"أقسم يميناً مغلظة"
بقلم روبرت س. باركر
| ||||
|---|---|---|---|---|
سنة 1791، وبعد مضي أقل من سنتين فقط على قيام المحكمة الأميركية العليا، استقال أحد أعضائها الأصليين، جون رَتلدج، ليصبح رئيساً للمحكمة العليا في ولايته، ساوث كارولاينا. وبعد ذلك بأربع سنوات، استقال جون جاي، أول رئيس للمحكمة الأميركية العليا ليصبح حاكماً لولايته، نيويورك. وفي سنة 1800، عندما طلب الرئيس جون آدمز من جاي العودة إلى المحكمة العليا ورشحه مرة أخرى لمنصب رئيس المحكمة، رفض جاي ذلك مُصرحاً بأن المحكمة العليا تفتقر إلى "الطاقة، والنفوذ، والهيبة". والواقع هو أنه خلال العقد الأول من عمل المحكمة العليا (1790-1800)، استقال خمسة رجال من أصل 12 خدموا في المحكمة، في حين رفض ثلاثة ممن تمّ ترشيحهم (بمن فيهم جاي سنة 1800) إما تعيينهم في المحكمة أو ترقيتهم إلى رئاسة المحكمة. وفي حين كانت أسباب واحدة أو اثنتين من تلك الاستقالات والرفض شخصية، فإن معظمها عَكَس إجماعاً في الرأي، على أن المحكمة، كما قال جاي، "تفتقر إلى الطاقة، والنفوذ، والهيبة". ولكن هذه النظرة سرعان ما تغيرت مع تعاظم نفوذ المحكمة العليا. فقد منح قرار المحكمة البالغ الأهمية سنة 1803 في دعوى ماربوري ضد ماديسون الذي أرسى مبدأ "المراجعة القضائية" (أي سلطة القضاة في رفض تطبيق قوانين قرر القضاة أنفسهم أنها مخالفة للدستور)، وقدرة المحكمة اللافتة منذ ذاك الوقت في الحفاظ على استقلاليتها إزاء السلطتين الأخريين (التشريعية والتنفيذية)، منحا المحكمة العليا للولايات المتحدة مكانة وسلطة كبيرتين في مجالي القانون والسياسة الأميركيين.
اختيار القضاة حيث أن المحكمة العليا هامة في ذاتها، تُصبح العملية التي يتم من خلالها اختيار أعضائها، بالضرورة، ذات أهمية كبرى. وتحصر المادة 3- القسم واحد، من الدستور السلطة القضائية للحكومة القومية (أو الفدرالية) في يد "محكمة عليا واحدة، وفي المحاكم الأدنى مرتبة التي ... قد يؤسسها الكونغرس من وقت لآخر." كما تنص على أن قضاة المحكمة العليا (والقضاة الفدراليين الآخرين) يشغلون مناصبهم مدى الحياة طالما اتصفوا بالسلوك الحسن، وتضمن عدم تخفيض مرتباتهم طوال فترة خدمتهم. وتنص المادة الثانية، القسم الثاني، على أن رئيس الولايات المتحدة" ... يُرشح، وبعد استشارة وموافقة مجلس الشيوخ، يُعيّن... قضاة المحكمة العليا..." وقد شرح ألكزاندر هاملتون، العضو النافذ في مؤتمر 1787 الذي صاغ الدستور، الحكمة في عملية التعيين، في صحيفة "ذي فيدراليست" (الفيدرالي)، العدد 77، على النحو التالي:
ومنذ العام 1789، عندما باشر الرئيس جورج واشنطن هذه العملية، أجرى الرؤساء ما مجموعه 148 ترشيحاً للمحكمة العليا، بينها ست ترشيحات رفضها الذين تمّ ترشيحهم، و 12 ترشيحاً رفضها مجلس الشيوخ، وتسعة ترشيحات سحبها الرئيس (عادة بسبب معارضة مجلس الشيوخ)، وخمسة ترشيحات لم ينظر مجلس الشيوخ فيها (وبالتالي أُسقطت). وهكذا، تم تثبيت أربعة ترشيحات تقريباً من كل خمسة ترشيحات قدمها الرؤساء عبر تاريخ الولايات المتحدة. أي نوع من الأشخاص تم ترشيحهم وتعيينهم؟ ولماذا باء عشرون بالمئة تقريباً من الترشيحات بالفشل؟ إن كل ترشيح إلى المحكمة العليا ينطوي على تفاعل فريد بين الاعتبارات القانونية، والسياسية، والشخصية؛ ومع هذا، يبقى من الممكن التعميم إلى حد ما. أولاً، كان المرشحون للمحكمة العليا دائماً من المحامين. وفي حين أن الدستور لا يتطّلب ذلك، فإن الفطرة السليمة تتطلب أن يكون الذين مهمتهم الرئيسية تفسير وتطبيق القانون ضالعين في القانون. ثانياً، كان المرشحون عادة حلفاء شخصيين للرئيس، أو أعضاء بارزين في حزب الرئيس السياسي، أو رجال قانون من مؤيدي مواقف الرئيس حول قضايا الساعة القانونية الكبرى. وهكذا، عُيّن مثلاً، روجر بروك تايني، الشخصية القيادية البارزة في معارضة الرئيس آندرو جاكسون لإنشاء مصرف مركزي للولايات المتحدة، لرئاسة المحكمة العليا من قبل جاكسون سنة 1836؛ كما عُيّن آيب فورتَس، المستشار المُقرّب جداً من الرئيس ليندون جونسون، في المحكمة من قبل جونسون سنة 1965. وكان العديد من المُعيّنين شخصيات سياسية رئيسية بارزة: سالمون بي. تشايز، الذي عيّنه إبراهام لنكولن عام 1863 رئيساً للمحكمة العليا، كان حاكماً لولاية أوهايو؛ تشارلز إيفانز هيوز، الذي عينه وليام هوارد تافت عضواً في المحكمة لأول مرة في عام 1910، كان حاكماً لولاية نيويورك؛ وأول من تم تعيينه للمحكمة من قبل فرانكلن د. روزفلت (سنة 1937) كان السناتور هيوغو ل. بلاك من ألاباما، أما القاضي الآخر الذي عينه لاحقاً، فرانك ميرفي، فقد كان حاكماً لولاية مشيغان. وكان إيرل وارن حاكماً لولاية كاليفورنيا عندما عينه دوايت آيزنهاور رئيساً للمحكمة سنة 1954. أما أشهر الترشيحات فكانت ترشيح الرئيس وارن ج. هاردنغ سنة 1921، رئيس الجمهورية السابق تافت لرئاسة المحكمة العليا. وقد عيّن الرؤساء أحياناً أعضاء من الحزب المعارض. وهكذا، عَيّن الرئيس لينكولن الجمهوري، ستيفن دجيه. فليد، الديمقراطي البارز، في المحكمة سنة 1863. وعام 1940، رفّع الرئيس فرانكلين د. روزفلت القاضي هارلان فيسك ستون، الجمهوري، من منصب قاض في المحكمة إلى منصب رئيسها. وسنة 1945، عيّن الرئيس هاري ترومان، الديمقراطي، السناتور هارولد إيتش. بورتون، الجمهوري من أوهايو، عضواً في المحكمة. وسنة 1956، وقبل الانتخابات الرئاسية بثلاثة أسابيع، عيّن الرئيس آيزنهاور وليام دجيه. برينان، الديمقراطي. وهناك أمثلة أخرى عن مثل هذه التعيينات "اللاتحزبية"؛ غير أن هذه التعيينات وأن كانت "لا تحزبية" تظل مع هذا سياسية، لأنها كانت مدروسة وكان القصد منها كسب التأييد الشعبي أو تأييد الكونغرس للرئيس. وقد تقلصت عادة تعيين السياسيين البارزين في المحكمة العليا بصورة ملحوظة خلال نصف القرن الماضي. وقد اتجه الرؤساء المنتخبون مؤخراَ إلى ترشيح نساء ورجال أكفاء ممن يعملون كقضاة. فمن بين القضاة التسعة الحاليين في المحكمة، هناك ستة (جون بول ستيفنز، أنطونين سكاليا، آنثوني م. كنيدي، كلارنس توماس، روث بايدر غينزبيرغ، وستيفن ج. بريير) كانوا قضاة في محاكم استئناف فيدرالية لدى ترشيحهم، وكان اثنان (ساندرا داي أوكونر، ودافيد إيتش. سوتر) قضاة في محاكم استئناف تابعة للولايات. فاليوم، يلعب بروز المرشح على الساحة السياسية دوراً أقل أهمية من دور توافق فلسفة المرشحين مع فلسفة الرئيس. تثبيت مجلس الشيوخ لا يضع الدستور معايير لتثبيت المرشحين أو رفضهم على يد مجلس الشيوخ؛ وهكذا، فإن كل سناتور حر في تطبيق المعايير التي يرتأيها. وكان أول مرشح للمحكمة العليا رفض مجلس الشيوخ تثبيته هو جون رتلدج سنة 1795. وكان رتلدج، الذي كان من أعضاء المحكمة الأصليين لدى إنشائها، قد استقال منها سنة 1791. وعندما رشحه الرئيس واشنطن بعد أربع سنوات لرئاسة المحكمة، عارض العديد من الشيوخ ترشيح رتلدج