International Information Programs - Arabic
الصفحة الرئيسية العربية | كتّاب عن أميركا، باللغة الإنكليزية

كتّاب عن أميركا
مقدمة
ألماز أبي نادر
 على ناصية شارع مين
جوليا ألفاريز
  أنا، أيضاً، أشدو لأميركا
سفين بيركيرتس
  القوة الإلزامية
  لأحلام أميركية
روبرت أولين بتلر
 بطاقة بريدية من أميركا
مايكل شابون
 خرائط وأساطير
بيلي كولنز
 ما الذي يجعل
 الشعر الأميركي أميركيا؟
روبرت كريلي
 أميركي أميركا
ديفيد هيربرت دونالد
 حول كوني مؤرخاً
 أميركياً
ريتشارد فورد
 كيف يغني كوني
 أميركياً
 ما أكتب ؟
ليندا هوغان
 من أجل الحياة
مارك جيكوبز
 على جانبي الحدود
تشارلز جونسون
 زجاجة حليب أميركية
باراتي موخيرجي
 حول كوني
 كاتبة أميركية
ناعومي شهاب ناي
 هذا العكاز الذي أحبه
روبرت بنسكي
 إحساس محلي
 بالزمن
 
على جانبي الحدود
بقلم  مارك جيكوبز

creeley

حفنة من الملوك A Handful of Kings هو الكتاب الرابع للكاتب مارك جيكوبز، والذي سيصدر عن دار سايمون وشوستر.  وتجري أحداث الرواية في مدريد حيث عمل جيكوبز كمسؤول ثقافي في السفارة الأميركية هناك.  كتب روبرت أولن بتلر عنها: "لا كاتب يملك قدرة مارك جيكوبز الرائعة على استكشاف القدرات الروائية الثرية للأميركي في الخارج.  فهو يمزج بين التقاليد الأدبية لكل من هنري جيمس وغراهام غرين في عمل يعتبر خاصاً به حقاً ورائعاً حقاً.  إن رواية حفنة من الملوك هي تحفة كتاباته حتى الآن."

تتضمن كتب جيكوبز السابقة جماعة من الممثلين الإسبان A Cast of Spaniards (دار تاليسمان، 1994) والتي وصفها محرر مجلة أتلانتك Atlantic  الشهرية، سي مايكل كيرتس، بأنها باكورة رائعة لكاتب موهوب وحساس وذكي سياسياً.  ومن رواياته الأخرى راعي البقر الحجري Stone Cowboy(مطبعة سوهو، 1997)، والتي كتبت عنها جريدة واشنطن بوست Washington Post: "من حين لآخر ومن غير توقع تصادفك رواية تذكرك بقدرة الرواية على الإقناع والإبهار."  إضافة إلى ذلك، فقد نشرت له مجموعة بعنوان تحرير الجنة الصغيرة The Liberation of Little Heaven (مطبعة سوهو، 1999)، وبضمنها قصة "كيف تتواصل الطيور How Birds Communicate"، التي فازت بجائزة الرواية لمجلة أيوا ريفيو Iowa Review  لعام 1998.

كما نشر جيكوبز أكثر من 60 قصة قصيرة في عدد من المجلات التجارية والأدبية، بضمنها مجلة  أتلانتك الشهرية The Atlantic Monthly ومجلة ساوث ويست ريفيو South West Review ومجلة سوذرن ريفيو The Southern Review ومجلة نيو ليترز New Letters ومجلة كينيون ريفيو The Kenyon Review. كما عمل كموظف في السلك الخارجي في كل من تركيا، باراغواي، بوليفيا، إسبانيا وهوندوراس وكمتطوع في فيلق السلام في أرياف باراغواي.  ويتحدث جيكوبز التركية والإسبانية بطلاقة،  إضافة إلى شيء من لغة الغوارانية.

"لحسن الحظ يتوفر للكتاب الأميركيين الذين يكتبون قصصاً تدور أحداثها في ثقافات مختلفة (عن ثقافاتهم) مصدر ثري هو أدب البلدان التي يريدون الكتابة عنها."

