|
هذا العكاز الذي أحبه
بقلم ناعومي شهاب ناي
حياة كاتب، في الماضي والحاضر في وسط الولايات المتحدة، وفي منتصف القرن العشرين، كان الكثير من الناس قد قدموا من أماكن أخرى، وكانوا يحاولون فهم كيفية ترتيب أمورهم. فقد ارتحل الكنديون الفرنسيون جنوباً إلى سانت لويس في سيارة كبيرة مخشخشة امتلأت بالأطفال والسترات. وقامت الأسرة الإيطالية الودودة بزراعة أشجار صغيرة مستديرة في الفناء. وقام أفرادها بإبلاغ القادمين الجدد من أين يشترون أفضل الخضراوات والبذور. وفي شارع متشقق بلا أرصفة مشاة، أقام أفراد الأسر منازلهم المتواضعة وأنزلوا ما معهم من ملاعق وماكينات خياطة واختلطوا خارج تلك المنازل قبل غروب الشمس. كان كل شيء يبدو حالماً بصورة هادئة قبل الظلام مباشرة، والهواء مليء باللهجات والروائح الطيبة. وأخذ المزارعون الأساسيون في الجزء العلوي من الشارع يسهبون في وصف أجدادهم، الذين هاجروا من ألمانيا، والذين كانوا يحلمون بامتلاك الأراضي في العالم الجديد. ونظرت حولي. هل كان هذا جديداً؟ لقد كان كل شيء يبدو قديماً بالنسبة لي. بدأت أكتب القصائد، وأنا في السادسة من العمر، لاكتشف ما كان موجوداً هناك فعلاً. لهجات وأمزجة مثيرة. لكن أين الهنود الحمر؟ لقد كانت إحدى الجماعات دائماً غير موجودة. لقد شعرت بوجودهم بين الحجارة والأشجار وفي النهر العميق الذي يسمى نهر المسيسيبي، في الإسم الهندي، الذي يمر من حولي دائماً في صمت. كان أبي الفلسطيني قد سافر إلى الولايات المتحدة على سفينة في العام 1951، وقد ألقى ببنطاله الباهت اللون الذي جاء به من أريحا في البحر قبل أن ترسو السفينة في ميناء مدينة نيويورك. فإذا كان سيبدأ حياة جديدة لماذا يحتاج إلى بنطاله القديم؟ ولما كان حاصلاً على منحة للدراسة في الجامعة، فقد طلب أن يقبل في جامعة "في وسط أميركا" اعتقاداً منه أن الموقع سيوفر له الوصول إلى أي مكان. وقد أذهله اتساع مساحة البلاد. وكان لا بد أن تمر سنوات كثيرة قبل أن يرى كاليفورنيا. ولم يخطر بباله أنه سيتزوج من أميركية (من أصول ألمانية/سويسرية) عندما وصل. فالولايات المتحدة كانت مليئة بالمفاجآت. ورغم أنه سيفتقد بصورة عميقة وطنه الأم، وسيظل يحلم به على الدوام، فقد انغمس في حياته الجديدة بحماس. وكان يحكي حكايات شعبية مضحكة من حكايات الشرق الأوسط ويغني باللغة العربية. وكنا نأكل الحمص بينما يأكل جيراننا الهمبرغر والمعكرونة. لقد أحب والدي الولايات المتحدة لما هي عليه من مسحة تفاؤلية ولأنها رحبت به كما رحبت بالملايين من المهاجرين من قبله. لقد كان كل شيء ممكناً في الولايات المتحدة – ولم يكن هذا مجرد إشاعة، بل كانت هذه هي الحقيقة. وقد لا يصبح غنياً بين ليلة وضحاها، ولكن بإمكانه أن يبيع بوليصات التأمين أو يستورد الهدايا المزركشة من جميع أنحاء العالم، أو يفتح متاجر صغيرة أو أن يصبح صحفياً. كان بإمكانه عمل أي شيء. وكان هذا هو الفرح العظيم المشترك لهذه البلاد ولذا فقد وضعه في قلبه وحرص على العناية به. لقد دافع عن الولايات المتحدة وكان فخوراً أن يكون أحد مواطنيها، مع أنه لم يكن قد خطط أن يكون مواطناً عندما قدم في بادئ الأمر. وبعد فترة وجيزة، فترة وجيزة جداً تغلغلت الولايات المتحدة في كل ثنايا جسمك وفي دمك وأصبحت جزءاً من أغانيك الحلوة وتاريخك