لانتقاده الصاخب سنة 1794 لمعاهدة عُقدت بين الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وأثارت الكثير من الجدل. وفشلت ترشيحات أخرى لأسباب مختلفة: رُفض ترشيح ألِكزاندر وولكوت سنة 1811 بسبب قيام معارضة حزبية له ووجود شكوك لدى الحزبين حول كفاءته. سنة 1844 و 1845، قام الرئيس جون تايلر بست محاولات لملء المراكز الشاغرة في المحكمة، فشلت خمس منها. وكان تايلر، الديمقراطي، الذي انتُخب لنيابة رئاسة الجمهورية على بطاقة مرشحي حزب الويغ، الحزب السابق للحزب الجمهوري، والذي تولى منصب الرئاسة إثر وفاة الرئيس وليام هنري هاريسون، يفتقر إلى قاعدة قوية مؤيدة له في أي من الحزبين السياسيين لتأمين موافقة مجلس الشيوخ على ترشيحاته. وتم رفض العديد من المرشحين مثل إبنيزر هُور سنة 1870 وويلر إيتش. بكهام سنة 1894، بسبب معارضتهما للمحسوبيّة السياسية مما ألب عليهما شيوخاً نافذين. وسنة 1930، رفض مجلس الشيوخ ترشيح الرئيس هربرت هوفر لجون دجيه. باركر وسط اتهامات بأن المرشح كان معادياً للعمال. وفي عامي 1969 و 1970، رفض مجلس الشيوخ اثنين من مرشحي الرئيس ريتشارد نيكسون بسبب الانتقادات الموجهة لصفات المرشحين الشخصية ومواقفهما الفلسفية. أما هزيمة مرشح الرئيس رونالد ريغان، روبرت إيتش. بورك، عام 1987 فكانت، كما تقر جميع الأطراف، قائمة على اعتبارات فلسفية قضائية. وباختصار، رُفض المرشحون لتشكيلة واسعة من الأسباب الحزبية والشخصية والفلسفية. ولم يحدّد الدستور حجم المحكمة العليا؛ وكان يتم تحديد عدد القضاة دائماً عبر قانون فيدرالي. وقد حدّد الكونغرس في بداية الأمر عدد القضاة بستة. ومنذ ذلك الوقت، تراوح العدد في الفترات المختلفة حتى وصل إلى عشرة قضاة أحياناً، وتقلص إلى خمسة فقط في أحيان أخرى. وكان حجم المحكمة يستند عادة إلى اعتبارات الفعالية القضائية؛ لكن الباعث كان سياسياً في حالة واحدة لافتة للنظر. ففي سنة 1866، قرر الكونغرس أنه سيتم تقليص عدد القضاة من 10 إلى 7، من خلال عدم تعيين بديل لمن تنتهي خدمته في المحكمة لأي سبب، للحيلولة دون قيام الرئيس آندرو جونسون من تعيين أي قضاة في المحكمة العليا. وفي سنة 1869، بعد أن غادر جونسون الرئاسة، رُفع عدد القضاة إلى تسعة، وبقي على حاله منذ ذلك الحين. استقلال القضاء
في حين توضح النزاعات المذكورة أعلاه الجوانب السياسية في التعيينات في المحكمة العليا، تُبيّن ظاهرتان أخريان حقائق أعمق وأهم: الحقيقة الأولى هي أنه مهما كانت ظروف تعيين القضاة في المحكمة العليا فإنهم أظهروا بصورة دائمة، لدى احتلال مناصبهم، استقلالية إزاء فروع الحكومة السياسية، بما في ذلك الاستقلالية إزاء الرئيس الذي عيّنهم. مثلاً، عيّن الرئيس تيودور روزفلت، سنة 1902، أوليفر وندل هولمز جونيور عضواً في المحكمة. وبعد أقل من سنتين، وفي قضية ضد الاحتكار (التراست)، وهامة جداً بالنسبة لبرنامج روزفلت، صوت هولمز ضد الرئيس. وسنة 1952، عندما واجهت مصادرة الرئيس ترومان لمصانع الفولاذ الكبرى في البلاد تحدياً دستورياً، صوتت المحكمة العليا، بستة أصوات مقابل ثلاثة، ضد الرئيس. وقد صوت ضد الرئيس اثنان من بين القضاة الأربعة الذين عينهم ترومان نفسه. وصوّت إيرل وورن الذين عيّنه الرئيس آيزنهاور رئيساً للمحكمة، ضد موقف الرئيس آيزنهاور أحياناً كثيرة متكررة لدرجة أن الرئيس وصف تعيين وورن، لدى انتهاء فترته الرئاسية، بأنه كان "أسوأ خطأ غبي ارتكبته كرئيس". وفي