المرافعة في قضية براونمذكرات شخصية بقلم جاك غرينبرغ
| |||||
|---|---|---|---|---|---|
القرار في دعوى براون ضد مجلس التعليم، الذي اتُخذ في 17 أيار/مايو 1954، قرار مفصلي، وهو بالتأكيد من بين أهم القرارات التي اتخذتها المحكمة العليا. وهو يثبت أن المراجعة القضائية، وعلى الأخص على يد المحكمة العليا للولايات المتحدة، تنطوي على إمكانيات لإحداث تغييرات اجتماعية ضخمة. فقد ساهمت قضية براون كثيراً في تغيير العلاقات العرقية في أميركا بشكل جذري. كما دفع مبدأ براون أيضاً البلاد نحو منح المساواة للنساء، والمعاقين، والمُسنّين، وشكّل الأساس لكل المطالبات الأخرى بالمعاملة المتساوية. لكن عندما رافعتُ أنا، بين مجموعة من سبعة محامين، بقيادة ثيرغود مارشال الذي أصبح في ما بعد قاضياً، في القضية، لم يكن بإمكاننا إدراك ما سيكون لها من تأثير كبير في المستقبل. كنّا نتوقع أن يُطلِق الانتصار مسيرة بطيئة باتجاه إلغاء الفصل بين الأعراق في المدارس. لكننا لم نتصوّر المقاومة الجنوبية الشرسة التي كانت ستنشأ، ولا حركة الحقوق المدنية التي نشأت كردّ عليها، ولا تشريع الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي، ولا الآثار الأخرى التي انبثقت عنها. في 9 كانون الأول/ديسمبر 1952، وفي 8 كانون الأول/ديسمبر 1953، وقفتُ أمام المحكمة الأميركية العليا للترافع في قضية من ولاية ديلاوير، وهي واحدة من خمس قضايا عُرفت بدعوى براون ضد مجلس التعليم، أو قضايا الفصل بين الأعراق في المدارس. وكان هدفنا إقناع المحكمة العليا بإبطال القرار الخاص بقضية بْليسّي ضد فرغوسون، وهي قضية أصدرت المحكمة بشأنها حكماً سنة 1896 يوافق على الفصل بين الأعراق، طالما كانت المرافق المقدمة للسود مساوية لتلك المقدمة للبيض، أي النظرية المعروفة بـ "منفصلون لكن متساوون". وقد ترافعت إلى جانب لويس ل. ردينغ، المحامي الأميركي الإفريقي الوحيد في كامل ولاية ديلاوير، في تلك القضية التي نشأت في هذه الولاية. لماذا لجأنا إلى المحكمة؟ ألم يكن هناك طريقة أفضل؟ في النظام الديمقراطي يُخيّل للإنسان أن حق التصويت يكفي لتصحيح مظالم خطيرة كهذه. لكن حق التصويت كان في تلك الحقبة، بالنسبة للعديد من الأميركيين الأفارقة، مُجرّد أمر خيالي. وقد حقق المشرعون الجنوبيون تلك النتيجة عن طريق الرفض القَطعي للأمر، والخداع، وتغيير القوانين بصورة غير شرعية، وغيرها من الحِيَل. فانتخاب هؤلاء، وإعادة انتخابهم من قبل الدوائر الانتخابية التي يشكل البيض جميع الناخبين فيها، وفّرا لهم ميزة الأقدمية والنفوذ الكبير في الكونغرس، ووضَعَاهم في موقع يمكّنهم من إحباط أي إمكانية لتغيير التشريعات.