ثمة علاقة حميمة بين الكتابة وأن تكون عنيدا.  أتذكر الإحساس بالرضا الذي أحسست به وأنا أستيقظ من حلمي الأول ثلاثي اللغة الوحيد. كان ذلك بعد عودتي من باراغواي حيث كنت قد أمضيت سنتين كمتطوع في فيلق السلام، وعشت في قرية منعزلة لمزارعي القطن.  ويتحدث سكان باراغواي لغتين فكل واحد منهم يتحدث الإسبانية والغوارانية. في أثناء حلمي كان لكل من اللغات الثلاث نبرتها الخاصة ورنينها الخاص. وكان الحلم بشأن متعة الترجمة والشعور بالرضا الناتج عن القدرة على موازنة الحقائق المتباينة.  أخذ ذلك سنتين من حياتي وتطلب المزيد من الجهد المضني لكي أكتب رؤاي التي بدأت في باراغواي.

كانت الإنجليزية بالطبع أداة تعبير عن هويتي الأميركية والعالم الذي ولدت فيه بينما مثلت الإسبانية نوعاً من الجسر أو وسيلة للعبور إلى مكان جديد ولكنه قابل للفهم.  وقبل أن ينشأ جسر مادي بسنين عديدة عبرت أنا وزوجتي بسفينة نهر بارانا جنوب باراغواي صوب بوساداس في الأرجنتين حيث اشترت لي مجموعة شعرية لبورجس ورقية الغلاف وكان ذلك أول كاتب خارج ثقافتي الأميركية أحاول فهمه (وما زلت أحاول).  اللغة الغوارانية مختلفة.  إنها محلية وريفية وغابة يصعب اختراقها.  إنها لغة باراغواي وحارسة أسرارها.  ولمرات قليلة فقط – يوم أصغيت لمقاتل من قبيلة جاكو يصف خوفه في الصحراء، ويوم احتسيت شراب الماتيه (الشبيه بالشاي) مع مزارع حين كان المطر ينهمر بغزارة تحول دون الذهاب إلى الحقول، ويوم احتسيت كأس ويسكي مصنوع من قصب السكر مع حالم قلق يخطط لسباق الخيول ليجمع مالاً للسفر – اقتربت فيها من الجدار الذي كان يفصلني عن ثقافتهم التي تحرسها اللغة الغوارانية. 

ليس من الصدفة أن يكون المكان الوحيد الذي التقت فيه اللغات الثلاث من غير حواجز هو الحلم.  فخارج الأحلام كان ما يبهرني ويتملكني هو التآكل عند الحافات حيث تتقاطع الثقافات.  وربما كان هذا سبب التحاقي بالخدمة الخارجية.  فقد أصبحت المادة الأساسية لكتاباتي وقد بدأ ذلك منذ زمن طويل بسنين قبل باراغواي.  لقد بدأت معي حين بدأت.

كان والداي من مناطق أميركية مختلفة.  فأسرة أمي في بنسلفانيا كانت ريفية تمارس صيد السمك والحيوانات وتجيد استخدام المكائن وتصليح الجرارات ومكائن حصد الحدائق وكذلك السيارات وأي شيء يحتوي على محرك.  كانت تعزف الموسيقى الريفية على مسارح مباني الإطفاء والحانات وكانت بروتستانتية ومقتضبة في أحاديثها وترتاب نمط الناس الذين يعيشون في عوالم أسرة أبي التي كانت حضرية ومناقضة في بعض الجوانب لأسرة أمي.  كان معظم أفراد أسرة والدي يعملون في المصانع وكانوا من الكاثوليك.  وفي منطقة شلالات نياغارا كان الناس يعيشون في أحياء مقسمة وفقاً للجماعات العرقية (فقد تكون ايرلنديا وتعيش في حي بولندي أو لبنانياً وتتزوج من إيطالية ولكن، بغض النظر عن ذلك، فأنت تعرف من أنت وتعرف من هم).  كان أهل والدي أكثر كلاماً من أسرة أمي وتتسم لغتهم الأميركية بأسلوب مختلف.  كانوا يحكون القصص وكان بعضها حقيقياً وأغلبها مسلياً.  وكانت موسيقاهم هي موسيقى السوينغ وأسلوبهم أبسط.  وفي مستشفى شلالات نياغارا وأثناء إصابة والدي بنوبة قلبية سأله الأطباء إن كان يعاني من نوع من الحساسية فأجاب: "فقط من الموسيقى الريفية."

