"تحديد ما هو القانون":
| ||||||||||||||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
|
لقد أوضح واضعو الدستور الأميركي وجوب اعتبار تلك الوثيقة القانون الأساسي. وتنص المادة السادسة أن الدستور وتلك القوانين التي "سوف توضع عملاً به أو بموجبه" (وكذلك المعاهدات) سوف تكون "القانون الأعلى للبلاد". ولحظ المؤسسون أيضاً، في المادة الثالثة، قيام محكمة عليا، ومحاكم دنيا حسب ما يقرره الكونغرس. فهل أعطى هذان البندان، عند أخذهما بالاعتبار سوية، المحكمة العليا سلطة إبطال القوانين، بما في ذلك القوانين التي يسنّها الكونغرس، التي يتبيّن لها على أنها لا تتطابق مع الدستور؟ في حين قصد واضعو الدستور بوضوح أن تشتمل الحكومة الفدرالية الجديدة على فرع قضائي، فإنهم لم يمضوا وقتاً طويلاً خلال المؤتمر الدستوري الذي انعقد سنة 1787 في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، في التفكير مَليّاً في المدى الذي يمكن أن تمتد إليه "السلطة القضائية". بل أمضوا وقتاً أطول بكثير في مناقشة السلطات التي سوف يجري تخويلها للحكومة الفدرالية الجديدة، وتركيبة الكونغرس الفدرالي، والتوازن الذي ينبغي إقامته بين سلطات الولايات والسلطات الفدرالية، وطبيعة السلطة التنفيذية الفدرالية الجديدة. وعندما عُرض الدستور المقترح على الولايات المتعددة للحصول على موافقتها عليه، تركزت مناقشات الإقرار بشدة على الهواجس الخاصة بالسلطة الفدرالية بوجه عام، وعلى عدم وجود وثيقة حقوق. المراجعة القضائية على مستوى الولايات، كانت سلطة المراجعة القضائية، أي سلطة إعلان محكمة ما أن قانوناً تشريعياً غير دستوري، لا تزال في طور النشوء في أوائل عهد الجمهورية. وكان المعتقد أن فكرة الديمقراطية بحد ذاتها تؤكد على دور الهيئات التشريعية بصفتها صوت الإرادة الشعبية. لكن سرعان ما اكتشف الأميركيون أن هيئاتهم التشريعية، مثلها مثل الملوك أو البرلمانات، يمكن أن تهدد حقوقهم وحرياتهم. وهكذا ظهرت فكرة المراجعة القضائية، إلى جانب أفكار فصل السلطات، ومبدأ الضبط والتوازن، كحجر زاوية لضمان سيادة الدستور.
على المستوى الفدرالي، كان رئيس المحكمة جون مارشال، في قضية ماربوري ضد ماديسون (1803),أول من حدّد بوضوح سلطة المحكمة في إجراء المراجعة القضائية. فقد أعلن بعبارات شهيرة، جرى الاستشهاد بها أحياناً كثيرة في قضايا لاحقة، أن "من اختصاص ومن واجب الدائرة القضائية بشكل مؤكد أن تقول ما هو القانون". وخلص إلى أن هذا الواجب يشمل سلطة المحاكم في إبطال حتى قوانين الكونغرس، إذا تبيّن أنها تتعارض مع الدستور. وقد تركّزت الاجتهادات الدستورية للمحكمة العليا، لغاية الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، إلى حد كبير، على المسائل الفدرالية. وكان ميثاق (أو وثيقة) الحقوق الذي أضيف إلى الدستور سنة 1791، يُطبّق فقط على الإجراءات الفدرالية وليس على الولايات. إلاّ أنّه بعد الحرب الأهلية، منع تبنّي التعديل الرابع عشر الولايات من حرمان أي إنسان من قواعد الإجراءات القانونية السليمة، أو من الحماية المتساوية التي تؤمنها القوانين. وبمرور الزمن، شكلّت هذه الأحكام الأساس لكل من الإجراءات الكبرى التي سنها الكونغرس (مثل قانون الحقوق المدنية لسنة 1964)، والسلطات القضائية الأكثر توسعاً (التي تشمل بنوعٍ خاص قرار المحكمة العليا سنة 1954 في قضية براون ضد مجلس التعليم، الذي حكم بأن التمييز العنصري في المدارس الرسمية أمر غير دستوري). وخلال العقود الأولى من القرن العشرين، كان يُنظر أحياناً كثيرة إلى المحكمة العليا على أنها تحمي الملكية الخاصة والمؤسسات التجارية ضد التشريعات التقدمية. مثلاً، سنة 1905، وصفت المحكمة، التي أبطلت قانوناً سنته ولاية نيويورك يحدّد الساعات التي يحق لأصحاب الأفران العمل خلالها في اليوم، هذا القانون بأنه "تدخّل تطفّلي" بحقوق الأفراد. وقد وضع هذا الشكل من التفكير القضائي المحكمة في موقف تصادمي، في الثلاثينات من القرن الماضي، مع برامج "العقد الجديد" للرئيس فرانكلن روزفلت. وإزاء تهديد الرئيس بـ "التكديس في المحكمة"، أي الاقتراح القائل باحتمال إضافة مزيد من المقاعد إلى المحكمة العليا، بدّل القضاة مسارهم واتخذوا مقاربة أكثر احتراماً لتشريعات الحكومة الفدرالية وحكومات الولايات الإصلاحية في المجالين الاجتماعي والاقتصادي.
