كما يظهر الجدول المرفق، ظاهرة تتكرر في فترات منتظمة في البيئة السياسية الأميركية، رغم العقبات التي تمت مناقشتها سابقا. وغالبا ما كانوا يدفعون بمشاكل اجتماعية فشلت الأحزاب الرئيسية في مجابهتها إلى مقدمة الخطاب السياسي العام، وإلى جدول أعمال الحكومة. ولكن معظم الأحزاب الثالثة كانت تنتعش في انتخابات واحدة ثم تختفي، أو تتلاشى تدريجياً، أو يتم استيعابها من قبل أحد الحزبين الرئيسيين. ومنذ خمسينات القرن التاسع عشر، برز حزب واحد جديد فقط، هو الحزب الجمهوري، تمكّن من تحقيق وضع الحزب الرئيسي. وفي تلك الحالة، كانت هناك مسألة أخلاقية طاغية، هي العبودية، التي أحدثت انقساما في الأمة مما أوجد أساسا لظهور مرشحين ولتعبئة ناخبين لبناء حزب جديد.
وعلى الرغم من أن الجدول لا يوفر كثيرا من الدعم للقول بقدرة الأحزاب الثالثة على البقاء والاستمرار فترة طويلة، فهناك أدلة تثبت أنه يمكن أن يكون لهذه الأحزاب تأثير رئيسي على نتائج الانتخابات. فعلى سبيل المثال، قسم ترشيح ثيودور روزفلت من قبل حزب ثالث في العام 1912 أصوات الناخبين الذين يصوّتون عادة للجمهوريين ومكّن الديمقراطي وودرو ويلسون من الفوز في الانتخابات دون أن يكون قد حصل على أكثرية مجمل أصوات الناخبين.
وفي العام 1992، اجتذب ترشيح روس بيرو ناخبين كانوا في معظمهم يصوّتون كجمهوريين في انتخابات الثمانينات من القرن العشرين وبذلك ساهم في هزيمة الرئيس الجمهوري الذي كان في منصب الرئاسة آنذاك جورج إتش دبليو. بوش. وفي الانتخابات الرئاسية للعام 2000 التي كانت نتائجها متقاربة جداً بين الجمهوري جورج دبليو. بوش والديمقراطي آل غور، لربما كان غور قد فاز بأصوات ولاية فلوريدا الانتخابية، وبالتالي أحرز أغلبية الأصوات الانتخابية الضرورية للفوز بالرئاسة، لو لم يكن اسم مرشح حزب الخضر، رالف نادر، على بطاقة الاقتراع.
وقد أظهرت استطلاعات الرأي العام على الدوام منذ التسعينات من القرن العشرين مستوى عالياً من الدعم العام لفكرة حزب ثالث. وفي الفترة المؤدية إلى انتخابات العام 2000، وجد استطلاع للرأي العام أجراه معهد غالوب أن سبعة وستين بالمئة من الأميركيين يحبذون ظهور حزب ثالث قوي يكون له مرشحون للرئاسة والكونغرس ولمناصب في الولايات ينافسون مرشحي الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وهذا الشعور بالذات، بالإضافة إلى الأموال التي أُنفقت بسخاء في الحملة الانتخابية، هو ما مكن ملياردير تكساس روس بيرو من الفوز بتسعة عشر بالمئة من الأصوات الشعبية في الانتخابات الرئاسية للعام 1992، وكانت تلك أعلى نسبة يفوز بها مرشح لا ينتمي إلى أحد الحزبين الرئيسيين منذ فوز ثيودور روزفلت (الحزب التقدمي) بسبعة وعشرين بالمئة منها في عام 1912.
وعلى الرغم من ظواهر الدعم المحتملة للأحزاب الثالثة، إلا أن هناك حواجز ضخمة تقف حجر عثرة في طريق فوز حزب ثالث بمنصب رئاسة الجمهورية أو حتى الفوز بعدد كبير من مقاعد مجلسي الشيوخ والنواب. وأهم هذه الحواجز، إضافة إلى تلك التي أُشير إليها سابقا، الخوف في صفوف الناخبين من أنهم إذا ما صوّتوا لمرشح حزب ثالث فسيكونون في الحقيقة قد "هدروا" أصواتهم. وقد ثبت أن الناخبين ينخرطون في عملية تصويت "استراتيجية" بإعطاء أصواتهم للشخص الثاني المفضل لديهم عندما يشعرون أن مرشح الحزب الثالث لا يتمتع بأي فرصة الفوز. وهكذا، وضع 15 بالمئة من الناخبين رالف نادر، في انتخابات عام 2000، في منزلة تفوق منزلة كل من جورج دبليو. بوش وآل غور، ولكن نادر لم يحصل إلا على 2,7 بالمئة من الأصوات الشعبية. وبصورة مماثلة، تخلى 21 بالمئة من الناخبين الذين كانوا يفضلون روس بيرو على الجميع في الانتخابات الرئاسية لعام 1992، عنه وصوتوا لصالح مرشحين آخرين.
وهناك أيضا ظاهرة التصويت لصالح مرشحي الحزب الثالث من قبيل "الاحتجاج". فقد كشفت استطلاعات الرأي العام التي أجراها معهد غالوب في العام 1992 أن 5 بالمئة من المقترعين لصالح بيرو قالوا إنهم ما كانوا ليصوتوا له لو كانوا يعتقدون أنه قد يفوز.
كما أن مرشحي الأحزاب الثالثة والمستقلين سيواجهون أيضا مشكلة يحتمل أن تكون مروّعة في حال فوز أحدهم بالرئاسة. وهذه المشكلة هي، بالطبع، مشكلة الحكم، تعيين موظفي الحكومة (الجهاز التنفيذي) ثم العمل مع كونغرس يسيطر عليه الجمهوريون والديمقراطيون، الذين لن تكون لديهم دوافع كبيرة للتعاون مع رئيس جمهورية لا ينتمي لأي من الحزبين الرئيسيين.