International Information Programs - Arabic
الصفحة الرئيسية العربية | كتّاب عن أميركا، باللغة الإنكليزية

كتّاب عن أميركا
مقدمة
ألماز أبي نادر
 على ناصية شارع مين
جوليا ألفاريز
  أنا، أيضاً، أشدو لأميركا
سفين بيركيرتس
  القوة الإلزامية
  لأحلام أميركية
روبرت أولين بتلر
 بطاقة بريدية من أميركا
مايكل شابون
 خرائط وأساطير
بيلي كولنز
 ما الذي يجعل
 الشعر الأميركي أميركيا؟
روبرت كريلي
 أميركي أميركا
ديفيد هيربرت دونالد
 حول كوني مؤرخاً
 أميركياً
ريتشارد فورد
 كيف يغني كوني
 أميركياً
 ما أكتب ؟
ليندا هوغان
 من أجل الحياة
مارك جيكوبز
 على جانبي الحدود
تشارلز جونسون
 زجاجة حليب أميركية
باراتي موخيرجي
 حول كوني
 كاتبة أميركية
ناعومي شهاب ناي
 هذا العكاز الذي أحبه
روبرت بنسكي
 إحساس محلي
 بالزمن
 
على ناصية شارع مين
بقلم   إلماز أبي نادر

Abinader
إلماز أبي نادر كاتبة وشاعرة وفنانة مسرحية عربية أميركية ظهرت أعمالها في كتب وعروض مسرحية في شتى أرجاء الولايات المتحدة والشرق الأوسط. وقد فاز كتابها الأخير، الذي يحمل عنوان في بلد أحلامي In the Country of My Dreams، بجائزة جوزفين مايلز للعام 2000، التي يمنحها فرع مدينة أوكلاند للجمعية الدولية للشعراء والكتاب المسرحيين والمحررين وكتاب المقالات والروائيين، وذلك في فئة الشعر متعدد الثقافات. أما مسرحيتها الأولى بلد المنشأ Country of Origin، فقد فازت بجائزتين من جوائز "درامي" ، التي تمنحها "حلقة الدراما" بولاية أوريغون، وهي الآن تقوم بجولة تعرض خلالها عملها المسرحي الثاني، قمر رمضان Ramadan Moon. أما كتابها الأول، أطفال الرجمة: رحلة عائلة من لبنان Children of Roojme: A Family's Journey (تورتون 1991، جامعة ويسكنسون، 1997) فهي مذكرات ذاع صيتها تروي رحلة الهجرة لإحدى العائلات. وهي تقوم حالياً بالتدريس في كلية مايلز بمدينة أوكلاند بولاية كاليفورنيا.
بعد حصولها على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة كولومبيا، حيث تتلمذت على يد فيليب لافين، وحصولها على الدكتوراة في الكتابة الإبداعية، فازت أبي نادر بمنحة لدراسة العلوم الإنسانية بعد الدكتوراة، مما أتاح لها فرصة العمل مع الروائية توني موريسون على رواية أطفال الرجمة. وفي بداية حياتها العملية ككاتبة، كانت قد فازت بجائزة أكاديمية الشعراء الأميركيين. وكانت إلى عهد قريب جداً إحدى مبعوثات برنامج فولبرايت المتقدمات في مصر.
تعرف الجمهور على شعر إلماز أبي نادر لأول مرة في مجموعة أطلق عليها اسم أوراق العنب، قرن من الشعر العربي الأميركي Grape Leaves, A Century of Arab-American Poetry، التي أشرف على تحريرها غريغوري أورفالي وشريف الموسى (منشورات جامعة يوتا، 1988). وقد أخرجت عدة أعمال مسرحية حلقت بها، ومنها عملان تم إعدادهما للاحتفال بالذكرى المئوية لجبران خليل جبران وعملاً آخر لتكريم أعمال الموسيقار مارسيل خليفة. وقد ظهر العديد من قصائدها في مجموعات شعرية متنوعة.
لقد ركزت ألماز أبي نادر، التي تعمل منذ سنوات كمدرسة للكتابة الإبداعية، على عمل الكتاب الشباب، وخاصة من خلال مشاركتها في "أسبوع هيرستون - رايت للكتاب" (في غرب الولايات المتحدة) Hurston-Wright Writers Week West ومؤسسة "صوت فنون بلدنا" Voice of Our Nations Arts Foundation.
1- اجتياز العتبة