كنا مقتنعين أن السلطة القضائية توفر وسيلة لمعالجة هذا الظلم. فالدستور الأميركي ينص على قيام قضاء مُستقل، متحرر إلى حد كبير من السياسة. وهو يشتمل على وثيقة للحقوق لحماية الحقوق الأساسية لجميع الأميركيين من تعديات حكومتهم عليها، حتى عندما تكون تلك الحكومة مُنتخبة من قِبَل الأكثرية وتعكس رغبات تلك الأكثرية. ورغم ذلك، فقد التمست قضية براون الشيء الكثير من النظام القضائي. فقد طالبنا بأن يضع قسم كبير من البلاد حدّاً للتفرقة العنصرية، وهي ممارسة كانت جذورها تعود إلى أيام الرق. كان لدينا خطيّ دفاع رئيسيين. أولاً، نادراً ما كانت المدارس المنفصلة متساوية، هذا إن كانت متساوية في أي حالة. وحيثما كان مستوى مدارس السود أدنى بصورة ملموسة ومن خلال معايير يمكن قياسها (المباني، أراضي الحَرَم المدرسي، التمويل، الكتب، المعلمين، الخ...) كان مبدأ المعاملة المتساوية يستلزم قبول المدّعين السود في المدارس الأفضل. وكانت هذه حجّة ضيقة، إذ لم تكن تستوجب بالضرورة إنهاء التفرقة، بل مُجّرد تحسين مدارس الأميركيين-الإفريقيين. لكن، ولحين تحقيق المساواة بين المدارس وبقائها متساوية، كان يتعين ذهاب السود والبيض إلى نفس المدارس. ولم تكن أي محكمة قد أمَرت المدارس بتحقيق الاندماج العرقي على هذا الأساس. وكانت الحجة الثانية التي دفعنا بها هي أن التفرقة العنصرية في حد ذاتها غير دستورية، حتى ولو كانت المدارس المنفصلة (لكل من السود والبيض) فعلاً متساوية. وقد اختلفت قضيتنا عن دعاوى براون الأربع الأخرى، في كوننا كنا قد فزنا في محاكم ديلاوير بينما خسرت قضايا المُدعّين في ولايات ساوث كارولاينا، وفرجينيا، وكانزاس، ومقاطعة كولومبيا. فقد قررت محاكم ديلاوير أن مدارس السود كانت هناك أدنى مستوىً من مدارس البيض، وأمرت بإلغاء الفصل بين السود والبيض في المدارس على الفور. لكنها رفضت، على ضوء قرار دعوى بْليسّي، إصدار حكم بأن التفرقة غير دستورية. ورفعت الولاية استئنافاً ضد قرار إلغاء الفصل العنصري في المدارس إلى المحكمة العليا. وبذلك، أصبحت النتيجة هائلة الأهمية، وكنت أعرف ذلك. كنت آنئذ في السابعة والعشرين من عمري ولم أكن قد مارست المحاماة إلاّ منذ 1949، وكنت أدنى المحامين الذين ترافعوا يومها رتبة. ولم أكن أعرف آنذاك أن قضية براون ستكون الأولى، بين أكثر من 40 مرة ترافعت فيها في قضايا تتعلق بالحقوق المدنية أمام المحكمة العليا، وكان معظمها بعد أن خَلَفت ثيرغود مارشال كمدير لمحامي صندوق الدفاع القانوني والتربوي (LDF) التابع للجمعية القومية لتقدّم الملوّنين (NAACP)، الذي أسسته تلك الجمعية كذراع لها، مُعفى من الضرائب، للمقاضاة القانونية. وبعد فترة قصيرة، تمّ انفصال