في حين أن للصناعة المصرفية الأميركية تاريخا طويلا في دعم فرض القانون في مجالات مثل غسل الأموال، فإن الجهود التي تبذلها واشنطن لمنع تمويل الإرهابيين عن طريق فرض نظم مصرفية مشددة هي جهود سليمة النية ولكنها قد تخطىء هدفها ما لم تقم الحكومة بزيادة التزامها بمد البنوك بالمعلومات الإستخباراتية التي تحتاج إليها. وقد استجاب الكونغرس الأميركي لأحداث 11/9 المأسوية بإقرار قانون مؤلف من 300 صفحة يعرف باسم قانون باتريوت يو أس ايه. وقد تصرف الكونغرس في غضون ثلاثة أسابيع وبتأييد الأغلبية الساحقة من أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي وكان من الواضح أنه يرغب في إقرار تشريع مفيد ومساعد لمعالجة كارثة تمويل الإرهابيين. إلا أن معظم بنود القانون فشلت في معالجة تلك الجريمة على وجه الخصوص. فهل كانت تلك القوانين الجديدة ضرورية أم أننا كنا بحاجة فقط إلى مزيد من الاستخبارات الحكومية؟ توضح العروض الموجزة للمسؤولين عن فرض القانون لفترة ما بعد 11/9، وبشكل عام، أن نوع المعاملات المالية التي استخدمها خاطفو الطائرات لم تعالج بشكل ملائم من قبل قانون باتريوت يو أس أيه. وحقيقة الأمر هي أن المؤسسات المالية الأميركية لا تستطيع بدون الحصول على معلومات استخباراتية حكومية إضافية أن تكشف أو تمنع المعاملات المتعلقة بتمويل الإرهابيين. وسوف يبحث هذا المقال كيف أن التحديات التي تواجه القطاع المالي الأميركي قد تغيرت منذ إقرار باتريوت يو أس أيه في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2001 وما يمكن القيام به أيضا لوقف تدفق الموارد المالية للإرهابيين. قانون باتريوت من الواضح أن نصيب الأسد في بنود قانون باتريوت التي تتعلق بالقطاع المالي (البند 3) كانت من مخلفات الأدوات التشريعية غير الناجحة السابقة المتعلقة بغسيل الأموال التقليدي. ورغم الأسئلة الباقية عن كيفية تنفيذ القانون وما إذا كان القانون سيتعامل بشكل فعال مع تمويل الإرهابيين، فإن اتحاد المصرفيين الأميركيين أيد بقوة قانون باتريوت لأنه شمل طائفة من مقدمي الخدمات المالية التي لم تكن مقيدة في الماضي بأي التزامات لمكافحة غسل الأموال، كما أنه شمل عددا من البنود الجديدة الأخرى التي دعت إليها الصناعة المالية منذ مدة طويلة. وتشتمل البنود الأساسية للقانون المتعلقة بالبنوك (والتي أكدت عليها لجان الكونغرس المسؤولة عن صياغتها) على ما يلي:
والشيء الأهم بالنسبة للصناعة المصرفية هو البند الذي ألزم جميع المؤسسات المالية بوضع برامج للتقيد بمكافحة غسل الأموال، وهو أحد شروط البنوك منذ العام 1987. ما الذي تغير بالنسبة للبنوك؟ فيما يتعلق بالتأثير العملي لهذه القوانين الجديدة فإن معظم بنودها توسع الالتزامات التي كانت جزءا من عملية الإشراف على تنظيم مكافحة غسل الأموال. فعلى سبيل المثال، هناك بنود تتطلب اليقظة اللازمة لنشاطات البنوك الخاصة أو العلاقات بين البنوك الوكيلة لها. ويتعين على الوكالات المصرفية الفدرالية مراجعة وانتقاد البنوك التي تفشل في تغطية العلاقات "المحفوفة بالمخاطر" بمزيد من اليقظة اللازمة. ومن الالتزامات الجديدة بموجب البند الثالث الجزء 326 الذي يقتضي من المؤسسات المالية أن تكون لديها إجراءات حسابات مفتوحة أو "برنامج لتحديد هوية الزبائن". ويتعين على البنوك وبعض المؤسسات المالية كشركات الأوراق المالية وشركات استثمار الأموال المشتركة وتجار السلع الآجلة (شركات التأمين لم يبت فيها بعد) أن تحصل على أربعة أنواع من المعلومات (الاسم والعنوان وتاريخ الميلاد والوثائق الشخصية الحكومية كأرقام الضمان الاجتماعي) وأن تحاول التأكد من صحة تلك المعلومات. وبما أن البنوك تقوم بطلب هويات الزبائن منذ بداية الأعمال المصرفية فإن هذا الإلزام الجديد هو بمثابة إعطاء صفة رسمية للعمل المعتاد. وما الذي تعنيه التغييرات بالنسبة للمجتمع الدولي؟ ما قد تراه هو أن أي مؤسسة أميركية تحتاج إلى نوع من أنواع الهوية الشخصية الأولية والثانوية لصاحب الحساب الأجنبي المحتمل. والمشكلة المتمثلة في هذا الأسلوب هي أنه بالنظر لأن أنواعا كثيرة من الهويات الشخصية غير مألوفة لدى المؤسسات الأميركية فإن البنوك قد تتردد في فتح حسابات معينة. يضاف إلى ذلك أن هناك مشاكل متواصلة في فتح الحسابات من مواقع بعيدة بالنظر لعدم وجود قواعد بيانات عامة حاليا تشتمل على معلومات للتأكد من هويات الأفراد الأجانب على غرار ما هو متوفر بالنسبة للأفراد الأميركيين. لذا، وللمحافظة على العلاقات مع المؤسسات المالية الأميركية، يتعين على أصحاب الحسابات الأجانب المحتملين أن يعملوا عن كثب مع المؤسسات للتأكد من استمرار تلك العلاقات. التقيد بقانون باتريوت بالنظر للاهتمام المتزايد باليقظة اللازمة، فما هو بالضبط ما يتوقعه واضعو الأنظمة الأميركية من البنوك أن تفعله لتحقيق التقيد الكافي؟ من الأمثلة على ذلك أنه ما لم يكتشف وزير المالية أن بعض الدول تسبب قلقا فيما يتعلق بغسل الأموال للحكومة، كما كان الوضع في ناورو وأوكرانيا وبورما، فإن على الصناعة المصرفية أن تبحث عن مصادر أخرى للمعلومات لكي تقرر ما إذا كانت هناك أي مخاطرة حين تتعامل مع دول معينة. ومن هذه المصادر مجموعة المهمة الخاصة المالية وقائمتها المتعلقة بالدول غير المتعاونة. وما تعنيه الدول غير المتعاونة هو أن لدى تلك الدول قوانين ضعيفة أو لا تملك قوانين تتعلق بمنع غسل الأموال. وتمت منذ العام 2000 تسمية 24 دولة كدول غير متعاونة. وبما أن البنوك ملزمة بتطبيق اليقظة اللازمة بصورة متزايدة بالنسبة لهذه الدول، فإن من المهم البقاء على إطلاع على هذه التسميات.
ولا بد من التأكيد على أن المؤسسات المالية لا زالت تستطيع التعامل مع أي كيان في دولة غير متعاونة، ولكنها ستتعرض للانتقاد إذا لم تمض وقتا كافيا لمراجعة الحسابات في تلك المؤسسات. لذا يتوقع واضعو الأنظمة من البنك الذي يتقيد عند تقييم المجازفات بعناصر هذا القانون الجديد أن يقوموا بمراجعة علنية للمعلومات المتوفرة. والمشكلة التي تكمن في ذلك هي أنها لا تساعد البنك على منع تمويل الإرهابيين. نبذة مالية عن مجرمي 11/9 لقد أطلع مسؤولو فرض القانون الفدراليون اتحادنا على الوسائل المختلفة التي استخدم فيها الإرهابيون النظام المالي قبل 11/9 هناك موضوع رئيسي لا بد أن يكون واضحاً: لا يحتاج الشخص إلى كثير من المال لاستئجار سيارة والإقامة في فندق وشراء تذكرة طائرة. لذا فإن المعاملات التي يمولها الإرهابيون بطبيعتها تعتبر شيئا روتينيا وتختلف عن عناصر غسل الأموال التقليدي. وقد استنتجت لجنة 11/9 التي استكملت مهمتها أخيرا أن "هجمات 11/9 كلفت ما بين 400,000 و500,000 دولار لتنفيذها". يضاف إلى ذلك أن استخدام مجرمي 11/9 للمؤسسات المالية وصف كما يلي:
وطبقا للجنة 11/9: استخدمت المؤامرة البنوك في الولايات المتحدة على نطاق واسع، سواء فروع البنوك الدولية الرئيسية أو البنوك الإقليمية الأصغر. وقام جميع المشاركين بفتح حسابات بأسمائهم الشخصية، مستخدمين جوازات السفر وغيرها من الوثائق الشخصية. وليست هناك أدلة على أنهم استخدموا أرقام ضمان اجتماعي مزورة لفتح أي حسابات مصرفية. وكانت معاملاتهم عادية وغير مرئية أساساً وسط بلايين الدولارات المتدفقة حول العالم كل يوم. وباختصار، فإننا نعتقد أنه لم يكن بوسع المؤسسات المالية أن تكشف النشاطات الإجرامية لمهاجمي 11/9 بدون معلومات استخباراتية حكومية إضافية ومحددة. وليس من الممكن مراقبة الحسابات الصغيرة بالدولار بفعالية، كما أن وضع نظام لتقييم عدد المرات التي يقوم فيها الشخص "بالاستفسار عن معاملات مالية" في الصراف الآلي ليست عملية. وبالإضافة إلى ذلك، فبما أن الهويات التي استخدمها