كان لبيتنا أيام صغري باب سحري. خارج ذلك الباب كانت تمتد البلدة الصغيرة التي نشأت فيها في بنسلفانيا. كان الشارع الرئيسي يمر أمام بيتنا تحف به الملامح المعتادة لوسط البلد: بنك، كشك صحف، مخزن اللوازم المعدنية، مخزن قطع سيارات، ومحلات تجارية أخرى. كانت العائلات تجوب الشوارع، خصوصاً أيام عطلة نهاية الأسبوع، تتفحص معروضات الأثاث في الواجهة الضخمة لمحلات كوفمان، ويافطات الأفلام المعلقة خلف الزجاج في سينما ركس، وتماثيل عرض الأزياء التي فقدت بعض أيديها أو أصابعها في واجهة محل الملابس الذي كانت تملكه عمتي وعليها آخر صرعات الموضة. في تلك الأيام من أوائل الستينات كانت المحلات الصغيرة في بلدة مثل (ماسون تاون) تمد أهل البلدة باحتياجاتهم من الطعام والملابس ولوازم السكن.

كانت متاجر عائلتي تقوم على جوانب الشارع الرئيسي أيضاً: محلات نادر للأحذية، متجر نادر الكبير، والمطعم العصري. كانت متاجرنا، في ظاهرها، تبدو مثل سائر المتاجر الأخرى ملبية حاجة أمٍ من أهالي البلدة تريد شراء أحذية لأطفالها تليق بذهابهم للكنيسة أو أبٍ يدخل المتجر طلباً لسيجار طيب المذاق وجريدة، أو المتجمهرين في نهاية اليوم الدراسي حول صندوق الأسطوانات في المطعم. كان والدي وعمي يقفان في مداخل محلاتهما بكامل أناقتهما، وكل منهما يرتدي حلة من الثياب الرمادية وقميصا أبيض وربطة عنق وحذاء لامعا.

أتخيل نفسي الآن في سنتي الدراسية الثانية أقف على مدخل المتجر فلا أجد اختلافا بين عمي ووالدي وأولئك العابرين من أمامنا الذين كان الكثير منهم أيضاً يرسلون أولادهم لتعلم البيانو عند السيدة (دفي) ويتسوقون في محلات (أي أند بي) ويعدون الشواء في حداق منازلهم الخلفية في احتفالات الرابع من يوليو. كان الكثيرون من زبائن والدي يرسلون بناتهم إلى مدرسة آل سانتس التي كنت أدرس فيها. وكانت لبناتهم دراجات لامعة ترفرف من مقابضها شرائط زاهية. كانت البنتان الأكثر شعبية جيني ورينيه ترتديان أحذية ماري جونز لامعة كل يوم وتتحدثان بصوت مرتفع تماماً عن مقتنياتهما المتزايدة من دمية باربي ولوازمها. كنت أستمع بافتتان لوصفهما بيتاً لباربي أو سيارتها أو خزانة ملابسها. كانت جيني تلف إصبعها حول ربطة ذيل الفرس لشعرها الأشقر وهي تصف فستان سهرة باربي، وكانت رينيه تسحب ضفيرتها وتجعلها على شكل هلال فيما تعرض لنا صور رحلتها إلى شاطئ فرجينيا.