تقوم المحكمة العليا اليوم بمراجعة مجموعة لافتة للنظر من القضايا. يُشار أحياناً إلى الولايات المتحدة على أنها "مجتمع ميّال إلى إقامة الدعاوى". ولا شك في أن الأميركيين يملكون موهبة، على ما يبدو، في تحويل النزاعات إلى نزاعات قضائية، وهي سِمّة علّق عليها في القرن التاسع عشر المراقب البارز للطباع الأميركية، ألِكسي دو توكفيل. وفي الستينات من القرن الماضي، في عهد رئيس المحكمة العليا إيرل وورن، باشرت المحكمة العليا العمل على برنامج عمل طموح بشكل خاص. قررت المحكمة برئاسة وورن بأن تكون قاعدة منح كل فرد حق التصويت (وأن تشتمل كل مقاطعة تشريعية، قدر الإمكان، على عدد متساوٍ من السكان) هي القاعدة المتبعة في التعيينات التشريعية، وطبقّت معظم الضمانات الإجرائية لوثيقة الحقوق على الولايات، وأعطت زخماً لحركة الحقوق المدنية، وفتحت الباب أمام حق دستوري في الخصوصية والاستقلالية. وحتى عندما جرى تعيين عدد من القضاة على يد رؤساء جمهوريين دعوا إلى "التحفظ القضائي"، أظهرت المحكمة ثقة واضحة بالنفس في معالجتها للكثير من المسائل الكبرى التي تواجه البلاد. ما هو الدور الذي تلعبه المحكمة العليا في الحياة الأميركية؟ من جملة وظائفها الأساسية كونها الحَكَم للنظام الفيدرالي. ولم تحظ أي قضية بالاهتمام، من جانب واضعي الدستور في فيلادلفيا، أكثر مما حظيت به قضية إعطاء الحكومة القومية سلطات كافية، وفي نفس الوقت حماية مصالح الولايات. وهكذا، تُدعى المحكمة العليا بصورة منتظمة لتقرير ما إذا كان قانون فدرالي ما أو قاعدة تنظيمية يأخذ لنفسه حق إجراءات تضعها الولايات. كذلك، يُطلب من المحكمة أحياناً كثيرة تقرير ما إذا كانت أي من القوانين، التي قد تُعتبر سليمة من نواحٍ أخرى، تمسّ بعض المصالح القومية، مثل التدفق الحر للتجارة. مثلاً، عندما أقرّت ولاية نورث كارولاينا قانوناً، حيادي بظاهره، يُميّز ضد تفاح ولاية واشنطن لصالح المزارعين المحليين، رأت المحكمة في ذلك القانون إجراء حماية وأبطلت قانون نورث كارولاينا. الحقوق الفردية تلعب المحكمة العليا أيضاً دوراً أساسياً في ضمان حقوق وحريات الأفراد. وكان جيمس ماديسون قد حذر مرة من أن لا تصبح وثيقة الحقوق مجرد "حاجز من الورق". وفي العصر الحديث، فرضت المحكمة بنشاط الضمانات التي وفرتها وثيقة الحقوق، ليس ضد الحكومة الفدرالية وحسب (الهدف الأساسي للقانون) بل وأيضاً ضد الولايات. وقد كان تفسير المحكمة للبنود الدستورية الموفرة للحماية، في أحيان كثيرة، قوياً وجازما. مثلاً، سنة 1963، اعتبرت المحكمة أن ضمانة حق الاستعانة بمحامٍ، التي ينص عليها التعديل السادس للدستور، لا تعني فقط حق الإنسان في أن يكون له محام في المحكمة وحسب، بل وأيضاً الحق في أن يكون له محام مُعيّن، على نفقة الولاية، إذا كان المدعى عليه فقيراً لدرجة لا يستطيع معها تحمل نفقات أتعاب المحامي. ويحرص القضاة بشكل خاص على حرية التعبير. وهكذا، اعتبرت المحكمة، سنة 1964، أن "الموظف الرسمي" الذي يتقدم بدعوى قدح أو تشهير عليه أن يفي بمعايير قاسية تتمثل في "إظهار وجود سوء نية فعلي"، أي، إثبات أن القائل كان يعرف أن بيانه كان كاذباً أو أنه تصّرف دون مبالاة وبطيش بالنسبة للتأكد من صدق أقواله. ويسمع المرء نقاشات حادة حول ما إذا كان يجب اعتبار الدستور وثيقة "حيّة". ويقول البعض إن على القضاة أن يبحثوا عن "المعنى الأصلي" للدستور، أي المعنى الذي أعطاه إياه واضعوه، مع ما أضيف إليه عن طريق التقاليد والسوابق. ويرى آخرون أن الوثيقة أكثر عضوية. وهكذا، لجأت المحكمة في قضايا مُثارة بموجب الحظر الذي ينص عليه التعديل الثامن الخاص بالعقوبات الشديدة القسوة وغير الاعتيادية، إلى فكرة "المعايير المتطورة" والتي سمحت للمحكمة، سنة 2005، بإعلان فرض عقوبة الإعدام على الشباب المذنبين غير دستوري.