الإرهابيون لم تكن مزورة، فإن إجراءات الهويات المحسنة المطلوبة في قانون باتريوت، مع أنها مفيدة لمنع سرقة الهوية، لا تمنع الوصول إلى مؤسسة مالية ما. وقد تعلمنا بعض الدروس الهامة من الإطلاع المذكور أعلاه، وينصح اتحاد المصرفيين الأميركيين الآن البنوك بعدم قبول التأشيرات كنوع أساسي للهوية. قانون باتريوت كأداة حماية من أجزاء قانون باتريوت للولايات المتحدة الأميركية التي يمكن أن تعالج المفهوم غير المتبلور لتمويل الإرهابيين الجزء 314(أ). وتقتضي عملية 314 من المؤسسات المالية أن تبحث في الحسابات عن أي تشابه محتمل مع الأسماء المدرجة في قوائم التحقيق الحكومية. وبموجب هذا البند:
وهذه البنود هي بشكل عام أكثر وسيلة فعالة لكشف تمويل الإرهابيين لأن الصناعة المالية تبحث ببساطة عن أسماء أفراد يجري التحقيق عنهم من قبل الحكومة لعلاقاتهم بنشاط إرهابي. فعلى سبيل المثال، وطبقا لشبكة فرض قانون الجرائم المالية بوزارة المالية الأميركية، قامت دائرة ضريبة الدخل بين 1 نيسان/إبريل 2003 و26 نيسان/ إبريل 2004 بتقديم 16 طلبا لتلك الشبكة تتعلق بستة وستين شخصا و17 عملا تجاريا. ونتج عن هذه الطلبات 646 تشابها إيجابيا مع أكثر من 1.274 مؤسسة مالية. ومنذ وضع الجزء 314(أ) تم استخدام النظام لإرسال أسماء 1.547 شخصاً يشتبه بضلوعهم في تمويل الإرهابيين أو غسل الأموال إلى أكثر من 26,000 مؤسسة مالية ونتج عن ذلك 10,560 حالة تشابه تم تمريرها إلى المسؤولين عن فرض القانون. الخيارات الأخرى فيما نحن نتصارع مع كيفية منع تمويل الإرهابيين من دخول النظام المالي القانوني، ما هو الشيء المتوفر خارج نطاق الجزء 314؟ من الواضح أن الإلتزامات الجديدة بموجب قانون باتريوت لا تعالج بشكل مباشر طبيعة كيفية دخول الأموال إلى نظام ما لدعم الإرهاب. والموارد المختلفة للبنوك هي "النماذج الشخصية" لمجموعات المهمات الخاصة المالية عن تمويل الإرهابيين والأمثلة الأخرى التي توفرها وكالات فرض القانون الأميركية كشبكة فرض قانون الجرائم المالية بوزارة المالية الأميركية. فما الذي نتعلمه منها؟ نجد مثلا أن التركيز على المنظمات الخيرية أو "المنظمات غير الربحية" موضوع متكرر. وطبقا لمجموعة المهمة الخاصة المالية: تشترك معظم الدول في القلق الناتج عن الصعوبات في كشف تمويل الإرهابيين عن طريق إساءة استخدام المنظمات غير الربحية. وهناك اعتراف بشكل عام بأن مثل هذه المنظمات تلعب دورا داعما اجتماعيا وماليا هاما في جميع المجتمعات، ومن الواضح أن هذا الدور ليس موضع نقاش. ومع ذلك فإن حجم الأموال والأرصدة الأخرى التي يملكها قطاع المنظمات غير الربحية يعني أن تحويل ولو نسبة مئوية صغيرة جدا من هذه الأموال لدعم الإرهاب سيشكل مشكلة خطيرة. لذا فإن المعرفة المحدودة حول المدى الذي يذهب إليه الإرهابيون في استغلال هذا القطاع يجب أن تعتبر مسألة مثيرة لقلق خطير بالنسبة للمجتمع الدولي. ويؤكد كل ذلك أننا نعيش الآن في عالم مختلف وأن تعقب أو مراقبة الأموال المستخدمة في النشاطات الإرهابية ليست مهمة سهلة. خاتمة لقد كتب الكثير عن قانون باتريوت وعن ضرورة سن القوانين بسرعة لمعالجة الإرهاب. ولا زال النقاش محتدما حول ما إذا كانت الاستجابة التشريعية ملائمة للهجمات. وعلى الجانب الإيجابي، لا بد من التأكيد على أن اتحاد المصرفيين الأميركيين أيد قانون باتريوت لأنه أنجز ما لم تنجزه مقترحات أخرى في السابق، وهو إلزام المؤسسات غير المصرفية بأن يكون لديها برامج وإجراءات خاصة بمكافحة غسل الأموال. غير أنه يتعين على الحكومة، لكي تمنع تمويل الإرهاب، أن تلتزم بتقديم أحدث المعلومات الإستخباراتية للقطاع المالي. وقد شاهدنا بداية تلك العملية، ولكن لا بد من زيادتها. وسوف تمنى أي استراتيجية أخرى بالفشل.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.
|