الحرب الأهلية وإعادة الإعمار ما بعد الحرب
 القتلى الكونفدراليون إلى جانب جدار حجري خلال حملة تشانسلورسفيل، في أيار/مايو 1863. تقدمت القوات الجنوبية المنتصرة في تشانسلورسفيل، شمالاً داخل بنسلفانيا لكنها هُزمت في معركة غتيسبيرغ التي دامت ثلاثة أيام، والتي شكلت نقطة تحول في الحرب الأهلية، وكانت أكبر معركة جرت في أميركا الشمالية. عدد الأميركيين الذين قضوا نحبهم في الحرب الأهلية (1861 - 1865) تعدّى عدد القتلى في أي نزاع آخر في التاريخ الأميركي. (Library of Congress) |
بدأت الحرب بين الشمال الجنوب في نيسان/أبريل 1861. طالبت الولايات الجنوبية بحق الانفصال عن الاتحاد فشكلت كونفدرالية خاصة بها. أطلقت قواتها أولى الطلقات النارية. ولكن كانت الولايات الشمالية بقيادة الرئيس لنكولن مصممة على وقف التمرّد والحفاظ على الاتحاد.
كان لدى الشمال أكثر من ضعف عدد الولايات التي كانت للجنوب وضعف عدد السكان. وكان الشمال يملك مرافق وافرة لانتاج التجهيزات الحربية، بالإضافة إلى شبكة من سكك الحديد المتفوقة. كان لدى الجنوب قادة عسكريون أفضل خبرة وكانت لهم أفضلية القتال في أراضيهم بالذات، في معظم الأحيان.
 الرئيس أبراهام لينكولن (في الوسط) في مخيم للجيش الاتحادي في تشرين الأول/أكتوبر 1862، إثر معركة أنتيتام. (Library of Congress) |
 عائلة من الأرقاء تجني القطن بالقرب من سافانا بولاية جورجيا في بداية الستينات من القرن التاسع عشر. (© Bettmann/CORBIS) |
شاركت في المعارك البرية، التي استمرت أربع سنوات، عشرات الآلاف من الجنود والخيول حيث جرت المعارك في ولايات فرجينيا، وماريلاد، وبنسلفانيا، وتينيسي، وجورجيا. كما جرت معارك بحرية مقابل ساحل الأطلسي وعلى نهر الميسيسيبي. وفي تلك الحلبة من القتال حققت قوات الاتحاد سلسلة متواصلة تقريباً من الانتصارات. وبالمقابل، وفي ولاية فرجينيا، تكبد الشمال الهزائم تلو الهزائم في محاولاته لاحتلال ريتشموند، العاصمة الكونفدرالية.
كان تاريخ 17 أيلول/سبتمبر 1862، هو اليوم الأكثر دموية في تاريخ الحرب عندما تواجه الجيشان في انتيتيام كريك، قرب بلدة شاربسبيرغ بولاية ماريلاند. فشلت الجيوش الكونفدرالية بقيادة الجنرال روبرت إي لي في إجبار قوات الاتحاد بقيادة الجنرال جورج ماكليلان على التراجع، فتمكن لي من الانسحاب مع جيشه سالماً. فعزل لنكولن الجنرال ماكليلان من القيادة.
مع أن المعركة لم تكن حاسمة وفق المفاهيم العسكرية، فقد كانت عواقبها بالغة الأهمية. كانت بريطانيا وفرنسا تخططان للاعتراف الرسمي بالكونفدرالية، ولكنهما قررتا تأجيل إصدار قرارهما، وهكذا، لم يتلقَ الجنوب أبداً مساعدتهما رغم حاجته اليائسة اليها.
بعد عدة أشهر، اصدر الرئيس لنكولن الإعلان التمهيدي لتحرير العبيد الذي نص على تحرير كافة العبيد القاطنين في الولايات الكونفدرالية. وأجاز الإعلان تجنيد الأميركيين الأفريقيين في جيش الاتحاد. فلم يعد الشمال الآن يحارب فقط للمحافظة على الاتحاد وحسب بل وأيضاً يحارب لإنهاء نظام الرق.