وولدت لديك الرغبة في الانتماء لها، مثلما جعلت الكثير الكثير ملكاً لك. أما والدتي، التي تربت في أسرة أميركية على رأسها أب لوثري متعصب وأم خجولة مكبوتة، فقد كانت مستعدة لتذوق بنفسها طعم حياة أرحب وأوسع – وصفات جديدة وأفكارا جديدة! فالتحقت بمدرسة للفنون ودرست مع بعض كبار فناني القرن العشرين. وكانت تصطحبنا إلى اجتماعات جمعية الكويكرز وأتباع مذهب فيدانتا، حيث أحببنا المعلم الهندوسي ساتبراكاشاناندا وأكلنا خبز الأرز معه في عيد ميلاده لعدة سنين. وكنا نتردد على كنيسة للجميع حديثة تسمى كنيسة يونيتي Unity، التي كانت تبشر بأن كل مسار هو مسار شريف. وكان أبي يزور معنا صالات العبادة هذه، رغم أنه ترعرع مسلما. كان والداي مطلعين على معظم الأمور الهامة، فهناك مسارات عديدة إلى الحقيقة. وفي الواقع هناك أكثر من حقيقة ولماذا التظاهر بعكس ذلك؟ إذ ليس هناك من طريق بوصفه الطريق الوحيد. وأي إنسان يقول إن ديانة واحدة ما أو ثقافة واحدة ما هي الديانة أو الثقافة "الوحيدة الصحيحة" فهو إنسان مضلل وسخيف. فقد ولت أيام القبلية والحصرية الرشيدة، عفى عليها الزمن. وكان لا بد لها أن تزول. فاليوم يختلط جميع مواطني العالم مع بعضهم البعض، ليعيشوا بصورة معقولة. وعلى هذا الطريق، سنتعلم احترام كل منا الآخر، خصوصاً الناس الذين هم ليسوا مثلنا بالضبط. لقد كان هذا واضحاً، وأساسياً. رغم أن الاندماج كان لا يزال مستمراً في الولايات المتحدة، إلا أن الكثير من الناس كانوا يعرفون منذ زمن طويل أننا كنا جميعاً مترابطين. أي أنه لم يكن في وسعك القول "الحقوق المتساوية" و"الإجراءات القضائية المرعية" دون أن تشمل الجميع في ذلك. وكل ما حدث هو أن الأمر يتطلب من الأنظمة الرسمية وقتاً أطول لإدراك ذلك. وقد ترددت مرات عديدة على مدى السنين على ذلك الحي المتواضع لكي أجد أنه يقوم الآن حقاً على الاندماج، فعائلات السود وعائلات البيض تعيش جنباً إلى جنب بالطريقة التي كنت أرغب أن تكون عليه عندما كنت صغيرة. لقد كان من الصعب على الدوام فهم أين يضع الناس خطوطهم الفاصلة بين بعضهم البعض. ولربما بدأت في الكتابة ببساطة كي أعرف أين كنا نحن – أي مجموعتي الجميلة من الشخصيات العاطفية – محتاجين ومتأملين وزارعين ومنتظرين – في منطقتهم المركزية في مدينتهم المركزية. بل إن كلمة "المركزية" كانت هي اسم المدرسة التي التحقت بها. والمدرسة هذه لا زالت قائمة حتى اليوم، بوقار الطوب الأحمر وقدمه وكبريائه. ولا زال وجه جورج واشنطن الوقور معلقاً في الرواق. وأود أن أحملق في عينيه وأتساءل: هل أنت سعيد ببلدك؟ ما الذي يعنيه أن تكون في وسط الأشياء. وقلت لنفسي، هذا مجرد بلد واحد من بين البلدان، وهو ليس العالم كله، فلتتوقفي عن الاعتقاد بأنك إنسان مهم! لكن تفاصيل كل يوم قليل الأهمية كانت تبدو لي حاسمة وثمينة من حيث قصرها الحلو. فالأشياء الضئيلة التي يتغاضى عنها الناس الآخرون كانت تبدو لي مثل الكنوز ومثل المفاتيح. وقد سجلت هذه الأشياء في كتاباتي حتى لا أنساها. إذ لم أبدأ الكتابة لأنني تصورت أن أمامي "مستقبلا ككاتبة." ولم يقل لي أحد قط، لا يمكن لك قول ذلك، لا يمكن لك قول ذلك بتلك الطريقة. كتبت بأقلام صفراء على أنواع مختلفة من الورق، على الأوراق التي تصنع منها الأكياس الورقية. وفي بعض