ربما من المغالاة أن أقول إن والدي يعودان لثقافتين مختلفتين، فكلتا الأسرتين سكنتا وتحدثتا ودافعتا عن القوى المختلفة لنفس الثقافة الأميركية الضخمة والفوضوية والمتناقضة. لكن ليس من المغالاة القول إن مراقبة التقاطع المعقد بين تلك الأبعاد المختلفة للحياة الأميركية هي ما جذبني نحو الخدمة الخارجية والكتابة عن الحدود والناس الذين يعبرونها.

لقد عشنا في شلالات نياغارا ولكننا كنا نقضي الكثير من الوقت ببنسلفانيا في مزرعة جدي في تواندا.  وكان الانتقال من مكان إلى آخر كثير الشبه بعبور الحدود.  وكانت إحدى نتائج ذلك وبصورة واقعية أن ترعرعت أنا واخوتي بهدوء في ثقافة ثنائية.  ولأننا كنا مضطرين فقد تعلمنا فهم العالمين والتحدث بالأسلوبين.  أصغينا للموسيقى وقرأنا العلامات المرورية وتوقفنا عند التقاطعات التي لم تجمع بين الأسرتين تماماً.

كان كل ذلك مفيداً.  فعيشي لمدة سنتين في بوتريرو يابيبو وفي إيتابوا – باراغواي تضمن سلسلة انتقالات يبدو أنها في حالتي كانت طريقة جيدة لتحريك الخيال.  ففي باراغواي اشتريت آلة كاتبة محمولة صغيرة كانت مفيدة لأنها هزت إحساسي بالهوية والتي يسهل حملها وبدأت أكتب القصص عن بلاد قبل أن أتمكن من لغاتها.  فتخيل حياة وظروف أناس كانت خبراتهم بعيدة جداً عني لا بد أنها كانت محاولة رعناء وكنت أدرك ذلك.  فشلت مرات أكثر من المرات التي نجحت فيها.  ولكنني اعتقدت حين بدأت، وأنا الآن أكثر حماساً في هذا، بأن تصور حياة الآخرين والحقائق المتباينة والخبرات الغريبة ليست ممكنة فحسب بل يمكن أن تكون هاجس الحياة.

هنالك العديد من الطرق لتناول ثقافة غريبة على المرء وبعضها لا تخلو من الحفر.  فالصعوبات الكامنة في محاولة الفهم لثقافة والتعبير عنها بالكلمات تبدو جلية بصورة مؤلمة بعض الأحيان في كتابات جوزيف كونراد.  ومن الصعب مجادلة الروائي النيجيري جينوا آشيبي من حيث اتهامه المرير لمؤلف رواية قلب الظلام Heart of Darkness على أنه عنصري ولكن يبدو لي أن الدلالات الدقيقة واللبس القيم في بعض أعمال كونراد هي أكثر مما يرغب آشيبي بالاعتراف له بذلك.