صندوق الدفاع القانوني والتربوي ليصبح منظمة مستقلة. من المستحيل تقريباً تَصوّر الأمر اليوم، إلا أن معظم الأميركيين-الأفارقة كانوا يعيشون، عندما بدأتُ ممارسة المحاماة سنة 1949، في ولايات ترفض مطاعمها خدمتهم، وترفض فنادقها نزولهم فيها، وتفرض عليهم القطارات والباصات فيها الجلوس في أقسام مُخصصة للسود فقط، ولا تسمح لهم المخازن الكبرى الموجودة فيها بقياس الملابس، وتفرض الاتحادات العمالية عليهم أن ينتموا إلى فروع محلية منفصلة، ويدفع أرباب العمل لهم فيها أجوراً أقل للقيام بأصعب وأقذر الوظائف. وفي حين كان للسود نظرياً حق التصويت في الانتخابات، إلا أنهم لم يمارسوا هذا الحق في معظم الولايات الجنوبية، على الرغم من أن التعديلات التي أُدخلت على الدستور بعد الحرب الأهلية ألغت الرق وطالبت الولايات بتأمين حماية القانون المتساوية لكل أميركي، ووعدت بأن لا يُحرم أي أميركي من حق الاقتراع "على أساس العرق، أو اللون، أو حالة العبودية السابقة." الإعداد للمحكمة عندما وصلت قضية براون إلى المحكمة العليا، كنا قد أصبحنا جميعاً على أتمّ الاستعداد. وكنت، أثناء سير الدعاوى التي رفعناها ضد الولاية، قد درست بعناية كل مظهر من مظاهر المدارس المعنيّة وتأثير التفرقة على الأطفال الذين يرتادونها. كنا قد درسنا وحللّنا القانون، وتاريخه لعدد كبير من المرات لدرجة أني بتُ قادراً بسببها على تلاوة معظمه وأنا نائم. فخلال الدعاوى في ديلاوير وغيرها، قدمنا أدلة شاملة حول المباني، وأراضي الحَرَم المدرسي، والتجهيزات، والكتب، والمُعلّمين، وهلم جرّا. وكان شهودنا تربويين متخصصين وعلماء نفس، وطبيباً نفسانياً شَهِدوا كيف أن الفصل بين السود والبيض يضعف قدرة الأطفال السود على تحصيل العلم. ثم قمنا بالمرافعة، لويس ردينغ وأنا، أمام المحكمة العليا للولاية. وأعددنا خلاصات قانونية مُستفيضة للمحكمة العليا، وقمنا بتجارب قبل أيام من المرافعة الفعلية، بحيث أجرينا المرافعة أمام محكمة صورية من المحامين وأساتذة القانون. وقام زملاؤنا في القضايا الأخرى باستعدادات مماثلة. وقد اتبعت في ما بعد نفس هذا النموذج من الاستعداد لكل قضية ترافعت فيها أمام المحكمة العليا، ولم يحدث في أي مرة أن طرح عليّ أي سؤال من المحكمة العليا الحقيقية إلاّ وكان قد طُرح أولاً من جانب الذين قاموا بدور القضاة خلال التجارب. وتختلف المرافعة أمام المحكمة العليا كثيراً عن تلك التي تُصوّر على شاشة التلفزيون، أو في الصحافة الشعبية. فقبل المرافعة، يرفع المحامون خلاصات قانونية مكتوبة، وحججاً رسمية مكتوبة تعالج المواضيع المطروحة لدى المحكمة. وأثناء ترافع المحامين في الدعوى، تكون جميع هذه الخلاصات أمام المحكمة، إضافة