|
بطاقة بريدية من أميركا
بقلم روبرت أولين بتلر
هذه البطاقة البريدية المصورة تعود إلى تسعين عاماً تقريباً. وهي صورة أصلية التقطها أحدهم بكاميرا كوداك براوني التي كانت قد اخترعت حديثاً، ثم طبعت على قطعة من الكرتون الجاف ظهرها مصمم كبطاقة بريدية. وقد كانت هذه ممارسة شائعة في بدايات القرن العشرين في أميركا. إذ كان الناس يلتقطون صوراً لكل منحى من حياتهم اليومية ويرسلون الصور بالبريد لبعضهم بعضاً. وهذه الصورة بالذات هي لطائرة شراعية بجناحين هشين سريعي التكسر في تلك الأيام الخطرة الأولى لعصر الطيران عندما كان الطيار يطير وحيداً في مواجهة فراغ سماء مفتوحة. وإذا ما نظرت مدققاً يمكنك أن ترى النهاية اليمنى للجناح العلوي وقد بدأت تتمزق. والرسالة على ظهر البطاقة تقول ببساطة: "هذا هو إيرل ساندت من إيري في بنسلفانيا في طائرته قبل أن تسقط." لقد دأبت على جمع البطاقات البريدية الأميركية القديمة منذ ما يزيد على عقد من الزمان. وتركز مجموعتي إلى حد ما على الصور الموجودة على وجه البطاقة – و(لكن) هذه بالذات كانت غير عادية – فهي تركز بصورة أكبر على الرسائل الموجودة على ظهر البطاقات. فقبل أن تغدو الهواتف أمراً شائعاً، كان الناس في أحيان كثيرة يبوحون بما يريدون قوله بكتابته على ظهر البطاقة البريدية. هذه الرسائل تخلب لبي ككاتب -- أشعر أن عمله متجذر بعمق في روح أميركا. وكل فنان مهما كانت جنسيته يمكنه التكيف بذكاء مع التوجه إلى التلميح وإحداث ذلك الفارق الفاصل بين الظاهر والباطن والبعد عن التعبير الكامل، عندما يتصل الأمر بكشف مكنونات شخصيته وتطلعاته التي يختزنها بعمق في قلبه. وتلك الأصوات المجزأة للأميركيين الذين انتقلوا منذ زمن إلى الدار الآخرة ما زال صداها يتردد بعمق لا تعبيراً عن الحياة الخاصة التي تنبض خلف الكلمات فحسب، بل وعن اهتمامات وشخصية هذه الأمة في السنوات الأولى مما يمكن اعتباره قرناً غير عادي. لقد شرعت الآن في تأليف كتاب يضم قصصاً قصيرة مبنية على المجموعة التي أملكها من البطاقات البريدية العائدة للعقدين الأولين من القرن الماضي. سوف أكتب حوالى عشرين أو أكثر من القصص، تضم كل واحدة منها وجه أو ظهر إحدى هذه البطاقات البريدية كتذكار حي يوجز تلك الفترة. وسأتصدى للتعبير عما ورد في الرسالة التي كتبت على ظهر البطاقة، أو عما خالج متسلمها، أو لربما تطلعت إلى البحث عن شخص ورد ذكره في الرسالة. في بطاقة بريدية مصورة خاصة أخرى، تجلس امرأة إلى جانب صديقتها في سيارة من طراز ميتشل من موديل عام 1906 وقد كتبت قصيدة تحت الصورة: "لم نجد حتى الآن لحنا موسيقيا يمكن أن يعادل ذلك الصوت الجميل / الذي يتفوق، في رأيي على كل ما عداه / صوت محرك السيارة وما ينفثه من غازات." وقد أضافت، وهي تكتب لصديقتها التي تجلس إلى جانبها، "ألا يذكرك هذا بالعديد من الرحلات السارة بالسيارة على الطريق الجميل؟" والمدينة التي كتبت منها هي مدينة كوانا في تكساس، التي تحمل اسم زعيم من هنود الكومانشي، هو كوانا باركر الذي كان آخر زعيم يحضر شعبه إلى المحمية في سهول استاكادو في تكساس، والذي أصبح من بعد رجل أعمال ناجحاً، ورفيق صيد لثيودور روزفلت، ونائباً للشريف في مدينة لوتون بولاية أوكلاهوما. تتحدث القصة التي كتبتها استنادا