في لحظات التواصل الاجتماعي تلك كان يتلاشى لدي أي وهم بالتشابه بيني وبين البنات الأخريات في صفي كما تتلاشى الفقاعة. كنا جميعاً نرتدي نفس البزة المدرسية ونشترك في فرقة الزهرات ونغني السوبرانو معاً في جوقة المدرسة وكنت أتقن التهجئة، ولكن، رغم ذلك كان الباب السحري يفصل بين حياتي وحياتهن. ورغم أن زميلاتي لم يكن يعرفن ما وراء ذلك الباب، فقد كن يتحلقن حولي ويصحن (سمراء) وهن ينظرن إلى ضفائر شعري المتجعدة أو (قردة) وهن ينظرن إلى ذراعيّ بما فيهما من شعر بني فوق بشرتي السمراء الشاحبة. كان ذلك يصيبني بالدوار ويملأ أعماقي بإحساس مريع بالوحدة.

كنت أجر نفسي إلى بيتنا ذي الخشب الرمادي على الشارع الرئيسي وأنا أشعر بثقل حقيبتي المدرسية ووطأة الاختلافات بيني وبين البنات اللاهيات بقفز الحبل عبر الشارع. وفيما كنت أسحب المقبض الفضي لباب المنخل المؤدي إلى مدخل البيت كان الصدأ يتجمع حول أصابعي. لم يكن هناك ما يدعو إلى الإعجاب في ذلك الباب ولكني بعد أن أدخل كنت أشعر بماهية العالم تتغير.

منذ دخول الباب وعبور الممر حتى غرفة الطعام كانت تجذبني روائحي المفضلة: كان ذلك يوم الأربعاء، وهو اليوم من الأسبوع الذي كانت فيه أمي تغطي طاولة الطعام المصممة لثمانية أشخاص بورق الجرائد وتسحب علبتين زرقاوين كبيرتين من خزانة الأواني وترتب رقائق إعداد الكعك. وفي الوقت الذي أصل فيه من المدرسة بعد الظهر تكون رائحة الخبز العربي والمعجنات تملأ البيت، وتكون أقراص الخبز قد رصت صفوفاً على المائدة. كانت والدتي تعد فطائر سبانخ مثلثة الشكل ولفائف بالقرفة وفطائر فواكه محشوة بأجاص من الأشجار المزروعة في حديقتنا، وكانت ترفع رأسها قبل أن ألقي عليها التحية وتقول وقد تلطخ وجهها بذرات الطحين: "هناك 68 رغيفاً. بوسعك أن تأخذي واحداً."

في تلك اللحظة تكون أخواتي قد انضممن إليّ عند أحد أطراف الطاولة فنقوم بتمرير زبدة التفاح لبعضنا البعض لنضع طبقة منها على الخبز الساخن. عندما يخرج الخبز العربي من الفرن يكون مملوءاً بالهواء كمخدة صغيرة. وعندما يبرد يخرج الهواء ويصبح الخبز مسطحاً بالشكل الذي يعرفه الأميركيون بخبز بيتا. نادراً ما كنا نأكل أنواعاً أخرى من الخبز في بيتنا حتى عندما كنا نشوي النقانق. كنا نضعها داخل (نصف رغيف) ونغمرها بصلصة الطماطم.

كانت الرائحة مخدرة وباعثة على تخفيف الكآبة التي أتيت بها من المدرسة مع واجباتي المنزلية التي كان عليّ أن أقوم بها ذلك المساء. ولكن تلك البهجة كانت سرعان ما تنتهي بعد تناول تلك الوجبة. كان لدى كل منا نحن الأطفال الستة واجبات منزلية يتعين إنجازها بعد العودة من المدرسة. أشقائي الثلاثة كانوا يذهبون إلى المتجر للقيام بأعمال التنظيف وترتيب موجودات المخزن فيما كنا نحن البنات الثلاث نتشارك في أعباء المنزل والحديقة. أيام الصيف كنا نعمل في إزالة الأعشاب الضارة وري الحديقة وقطف الخضار، وفي الخريف كنا ننزل إلى القبو للعمل في تعليب الخضار والبقوليات والمربيات والمخللات، وبين هذين الموسمين كانت هناك أكوام لا نهاية لها من الغسيل والكي والتنظيف لتلبية احتياجات الأشخاص التسعة الذين كانوا يحتشدون في بيتنا الصغير. دمى باربي وتلوين الرسومات والرياضيات الترويحية بعد أوقات المدرسة كانت عوالم الأطفال الآخرين وليس عالمنا.