إلى بيانات المحاكم الأدنى المتعلقة بالقرارات التي توصلت إليها مع عرض الأحكام القانونية التي اعتمدتها، وسجل كامل بجميع الشهادات والأدلة التي قُدمت أمام محكمة الموضوع. ويتكلم المحامون بلهجة حديث عادي. فيُبلغون المحكمة عن الأحكام الدستورية، وعن القوانين الأخرى وتاريخها، والسوابق القانونية، وعن الوقائع التي تدور حولها القضية، وعواقب أي قرار قضائي، وهلّم جرّا. فلا صراخ، ولا تعليقات لاذعة، ولا تلويح بالأيدي. يبدو كل شيء عقلانياً تماماً، وهو عادةً كذلك. وأحياناً، يخرج بعض المحامين عن هذا الشكل التقليدي والمُتحفّظ، لكن ذلك يكون في غير صالحهم. ومن المؤكد أن القضاة سيطرحون أسئلة، العديد من الأسئلة، وسيقاطعون ردود المحامين بمزيد من الأسئلة. لم أكن متوتر الأعصاب. فقد فعلت كل ما أمكن للاستعداد، واعتقدت أنني أعرف كل شيء كان علي أن أعرفه، واحتطت لكل ما يمكن أن يطرأ. وكون توتر الأعصاب أم لا أمر لا يتوقف على الوضع القائم وحسب، بل وعلى شخصية الفرد نفسه أيضاً. فأنا لا أشعر بالتوتر في الظروف الصعبة. والمثال التالي ليس تشبيهاً جيداً، لكنه المثال الذي يطرأ على بالي حالياً، وهو يعود لتجربتي خلال الحرب العالمية الثانية. كنت آنذاك على متن دبّابة إنزال على الشاطئ نَقَلت أول موجة من المهاجمين على شاطئ إيووا جيما. ربما كان يجب أن أكون متوتر الأعصاب آنذاك، لكنني لم أكن كذلك. فقد كنت قد قمت بكل ما يمكنني القيام به للاستعداد للمهمة. لم يكن أحد من القضاة مُعادياً لجانبنا خلال المرافعات، لكنهم محّصوا الأمور بلا كلل عن طريق الأسئلة. وكان قد تم طرح مئة سؤال على الأقل، قبل اختتام المرافعات؛ وكالعادة، كان السائل الأكثر إصراراً القاضي فليكس فرانكفرتر، أستاذ القانون السابق. وتراوحت الأسئلة بين ما إذا كان من الممكن أن يتغير معنى المساواة بمرور الزمن، وبين ما إذا كان ينبغي على المحكمة أن تأمر بإلغاء التفرقة فوراً أو تدريجياً في حال توصلها إلى حكم لصالحنا. وبما أنه كان قد تم قبول المدّعين من ولاية ديلاوير في مدارس البيض، وإن جاء ذلك على أساس عدم تساوي المدارس وليس على أساس عدم قانونية الفصل العنصري، فقد جرى سؤالنا، لويس ردينغ وأنا، عن سبب سعينا لاستصدار حكم حول موضوع الفصل العنصري. أعطيت الجواب البديهي: لأن التفرقة قد تعود في حال تساوت المدارس. ولأنه سيكون من غير المنطقي اعتبار التفرقة غير دستورية في القضايا الأخرى، لكن الأمر ليس كذلك في ما يتعلق بديلاوير. (كانت النتيجة أن المحكمة اعتبرت التفرقة غير دستورية في جميع الحالات، بما فيها ديلاوير). وعندما انتهت المرافعة، لم أتمكن من التفكير بأي شيء كان علي أن أقوله أو أفعله ولم أقم بقوله أو فعله.