الأحيان كنت أشرك الناس الآخرين في قصائدي. لقد قالت لنا إحدى المدرسات، "أصواتكم ستكون أمضى أسلحتكم" وآمنت بما قالته. لقد كنت أذهب للمدرسة وأعود للبيت لأجد الأوراق في انتظاري. وسرعان ما أبدأ الكتابة على هوامش كتب التمارين وعلى أطراف أوراق كتب الرياضيات. كنت أتلاعب بالكلمات، أجمعها وأعيد ترتيبها. كان الشعر جميلاً بالنسبة لي بسبب المساحات الفارغة من الكتابة من حوله. لقد كانت الكتابة هي الطريقة التي أجد فيها المرساة، كي أرى ما الذي يبقيك على حالك. في الجوار، ذلك المزيج العطر الذي عليه المكان ذلك المزيج العبق من التاريخ، الجميع كانوا يتمنون الخير للجميع، ويتبادلون الأخبار، ويتصورون أن الأشياء الجميلة ستحدث في قادم الأيام. ولم يكن أحد يملك الكثير من المال، ولكن الأمل كان يحدو الكل. وكانت لدي المكتبة، والتي كانت أفضل من حقيبة مملوءة بالذهب. لقد كتب رابندرانات طاغور “Rabindranath Tagore" الشاعر البنغالي العظيم حول وضع كلماته في قارب صغير وإرسالها لتطفو في مجرى النهر، ومتسائلاً عما إذا كان إنسان ما في "مكان بعيد" سيقرأها ويعرف من هو كاتبها. "أنا وجدتها" صرخت هاتفة عبر البحار. "أنا أعرفك وأنا أحبك! أنا صديقك البعيد!" صرخت مرددة الإجابة ذاتها إلى مارغريت وايز براون، إميلي ديكنسون، وولت ويتمان، كارل ساندبيرغ، لانغستون هيوز، وليام بليك، ولويزا مي ألكوت، وإلى الشاعر الياباني باشو. والقائمة طويلة وطويلة. لقد كنت أبحث دائماً بشراهة عن أصوات عبر المحيط، تلك العوالم الغامضة والهامة التي سمعنا عنها. لقد بدا أفقي من خلال القراءة أرحب وأوسع من الأفق المكاني. أما ما كان يعنيه اكتشاف مجلات تدعو الأطفال للكتابة فهو – أن إنساناً ما لا تعرفه يصغي إليك هناك في مكان بعيد. فإذا ما نشروا قصيدتك، فإن عالمك سينمو ويكبر بأكثر من أي شيء يمكن لك أن تراه. لكن الكتابة ذاتها كانت هي القوة، فهي الإعلان اليومي عن الاستقلالية، قائلة، إنني جزء من هذا التنوع الرائع والنسيج المتشابك، ولكنني لست مجرد هذا. فأنا أكثر من هذا، وهكذا أنت. إن كل شيء كان ممكناً على صفحات الكتابة. أود أن أقف خارج الدائرة لأرى ما الذي يجري. وأود أن أكون المشاهد، الذي يوثق الصور المتناهية في الصغر والصور المنسية. فما كان يقال ويفقد يظل عالقاً في أذني. كانت الكتابة وسيلة لإبطاء سير الزمن، للمطالبة بالحق في الحصول على لحظة ما ومكان ما على وجه البسيطة. لكي أنظر إلى داخل الأشياء وليس مجرد النظر إلى تلك الأشياء. إذ لو اقتصر نظرنا على السطوح الخارجية للمواقف، لشعرنا بكل سهولة بانفصالنا عن الآخرين. أما إذا تأمل المرء في المعاني والمضامين الأعمق وفي الاحتمالات المجازية لأي مشهد من المشاهد، فإنه سيجد لمعاناً لا نهاية له وحبالاً متصل بعضها بالبعض الآخر. التفاصيل التي قمت بتسجيلها ما كان ينبغي أن تكون ذات معان كبيرة أو دراماتيكية – بل قد تكون المخابئ بين أشجار الصنوبر، رائحة خشب الأرز في خزانة جدتي، الأزقة المنسية، صديقة أمي على كرسي العجلات التي كانت تحدثني عن الشجاعة، الأشجار البقولية المتفتحة، جرادل الكرز التي نخبزها فطائر، المدرّسة التي أحبت تلاميذها لأكثر من خمسين عاماً والتي نصحتنا بعدم التوقف عن الإيمان بأصواتنا، والولد الذي يسكن في البيت المجاور والذي قيل له عندما كان في السابعة من العمر إنه لن يكبر أبدا. لقد كنا هناك عندما أعلن والداه ذلك للجيران. إنه لن يكبر أبداً. لقد كان واقفاً معنا تماماً عندما قالا ذلك ورأيت أعماق عينيه الحزينتين. أين كنت ستضع كل هذه المعلومات لو لم تكن تكتب! في ذاكرتك؟ نعم هذا أكيد، ولكني كنت أود أن أكون قادرة على العودة إلى ذلك، وأفكر في أصدائها، وأضعها بين يدي، وأنظر إليها. كنت بحاجة لأعرف المزيد من الأشياء الصعبة: الحنين الذي لم يكتمل، الحزن والانقباض وخيبة الأمل والخوف والصراع. إذا كانت الكتابة هي العكاز، فقد كنت بحاجة للمساعدة على المشي. لقد انقضى زمن طويل منذ كنت طفلة. ولكني لا زلت أشعر بقرب أكثر من الأطفال مما أشعر به تجاه الكبار. فما الذي يوجد في تلك الطريقة المبكرة في رؤية الأشياء والتي تستمر في هدايتنا، حتى عندما تصبح عيوننا متعبة، حتى بعد أن سمعنا ما فيه الكفاية من الأخبار السيئة مما يجعلنا نقع أرضاً ونتكور على شكل كرة؟ هل عاش الناس وفقاً لأفضل أحلامهم حول ما الذي ينبغي أن يكون عليه بنو الإنسان؟ هل قمنا بمساعدة بعضنا بعضاً بما فيه الكفاية؟ كم عدد المرات التي نصغي فيها حقا إلى الآخرين؟ هل نحن نهتم دائماً بإعطاء آرائنا حتى عندما يتكلم الآخرون؟ هل الجشع هو الذي يحكم الكثير من قراراتنا؟ ألا ينبغي علينا أن نكتشف ولو صوتاً جديداً واحداً كل أسبوع؟ يسافر الكتاب الأميركيون كثيراً في أرجاء الولايات المتحدة. كما نسافر في أرجاء بلدان أخرى: نتكلم ونصغي ونكتشف كتاباً آخرين نريد معرفة المزيد عنهم. من كان يظن أن الكتاب سيكونون هم هؤلاء الرحل؟ فنحن ندعى للتحدث للطلاب ونلقي الخطب ونحضر المؤتمرات. زرت مدرسة رائعة في البحرين حيث كتبت لي فتاة صغيرة أفضل رسالة تلقيتها منذ زمن طويل تقول فيها "ما هو الأمر الصعب عليك؟" لقد استغرق الأمر مني يوماً كاملاً للرد عليها. إن عدم الرغبة في التواصل هو شعور صعب. وينبغي علينا أن نظل نشجع بعضنا بعضاً عن استعمال أصواتنا في المواقف الصعبة. وإذا ما ازداد إيمان الناس بقوة أصواتهم، فهل سيظل مثل هذا العنف قائماً في عالمنا؟ يشعر الكتاب الأميركيون بأنهم محظوظون لأن هناك من يود الاستماع لهم – إذ أن تاريخنا ليس سوى تاريخ قصير على أية حال. ونحن نشعر بحسن الحظ إذ نجلس هنا أو هناك وأقلامنا في أيدينا وأوراقنا أمامنا، نحملق ونتفحص ونتأمل. كان هذا هو دائماً حلمي للمستقبل. وحلمي لا كمبيوتر فيه، ولكن حتى أجهزة الكمبيوتر هذه أصبحت حلفاء لنا. حتى هذا اليوم، لم يقل لي أحد، لا يمكن لك قول ذلك. لربما قالوا لي، شكراً لك ولكننا لا نريد أن ننشر هذا لك أو هذا الذي تكتبين يمكن أن يكون أفضل. لكنهم لم يقولوا لي، لا يمكنك قول ذلك. إن حرية الكلام هي أعظم هدية قدمتها أميركا لنا جميعاً وسأظل احتفظ بها كشيء ثمين إلى الأبد وسأستمر في تذكير الناس بهذه الحرية لأنه في بعض الأحيان عندما تشعر أنها، أي الحرية، ملكك إلى الأبد، فإنك لا تدرك أنك تمتلكها. فنحن نشعر بأن علينا مسؤوليات التكلم لأنفسنا وللمجتمعات التي يهمنا أمرها. والترجمة فتحت الكثير الكثير من العوالم بين دول العالم – إنه امتياز لنا ومسؤولية علينا أن يقرأ الواحد منا للآخر. كل مكان هو مكان مركزي. ينبغي أن نتذكر ذلك وأن نعيش حياتنا على ضوء ذلك. في