إلى هذه البطاقة هاتان المرأتان وهما تتسللان معاً، أثناء انشغال زوجيهما في مزاد للخيول، وتأخذان السيارة في رحلة قصيرة، وهو ما يؤكد استقلاليتهما ويجعلهما مشابهتين لاسم الرجل الذي تحمل البلدة اسمه. وهذه الأمة، والتي بنيت على حفظ حقوق الأقليات، كانت في بعض الأحيان بطيئة في تطبيق هذه الحقوق بصورة كاملة. ولكن هذه البطاقة تسجل لحظة مبكرة في القرن العشرين في عملية إحداث المزيد من الانفتاح في المجتمع الأميركي: بلدة في تكساس تكرم في اسمها زعيماً وطنياً أميركياً من سكان البلاد الأصليين قاد صراعاً مطولاً ضد إقامة مثل هذه البلدة، ولكنه بعد ذلك تأقلم بنجاح مع عالم جديد. وامرأة تنعم مع امرأة أخرى بالتكنولوجيا التي أفرزها مجتمع يسيطر عليه الذكور، مستشعرتين ربما أن هذه التكنولوجيا قد تعمل يوماً ما على تحويل ذلك المجتمع إلى مجتمع أكثر ميلاً إلى المساواة. أما الصورة، التي يظهر فيها المبنى الذي كان يضم وزارات الحرب والخارجية والبحرية في الولايات المتحدة الأميركية في واشنطن العاصمة، فهي تحمل هذه الرسالة: "إلى عزيزتي جوجو: كتذكار للساعة اللطيفة التي قضيناها واقفين أمام وزارات الحرب والخارجية والبحرية (في يوم بارد) ننتظر الموكب كي يتحرك وصولاً إلى البيت الأبيض حيث صافحنا الرئيس روزفلت يوم رأس السنة 1908، من طفلتها ديدي." وهذه البطاقة مثل الكثير من البطاقات التي تشتمل على رسائل خاصة جداً، ليس عليها طابع بريد. فقد وضعت داخل مغلف لترسل بالبريد حفاظاً على خصوصيتها. وها نحن نرى امرأتين، مرتبطتين بهدوء بصورة غير تقليدية معا، ومع ذلك تشعران بالفخر في الانتظار لممارسة حقهما لمصافحة رئيس الولايات المتحدة الأميركية. في الرابع من تموز/يوليو 1906 أرسل شاب مجهول صورة لنهر ساكو وهو يجري عبر الجبال البيضاء في ولاية نيوهامشير إلى رجل في شيلبورن فولز في مساشوسيتس، ربما كان والده. ويشير ختم البريد إلى أن الشاب كان مقيماً في أحد المنتجعات الكبيرة في الجبال البيضاء، وهو فندق كروفورد هاوس. وقد كتب قائلاً: "هذا اليوم الرابع من تموز/يوليو هو يوم عيد هادئ، هناك 220 نزيلاً في الفندق. وعندما رفع العلم هذا الصباح تجمعوا في الساحة ورفعوا قبعاتهم وأطلقوا حناجرهم بالهتاف ثلاثاً. وأنا ذاهب للعب الكرة غداً." والبطاقة مؤثرة جداً بالنسبة لي فيما تحمله من معان بين السطور. فقبل حوالي مئة عام كان كل شخص في هذا الفندق العريق العظيم يخرج إلى الساحة، ومعظمهم غرباء عن بعضهم بعضاً، ويهتف معلناً ولاءه لأميركا التي جمعت بينهم وأوجدت رابطة وثيقة تشدهم معاً. وفي اليوم التالي انطلق صاحبنا الشاب وشارك في تلك اللعبة التي تتسم بأنها أميركية إلى درجة كبيرة، لعبة البيسبول، التي توحده ثانية مع آخرين في اللعب هذه المرة. هناك صورة أخرى خاصة أخذت أثناء الحرب العالمية الأولى في الخطوط الأمامية، مع جذوع الأشجار المكومة لتعزيز الجدران الترابية المحفورة بعمق، ومعها صورة باهتة لجندي من المشاة في الأعلى وهو يبتعد. وتقف على الأرضية الترابية للموقع المكتشف امرأة قوية توحي بالسلطة وهي ترتدي ثوباً من نسيج الجبردين الغامق وتضع على رأسها قبعة ذات حواف ضيقة، وسلسلة ساعة الجيب التي تحملها تتدلى على صدرها، وهي تبتسم ابتسامة باهتة، مزمومة