الخصم تزعم الفريق الخصم في القضية المحامي جون دبليو ديفز، أشهر المحامين المترافعين أمام المحكمة العليا آنذاك. وكان قد ترشح في السابق لمنصب رئيس الولايات المتحدة عن الحزب الديمقراطي. وكان قد ترافع في مئات القضايا أمام المحكمة، كما كان رئيساً لأقوى شركات المحاماة نفوذاً في الولايات المتحدة. وقد قدم مرافعة ممتازة. كان جوهرها أنه من غير الممكن أن يكون القصد من بند الحماية المتساوية (في ظل القانون) الوارد في التعديل الرابع عشر للدستور قد كان إلغاء التفرقة العنصرية في المدارس. ولم يظهر أي من النقاشات التي دارت في الكونغرس آنذاك مثل هذه النيّة. فالكونغرس الذي تبنّى التعديل الرابع عشر، خصّص في ذات الوقت الأموال اللازمة للحفاظ على المدارس المنفصلة (لكل من السود والبيض) في مقاطعة كولومبيا المحكومة فدرالياً. وبعض الولايات الشمالية التي صادقت على التعديل كان لديها مدارس منفصلة. أما بالنسبة للسوابق القانونية، فقد دفع ديفز بأن المحكمة قبلت في عدة مناسبات مبدأ "منفصلون ولكن متساوون". ففي قضية غونغ لوم ضد رايس سنة 1927، أيّدت المحكمة دستورية التفرقة في المدارس في ولاية ميسيسبّي. لكن، كان على ديفز، بالطبع، أن يتعاطى مع واقع كون المفاهيم الدستورية تتطور مع الزمن. فكما لاحظ أحد القضاة، إن ما كان يُعتبر متساوٍيا في سنة 1865 قد لا يُعتبر كذلك عام 1952. لم تصب السوابق القانونية التي قدمها ديفز صميم الموضوع، ووجد صعوبة في استثناءات حالات الدعاوى الحديثة التي أدّت إلى قرارات بمنع التفرقة العنصرية في الدراسات الجامعية العليا وفي الكليّات المهنية بسبب القيمة التعليمية التي يحصل عليها الطلاب من تنوع الجسم الطلابي في تلك الصفوف. وارتكب ديفز خطأ بلاغياً واحداً هائلاً. فقد ذكّر المحكمة بحكاية إيسوب الخرافية الرمزية عن الكلب الذي رمى خلال عبوره نهراً قطعة من اللحم، في محاولة جشعة منه لالتقاط قطعة أخرى شاهدها ليجد أنها لم تكن سوى مُجرد صورة معكوسة لقطعة اللحم التي فقدها. ونصحنا ديفز بالاكتفاء بالمساواة القائمة، أو التي ستقوم قريباً بين مدارس البيض والسود، وبعدم تضييع هذه الفرصة لمُجّرد تحقيق "الاعتبار". التقط ثيرغود مارشال القصة الرمزية وقال إن "الاعتبار" هو بالضبط موضوع القضية الراهنة، فالفصل بين العرقين وصمة للسود وتهميش لهم. والمساواة تستلزم أن تقوم الولايات بمنحهم نفس الاعتبار الذي تمنحه للمواطنين الآخرين. بعد المرافعة اعتقدنا جميعنا أننا ربحنا، لكننا لم نكن متأكدين من أن قرار المحكمة سيكون بالإجماع. وكما تُبيّن سجلات مداولات المحكمة الآن، اعتبر جميع القضاة أن التفرقة كانت غير دستورية. لكن عدداً منهم كان متردداً في إصدار مثل هذا الحكم خشية مقاومة الجنوب له. ولم يكونوا راغبين في تعريض مصداقية المحكمة للخطر بإصدارهم قراراً لا يستطيعون فرضه. ولمعالجة هذه المشكلة، قررّت المحكمة فصل القرار حول دستورية التفرقة عن مسألة كيفية تطبيق مثل هذا القرار. في سنة 1954، اعتبرت المحكمة التفرقة العنصرية غير دستورية، وفي سنة 1955، وَضَعت المعايير التي يجب على أساسها إلغاء الفصل بين مدارس السود والبيض. القرار حصل ثيرغود