السنوات الأخيرة، قام الكثيرون من الكتاب الأميركيون بكتابة كتب أو تحرير كتب عن ثقافات لم تكن هي ثقافتهم حتى يبدأوا بها. فالفترة التي عشت فيها في منطقة هي أميركية لاتينية في الأساس في وسط مدينة سان أنطونيو، تكساس، علمتني ثقافة لم تكن ثقافتي في الأصل، ولكنها ثقافة أهتم بها. ولربما يتوجب عليّ أن أعيش في مدينة من مدن أميركا الجنوبية حتى أتعلم منها ما الذي يعنيه حقيقة أن تكون أميركيا عربيا– ما أثمن طيف المذاقات الطيبة وكم عدد المرات التي تتقاطع وتتمازج فيها هذه المذاقات. منذ عهد قريب، أنهى صحفي أميركي إفريقي العمود الذي يكتبه في صحيفته حول سلسلة من المآسي التي مر بها كوريون محليون بقوله: "يجب أن نتذكر ما يلي: كلنا كوريون." فيما يلي مشهد من مشاهد أسابيع قليلة مضت: المكان: مهرجان الشعر الثاني في سكاجيت ريفر، لاكونر، واشنطن، على بعد ساعة ونصف شمال سياتل، على طول القنوات المائية اللامعة المؤدية إلى الجزر المسماة سان هوان، والحيتان المهاجرة. أعضاء قبيلة سوينومش (وهم أميركيون أصليون – أي ما يطلق عليهم اسم الهنود الأميركيون، الذين كنت أتطلع إليهم على الدوام عندما كنت طفلة) يلقون بقطع خشبية جافة كبيرة في النار العملاقة في بيت الدخان المقدس لديهم حيث يجلس مئات من الناس على المقاعد الخشبية المكشوفة كي يستمعوا إلى قراءات شعرية. هذه الليلة، تقوم القبيلة الأميركية الأصلية بشواء السلمون المحلي الطازج، وطبخ الفاصوليا في جرار كبيرة، وبالترحيب بأعداد كبيرة من الناس لتناول العشاء. ونأكل معاً على طاولات طويلة في ديوان اجتماعات على الجانب الآخر من الطريق. تبدأ قراءات المساء بقرع الطبول والغناء، ويجلس المصابون بضيق التنفس بالقرب من الباب حتى لا يستنشقوا الكثير من الدخان. وتنهض إحدى العجائز، وهي في الثمانين من العمر، من قبيلة سوينوم وتقص قصة ترحيباً بنا. هناك بات مورا (لاتينية الأصل)، لي يونغ لي (أميركي صيني)، إدوارد هيرش (أميركي يهودي)، جوي هارجو (أميركي أصلي)، كيرتس لامكن (أميركي إفريقي يعزف على آلات الموسيقى الإفريقية الأصلية عندما يلقي قصائده)، كولين ماكلروي (أميركية إفريقية)، مادلين دي فريز (وكانت راهبة لأكثر من ثلاثين سنة قبل أن تترك الرهبنة)، وحاضر البديهة توماس دكس، وديفيد لي، الذي يكتب باللهجة العامية المستخدمة في إحدى المدن الصغيرة. ويبدو هذا المهرجان كما لو كان إعادة لم للشمل، لأننا جميعاً كنا قد التقينا من قبل وقرأنا أعمال بعضنا بعضاً، ونثمّن عالياً قوة الاتصال والتواصل فوق أي شيء آخر. أنظر عبر المساحة الدخانية العملاقة إلى الشعراء والمستمعين من ذوي مختلف الأعمار وأقول لنفسي، هذا شيء لا يصدق. فكل صوت من الأصوات يجد الترحيب. ولا أحد يقول، خذوا بأسلوبي فحسب. وأحدث نفسي قائلة، هذه هي أسرتي الثانية، الأسرة التي تبنتني. هذا هو عالم الكلمات الذي ساعدني على رسم خارطة هذه الحياة الغامضة. كم نحن متنوعون في بلادنا الغريبة متعددة الألوان، وآثارنا تضع نقاطاً على مختلف المناظر الطبيعية وعلى مختلف الثقافات وأنماط التاريخ حتى الآن. لو توجب عليً اختيار كلمة واحدة لوصف هذا العالم لقلت: القبول. ففي أسرة تضم كل هذه الأصوات وبمثل هذا الاتساع، لا يمكن استثناء أحد. فهل تسمعني؟ فالقوارب الصغيرة تبحر متجهة صوبك. |