eJournal USA: Economic Perspectives

الحوالة: مبنية على الثقة وخاضعة لإساءة الاستعمال

محمد القرشي

The Global War on Terrorist Finance

الحوالة هي واحدة من عدد من الأنظمة غير الرسمية المستخدمة في مناطق متعددة من العالم لتحويل المال محليا أو عبر الحدود، وكثيرا ما يتم ذلك نقدا. وتعد أنظمة الحوالات معقدة وتستدعي تفهما عمليا للبيئة في كل دولة حيث يعمل تجار الحوالات. ليس من الواجب على التنظيمات المالية أن تعمل على التخلص من الحوالة، بل عليها منع إساءة استعمالها كمصدر تمويل للإرهاب.

لقد ازداد اهتمام الناس منذ الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة في 11/9 بالأنظمة غير الرسمية لتحويل المال حول العالم، وخاصة بنظام الحوالات. وسبب ذلك هو الدور المزعوم لنظام الحوالات في تمويل النشاطات الإرهابية غير القانونية، بالإضافة إلى دورها التقليدي في تحويل المال بين الأفراد والأسر، وكثيرا ما يتم ذلك بين دول مختلفة. وحاولت الحكومات والهيئات الدولية، إزاء هذه الخلفية، أن تتوصل إلى تفهم أفضل لهذه الأنظمة، وأن تقّيم مدلولاتها الاقتصادية والتنظيمية، وأن تصمم أفضل طريقة ملائمة للتعامل معها.

وتستخدم أنظمة تحويل الأموال غير الرسمية في مناطق عديدة لتحويل الأموال، محليا وعالميا. ونظام الحوالات هو أحد أنظمة تحويل الأموال غير الرسمية الموجودة تحت مسميات مختلفة في مناطق مختلفة من العالم. إلا أن من المهم التمييز بين نظام الحوالات وبين تعبير الحوالة الذي يعني "يحوّل" أو "يبرق" بلغة الاصطلاحات المصرفية العربية. ويشير نظام الحوالات إلى قناة غير رسمية لتحويل الأموال من موقع إلى آخر عن طريق مقدمي الخدمات المعروفين باسم محوّلي الحوالات، بصرف النظر عن طبيعة المعاملة والدول المعنية. وفي حين أن معاملات الحوالات تتم في الغالب من قبل العمال المغتربين الذين يعيشون في دولة متقدمة، فإن نظام الحوالات يمكن أن يستخدم أيضا لإرسال أموال من دولة نامية، مع أن هدف نقل الأموال يكون عادة مختلفا (أنظر النبذة داخل المربع).

كيف يطبق النظام؟

Hairline rule

يريد شخص في الدولة (أ) أن يرسل أموالا إلى شخص في الدولة (ب). ويبادر بالمعاملة بإعطاء النقود إلى محول حوالات في الدولة (أ) ويتسلم من محول الحوالات رمزا توثيقيا. ثم يطلب محول الحوالات في الدولة (أ) من محول الحوالات في الدولة (ب) أن يسلّم مبلغا مماثلا بالعملة المحلية للمستفيد المقصود. ويتعين على المستفيد، لكي يتسلم المبلغ، أن يظهر الرمز التوثيقي الذي أعطي للزبون في الدولة (أ).

ويمكن تعويض محول الحوالات في الدولة (أ) بأن يتقاضى رسما أو عن طريق فرق سعر صرف العملة (الفرق بين سعر البيع والشراء للعملة). وبعد التحويل المالي يتحمل محول الحوالة في الدولة (أ) الاستحقاق المالي أمام نظيره في الدولة (ب) الذي يتم الإيفاء به عن طريق دفع المال أو تقديم السلع والخدمات.

ويمكن تسوية الاستحقاق المالي أيضا عن طريق "حوالة معكوسة" أو عن طريق استيراد البضائع. وتستخدم معاملة الحوالة المعكوسة عادة لأغراض الاستثمار أو لتغطية مصروفات السفر أو الخدمات الطبية أو التعليم من دولة نامية. وفي الدولة التي تخضع لفرض القيود على صرف العملة الأجنبية وعلى رأس المال، يقوم زبون في الدولة (ب) مهتم بدفع رسوم التعليم الجامعي لإبنه، مثلا، بالدفع بالعملة المحلية لمحول الحوالات في بلاده ويطلب دفع مبلغ مماثل لإبن الزبون في الدولة (أ). وقد يقوم محول الحوالات في الدولة (ب) بتحويل المال مباشرة إلى نظيره في الدولة (أ) أو يستخدم هذه المعاملة لتسوية مطالب سابقة بحق محول الحوالات في الدولة (أ). وقد يطلب من محول حوالات مدين له في الدولة (أ) أن يحول المال إلى محول حوالات آخر في دولة ثالثة إلى حيث ينقل المال لتسوية هذه المعاملة. وبالإضافة إلى ذلك يمكن أن تتم التسوية عن طريق معاملات استيراد، حيث يقوم محول الحوالات في الدولة (أ) بتسوية دينه عن طريق تمويل صادرات إلى الدولة (ب) حيث يكون محول الحوالات في الدولة (ب) المستورد أو الوسيط.