مارشال على معلومات سرية، وربما كان ذلك من مكتب كاتب المحكمة القانوني، لكن أحداً لن يعرف حقيقة ذلك، تقول بأن القرار سيُتخذ في 17 أيار/مايو 1954. ومن الممكن أنه قرّر ببساطة المجازفة بالذهاب إلى المحكمة ذلك اليوم، حيث كانت نهاية دورة المحكمة قد اقتربت. وكان ذلك بالفعل هو يوم إصدار القرار. اتصل بي في المكتب وأبلغت بدوري الأعضاء الآخرين. وكانت عادتنا أن نحتفل في المكتب كلما ربحنا دعوى كبرى. لكن كان لقضية براون رهبة كبيرة لدرجة أننا لم نقم إلاّ بمجرد الوقوف أو الجلوس ولم نعمل أو نقل الكثير. وبالطبع، كان هناك الكثير من المؤتمرات الصحفية في ذلك اليوم وفي الأيام التالية له. والواقع هو أن المحكمة حكمت بالإجماع بأن الفصل بين مدارس السود والبيض غير دستوري. وقال رئيس المحكمة إيرل وارن، في بيانه المكتوب حول القرار وعرضه الأحكام القانونية المنطبقة على الدعوى، أن الحجج التاريخية التي تم الدفع بها كانت غير حاسمة، لكنه قَبِل وجهة نظرنا حول السوابق القانونية الحديثة التي أمَرَت بوجوب قبول الطلاب الأميركيين الأفارقة في كليات الدراسات الجامعية العليا وفي الكليات المهنية. وشدّدت المحكمة أيضاً على ما للفصل العنصري من تأثير ضار:
غير أن تأثير قضية براون تجاوز المدارس الرسمية بكثير. إذ سرعان ما أصبح واضحاً، في الدعاوى المتعلقة بجوانب الحياة الأخرى أن المحكمة ترغب في حظر جميع أشكال الفصل العنصري التي تفرضها الولايات. وكان هناك موضوع ثانوي في المرافعات الشفهية يدور حول ما إذا كان الجنوب سيُذعن لقرار المحكمة بإلغاء الفصل العنصري. توقع البعض مقاومة تامة بل وحتى عنيفة. والواقع أنه كان من الممكن أن يرفض قاض أو أكثر الموافقة على القرار، خشيةً من أن تُعرّض مثل هذه النتيجة مكانة المحكمة المؤسساتية ومصداقيتها للخطر. ولفصل موضوع التطبيق عن القرار، جَدْولت المحكمة للاستماع لمرافعات منفصلة حول كيفية تحقيق الدمج العنصري في المدارس. وقد أصدرت المحكمة في العام 1955 قراراً حول ذلك يُعرف في كثير من الأحيان بقضية براون 2. وفي قضية براون 2، اعتبرت المحكمة أن مناهضة دمج مدارس السود والبيض لن يقبل كذريعة للتأجيل، إلا أنه يمكن إعطاء المقاطعات التي تقع فيها المدارس بعض الوقت لإدخال تغييرات إدارية، مثل إعادة تعيين المعلمين والطلاب. وفي جملة تعترف بتلك الصعوبات، اعتبرت المحكمة في براون 2 أن دمج المدارس يجب أن يبدأ "بكل السرعة المتأنّية". وقد أُثير الكثير من النقاش طوال سنوات حول ما إذا كانت تلك الكلمات قد سمحت للمعارضين بإبطاء وتيرة القضاء على الفصل ودمج المدارس. وأنا لا أعتقد ذلك. ففي رأيي أنه ما كان بإمكان أي كلمات يتضمنها قرار التطبيق التغلّب على ردة الفعل العنيفة ضد قرار قضية براون من جانب تلك الولايات التي كان القانون فيها يتطلب التفرقة العنصرية. وكانت الموارد المتوفرة لفرض القرار ضعيفة. ووقّع جميع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الممثلين لولايات جنوبية، باستثناء ثلاثة (ليندون جونسون، وألبرت غور سينيور، وإستس كيفاوفر) على البيان الرسمي الجنوبي الذي شجب قرار المحكمة العليا. وتبنّت إحدى عشرة ولاية جنوبية