خلف الباب السحري كانت اللغة تتغير أيضاً. الأوامر من الأم للبنت كانت تصدر باللغة العربية - أما الواجبات المنزلية والمحادثات وفرائض الصلاة فكانت تتم بأقصى ما يمكن من الدقة باللغة الإنجليزية. كانت هناك ثلاثة أشياء تسيطر على حياتنا: التفاني في حب الله، وطاعة الوالدين، والحصول على علامات جيدة في المدرسة، وكان أدنى خلل في الالتزام بهذه الأشياء يفرض عقوبة سريعة وقاسية. كانت سمعة عائلتنا تقوم على الكمال والاستقامة، ولم تكن لدى أهلنا أية فكرة بأن بناتهم الساعيات نحو الكمال يتعرضن لسخرية مريرة من زميلاتهن.

علاقاتنا الاجتماعية على الجانب الآخر من الباب لم يكن لها وزن يذكر داخل المنزل. كانت لنا جالية مختلفة يتجمع أفرادها في نهايات الأسابيع وفي أيام الصف. كان هناك أقارب من مدن في بنسلفانيا وأوهايو يتجمعون في غرفة المعيشة وغرفة الطعام في بيتنا حول الطاولة التي تكون والدتي قد حشدت عليها مجموعة مدهشة من الأطباق العربية: حمص، بابا غنوج، ورق عنب، شيش كباب، كبة، فخذ خروف مشوي، ديك حبش محشو بالأرز والزبيب، وأطباق تلو أطباق من الأكلات الجانبية في حين ترتفع كومتان من أقراص الخبز العربي الشهير على طرفي الطاولة.

كان عمي القسيس يتلو صلاة المائدة ثم يرتفع اللغط باللغة العربية فيما يغمس أبناء العمومة خبزهم في الأطباق ويسكبون التبولة في صحونهم ويقضمون البقلاوة الحلوة بتلذذ. وعندما كانت الوجبة تقترب من نهايتها كنا نتراجع قليلاً عن المائدة فيروي والدي قصة من الأيام القديمة أو يقرأ أحدهم رسالة وصلته من لبنان أو يندلع جدل سياسي متشابك فوق الصحون الفارغة.

كنا نحن البنات نقوم بتنظيف الطاولة فيما يرتفع صوت الموسيقى العربية قادماً من آلة التسجيل وسرعان ما تتشكل حلقة دبكة فتشتبك الأذرع ويأخذ البيت بالاهتزاز من وطأة الأقدام التي تدك الأرض وإيقاع التصفيق والحركات الأخرى المصاحبة. نحن كأطفال، ونحلاتٍ عاملات، كنا ننشغل بتنظيف الصحون وتلبية طلبات الكبار إضافة إلى الوقوف على رؤوس أصابعنا أحياناً ليقرص أحدٌ خدودنا أو يرفعنا مداعباً في الهواء.

هذه المشاهد العائلية كانت تملأني بهجة وإحساسا بالانتماء، ولكني كنت أعلم أنه ليس هناك من أحد خارج ذلك الباب يمكنه المشاركة فيها، وأن التعليقات المهينة في ساحة المدرسة ستتكاثف. المظهر المختلف كان كافياً، ووجود أبٍ ذي لكنة ثقيلة جعل لي سمةً غريبة. أما الدبكة في حلقات فمن شأنها جعلي منبوذةً اجتماعياً.

