السنوات الأولى، التوسع نحو الغرب، والفروقات الإقليمية
 طابع بريدي أميركي في الذكرى المئوية الثانية لرحلة لويس وكلارك، التي رعاها توماس جيفرسون. أنجزت تلك الرحلة وضع الخرائط لجميع أراضي الغرب حتى مستعمرة اوريغون لصالح الولايات المتحدة الناشئة. (© AP Images) |
أدى جورج واشنطن اليمين في حفل تنصيبه رئيساً للبلاد في 30 نيسان/ابريل، 1789. وهو كان مسؤولاً عن تنظيم القوات العسكرية خلال الثورة. والآن أصبح مسؤولاً عن بناء حكومة قادرة على أداء وظيفتها.
عمل واشنطن مع الكونغرس لإنشاء وزارات الخارجية، والمالية، والعدل، والحرب. وسوف يخدم رؤساء هذه الوزارات كمستشارين رئاسيين له، أي سيشكلون مجلس وزرائه. وتمّ إنشاء محكمة عليا تتألف من رئيس المحكمة العليا وخمسة قضاة أعضاء، علاوة على ثلاث محاكم دائرية، و13 محكمة إقليمية. وتم تطوير السياسات التي تنظم إدارة الأراضي الغربية وإدخالها في الاتحاد كولايات جديدة.
 الكزااندر هاملتون، وزير المالية في حكومة الرئيس جورج واشنطن. طالب هاملتون بإنشاء حكومة فدرالية قوية وتشجيع الصناعة. (National Portrait Gallery, Smithsonian Institution) |
بقي واشنطن في منصبه فترتين كل منها أربع سنوات تم ترك الحكم، فشكل ذلك سابقة أصبحت في نهاية المطاف قانوناً. كان الرئيسان التاليان، جون آدمز وتوماس جيفرسون، يمثلان مدرستين فكريتين مختلفتين بما يعود لدور الحكومة. قاد هذا التباعد إلى تشكيل الأحزاب السياسية الأولى في العالم الغربي. كان الفدراليون، بقيادة آدمز وألكزاندر هاملتون، وزير المالية لدى الرئيس واشنطن، يمثلون بالأساس المصالح التجارية والصناعية. وكانوا يخشون الفوضى ويؤمنون بحكومة مركزية قوية تستطيع وضع السياسات الاقتصادية القومية وحفظ النظام. وكانوا يلقون أكثر الدعم من الولايات الشمالية. أما الجمهوريون، بقيادة جيفرسون، فقد كانوا يمثلون المصالح الزراعية ويعارضون قيام حكومة مركزية قوية ويؤمنون بحقوق الولايات، والاكتفاء الذاتي للمزارعين. وكانوا يلقون أكثر الدعم من الولايات الجنوبية.
استطاعت الدولة الناشئة النمو والازدهار بسلام نسبي لفترة عشرين سنة تقريباً. كانت السياسة التي اتبعتها الحكومة هي الصداقة مع جميع الدول وعدم الانحياز لأي منها. لكنها لم تكن حصينة ضد التطورات السياسية الحاصلة في أوروبا، وبنوع خاص في بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا في حالة حرب. فقد استولت البحرية البريطانية على سفن أميركية متوجهة إلى فرنسا، واستولت البحرية الفرنسية على سفن أميركية متوجهة إلى بريطانيا. تفادت المفاوضات الدبلوماسية المختلفة حصول أعمال حربية خلال العقد التاسع من القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، لكن بدا أن الأمر هو مجرد مسألة وقت قبل أن تضطر الولايات المتحدة للدفاع عن مصالحها.
جاءت الحرب مع بريطانيا في العام 1812. اندلع القتال أكثر في الولايات الشرقية الشمالية وعلى طول الساحل الشرقي. وصلت القوات البريطانية إلى واشنطن، العاصمة الجديدة في مقاطعة كولومبيا. أضرمت النار بالقصر الرئاسي، مما حمل الرئيس جيمس ماديسون على الفرار، وأشعلت ألسنة اللهب المدينة. لكن جيش وبحرية الولايات المتحدة انتصرا في معارك حاسمة كافية لتسمح للدولة بإعلان النصر. بعد مرور سنتين ونصف من القتال، واستنزاف الخزينة بسبب حرب منفصلة مع فرنسا، وقعت بريطانيا معاهدة سلام مع الولايات المتحدة. أنهى النصر الأميركي للمرة الأخيرة أية آمال بريطانيا في إعادة تثبيت نفوذها جنوب الحدود الكندية.
مع نهاية حرب العام 1812، اختفى العديد من المصاعب الحادة التي واجهتها الجمهورية الأميركية الجديدة. فقد حقق الاتحاد القومي بظل الدستور توازناً بين الحرية والنظام. أما الدَين القومي المتدني والقارة التي تنتظر الاستكشاف فقد فتحا آفاقاً من السلام، والازدهار، والتقدم الاجتماعي. وكان أهم حدث في مجال السياسة الخارجية إعلان الرئيس جيمس مونرو عن التضامن مع الدول المستقلة الجديدة لأميركا الوسطى والجنوبية. حذر مبدأ مونرو من أية محاولات أوروبية أخرى لاستعمار أميركا اللاتينية. وعبّر العديد من هذه الدول الجديدة، بدورها، عن تقاربها السياسي مع الولايات المتحدة من خلال صياغة دساتيرها على نفس منوال النموذج الأميركي الشمالي.
تضاعفت مساحة الولايات المتحدة بعد شراء أراضي لويزيانا من فرنسا في العام 1803، وفلوريدا من أسبانيا في العام 1819. وأنشئت، بين العامين 1816 و1821، ست ولايات جديدة، وتضاعف عدد السكان ثلاث مرات بين 1812 و1852. جعل حجم وتنوع الدولة الجديدة من الصعب وصفها بأي صفة تعميم بسيطة، إلا أن ذلك اجتذب إليها التناقضات في نفس الوقت.
فقد ضمت الولايات المتحدة من ناحية أولى المدن المتمدنة المبنية على أساس التجارة والصناعة، ومن ناحية ثانية، الحدود البدائية التي كانت كثيراً ما تتجاهل حكم القانون. شملت مجتمعاً يعشق الحرية لكنها سمحت أيضا بالعبودية. ربط الدستور جميع هذه الأجزاء المختلفة بعضها من البعض الآخر. غير أن التوترات كانت تتنامى.
|