سنة 1974، في دعوى الولايات المتحدة ضد نيكسون، وهي قضية تتعلق برفض الرئيس نيكسون تسليم أشرطة تسجيل عائدة للبيت الأبيض، كانت قد صدرت بشأنها مذكرة إحضار، على أساس الامتيازات الرئاسية، صوّت ثلاثة قضاة من أصل أربعة عينهم نيكسون ضده، بينما اعتبر الرابع نفسه غير مؤهل للتصويت. أما الظاهرة الثانية البالغة الأهمية، وهي ظاهرة وثيقة الصلة بالأولى، فهي أن الشعب الأميركي يتوقع ويطالب بأن تكون المحكمة العليا مستقلة عن الفرعين السياسيين في الحكومة (أي السلطتين التشريعية والتنفيذية). سنة 1805، قامت الأكثرية الموالية لجفرسون في مجلس النواب، لرغبتها في إخضاع المؤسسة القضائية الفدرالية (التي كان يسيطر عليها قضاة ميالون إلى الحزب الفدرالي) بالموافقة على إخضاع رئيس المحكمة العليا صامويل تشايز للمحاكمة. ثم انتقلت القضية، وفقاً للدستور، إلى المحاكمة أمام مجلس الشيوخ حيث كانت لأنصار جفرسون أكثرية 25 عضواً مقابل 9، أي أكثر من أكثرية الثلثين المطلوبة لعزل موظف رسمي اتهمه مجلس النواب وأدانه مجلس الشيوخ. ولكن عدداً كافياً من أتباع جفرسون صوّت لصالح تشايز فأعلنت براءته. ولم يحدث أن جرى توجيه اتهام إلى قاضٍ آخر في المحكمة العليا ومحاكمته في الكونغرس، وما فتئ الخلاف بشأن قضية تشايز دليلاً على أن استقلالية القضاء أهم بكثير من المكاسب الحزبية. وقد وقع مثال أوضح في الثلاثينات من القرن الماضي. فبين سنة 1933 و1936، حكمت المحكمة العليا بأن العديد من القوانين التي تم سنّها كجزء من "البرنامج الجديد" الذي أطلقه الرئيس فرانكلين د. روزفلت، أي برنامجه الرامي إلى إنعاش الاقتصاد الأميركي خلال فترة الركود الكبير، غير دستورية. وسنة 1936، أُعيد انتخاب روزفلت بأكثرية ساحقة كما فاز مؤيدوه بأغلبية كبيرة في مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس. وبعد إعادة انتخابه بوقت قصير، أعلن روزفلت عن رغبته في معالجة مشكلة المحكمة العليا عن طريق اقتراح تشريع يسمح له بتعيين ستة قضاة إضافيين. وكانت ردة الفعل الشعبية وفي الكونغرس في معظمها معارضة لخطة الرئيس ولم يجرِ تبنّيها. فمع أن الشعب وممثليه كانوا يؤيدون سياسة روزفلت الاقتصادية، إلا أنهم اعتبروا استقلالية المحكمة العليا أهم بكثير من الخلافات السياسية الراهنة آنذاك. وهناك اليوم، مرة أخرى، جدل حول قرارات المحكمة العليا. لكن النقاش يدور حول ما إذا كان هذا القرار أو ذاك يتطابق فعلاً مع الدستور. ومثل هذا النقاش صحيّ، بل الواقع أنه ضروري، في مجتمع حرّ وديمقراطي. لكن ليس هناك عملياً أي خلاف حول أنه من المرغوب فيه أن يتمتع القضاء باستقلالية إزاء السلطتين الأخريين. فعِبر التاريخ حول هذه الاستقلالية وحول حكمة هذا الأسلوب في اختيار قضاة المحكمة العليا واضحة وإيجابية. وربما كانت الضمانة الأساسية، لكل من استقلالية القضاء والأمانة القضائية، هي تعلُّق الشعب بالديمقراطية وبحكم القانون في نفس الوقت. قبل أكثر من مئة عام، ختم جيمس برايس، رجل القانون والمؤرخ البريطاني، في دراسته الكلاسيكية حول حكومة الولايات المتحدة في كتابه الكومنولث الأميركي، نقاشه حول النظام القضائي كالآتي: "إلى الشعب نعود عاجلاً أم آجلاً؛ فعلى حكمته وعلى ضبطه لنفسه سوف يتوقّف، في نهاية المطاف، استقرار نظام الحكم الذي خُطط بإبداع أكثر من الإبداع في تخطيط أي نظام حكم آخر."
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب. |
||||