يعكف المجتمع الدولي على شن حملة طويلة الأمد ضد الإرهاب. ومن الجبهات الحاسمة في هذه المعركة المجهود الرامي إلى عرقلة الشبكات المالية التي تدعم المنظمات الإرهابية وتمول عملياتها. ويبحث هذا المقال كيفية تنظيم الحكومة الأميركية لمحاربة تمويل الإرهابيين، وما يفعله المجتمع الدولي، والتحديات المقبلة فيما تجد المنظمات الإرهابية وسائل جديدة لجمع ونقل المال. وكان التطور الرئيسي في العام 2004 هو التدويل الفعلي لمجهود وقف تدفق المال إلى الإرهابيين. فعلى سبيل المثال، قدمت إيطاليا عددا أكبر من المرشحين لعقوبات الأمم المتحدة من أي دولة أخرى، وجاءت بعدها الولايات المتحدة ثم الجزائر والمملكة العربية السعودية وألمانيا. وأصدر الاتحاد الأوروبي بيانا رئيسيا مناهضا للإرهاب في 25 آذار/ مارس 2004 يتضمن التزامات محددة تتعلق بمحاربة تمويل الإرهابيين. وقامت المملكة العربية السعودية في أواسط العام 2004 بوضع جميع الجمعيات الخيرية الخارجية التي تقع مقارها في السعودية تحت إشراف منظمة راعية تخضع لسيطرة الحكومة. وأدى هذا الإجراء إلى إغلاق فعال لمكاتب الفروع الخارجية لمؤسسة الحرمين، وهي جمعية خيرية عالمية رئيسية قام العديد من فروعها بتقديم الدعم للقاعدة. ومكّن هذا القرار المملكة العربية السعودية من التحكم في المعاملات بين الجمعيات الخيرية السعودية وفروعها في الخارج. ومن شأن هذا الإجراء أن يغلق عددا من قنوات التمويل الإرهابي ويوفر مثالا للتنسيق الوثيق بين الدول المسؤولة التي تعمل معا لمحاربة تمويل الإرهابيين. المجهود الأميركي تشتمل أدوات محاربة تمويل الإرهابيين على فرض القانون والتسمية وتجميد الأرصدة والمبادرات الدبلوماسية المختلفة. وتعمل هذه الأدوات عادة على تعزيز بعضها البعض. ومن أهم أوجه المجهود الأميركي التسمية العلنية للإرهابيين ولمؤيديهم وتجميد أرصدتهم. وقامت الولايات المتحدة حتى الآن بتسمية 384 شخصا وكيانا. والسلطة القانونية لتجميد الأرصدة مشمولة في الأمر التنفيذي 13224 الموقع في 23 أيلول/ سبتمبر 2001، الذي يستمد سلطته من قانون السلطات الإقتصادية للطواريء الدولية وقانون المشاركة للأمم المتحدة. ويمكّن الأمر التنفيذي المتوفر على العنوان الإلكتروني www.state.gov/e/eb السلطة التنفيذية من تجميد الأرصدة إداريا ويسمح باتخاذ إجراء سريع ومرن وشامل. ولا يقل أهمية عن ذلك وجود عملية منسقة بين الدوائر الحكومية المختلفة بقيادة مجلس الأمن القومي. ويشمل ذلك وزارات الخارجية والمالية والعدل والأمن الداخلي والدفاع بالإضافة إلى وكالات المخابرات وفرض القانون. ويمكن لأسلوبنا الخاص بالتنسيق بين الدوائر المختلفة أن يكون نموذجا للدول الأخرى وللكيانات الإقليمية لإعادة بناء جهودها المناهضة للإرهاب. وتبدأ العملية بتحليل التحويلات المالية من قبل الإرهابيين المشتبه بهم ومؤيديهم الماليين. ويتم تطوير الأهداف لاتخاذ الإجراءات. وتجتمع مجموعة الدوائر المتعددة لبحث الخيارات البديلة لعرقلة هذه الشبكات. وقد تشتمل الإجراءات على ما يلي:
الأمم المتحدة قامت الأمم المتحدة بتكثيف جهودها لمحاربة تمويل الإرهابيين، وهي تلزم جميع الدول بما يلي:
وقد وضعت الأمم المتحدة عملية لمراجعة الطلبات الواردة من الدول الأعضاء لإضافة أسماء الأفراد والكيانات المعرضين لتجميد أرصدتهم إلى قائمة موحدة تحتفظ بها لجنة العقوبات الخاصة بالقرار 1267. وتلزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باتخاذ إجراءات معينة ضد هذه الأسماء، بما في ذلك تجميد الأرصدة وحظر الأسلحة ومنع السفر. وقام المجتمع الدولي حتى الآن بتجميد نحو 142 مليون دولار من أرصدة الأفراد والكيانات المذكورة على القائمة الموحدة. وأثبتت آلية الأمم المتحدة فعاليتها الفائقة في تدويل تجميد الأرصدة والتأكيد على الالتزام العالمي ضد الإرهاب. وبما أن هذه قائمة للأمم المتحدة، فإن فرض عقوبات معينة ضد الأفراد والكيانات المدرجة أسماؤهم يعد إلزاما لجميع أعضاء الأمم المتحدة. ومن المهم الإشارة إلى أن التعاون في تسمية الأفراد والكيانات هو بالفعل مجهود عالمي. وتواصل دول عديدة بينها المملكة العربية السعودية والجزائر وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا والمملكة المتحدة والصين وروسيا تقديم أسماء لها علاقة بالقاعدة إلى لجنة العقوبات لكي تضاف إلى القائمة الموحدة. دعوني أقدم مثالين على ذلك: التسميات المشتركة الأميركية – السعودية: طلبت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية معا في شهر آذار/ مارس 2002 من لجنة العقوبات للقرار 1267 للأمم المتحدة إضافة إسمي فرعي مؤسسة الحرمين في الصومال والبوسنه والهرسك إلى القائمة الموحدة. وقد ارتبط هذان الفرعان المغلقان حاليا بالقاعدة. وبالتالي ، وكنتيجة للإحالات الأميركية – السعودية المشتركة، أضيف إسم وائل حمزة جليدان، وهو مساعد لأسامة بن لادن، إلى القائمة الموحدة في أواخر العام 2002، وأضيفت تسعة فروع إضافية لمؤسسة الحرمين في العام 2004. الجماعة الإسلامية: قامت 50 دولة، بما فيها جميع أعضاء اتحاد دول جنوب شرقي آسيا والاتحاد الأوروبي في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2002 ، مجتمعة بتقديم إسم الجماعة الإسلامية إلى لجنة القرار 1267. والجماعة الإسلامية مسؤولة عن ارتكاب عدد من الهجمات الفتاكة، بما في ذلك الهجوم على النادي الليلي في بالي.القوانين والأنظمة والمعايير لقد تبنت أكثر من 80 دولة قوانين وأنظمة جديدة لمحاربة تمويل الإرهابيين منذ 11/9 أو أنها بصدد القيام بذلك. وازداد عدد وحدات الإستخبارات المالية التي قامت بتطبيق المعايير المتفق عليها دوليا والقادرة على المشاركة في المعلومات عن طريق العضوية في مجموعة إيغمونت (الدول التي تملك وحدات مخابرات مالية عاملة) من 69 إلى 84 عضوا. وعملنا عن كثب مع مجموعة العمل الخاصة المالية فيما يتعلق بغسيل الأموال ومع الهيئات الإقليمية المشاركة لها في هذا المجهود.
وقامت مجموعة المهمة الخاصة المالية، وهي هيئة حكومية مشتركة تضم 33 دولة، بتوسيع سلطتها لتشمل تمويل الإرهابيين. وقدمت اللجنة، بالإضافة إلى توصياتها الأصلية الأربعين المتعلقة بغسيل الأموال، توصيات خاصة حول تمويل الإرهابيين أصبحت معيارا عمليا دوليا في معالجة تمويل الإرهابيين. وتوفر هذه التوصيات نموذجا للدول التي تحتاج إلى تعديل قوانينها وأنظمتها المالية لكي تنسجم مع المعايير الدولية. وتشجع قدرة اللجنة على الإدراج العلني لأسماء الدول التي تعاني من ممارسات ضعيفة فيما يتعلق بمكافحة غسيل الأموال، تشجع الدول على وضع أنظمة أقوى ضد غسيل الأموال. ونتيجة لهذه العلانية اتخذت نيجيريا وأوكرانيا والفلبين إجراءات لتنفيذ أنظمة قانونية محسنة إلى درجة كبيرة.
