|
حول كوني مؤرخاً أميركياً
بقلم ديفيد هيربرت دونالد
عندما كنت أعمل على استكمال السيرة الذاتية التي أعددتها عن أبراهام لنكولن، اتصل وكيل أعمالي الأدبية بالعديد من الناشرين البريطانيين متطلعاً إلى إصدار نسخة إنجليزية من الكتاب. ولم يبد أي منهم الكثير من الاهتمام. وأخيراً وافق أحد دور النشر اللندنية القديمة الشهيرة على نشر الكتاب، ولكن بافتقار ملحوظ للحماس. ويجب ألا أتوقع الكثير فيما يتصل بالمبيعات في الجزر البريطانية، قال لي رئيس تحرير الدار في رسالته. وحذّر من أن كتاباً عن أبراهام لنكولن في إنجلترا ربما باع عدداً من النسخ مساو لعدد النسخ التي يبيعها كتاب عن حياة اللورد شافتسبيري في الولايات المتحدة الأميركية.شعرت بالغضب. ففي نهاية الأمر أنا لم أضع كتاباً عن شخص أميركي مستحق، وإن كان غير معروف، من شخوص القرن التاسع عشر، مثل توماس هارت بنتون أو بنجامين هاريسون، بل كتاباً عن أبراهام لنكولن، الذي يعتبره الكثيرون أعظم رئيس أميركي. فبقيادته الشمال إلى النصر في الحرب الأهلية، وبإلغائه العبودية، وبالمحافظة على السلام مع القوى الأوروبية أثناء ذلك الصراع، غدا لنكولن شخصية لا تقتصر أهميتها على النطاق المحلي بل تتعداه إلى النطاق العالمي، يعجب بها أشخاص متنوعون مثل وينستون تشيرتشل ومارتن لوثر كنغ الابن. وقد قال عنه ليو تولستوي إنه "مسيح مصغّر، وقدّيس للإنسانية." بعد التفكير ملياً بالإهانة التي وجهت لي لعدة أسابيع، وافقت على مضض - وإن لم أتوافق مع نفسي - على أن المحرر اللندني المتعجرف ربما كانت لديه وجهة نظر وهي وجهة نظر عززتها، لسوء الحظ، المبيعات البائسة للكتاب في إنجلترا. ومشكلة إثارة اهتمام جمهور أجنبي كبير بكتاب عن لنكولن لم تكن، كما ظن المحرر، هي الموضوع الأساسي بالقدر الذي كانت فيه الافتراضات المسبقة التي تكونت لديّ عندما نهضت إلى كتابته. فلأنني وجهت الكتاب بصورة رئيسية للجمهور الأميركي، افترضت ضمناً أن لدى الجمهور معرفة بأحداث هامة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، مثل توافق ميزوري، وقرار دريد سكوت، أو على الأقل رغبة في استكشاف تشابكات بعض القضايا مثل إعلان تحرير العبيد أو التعديل الثالث عشر. وقد ظهر أن هذه التوقعات غير واقعية. ظننت أنني كتبت عن هذه الأمور كمؤرخ، مؤرخ ينتمي إلى أخوية عالمية، لديها مجموعة مشتركة من الافتراضات وتمارس الوسائل ذاتها تقريباً، كما يفعل العلماء في جميع البلدان. واكتشفت بدلاً عن ذلك أنني أكتب كمؤرخ أميركي. وفي الواقع، استنتجت أن جميع كتبي اشتركت في هذه الخاصية ذاتها: وهي أنها كتب أميركية، كتبها مؤرخ أميركي. ليس من السهل أن أحدّد بالضبط ما الذي يجعل كتاباتي أميركية بصورة مميزة. وأوضح طريقة هي أن أشير، دون استثناء تقريباً، إلى أنها تدور جميعها حول موضوعات أميركية: الصراع بين الوطنية والتجزئة في أميركا القرن التاسع عشر، والحرب الأهلية الأميركية، وعملية إعادة البناء بعد تلك الحرب. وجميع السير الذاتية التي كتبتها كانت عن أميركيين، نال بعضهم شهرة ذات صبغة مغرقة في المحلية بحيث يصعب تخيل أن سيرة حياتهم يمكن أن تثير اهتمام أحد غير القراء الأميركيين. لقد كان وليام