لماذا تطورت الحوالة؟

استخدمت أنظمة تحويل الأموال غير الرسمية في الأزمنة السابقة لتمويل التجارة. وتم إيجادها بسبب مخاطر السفر مع الذهب وغير ذلك من أنواع الدفع في طرق يحيط بها اللصوص. واستخدمت الأنظمة المحلية على نطاق واسع في الصين وفي أجزاء أخرى من شرقي آسيا ويستمر استخدامها هناك حتى هذه الأيام. وهي تسمى بمسميات مختلفة، مثل في- تشيين (الصين)، وبادالا (الفلبين)، وهوندي (الهند)، وهوي كوان (هونغ كونغ)، وفي كوان (تايلاند). ويستخدم نظام الحوالات (أو هوندي) حاليا على نطاق واسع ولكنه مرتبط تاريخيا بجنوبي آسيا والشرق الأوسط. ويتألف مستخدموه الرئيسيون حاليا من أعضاء مجتمعات المغتربين الذين هاجروا إلى أوروبا ومنطقة الخليج العربي وشمالي إفريقيا ويقومون بإرسال التحويلات المالية إلى أقاربهم في شبه القارة الهندية وشرقي آسيا وأوروبا الشرقية وغيرها من المناطق. وقد أنعش هؤلاء العمال المغتربون دور هذا النظام وأهميته. ومع أن الحوالة تستخدم للتحويل القانوني للأموال، فإن غفليتها والحد الأدنى من الوثائق اللازمة لإرسالها جعلتها أيضا عرضة لإساءة الاستعمال من قبل الأفراد والجماعات الذين يقومون بتحويل الأموال لتمويل النشاطات غير القانونية.

وتوضح العوامل الاقتصادية والثقافية جاذبية نظام الحوالات. فهي أقل كلفة وأسرع وأكثر اعتمادا عليها وأكثر سهولة وأقل بيروقراطية من القطاع المالي الرسمي. ويتقاضى محولو الحوالات رسوما أو يقومون أحيانا باستخدام الفرق في سعر الصرف لتحقيق الدخل. ويتقاضى محوّلو الحوالات رسوما أقل على تحويل الأموال من الرسوم التي تتقاضاها البنوك والشركات الأخرى لتحويل الأموال، وذلك أساسا بفضل المصروفات العامة المنخفضة وانعدام نفقات الأنظمة بالنسبة لمحوّلي الحوالات الذين يديرون عادة أعمالا صغيرة أخرى. ويقوم محوّلو الحوالات أحيانا، لتشجيع تحويلات الصرف الأجنبي عن طريق نظامهم، بإعفاء المغتربين من دفع الرسوم. وفي المقابل، فهم يتقاضون، على ما يقال، رسوما أعلى من الأشخاص الذين يستخدمون النظام لتفادي القيود المتعلقة بسعر الصرف أو رأس المال أو القيود الإدارية. وتغطي هذه الرسوم العالية عادة جميع مصروفات محولي الحوالات. وهذا النظام أسرع من أنظمة التحويل المالي الرسمية، ويعزى سبب ذلك جزئيا إلى انعدام البيروقراطية وإلى بساطة آليته العملية.

وتعطى التعليمات للمؤسسات الوكيلة عن طريق الهاتف أو الفاكس أو البريد الإلكتروني، وتنقل الأموال عادة من بيت إلى بيت في غضون 24 ساعة من قبل وكيل يتمتع بسرعة الوصول حتى إلى القرى في المناطق النائية. وتساعد متطلبات الحد الأدنى من الوثائق والحسابات والإدارة البسيطة وانعدام الإجراءات البيروقراطية على تخفيض الوقت الضروري لعمليات التحويل.