2- تكوّن كاتبة

في ساحة الكلية، وهي مدرسة يزيد من فيها من الناس مئة مرة عن عدد السكان في بلدتي، سرت مأخوذة بما حولي. بعد مروري بصف أشجار الكنجو دخلت كاتدرائية التعلم وهي ناطحة السحاب التي تحوي دائرة اللغة الإنجليزية في جامعة بتسبرغ. قاعات المحاضرات في الطابق الأول من هذا المبنى الجميل ذات تصاميم متنوعة القوميات فالقاعة الإنجليزية تحوي مقاعد مماثلة لتلك الموجودة في مجلس العموم. والقاعة الهنغارية زينت برسومات جدارية لزهور بألوان الفلفل الحلو المختلفة، والقاعة الصينية، المنسوبة إلى كونفوشيوس، تتيح للطلاب الجلوس حول طاولات دائرية لا يحس فيها أحد بالتميز على الآخر. كنا نأخذ بعض المحاضرات في هذه القاعات وغالباً ما لم نكن مرتاحين فيها بسبب صلابة الأثاث أو الانتباه الزائد الذي كان يتعين علينا مراعاته عند استخدام أدواتنا. كانت هناك قاعة مغلقة دائماً ولم يكن مسموحاً بدخولها إلا بإذن أو خلال جولة منظمة. وقد قرأت اللوحة المثبتة عند باب الغرفة: القاعة السورية اللبنانية. كان هنا، أيضاً، باب آخر يفصل العالم الأميركي الخارجي عن عالمي، وحرصت بالطبع على رؤية القاعة موجهاً الدعوة لأصدقائي لمصاحبتي.

لحظة دخولنا تجمدت أنفاسنا. كانت القاعة مغطاة بسجاجيد فارسية التصميم وانتشرت فيها أضواء بزجاج متعدد الألوان وطاولات نحاسية وأرائك ملتصقة بالجدران حول محيط القاعة. كان الترف والإثارة يشيعان في أجوائها، وفجأة انبعث في داخلي الفخر الناشئ عن ارتباطي بهذا القصر. وكرمز لهويتي في الكلية أخذت أتحدث عن تراثي وكتبت عن جدتي وأعددت طعاماً عربياً لأصدقائي وأطلقت أغاني أم كلثوم في المناسبات التي كانت تتم في بيتي.

لم ينقض وقت طويل قبل أن أدرك أن إظهار عروبتي قد عمل على جعلي أبدو دخيلة، ففي منهاج الدراسة لم يكن هناك أي شيء عن الكتابة العربية وفي التلفزيون لم يكن هناك شخص له علاقة بلبنان سوى داني توماس، وأصبح لورنس العرب الإشارة المميزة لثقافتي. في الوقت نفسه كشفت الأحداث في الشرق الأوسط عن مشاعر مناوئة للعرب، وازدادت هذه المشاعر سلبية بمرور الزمن ووصلت حد الريبة وعدم الثقة حتى من جانب زملائي.

واصلت الكتابة. قصيدة عن هجرة أمي من لبنان وتوطنها في الولايات المتحدة، وقصة عن حياة جدي كلاجئ خلال الحرب العالمية الأولى، ومغامرات والدي كتاجر مطاط في البرازيل أيام شبابه أصبحت مواضيعي المفضلة وانطلقت مني تلقائياً هذه القصص والأشعار كما لو أن التاريخ برمته كان محتبساً في داخلي. على أن كتابتي كانت لا تزال داخل الباب. في الخارج، في قاعة المحاضرات، في برنامج البكالوريوس والماجستير، بعد عدة سنوات، كان الأدب الذي نقرأه غريباً على إحساسي الطبيعي غربة باربي في سنوات طفولتي، كانت نماذج الكتاب تشمل عدداً لا بأس به من المؤلفين المنتمين لهوية أوروبية والذين كتبوا بإجادة حول مواضيع تتصل بالثقافة الأميركية السائدة. أما أنا فقد انصرفت في كتابتي إلى رواية قصص الأطفال الذين ماتوا خلال الحصار العثماني لقريتنا في لبنان. كنت أحس في شِعري بموسيقى غريبة عن السمع الأميركي، وجاءت الصور التي نسجتها في كتابتي موشاة بالتفاصيل اللامعة وأكثر ثراء من الكتابات الأخرى في السبعينات.