هـ. هيرندون، الشريك الشيّق لأبراهام لنكولن في مكتب المحاماة وأحد أوائل كتّاب سيرته الذاتية، شخصية ثانوية. ونال سالمون ب. تشيس شهرة محدودة كسياسي من ولاية أوهايو معارض للعبودية حتى أصبح وزير الخزانة لدى أبراهام لنكولن. وربما نال تشارلز فرانسيس آدامز شهرة أكبر كوزير مفوض للولايات المتحدة الأميركية لدى بريطانيا العظمى أثناء الحرب الأهلية، ولكن الناس يتذكرونه، إذا ما تذكروه أصلاً، باعتباره إبناً وحفيداً لرؤساء أميركيين. وقد تطلّع تشارلز سومنر، عضو مجلس الشيوخ القوي عن ولاية مساتشوستس والمنادي بإلغاء العبودية، إلى التشبه بالأرستقراطيين البريطانيين، ولكن عدداً قليلاً من الإنجليز في أيامنا هذه يستطيعون حتى التعرف إلى اسمه. لكن اختيار موضوع ما لا يكشف بالضرورة عن جنسية المؤرخ. وفي نهاية الأمر فإن إحدى أفضل السير الذاتية المبكرة لأبراهام لنكولن، وهي سيرة ما زالت قيمة حتى الآن، كتبها رجل إنجليزي، هو اللورد شارنوود. كما أن باسيل ليدل هارت، وكولين بالارد و ج. ف. ر. هندرسون - وجميعهم إنجليز - كتبوا بعض أفضل الدراسات العسكرية عن الحرب الأهلية الأميركية. وهناك عمل ضخم كتبه مؤرخ إيطالي، هو ريموندو لوراجي، يعتبر من أفضل كتب التاريخ العامة عن الحرب الأهلية. ربما كان استعمالي للغة يشير بصورة أفضل إلى أنني لست مجرّد من يكتب عن موضوعات أميركية، بل إنني نفسي أميركي. وآمل أنني أجنح في الغالب إلى استعمال اللغة الإنجليزية المعيارية - ولكن عندما تتاح لي الفرصة فإنني أسعد باستعمال كلمات وتعابير أميركية مميزة. فعلى سبيل المثال، تحدّث لنكولن في إحدى رسائله إلى الكونغرس عن الانفصال باعتباره "ثورة مغلّفة بالسكر" وقال إنه في إحدى المجابهات قامت القوات الكونفدرالية "بالإمساك بذيلها والهرب". وقد عنفه عضو مجلس الشيوخ سومنر على الهبوط بمستوى اللغة الإنجليزية - ولكنني اقتبست سقطاته هذه بسرور كبير. كما أنني أسر كثيراً ببعض الاشتقاقات الأميركية الجديدة. فعندما كتب هيرندون عن الغزل المعقّد الذي قام به لنكولن لماري تود وعن خططهما التي كانت توضع وتلغى للزواج، جعل عنوان الفصل الذي كتبه "التعقيدية في الزواج"، وقد ظننت دائماً أن هذا الاشتقاق أفضل وأكثر تميزاً كاشتقاق أميركي من مجرد استعمال عبارة "أمر معقد"، وقد قمت باستعمال كلمة "تعقيدية" بصورة متكررة. وكذلك فإنني أميل، كلما استطعت إلى ذلك سبيلاً، إلى اقتباس اللغة المسطحة الشائعة لدى الأميركيين غير المثقفين، والتي تتمتع في أحيان كثيرة بقوة ووضوح قد تفقدهما إذا ما اتبعت قواعد اللغة الإنجليزية. وأجد شيئاً مباشراً وبالغ التأثير في جمل كتلك التي قالها دينيس هانكس إبن عم لنكولن الريفي، الذي وجه هيرندون حول ما يجب عليه تضمينه في سيرة حياة لنكولن التي كان يقوم بإعدادها قائلاً: "تأكد يا وليام واجعل اسمي بارزاً وسيكون عملك ناجحاً مع ما في الجملة من أخطاء إملائية." 