في الحقيقة، تظهر قصة "كاراين: إحدى الذكريات Karain: A Memory" كونراد آخر.  ففي هذه الرواية، يقص الراوي، وهو مهرب أسلحة أبيض، حكاية رئيس قبيلة ملاوي بمجموعة معقدة ومتغيرة من ردود الأفعال العاطفية تتفاوت بين التعاطف الشديد والتعالي المتباعد الذي يرتد إلى الافتراضات السهلة للتفوق الإنجليزي.  فالقصة تمر بسلسة من التحولات السريعة التي يخلقها الراوي بين التطرف المتصارع.  وعند الانتهاء ينقل الراوي القصة إلى ما يبدو عند القراءة الأولى مشهدا مطمئنا وجامدا في لندن والذي يتحدث عن تفوق الحضارة البريطانية على الحيوية التخيلية، والأضواء والألوان والإسراف الغريب "للشرق".  ولكن كان الكثير من الحركة في الاتجاهين ضمن مسار قصة "كاراين" لتستقر الأحداث فوق ذلك الشارع اللندني الصاخب.  هذه طريقة في بناء العالم كما يقترحه الراوي البارع عند كونراد، وهناك طريقة أخرى، والمطلوب العثور على حقيقة الخبرة من خلال الانتقال المتوتر بينهما.  فالقارئ يغادر "كاراين" متذبذباً ومتسائلاً وقد انجر إلى حلبة المواجهة الثقافية بطريقة مقلقة تماماً.

ماذا هناك حول كونراد مما يساعده على الوقوف، إن لم يكن بقدم واحدة داخل ثقافة أخرى، فإنه يقف إلى جوارها، ويلاحظ ما هو جدير بالملاحظة بعين ذكية وفضولية؟ يتحدث واحد من أكثر نقاد كونراد دقة في الملاحظة هو إدوارد سعيد عن "أجواء التغيير وعدم الاستقرار والغرابة" في الكاتب كنتيجة اغتراب ونفي كونراد وخسارته "للوطن واللغة".  كانت تجربة كونراد قاسية وتركت تغييرات دائمة على الرجل.  فقد غادر وفقد وطنه ولغته وثقافته إلى الأبد.  فلا عودة إلى بولندا.  والكتابة باللغة البولندية من غير جدوى.  فبفضل إرادة تستعصي على الفهم، أمسك واتخذ الكاتب البحار والمغامر المرتقب لنفسه وطناً جديداً ولغة غريبة وثقافة أجنبية.  وكان من تأثير ذلك أن أصبح وعيه مكثفاً – وقد يسمي البعض ذلك بالوعي العصابي وهو ما قد نسميه اليوم بالنسبية الثقافية.

في الولايات المتحدة نتحدث أحياناً بعفوية عن إعادة إنتاج الذات.  وهذه الفكرة هي المادة الرئيسة لإحساسنا بهوية الذات منذ الشروع باكتشاف القارة الأميركية.  وهي تنساب بثبات داخل ثقافتنا بدءاً من قناعة "الحجاج" إنهم يشيدون "مدينة على التلة" مروراً بمقالات إيمرسون الاستفزازية جداً إلى بوب ديلان بشأن التغيير المتواصل.  وكثيراً ما نقول إننا أعدنا إنتاج أو تكوين أنفسنا بينما ما نقصده في الحقيقة هو أننا غيرنا شيئاً في أنفسنا: عملنا أو أماكن عيشنا أو طريقة ارتدائنا للملابس أو دفع الفواتير أو تسلية أنفسنا.  ومن السهل أن ننسى أن إعادة الإنتاج أو التكوين إنما تبدأ بالهدم: فالذات القديمة عليها أن تزول لتحل محلها الذات الجديدة.  وكان كونراد يدرك ذلك لأنه عاش المسألة ولقد عاشها لأنه كان مضطراً على ذلك وليس لاعتقاده بأن ذلك تمرين فكري ممتع.

إن العمل مع فيالق السلام والخدمة الخارجية لا يقترب من تلك التجربة العميقة المتعلقة بإعادة إنتاج الذات.  ففي كل مرة كنت أغادر فيها الولايات المتحدة كنت أعتقد أنني سأعود إليها.  ورغم تعلمي لغات جديدة احتفظت بلغتي ومكثت ملتصقاً بثقافتنا ومع التطور التكنولوجي اليوم وضجيجه فإن الانسلاخ عن الثقافة أصعب من البقاء على اتصال بها.  وهكذا وعلى رغم ابتعادي عن ثقافة البلد لمدة 15 سنة لم يتم إعادة تكويني.  ومع ذلك فقد حدثت أشياء هامة أخرى لي.  فخلال العيش والعمل في بلدان أخرى ابتعدت عن أماكن عيشي وواجهت الكثير من الاستفزازات والتحديات وفي بعض الأحيان تعرضت للإذلال وكثير من المفاجآت.  لم تتم إعادة تكويني ولكني اعتقد بأنه من المنصف القول إن آفاقي توسعت.