حققت قوات الاتحاد زخماً عسكرياً في العام 1863 بفضل انتصاراتها في فيكسبورغ بولاية مسيسيبي، وفي غيتسبيرغ بولاية بنسلفانيا ومن ثم من خلال تنفيذ سياسة "الأرض المحروقة" التي اتبعها الجنرال وليام لي شيرمان خلال زحفه عبر ولاية جيورجيا متوجهاً لاحتلال ولاية ساوث كارولينا العام 1864. بحلول نيسان/أبريل 1865، كانت جيوش ضخمة للاتحاد بقيادة الجنرال يوليسيس غرانت قد حاصرت جيش روبرت إي لي في فرجينيا. استسلم لي، وبذلك وضعت الحرب الأهلية أوزارها.
كانت شروط الاستسلام متسامحة. ذكّر غرانت جنوده، قائلاً: "إن المتمردين عادوا مواطنين لنا من جديد". وفي واشنطن، كان الرئيس لنكولن مستعداً للبدء بعملية المصالحة ولكن الفرصة لم تسنح له للقيام بذلك. وبعد أقل من أسبوع على استسلام الجنوب، اغتاله أحد الجنوبيين الذي أغاظته الهزيمة التي لحقت بالجنوب. آلت تلك المهمة الآن إلى نائب الرئيس، اندرو جونسون، الجنوبي الذي أراد عملية "إعادة الإعمار" السريع والسهل.
أصدر جونسون أوامر بالعفو أعادت الحقوق السياسية إلى العديدين من أبناء الجنوب، وبحلول نهاية العام 1865، كانت جميع الولايات الكونفدرالية السابقة قد عقدت مؤتمرات تنص على إلغاء قوانين الانفصال عن الاتحاد وإلغاء الرق، باستثناء ولاية تينيسي التي رفضت المصادقة على تعديل دستوري يمنح المواطنية الكاملة للأميركيين الأفريقيين. ونتيجة لذلك، قرر الأعضاء الجمهوريون في الكونغرس تطبيق قانونهم الخاص بإعادة الإعمار. اصدروا قوانين تنص على فرض عقوبات ضد المتمردين السابقين ومنعوا القادة السابقين للولايات الكونفدرالية من تبوء مناصب حكومية. فقسموا الجنوب إلى خمس مقاطعات عسكرية يحكم كل واحدة منها جنرال تابع للاتحاد، وحرموا من حق التصويت كل من يرفض أداء قسم يمين الولاء للإتحاد. كما دعموا بقوة حقوق الأميركيين الأفريقيين. حاول الرئيس جونسون منع العديد من هذه السياسات ما دفع الكونغرس إلى طلب إدانته. لم يحصل التصويت النهائي على طلب الإدانة على أغلبية أصوات أعضاء الكونغرس وبقي الرئيس في منصبه، لكن الكونغرس سوف يتمكن من ممارسة سلطات هائلة خلال السنوات الثلاثين القادمة.
لم تختفِ كلياً الانقسامات والعداءات التي أدت إلى اندلاع الحرب الأهلية بعد توقف المعارك. عانى السود الجنوبيون من استعادة البيض الجنوبيين سلطتهم السياسية. فقد حصلوا فعلاً على حريتهم، ولكنهم مُنعوا من التمتع بها نتيجة تشريع قوانين محلية حرمتهم من العديد من المرافق العامة. كسبوا فعلاً حق التصويت، ولكنهم تعرضوا لممارسات التخويف عند الاقتراع. ظل الجنوب يمارس سياسة التمييز العنصري وبقي يمارسها خلال المئة سنة التالية. أمّا عملية إعادة الإعمار لما بعد الحرب فكانت قد بدأت تدفعها أهداف مثالية عالية. لكنها انهارت لتتحول إلى بؤرة للفساد والتمييز العنصري. أخَّر فشلها الكفاح من أجل منح المساواة إلى الأميركيين الأفريقيين حتى القرن العشرين، عندما أصبحت تتحول إلى قضية قومية وليس مجرد قضية تخص الجنوب.
|