وبالإضافة إلى العوامل الاقتصادية، فإن صلة القرابة والروابط العرقية والعلاقات الشخصية بين محولي الحوالات والعمال المغتربين تجعل هذا النظام مريحا وسهلا للاستخدام. وتقدر مجتمعات المغتربين مرونة ساعات عمل محولي الحوالات وقرب موقعهم. وفي سبيل إرضاء زبائنهم قد يطلب محولو الحوالات من نظرائهم تسليم الأموال إلى المستفيدين قبل أن يقدم العمال المغتربون دفعاتهم. كما أن الاعتبارات الثقافية تشجع العمال المغتربين على تحويل الأموال عن طريق نظام الحوالات، ومثل هذه الاعتبارات تنطبق أيضا على أعضاء الأسرة في الدولة الأصلية. وتتشكل كثير من مجتمعات المغتربين كليا من الذكور لأن الزوجات وغيرهن من أفراد الأسرة يبقون في الدولة الأصلية حيث تسود تقاليد الأسرة. وقد تستدعي هذه التقاليد من أفراد الأسرة، وخاصة الزوجات، إقامة حد أدنى من الاتصالات مع العالم الخارجي. ويكون محول الحوالات المؤتمن المعروف في القرية والواعي بالتقاليد الاجتماعية وسيطا مقبولا، وحامياً للنساء من التعامل المباشر مع البنوك والوكلاء الآخرين. وهكذا يعتمد نظام مبني على التضامن القومي والعرقي والقروي على الثقة المطلقة بين المشاركين أكثر من اعتماده على الوثائق القانونية.

وعلى جانب المتلقي، فإن السياسات المالية القمعية والمؤسسات المصرفية غير الفعالة التي افتقرت عادة إلى الاهتمام بأعمال الحوالات قد أسهمت في تطوير أنظمة التحويلات المالية غير الرسمية. وبالإضافة إلى السياسات الاقتصادية المقيدة بصورة متشددة فقد قدمت الأوضاع السياسية غير المستقرة أرضا خصبة لتطوير الحوالات وغيرها من الأنظمة غير الرسمية. وازدهرت معظم أنظمة التحويلات المالية غير الرسمية في المناطق ذات الأنظمة الرسمية غير المتقدمة وخلال فترات عدم الاستقرار. وتواصل هذه الأنظمة التطور في المناطق التي يتسم فيها التطور المالي بالبطء أو بالقمع. ويميل التطور المالي بشكل عام إلى إبطاء انتشار أنظمة التحويلات المالية غير الرسمية، مع أنها موجودة في الدول المتطورة ماليا أيضا.

المدلولات الاقتصادية

على الرغم من الطابع غير الرسمي لنظام الحوالات فإن له مدلولات اقتصادية شاملة مباشرة وغير مباشرة بالنسبة للنشاط المالي وأيضا بالنسبة للأداء المالي للدولة. وأحد أوجه ذلك هو الأثر المحتمل على الحسابات النقدية للدول على جانبي معاملات الحوالات. وبما أن هذه المعاملات لا تنعكس في الإحصائيات الرسمية، فإن التحويلات المالية من دولة إلى أخرى لا تسجل كزيادة في الأرصدة الخارجية للدولة المتلقية أو في الاستحقاقات المالية للدولة المحولة، على عكس الأموال التي يتم تحويلها عن طريق القطاع الرسمي. ونتيجة لذلك تنتقل القيمة من يد لأخرى ولكن المقياس العام للمال لا يتغير. غير أن معاملات الحوالات قد تؤثر في تركيب المال العام في الدولة المتلقية. ويتم إجراء مثل هذه المعاملات في أعمال التحويلات أساسا نقدا، مع أن محولي الحوالات قد يستخدمون النظام المصرفي لأغراض أخرى. ويكون الأشخاص من الدول النامية الذين يحولون الأموال إلى الخارج عن طريق نظام الحوالات للاستثمار أو لأغراض أخرى عادة أعضاء من الجماعات الثرية. وهم يزودون محولي الحوالات المحليين بالنقد عن طريق عمليات السحب من حساباتهم المصرفية. ونتيجة لذلك تميل المعاملات من نوع الحوالات إلى زيادة مقدار السيولة النقدية. وبالإضافة إلى ذلك فإن لأنظمة التحويلات المالية غير الرسمية مدلولات مالية رسمية بالنسبة للدول المحوّلة والمتلقية بسبب عدم دفع ضريبة مباشرة أو غير مباشرة على معاملات الحوالات. وينطبق الأثر السلبي على دخل الحكومات بنفس القدر الذي ينطبق فيه على النشاطات القانونية وغير القانونية التي تستخدم نظام الحوالات.