لقد جعلتني كتابة الروايات التي تجري أحداثها في الأماكن التي عشت فيها أنجذب لأنماط معينة من الرواة.  لم يثر السواح بكل أنواعهم اهتمامي حتى الذين كانوا في رحلات ثقافية.  بحثت عن أناس تستطيع أصواتهم التعبير عن صلات مختلفة بالثقافة التي وجدوا أنفسهم فيها.  ووجدت في الصحفيين وخاصة المراسلين الصحفيين منهم الأشخاص المناسبين لأنهم فضوليون ومندفعون إضافة إلى أنهم يتسمون بنوبات الغضب والتي لا تفارقهم.  فهم يقضون أوقاتهم محاولين فهم ما يجري في مكان لم يولدوا فيه ولكي يتمكنوا من كتابة تقرير دقيق فإن عليهم فهم تلك الثقافة.  إنهم يتنقلون، ولكن بينما يكونون هناك فإن الجيدين منهم – وكثير منهم جيدون – ينغمسون جداً في البلد الذي يعملون على تغطية أخباره.

إن المغتربين بصورة مؤقتة أو دائمة وبعض (بالتأكيد ليس كل) الدبلوماسيين وموظفي الإعانات والمبشرين وكذلك المغامرين والجواسيس يقدمون جميعاً أنماط الشخصيات المناسبة للكتاب المهتمين بتقاطع الثقافات.  وهنا يتذكر المرء شخوص العديد من روايات الكاتب غراهام غرين. فبالنسبة للأميركي فإن المغتربين هم نوعاً ما الجزء السهل من الخليط.  فعلى الأقل يكون من الأسهل وصفهم بالدقة والتعاطف اللذين تتطلبهما الرواية بغض النظر عن موضوعها.  فالشخصيات الأميركية هي من عالم خبرات الكاتب فهم يبرزون بوضوح حين يقارنون بالآخرين.

        أما الجزء الأصعب والذي ينطوي على احتمال أكبر للفشل هو تطوير شخصيات روائية من بلدان وثقافات تجري أحداث الرواية فيها.  وكان غرين واعياً لصعوبة الإنصاف التخيلي اللازم للشخوص التي يطورها من غير البريطانيين.  ففيما يخص الشرطي المكسيكي الذي يلاحق كاهن الويسكي في السلطة والمجد The Power and the Glory يقول بصراحة انه خلق الشخصية من غير أساس واقعي.  فالرواية كانت بحاجة إلى الملازم القوي الصارم القاسي ليوازن الكاهن الأحمق الضعيف العبثي.  فرحلة الكاتب عبر المكسيك لم تمنحه نموذجاً إنسانياً ولذلك بدأ من الصفر ولكنه كما يشعر المرء، لم يكن راضياً تماماً عن النتيجة.

لقد أوضح كتاب من أمثال أشيبي وإدوارد سعيد سهولة "إضفاء قناع شرقي" على ثقافة أجنبية كخلفية مثيرة، يمكن الاستفادة منها لتلوين شخوص من ثقافة الكاتب فوقها.  وعندما يحدث ذلك، فإن الثقافة المستعارة في أفضل الحالات لا تقدم أكثر من نكهة محلية، وفي أسوأ الحالات فإنها تفقد الشخوص إنسانيتهم بالطريقة المرعبة التي يؤكد أشيبي فيها بأن رواية كونراد قلب الظلام تفعلها من خلال أوصاف مارلو للأفارقة السود.