وكأنها تقول من الأفضل لي أن أهتم بنفسي في مثل هذا الوضع. والعبارة المكتوبة باليد تقول ببساطة، "الوالدة في الخنادق." هذه الأم الأميركية جدا جاءت إلى الخطوط الأمامية لتفقد ابنها. تظهر بطاقة تمت طباعتها بالجملة صورة رسمها فنان لامرأة تبدو بائسة ومنكودة. والجملة المطبوعة على البطاقة تقول: محطمة القلب. وفي المكان المخصص للرسالة، كتب أحدهم هذه الكلمات البسيطة إلى رجل في أتليبورو، مساتشوستس، دون توجيه تحية ودون توقيع، "سنلتقي معاً في الموت". ويبدو هذا لأول وهلة وكأنه انفصال مر لمحبين. ولكن نظرة متفحصة لعنوان الرجل تظهر أنه موجود في مصح. وهو على فراش الموت لإصابته بالسل. وتتحول العلاقة في ذهن الناظر إلى البطاقة بصورة جذرية لتغدو علاقة معقدة بالفعل – وخاصة مع غياب أي كلمات للتحبب أو حتى لتحديد الهوية في الرسالة. وفي عصر كانت فيه معظم الأمراض تؤدي إلى الموت، فإن امرأة نقحت كلماتها إلى أساس الإيمان الذي شاركت فيه الرجل الذي أحبت والراقد على فراش الموت. هناك شيء في إيمان هذه المرأة وواقعيتها وشجاعتها يبدو لي أميركياً بصورة خاصة. وكذلك يبدو ارتباط المرأة الممتلئ بالعاطفة في تكساس بالتقدم التكنولوجي، والسعادة التي شعر بها الزوجان في واشنطن بما شاهداه من انفتاح حكومة تمثل الشعب، وشعور الشاب بصحبة وأخوة مواطنيه المجهولين، وقوة الأم وبسطها مظلة حمايتها لابنها وقدرتها على الابتعاد عما هو تقليدي متعارف عليه لهو هدف أسمى. ولكن، بالطبع، فإن جميع هذه الصفات عالمية في انتشارها أيضاً. ومن المهم أن نفهم كيف تمتزج الخصوصية الضيقة والعمومية الشمولية في الفن. فالعمل الفني لا يأتي من عقل الفنان. وهو لا يأتي من الملكات العقلية التحليلية وهو لا يتأتى من الأفكار. فالفن يتأتى من المكان الذي يحلم فيه الفنان. إن الفن يأتي من اللاوعي. اللاوعي مكان مخيف. وقد قال المخرج السينمائي الياباني العظيم أكيرا كوروساوا مرة، "أن تكون فناناً معناه أن لا تشيح بعينيك أبداً." وإذا ما قامت الفنانة بهذا فعلاً، وإذا ما أوغلت في منطقة اللاوعي لديها، يوماً بعد يوم، عملاً بعد عمل، ولم تتفاد عينيها، فإنها تحطم في النهاية الحاجز للدخول إلى مكان لا تكون فيه أنثى أو ذكراً، لا سوداء ولا بيضاء، ولا حمراء ولا صفراء، ولا مسيحية ولا مسلمة، ولا يهودية ولا هندوسية، ولا بوذية ولا ملحدة، ولا أميركية شمالية ولا أميركية جنوبية، ولا أوروبية ولا إفريقية ولا آسيوية. إنها مجرد إنسان. وإذا ما حدث أن اعتبر المرء الولايات المتحدة الأميركية موطنه، سواء بالولادة أو الاختيار، فإنه يتطلع حوله على خصائص وطبيعة هذا المكان وهذه الثقافة ويجد تلك المناحي منهما التي يتردد صداها لدى المجتمع الإنساني الشامل الذي نشترك فيه جميعاً على هذا الكوكب. في الخريف الماضي، كلفت بمهمة كتابية في مشروع يقوم على استعمال الإنترنت لتعليم القواعد الأساسية للعملية الفنية. وكان طلابي قد استمعوا إلي طويلاً وأنا أتحدث عن أصول الفن ووجودها في اللاوعي، وما يتبع ذلك من أن الأعمال الفنية هي بصورة أساسية كائنات حسية تتفهم العالم وتفسره بطرق غير تحليلية. ومعضلة تدريس هذا الشكل الفني، مع ذلك، هي أن الفرد ينتهي لا محالة إلى استعمال الخطاب التحليلي، كما في هذه الجمل