على أني لم أشعر بالترحيب خارج الباب.

لكني ثابرت، وعند نقطة ما في مسيرتي وقع بين يدي كتاب أحدث اختلافاً. كان عنوان الكتاب الذي جذبني المرأة المحاربة وكان اسم المؤلفة غير مألوف: ماكسين هونغ كنغستون. في هذا الكتاب اكتشفت جدّةً تروي القصص وبناتٍ كن أميركيات بأكثر مما تتحمله عائلاتهن - ثقافة غريبة تماماً عن البيئة المحيطة بهن. معنى الحديث أن هذه الكاتبة كانت تعرف بالتأكيد ماذا كان داخل الباب وقد كتبت عن ذلك. لم يفتح لي هذا الكتاب سبيلاً فقط للتعرف إلى الأدب المتوفر في المكتبة الصينية الأميركية بل وجدت كتاباً أميركيين أفارقة ومن دول أميركا اللاتينية ومن الأميركيين الأصليين والذين رددت أصواتهم صدى المواضيع ذاتها: الانتماء، الهوية، الغربة الثقافية، المجتمع المحلي، الغربة.

انسابت انفعالاتي الموسيقية عبر الشقوق ومن تحت العتبة ودفعت خبطة الدبكة الباب بعيداً. استمعت إلى توني موريسيون تجيب في مقابلة لها عن السؤال: "هل تكتبين بسبب العنصرية؟" وكان جوابها: "أنا أكتب على الرغم من العنصرية". أصبح الكتاب يؤكدون وضعهم ليس فقط في الأدب ولكن في إدراكهم للتاريخ. المشاركة في النشاطات كان بالنسبة لي دائماً جزءاً هاماً من كوني مواطنة في الولايات المتحدة الأميركية. لقد اتسمت سنوات عمري بالقضايا السياسية التي في سبيلها تظاهرت، واحتججت، ووقعت العرائض، ونظمت اللجان. ثم بدأت أدرك الآن: لقد كنت ناشطة أيضاً من خلال كوني كاتبة. إن كتابة قصة جيدة أو قصيدة جميلة تفعل في نفس القارئ بأعمق مما يستطيعه أي خطاب آخر.

إضافة لذلك فقد وجدت تجمعاً: كتابا وفنانين أميركيين ملونين يسلكون ذات الدرب الذي أسلكه، العيش بأحاسيس مزدوجة، والتعامل مع ثقافة أعيش فيها تتعارض مع ثقافتي الأخرى، والبحث عن مكان هو الوطن. لقد شكلت ظروف هذه الأيام تحدياً للعرب الأميركيين لأن بلداننا الأصلية منخرطة غالباً في النزاعات والخلافات السياسية، وكلما ازدادت المسألة صعوبة كلما أصبح هناك دور أكبر لقصتي الجيدة و قصيدتي الجميلة في الإسهام في رؤية أفضل للناس والأحداث. إن القراء يثقون غالباً بالأدب أكثر مما يثقون بالخطابات أو المقالات، ولقد وجدت أن ولعي بالكتابة يتداخل مع مسؤوليتي في أن أكتب.

لديّ الآن بلدة جديدة صغيرة. إنها ليست في أي مكان على وجه الخصوص ولعلها موجودة في كل مكان. في هذه القرية يعيش الناس وأبوابهم مفتوحة يدخلون ويخرجون فوق عتبةِ ما كان يوماً خاصاً وغريباً إلى ما هو معروفٌ ومعتاد. ككاتبة، أنا أجعل حياتي معروفة ومتداخلة في النسيج الأدبي، وكناشطة فإني أنظر باتجاه آخرين من الكتاب الملونين الشباب وأقول لهم إنه ربما يتعين عليهم أن يدفعوا بكل ثقلهم وأنهم إن واصلوا الضغط فإن ذلك الباب سينفتح أخيراً.

image of a pen جوليا ألفاريز  أنا، أيضاً، أشدو لأميركا