ما من كلمة تمتلك دلالات دقيقة وكافية لوصف العالم الذي أعقب فترة الاستعمار القديم والذي تسبقه أعمال كونراد.  ما بعد فترة الاستعمار القديم؟ بالتأكيد.  العالم الذي نعيشه هو كذلك بالتأكيد غير أن الكلمة الإنجليزية Post colonial تدل على المرحلة التي جئنا منها أكثر منها على المرحلة التي نقبل عليها.  كما أنها لا تعطي التغيرات العميقة في رؤى الناس حقها والتي حدثت منذ ذلك الحين، ولنقل، الخمسينات.  هنالك أيام يصعب على المرء فيها لحد الكآبة أن يبقى المرء واعياً لذلك التغيير بسبب العنف الذي يتكرر كثيراً في أماكن عديدة.  ولكن الصورة الاستعمارية القديمة للعالم قد انتهت وسيحل محلها شيء آخر.

لربما كان الوقت مبكراً لإعطائها اسما، فنحن في مرحلة انتقالية وربما تستمر تسميتها بمرحلة ما بعد الاستعمار القديم لفترة أطول.  ولكن هنالك مؤشرات مشجعة من أن القادم سيكون أفضل مما نتركه وراءنا.  ففي حالة الأدب المكتوب بالإنجليزية، فقد أثراه إلى حد كبير كتاب من إفريقيا والهند والكاريبي ومناطق أخرى.

هناك تغيير آخر يجري في نفس الوقت، رغم أنه ملاحظ بقدر أقل ورغم أنه أقل أهمية، مع أنه جدير بالتفكير فيه.  فعندما يسافرون خارج الولايات المتحدة، فإن الكتاب الأميركيين يحاولون منح الشخوص من غير الأميركيين الإنصاف التخيلي: فلاح القطن من باراغواي وناشط حقوق الإنسان من هوندوراس الذي يخفي وثائق إدانة في ثلاجة مكسورة، والكاتب الصحفي الكيني التحقيقي ذو الندب والأسرار، وضابط الأمن الإسباني الذي يقوم والده بتسلية السواح بحيل الورق من أجل الحصول على سجائر وصور.

قبل وفاتها في حادث طائرة، عملت الروائية الأميركية وموظفة الإعانات ماريا توماس بمثابرة وحماس على وصف التعامل المعقد بين الأفارقة والأميركيين من خلال خلق شخوص من الثقافتين على درجة متساوية من التعقيد والمصداقية.  وفي أفضل الأحوال فإن أعمال توماس تشع بذلك الربط الممتنع بين التعاطف والدقة الذي كان غرين واعياً له والذي افتقرت أعماله له.  ويحاول كتاب آخرون عمل الشيء ذاته مثل نورمان رش، وبول إيغرز ومارني ميولر.  والذين يحاولون جميعاً إضفاء إنصاف تخيلي على العلاقات عبر الثقافات في عالم ما بعد الاستعمار القديم.

لقد كتب الناقد الإنجليزي من القرن التاسع عشر ماثيو آرنولد مرة بأنه من أجل تقييم أدب ثقافة المرء حقاً يتوجب على المرء أن يكون مطلعاً على أدب ثقافة أخرى وكان يتحدث عن ضرورة معرفة الفرنسية من أجل فهم الإنجليزية.  واليوم فإن فكرة الاهتمام بثقافة أخرى قد أصبحت أكثر إلحاحاً.  وهي أيضاً أقرب إلى التحدي.  فبورجس الذي أقرأه الليلة ليس بورجس الذي قرأته بينما كنت أعيش في سوق لحم تم تحويله في إنكارناثيون. لحسن الحظ يتوفر للكتاب الأميركيين الذين يكتبون قصصاً تدور أحداثها في ثقافات مختلفة (عن ثقافاتهم) مصدر ثري هو أدب البلدان التي يريدون الكتابة عنها.  وربما من الصحيح القول إنك حيثما سافرت فإن الطريق إلى الكتابة ما يزال يمر من خلال القراءة.

image of a pen تشارلز جونسون زجاجة حليب أميركية