2 كانت نشأتي الأميركية قد أثرّت في الطريقة التي أكتب بها التاريخ. وأي مراقب موضوعي، إذا أتيحت له الفرصة التي لا يحسد عليها لإعادة تقييم القائمة الطويلة من مؤلفاتي، والتي تمتد من أربعينيات القرن الماضي إلى وقتنا الحاضر، قد يستنتج بصورة منطقية أنه لم يكن هناك نمط واضح متماسك في كتبي. ففي أيامي الأولى كمؤرخ، كنت مبهوراً بإمكانية الربط بين علمي وبين علم الاجتماع، وفي سلسلة من المقالات، نشرت في كتاب إعادة النظر في لنكولن، حاولت أن أحلل الأصول الاجتماعية لحركات الإصلاح الأميركية في القرن التاسع عشر، وللدفاع الجنوبي عن العبودية. ثم أصبحت مهتماً بعمق في علم النفس، وخاصة التحليل النفسي، مما كان نتيجته أن السيرة الذاتية التي أعددتها عن تشارلز سومنر غدت، كما سمّاها أحد مراجعيها أكثر سيرة ذاتية تتصف بالفرويدية قرأها في حياته. وحوالي ذلك الوقت، مع ذلك، كنت منجذباً إلى التطورات الجديدة في التاريخ الكمي، وفي سياسات إعادة التعمير حاولت رسم تلك الفترة في سلسلة متتالية من الخطوط البيانية. وبعد هذا، بدأت في قراءة النقد الأدبي وكتبت السيرة الذاتية لتوماس وولف، القاص الجنوبي في القرن العشرين. وقد وجد بعض زملائي أن هذه الانتقالات المتكررة في الموضوع والمنهجية تبعث على التشويش وحتى تسبب الإزعاج. وقد لامني صديقي العزيز آرثر س. لينك، الذي قضى حياته العلمية المتميزة بكاملها متتبعاً حياة وودرو ويلسون المهنية، ذات مرة على تغيير وجهة نظري بصورة طائشة. وقال لائماً بلطف "يا ديفيد، إن مشكلتك هي أنك لست مؤرخاً جاداً." يجب عليّ أن أردّ على هذه التهمة بأنني إلى حد ما مذنب، لأنني كتبت عن ما أثار اهتمامي، مستعملاً مختلف الوسائل التي توصلت إليها، وكتبت ما استمتعت بكتابته، وليس ما اعتقدت - أو اعتقد الآخرون - أنه يجب كتابته. وهذا كما أعتقد، اتجاه أميركي مميز. وقد انطلق في حالتي من تجاربي في رحلة مطولة بالحافلة (الباص) قمت بها عندما كنت طالباً في الدراسات العليا. وقد انطلقت الرحلة من الساحل الشرقي، وتجولت وتنقلت وتحدثت مع المسافرين ساعة بعد ساعة، ويوماً بعد يوم، والحافلة تعبر بي وبزملائي المسافرين عبر جبال أبالاشيا مارة بالمدن الصناعية في الغرب الأوسط، مخترقة السهول العظيمة اللامتناهية، باتجاه المنطقة الجبلية الرائعة الجمال، حتى وصلنا أخيراً إلى كاليفورنيا. ومنذ تلك المغامرة بدأت علاقة حب بيني وبين المشهد الطبيعي الأميركي، بكل تنوعاته. وقد أجبرتني الرحلة الطويلة على تفهم الامتداد الهائل لبلدنا، كما أن اجتماعاتي يوماً بعد يوم مع زملائي المسافرين من جميع الأعراق، ومن الجنسين، ومن جميع أرجاء البلاد، أدت بي إلى تبيّن التنوّع اللامتناهي للحياة الأميركية. لقد أمدني هذا التنوع - كما أمدّ بالطبع العديد من الكتاب الأميركيين الآخرين - بمساحة هائلة للتجريب، في الموضوع، والمحتوى، والمنهاج. فليس هناك تقليد مهيمن واحد في كتابة التاريخ، وليس هناك طريق واحد لا ثاني له يتوجب على المؤرخين الصاعدين اتباعه. إن التنوّع في كتاباتي ذاته هو أفضل مؤشر على كيفية تأثير كوني أميركياً على حياتي المهنية كمؤرخ. 