ذاتها، لرفض التحليل. وهكذا، بدأت في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2001، موقعاً على الإنترنت برعاية موقع جامعة فلوريدا التابعة للولاية، حيث أقوم بالتدريس. وكنت أمضي ساعتين كل ليلية في إنجاز كتابة قصة أدبية قصيرة على الإنترنت. ويتمكن الطلاب من رؤية العملية الفنية بصورة مباشرة، بصورتها الكاملة لحظة بلحظة. وقد بدأت بمفهوم بسيط، ودون أي إعداد، ألفت القصة في الوقت الفعلي. وقد شاهد الذين تابعوني على الإنترنت كل قرار إبداعي، وصولاً إلى أصغر فاصلة، أثناء اتخاذه في كل صفحة. وكل جملة لم تحظ بالرضى، وكل جملة ضعيفة، وكل كلمة كان اختيارها سيئاً، وكل طريق مغلق النهاية فيما يتصل بالمفاهيم، اشتركنا جميعاً في تتبع مراجعتها وإعادة كتابتها أمام أعين متابعي الشاشة. وانتظرت حتى صبيحة الثلاثين من أكتوبر قبل أن أفتح مكنونان نفسي للإلهام بحيث لا يتسنى لي، حتى دون وعي مني، للإعداد مسبقاً والتخطيط للقصة. وأردت أن يتم التشارك في العملية جميعها على الموقع على الإنترنت. وهكذا توجهت إلى مجموعة البطاقات البريدية (التي) لدي في ذلك الصباح بحثاً عن البطاقة التي تحمل أقوى قصة تدور حولها. والبطاقة التي قفزت أمام ناظري كانت تحمل صورة طائرة إيرل ساندت الشراعية ذات الجناحين. عندما اشتريت تلك البطاقة في مؤتمر للبطاقات البريدية عقد في شهر كانون الثاني/يناير من العام ذاته، عرفت أنني في يوم ما سأكتب قصة مستوحاة من هذه البطاقة. وقد افترضت دائما، مع ذلك، أن القصة ستكون بصوت إيرل ساندت، الطيار الذي لاقى حتفه. وتغير هذا يوم 30 تشرين الأول/أكتوبر. وأخذت هذه البطاقة البريدية العريقة، ولاوعيي الفني، زإحساسي بنفسي كأميركي وهويتي الأوسع كإنسان، وقد تلاقت هذه كلها معاً بقوة. وعرفت على الفور أنه يتوجب عليّ أن أكتب القصة على لسان الرجل الذي راقب ما جرى. لأنه في الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001، كنا جميعاً قد شاهدنا ما جرى. من حيز الحلم لديّ كتبت هذه القصة عن أميركا كما كانت في بدايات القرن العشرين، وبقيامي بهذا تبينت أمراً أساسياً هاماً عن ذلك اليوم الرهيب في أميركا في بدايات القرن الحادي والعشرين. فالرجل الذي التقط الصورة وكتب الرسالة على البطاقة البريدية قبل تسعين عاماً شعر بالشيء ذاته الذي شعرنا به جميعاً في 11 أيلول/سبتمبر، وأخذت أتفهم أن الآثار الأعمق والأكثر التصاقاً لذلك اليوم لديها وشائج ضعيفة بالسياسات الدولية أو الإرهاب العالمي أو الأمن الوطني أو وحدتنا كأمة. فهذه القضايا فعلية وهامة أيضاً، بالطبع، ولكن يبدو لي أن أعمق تجربة للحادي عشر من سبتمبر وقعت لنا، كلاً على انفراد، بطريقة شخصية تماماً. فكل واحد منا رأى سقوط طائرة في ظروف مذهلة لا نملك لها إطاراً مرجعياً، ونتيجة لذلك، فقد تمكن الحدث من اختراق دفاعات معينة نحملها معنا بالضرورة في داخلنا. وقد جابهنا – كلاً منا على حدة – وبطريقة لم يسبق لأي منا أن مارسها، مسألة فنائنا. يمر الفنانون من جميع بلدان العالم يومياً من خلال فضاء اللاوعي الشخصي ويدخلون في أعماق اللاوعي الجمعي، ويخرج هؤلاء الفنانون برؤى للأشياء التي تربطنا جميعاً معاً. أنا أميركي، أنا فنان، وأنا أتطلع إلى بلدي، وأبحث عن روح الإنسانية. |