وليس من الممكن قياس مقادير معاملات الحوالات بطريقة يعتمد عليها لأن السجلات المتعلقة بذلك لا يمكن الوصول إليها من الناحية الفعلية، خاصة للأغراض الإحصائية أو المتعلقة بميزان المدفوعات. وينطبق ذلك على كل من جانبي تحويل المعاملات، وعلى المتلقي بشكل خاص. وقد تتأثر معاملات الحوالات من الدول النامية أحيانا بدوافع تتعلق بهروب رأس المال، كما أنها قد تتأثر برغبة في التهرب من أنظمة القيود المفروضة على صرف العملة وغيرها، مخلفة وراءها سجلات لا يمكن تعقبها. ومع ذلك، فإن السلطات في بعض الدول قدمت من وقت لآخر تقديرات لنشاطات الحوالات مستندة إلى حجم سكانها المغتربين وإلى بيانات ميزان المدفوعات. وعلى أية حال، يتعين على جميع التقديرات غير الدقيقة أن تأخذ بالاعتبار معاملات الحوالات والحوالات المعكوسة (أنظر النبذة في المربع)، بالإضافة إلى الحوالات الناتجة عن نشاطات محظورة. ورغم أنه من المستحيل تقديم رقم دقيق فإن المقادير التي تشملها معاملات الحوالات يحتمل أن تبلغ بلايين الدولارات.

الصعوبات لواضعي الأنظمة

هناك أيضا اتفاق عام، في أعقاب الجهود الدولية المكثفة لمحاربة غسل الأموال وتمويل الإرهابيين، على ضرورة بذل المزيد من الجهود لمراقبة أنظمة التحويلات المالية غير الرسمية لتفادي إساءة استخدامها من قبل الجماعات المحظورة. ويعتقد أصحاب القرارات السياسية أن الغفلية المحتملة لهذه الأنظمة تنطوي على مخاطر لغسل الأموال وتمويل الإرهابيين التي تحتاج إلى معالجتها. إلا أن اختيار الاستجابة التنظيمية والإشرافية الملائمة يحتاج إلى تقييم واقعي وعملي وتفهم للبيئة المعينة للدولة التي يتعامل فيها تجار التحويلات المالية غير الرسمية.

وسيكون تنظيم أنظمة التحويلات المالية غير الرسمية في الدول والمناطق المختلفة مهمة معقدة. ويجعل تنوع الأنظمة القانونية والظروف الاقتصادية عبر الدول الأسلوب الموحد غير عملي من الناحيتين الفنية والعملية. ويفرض على نظام الحوالات حظر في عدد من الدول. لذا فإن أي محاولة لتنظيم هذا النظام في هذه الدول سيكون مخالفا للقوانين والأنظمة الموجودة وسيعتبر إضفاء للصفة القانونية على عمليات صرف العملة الأجنبية الموازية وهروب رؤوس الأموال.

وفي حين أن أنظمة التحويلات المالية غير الرسمية قابلة للتصور، فإن هناك اتفاقا على أن فرض الأنظمة المفرطة والإجراءات الإجبارية لن يكون فعالا لأنها قد تدفع أعمال التحويلات المالية غير الرسمية، بما فيها القانونية، إلى مزيد من السرية. وهدف أي أسلوب ليس التخلص من هذه الأنظمة، بل تجنب إساءة استعمالها. ويميل أصحاب القرارات السياسية، إزاء هذه الخلفية، إلى تفضيل الخيارين المطبقين في بعض الدول: تسجيل أو ترخيص أنظمة التحويلات المالية غير الرسمية.

ومع أن هذه الإجراءات قد تردع النشاطات غير القانونية، فسوف لا تنجح بمفردها في الحد من جاذبية نظام الحوالات. وفي الحقيقة أنه طالما أن هناك أسبابا لدى الناس لتفضيل مثل هذه الأنظمة فسوف تستمر بل وسوف تتوسع. وإذا كان القطاع المصرفي الرسمي عازما على التنافس مع أعمال التحويلات غير الرسمية فإن عليه أن يركز على تحسين نوعية خدماته وتخفيض الرسوم التي يتقاضاها. لذا فإن أي مجهود طويل الأمد ومستمر يجب أن يستهدف تحديث وتحرير القطاع المالي الرسمي، من أجل معالجة مواطن خلله وضعفه.

The Global War on Terrorist Finance

Mohammed El-Qorchi

محمد القرشي هو نائب مدير منطقة في دائرة النقد والأنظمة المالية بصندوق النقد الدولي. وتم اقتباس النص المقدم هنا من مقاله المنشور في عدد شهر كانون الأول/ ديسمبر لمجلة المال والتنمية، Finance and Development وهي المجلة الشهرية لصندوق النقد الدولي.


الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.

The Global War on Terrorist Finance

المجلات الإلكترونية: باللغة العربية | باللغة الإنكليزية