3 إلا أنه في هذا التنوّع هناك، كما أعتقد، وحدة مخفية، وهذا أيضاً سمة أميركية مميزة، أو على الأقل مميزة لجنوب الولايات المتحدة، حيث ولدت وترعرعت. ومهما كان منهجي أو موضوعي - سواء أكنت أحاول القيام بدراسة كمية لمؤتمر إعادة الإعمار، أو التحليل الأدبي لروايات توماس وولف - فقد حاولت دائماً أن أروي قصة يجدها القرّاء جذابة، مع ممثلين يعتقد القراء أنهم جديرون بالتصديق. كان هذا التقليد المتمثل في رواية القصص دائماً قوياً في الجنوب. وكل أسرة تقريباً في موطني الأصلي، المسيسيبي، لديها رواة القصص - أو كما يقولون لديها حافظو أرشيف الأسرة الذي يضم ذكرياتها وأساطيرها، وغالباً ما تكون هؤلاء هن النسوة الأكبر سناً اللواتي تعود ذاكرتهن إلى بداية الزمن تقريباً. وهن يعرفن جميع قصص الأسرة: كيف أحضر الجد الأكبر زوجته وأطفاله الثلاثة عبر جبال أبالاشيا إلى وادي المسيسيبي، وتمكن بالكاد من أن ينجو من الهنود المهاجمين، وكيف تطوّع الجدّ في الجيش الكونفدرالي وحارب حتى جرح في معركة تشيكاموجا، وكيف صدم الجد الأسرة بزواجه من يانكية (شمالية) - وقد دعيت هكذا لأنها ولدت شمال خط ميسون - دكسون. وبينما كنت أترعرع وأكبر، كنت أنصت إلى الملاحم التي يرويها الرواة، مرددين - بتفصيل شديد، ودائماً بالكلمات ذاتها - ما كان يلبسه كل فرد ورد ذكره في القصة، وما قاله، وما فعله، بدقة. كان هؤلاء الممارسون الأوائل غير المعترف بهم لرواية التاريخ الشفوي رواة قصص رووا حكاياتهم بحماس شديد محاط بهالة من التشويق. فلم يكتفوا ببساطة بسرد الحقائق، إذ بنوا قصصهم بطريقة فنية، تؤدي دائماً إلى ذروة دراماتيكية. وقد كان هذا التقليد الشفوي القوي هو الذي يقف خلف الكثير من أفضل الآداب الجنوبية الحديثة. وهو الذي وفّر الهيكل الأساسي لأعظم روايات وليام فوكنر. وقد كان هذا التقليد هو ذاته الذي وفر الاحتمالات لأفضل القصص القصيرة التي كتبتها يودورا ولتي. وأثّر هذا التقليد لا محالة على نهجي فيما يتصل بالتاريخ - كما أثّر في العديد من أفضل المؤرخين في الجنوب. ومع أنني تدربت على أفضل الأساليب "العلمية" للبحث التاريخي، وتعلمت كيف أتعامل مع قوى غير شخصية واسعة مثل "الطبقة"، و"الرتبة"، و"الرأسمالية"، و"الإقطاع" وما شابهها، فقد وجدت أنه عندما أجلس فعلاً لأبدأ الكتابة، فإن عقلي ينزلق إلى الأنماط القديمة للرواية، بحيث أجعل القراء يرون ويتفهمون شخصيات الحياة الواقعية في الماضي. حتى في آليات الكتابة، أجد نفسي متأثراً بهذه الطريقة الأميركية المميزة - وربما كانت هي الطريقة الأميركية الجنوبية - لرواية القصص. وعندما أكتب وأؤلف على لوحة الحروف في حاسوبي، أتوقف عند إتمام كل جملة لأقرأها بصوت عال، لأتأكد من أن الصوت والحس يحملان المعنى الذي أريد. وإذا ما أخفقت، فإني أمحو الجملة المسيئة وأبدأ ثانية. وأحياناً قد استمع إلى دزينة من الصيغ لعبارة أو جملة ما قبل أن أضعها بالصيغة الصحيحة. ومرة عندما كنت في مكتبي أكتب السيرة الذاتية لتوماس وولف، كان هناك إثنان من النجارين الودودين يقومان بإصلاحات في غرفة مجاورة، وعندما توقفا للاستراحة وتناول القهوة في الحديقة الخلفية بعيداً عن ناظريّ دون أن يكونا بعيدين عن مسمعي. سأل الأكبر منهما سنأ زميله بنبرة قلقة: "هل تعتقد أنه على ما يرام؟" فأجابه الآخر الأصغر سناً "أعتقد ذلك"، "ولكنه يجلس ساعات وساعات عند آلته تلك وهو يتحدث إلى نفسه." قد لا أكون "على ما يرام" - ولكنني أود أن أعتقد أن روايتي للقصص تحمل تقليداً عظيماً. وهو تقليد أميركي بصورة مميزة. |