قرارات تدخّل وإبطال (شبيهة بالقرارات التي تبنتها في بداية الحرب الأهلية). وأنشأ عدد من الولايات الجنوبية لجان سيادة للولايات، وهي وكالات حكومية مُكرسّة لمحاربة الدمج العنصري. وأقرّت ولايات ألاباما، وجورجيا، ولويزيانا، ومسيسبّي، ونورث كارولاينا، وساوث كارولاينا، وفرجينيا قوانين تطالب بإقفال المدارس إن هي قَبِلت أطفالاً من السود؛ وأبطلت أركنسو قانون الحضور الإلزامي في المدارس. وباشرت بعض الولايات بإقامة دعاوى قانونية ضد الجمعية القومية لتقدم المُلّونين وضد صندوق الدفاع القانوني التابع للجمعية لأجل تقييد نشاطهما أو لمنعهما من العمل، وهو تكتيك منعه قراران هامان للمحكمة العليا. وبدأ المسؤولون في جمعيات المحامين التابعة للولايات إجراءات لتجريد محامي الحقوق المدنية من حقوق ممارسة المهنة في ولايات فرجينيا، وميسيسبّي، وفلوريدا وأماكن أخرى، وهي جهود أحبطها دفاع نشط للغاية. وأصدرت الولايات التي حاولت تجميد تطبيق سياسة الدمج العنصري في المدارس قوانين لإلحاق التلاميذ في المدارس أو لتعيين المدارس لهم تستلزم إتمام الأطفال السود إجراءات إدارية مُعقدة لأجل تغيير مدارسهم. وتعرضت بعض عائلات السود، التي كانت تملك الشجاعة الكافية للسعي إلى إلحاق أطفالها في مدارس مدمجة، للمهاجمة والضرب، والطرد من العمل، ورفض منحها القروض لمزارعها وأعمالها، وكلها استراتيجيات هَدَفت إلى تخويف الآخرين. ولم تكن هناك أي موارد تقريباً لمحاربة هذه الهجمات والسعي إلى تحقيق دمج السود والبيض في نفس المدارس. وخلال فترة من الكفاح من أجل القضاء على الفصل بين مدارس السود والبيض، لم يكن في كل من ولايات ديلاوير، وألاباما، ولويزيانا سوى محامٍ أسود واحد، ولم يكن في الولايات الجنوبية الأخرى أكثر من حفنة منهم، وذلك نتيجة الحظر التام تقريباً، الذي ظل مفروضاً لغاية سنة 1950، على حصول السود على شهادات جامعية عليا أو شهادات مهنية من مؤسسات مُعتمدة، في أي مكان في الجنوب. (وحتى بعد قضية براون، حتى الستينات من القرن الماضي، ظلّت اللجوء إلى المحاكم وإقامة الدعاوى ضرورياً لتحقيق قبول السود في جامعات ميسيسبّي وجيورجيا وألاباما وساوث كارولاينا. ولم تُمنح وزارة العدل الأميركية سلطة السعي إلى إلغاء الفصل العنصري في المدارس حتى سنة 1964). نتائج بعيدة المدى رغم هذا، حققت قضية براون، بمرور الزمن، أهدافها الطموحة. ولم تكن هذه الأهداف ترمي إلى وضع حد للفصل العنصري في المدارس وحسب بل وكانت أيضاً، كما قال نايثن مارغولد- المحامي الأميركي الذي نصح الجمعية القومية لتقدّم المُلّونين في عام 1931 بالاعتراض قانونياً على شحّ التمويل لمدارس السود، باعتبارها انتهاكاً لبند حماية القانون المتساوية الوارد في التعديل الرابع عشر- تهدف إلى "إثارة روح الثورة" لدى الأميركيين الأفارقة. وقد ساعدت قضية براون في إلهام حركة الحقوق المدنية: اعتصامات (اعتصام السود أمام كونتوارات الطعام المُخصصة للبيض فقط ورفضهم المغادرة إلى أن تتم خدمتهم)، ورحلات الحرية (جلوس السود والبيض في أقسام محظورة من القطارات والباصات مع جلوس السود في المقاعد الأمامية المُخصصة للبيض)، وسلسلة من