وقد استضاف البنك المركزي لدولة الإمارات العربية المتحدة مؤتمرا دوليا في شهر أيار/ مايو 2002 اعترفت فيه قرابة 40 دولة لأول مرة بالحاجة إلى تنظيم قطاع الحوالات. وعقد مؤتمر دولي آخر حول الحوالات في الإمارات العربية المتحدة في شهر نيسان/ إبريل 2004 لإقرار وإعادة تأكيد الانجازات الهامة للمؤتمر الأول ولوضع خطة لمواصلة العمل. واتخذت دول عديدة، بما فيها الإمارات العربية المتحدة وباكستان، خطوات لتنظيم القطاع غير الرسمي، ونحن نلقى تشجيعا في الإشارات الأولية لازدياد استخدام القنوات المصرفية لنقل تحويلات العاملين من الخليج وغيره من المناطق إلى أسرهم في جنوبي آسيا. وسنواصل العمل بنشاط لوضع مستويات أعلى للشفافية والمحاسبة للقطاع غير الرسمي. تعزيز القدرة هناك دول عديدة لا تملك القدرة والمهارات الفنية لاتخاذ الإجراءات المطلوبة منها. وقد عكفت الحكومة الأميركية على اتخاذ مبادرات هامة لتعزيز القدرة مع الحكومات الأخرى لتشديد الخناق على النشاطات المالية الإرهابية. وخصصت وزارة الخارجية أكثر من 5, 11 مليون دولار كمساعدة مالية لمكافحة الإرهاب منذ العام 2002. وقمنا بوضع قائمة أولويات للدول التي تحتاج إلى مساعدة ووضعنا برامج تستند إلى تلك الأولويات. وتقوم مجموعة المهمة الخاصة المالية ومجموعة الثماني (مجموعة الدول الصناعية الثماني) ولجنة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أيضا بتعقب وتنسيق الجهود معنا في هذا المجال. وأود أن أشدد في هذا السياق على أن سفاراتنا حول العالم تلعب دورا أساسيا في المساعدة على تطوير وتنفيذ جميع عناصر هذه الإستراتيجية العالمية. وهذا الإسهام بالغ الأهمية فيما نحن نضع أهدافنا ونقوم ببذل الجهود لبناء تحالفنا واتخاذ إجراءات فعالة. النتائج والخطوات التالية لقد قمنا، عن طريق العمل مع الدول الأخرى حول العالم، بزيادة الصعوبة التي يواجهها الإرهابيون في جمع ونقل الأموال. وقام الاتحاد الأوروبي بتسمية جميع الأسماء تقريبا المتعلقة بتجميد الأرصدة التي قامت الولايات المتحدة بتسميتها بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224. والتزم الاتحاد الأوروبي في القمة الأميركية – الأوروبية التي عقدت في شهر حزيران/ يونيو 2004 بالعمل بنشاط مع الولايات المتحدة لتعزيز الجهود ضد تمويل الإرهابيين. وتعكف الدول في الشرق الأوسط وجنوبي آسيا وأميركا اللاتينية وشرقي آسيا على العمل على تجريد الإرهابيين من قدرتهم على جمع الأموال في المنطقة. إلا أن هناك عملا كثيرا أمامنا يتطلب الإنجاز. ويبدو أن تمويل الإرهابيين أكثر مركزية مما كان في السابق، حيث يتم جمع المال من الجمعيات الخيرية وأنظمة التحويل البديلة وحتى الجريمة، ويتم نقل المال عادة بواسطة ناقل. ولا زالت الاحتياجات الدولية كبيرة فيما يتعلق بالتدريب والمساعدة الفنية. وبما أن المال يصل إلى أيدي الإرهابيين حول العالم فإن الطريقة الوحيدة التي سيكتب لنا فيها النجاح في تجفيف مواردهم المالية هي العمل الدولي الناشط المتواصل مع الدول حول العالم. وهذه الجهود تكلل بالنجاح وسوف تواصل تحقيق ذلك.
|