ما من شك في أن المحكمة العليا تجاوزت النص الحرفي للدستور عندما اعترفت ببعض الحقوق الخاصة وضمنتها. ومن الأمثلة البارزة على ذلك حق الخصوصية أو الاستقلالية. فاستناداً إلى ضمان الإجراءات القانونية التي نص عليها التعديلان الخامس والرابع عشر، أقرت المحكمة هذا الحق ووسعته ليشمل اهتمامات مثل حق استعمال وسائل منع الحمل، وحق المرأة في اختيار الإجهاض، وفي سنة 2003، وسعته ليشمل حق عدم الخضوع لعقوبات على يد الولايات بسبب السلوك اللواطي. وفي حين تتطلب كل قضية تصل إلى المحكمة بعض التفسيرات للقانون، فإن هذه الأحكام، وعلى الأخص الحكمين الأخيرين، كانا موضع جدل بصورة خاصة؛ ففي غياب نص دستوري مُحدد يعلن الحق في الخصوصية، تبقى هذه الأحكام مستندة بقوة إلى حجج وتفسيرات قضائية. ومهما كان ما سيقرره القضاة في دعاوى في المستقبل، فأنه من الصعب أن نتصور أن المحكمة، بتركيبتها الراهنة، ستعلن أنه لا يوجد أساس دستوري، بوجه عام، لمفهوم ما من الخصوصية الشخصية. يخدم قضاة المحكمة العليا، بموجب الدستور، لمدى الحياة "طالما كان سلوكهم جيداً". ولم يحدث أن تمّ عزل قاضٍ من المحكمة عن طريق الاتهام الجنائي للمسؤولين على يد الكونغرس. غير أن التعيينات في المحكمة أصبحت، خلال العقود الأخيرة، أحداثاً سياسية جدا. وبقدر ما تتسع رقعة المساحة التي تغطيها قرارات المحكمة، بقدر ما تزداد أهمية النتائج عندما يشغر أي مقعد في المحكمة. فإلى أي حد إذاً تعكس قرارات المحكمة المواقف الاجتماعية والسياسية الراهنة؟ يرى بعض الساخرين من الوضع أن القضاة "يقرأون الصحف"، وأنهم يأخذون الرأي العام في الحسبان عندما يصيغون قراراتهم. إلا أن هذا الرأي يكاد لا يرتكز إلى أي أساس. والحكم الأكثر إنصافاً هو أن المحكمة تميل، على المدى الطويل، إلى عكس المزاج السائد في البلاد. وهكذا، كانت المحكمة برئاسة وورن، في الستينات من القرن الماضي، تنظر بعين العطف إلى الحلول القومية للمشاكل القومية. أمّا المحكمة الحالية برئاسة رنكويست فقد أصبحت، من بعض النواحي، محكمة أكثر محافظة، تحترم مكانة الولايات في الاتحاد الفدرالي إلى حد أكبر. تثير قرارات المحكمة العليا سؤالاً جوهرياً: ما هي مكانة القضاء غير المنتخب في النظام الديمقراطي؟ ثمة توتر متأصل ملازم لمبدأين أساسيين في الديمقراطية الليبرالية الدستورية، أي أنظمة الحكم الخاضعة للمحاسبة من جانب أكثرية مُنتخبة ديمقراطياً، وبين فرض أحكام الدستور، حتى ولو تطلب ذلك إبطال القوانين التي تؤيدها تلك الأكثرية. والمراجعة القضائية جذابة بنوع خاص عندما تُعزّز المبادئ الديمقراطية كمبادئ لكل فرد الحق في التصويت؛ والانتخابات الحرة والمنصفة؛ وحرية التعبير والصحافة. ويتطلب حكم القانون، بل في الواقع فكرة وجود دستور نفسها، فرض تطبيق الدستور بصفته القانون الأعلى للبلاد. وفي حين أن المحكمة العليا قد تخطئ في بعض القضايا، إلا أن دور المحكمة في ضمان حكم القانون يحظى بقبول واسع لدى الشعب الأميركي.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب.
|
|||||||||||||||||