المسيرات بقيادة مارتن لوثر كينغ جونيور. وقد حمت المحاكم المتظاهرين تقريباً بصورة متماثلة. وعملت الاحتجاجات العامة عن كثب مع الجهود القانونية للتوصل إلى استصدار قانون الحقوق المدنية لسنة 1964، والقوانين المماثلة الصادرة في منتصف الستينات من القرن الماضي. وفي حين أن قضية براون لم تحلّ مشاكل البلاد العرقية، إلا أنها حققت، في معظم أوجهها، نجاحاً كبيراً. ويمكن إعادة الكثير من التغييرات الاجتماعية المفيدة، على الأقل جزئياً، لقضية براون. وكنتيجة لقانون حقوق الانتخاب العائد لسنة 1965، هناك حالياً 43 عضواً (ويتغير العدد قليلاً بين سنة وأخرى) من السود في الكونغرس. ورؤساء بلديات الكثير، إن لم نقل معظم، المدن الكبرى، هم الآن، أو كانوا، من السود. وقد أصبحت جميع المرافق العامة عبر البلاد مفتوحة بشكل متساو أمام السود والبيض ويرتادها الجميع بحرية. قبل سنوات قليلة، كنت جالساً في مطعم في مدينة ممفيس بولاية تنيسي ولاحظت زوجاً من عرقين مختلفين يمسك أحدهما بيد الآخر جالسين حول طاولة قريبة. وقبل أن يُغيّر قانون الحقوق المدنية سنة 1964 وضع المرافق العامة، كان هناك احتمال قوي بأن يتعرض هذا الشاب الأسود للتحرش أو للاعتداء. وقد تحولت المساواة في مجال الوظائف إلى حقيقة بصورة متزايدة. لم يعد هناك اتحادات عمالية محلية للسود وأخرى للبيض. و أصبحت قوانين الإسكان المنصفة فعالة، إلى حد ما، هي أيضاً ويمكن أن تكون أكثر فعالية لو لم يكن دَخل السود الأدنى يحدّ من ذلك. هناك مدراء تنفيذيون من السود في شركات أميركية كبرى، مثل تايم وورنر، وزيروكس، وسيتي بنك، وميريل لينش، وأميركان إكسبرس. عندما بدأت ممارسة المحاماة سنة 1949، كانت هناك ولايات فيها محام أسود واحد فقط، كما أن جمعية المحامين السود كانت صغيرة للغاية. وفي تلك الأيام، لم يكن هناك مكان في الجنوب يستطيع فيه السود الحصول على شهادة جامعية عليا أو شهادة مهنية من كلية معتمدة في الجنوب، باستثناء جامعة هوارد في واشنطن العاصمة وكلية مهاري الطبية في ناشفيل بولاية تنيسي. وفي الشمال، ورغم أنه لم يكن هناك أي حظر رسمي، إلا أن الفرص المتاحة للسود كانت محدودة. فلم يكن هناك أي طالب أسود في مجموعتي التي تخرجت في كلية الحقوق في كولومبيا سنة 1948، وكان هناك طالب واحد أسود في صفي في الكلية (قبل التحاقي بكلية المحاماة) يدرس لتحصيل شهادة البكالوريوس سنة 1945. أما الآن فهناك أكثر من 10.000 طالب حقوق أسود في الولايات المتحدة، ويحمل حوالى 17 بالمئة من الأميركيين الأفارقة شهادات جامعية. ولكن أياً من كل هذا لا يعني أن المساواة التامة قد تحقّقت. فبيانات المعلومات الخاصة بالدخل والثروة والصحة والسجون، إذا أخذنا عدداً قليلاً فقط من المؤشرات، تؤكد أن حياة السود ليست في الكثير من النواحي بنفس جودة حياة البيض. ورغم ذلك، فإن قضية براون لا تزال تمثل عزم الأميركيين على العيش حسب المبادئ المثالية لدستورهم، وتجسد الفكرة القائلة بأن المحكمة العليا قادرة على أن تكون العنصر الحفاّز للتغيرات الجوهرية. وبالطبع، فإن ذلك التغيير الهائل قد حصل.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب
|
|||||