نظام المحاكم الأميركية:
تقاليد عريقة، وتوجهات جديدة

بقلم ريتشارد فان دويزند


Photo of Richard Van Duizend

قامت المحاكم الأميركية، استجابة للعدد المتعاظم من القضايا المرفوعة أمام المحاكم الأميركية وللمشاكل المتغيرة التي أثرت على المجتمع الأميركي خلال العقدين الماضيين، بتجربة أساليب وبرامج جديدة لإنجاز الهدف الأمثل بتحقيق عدالة أكمل لجميع الناس. وتعكس هذه الابتكارات مرونة هيكلية الحكومة الأميركية التي مكنّتها من التكيّف مع تطور البلاد خلال المئتين وعشرين سنة الماضية.

فالحكم في الولايات المتحدة موزع بين المستوى الفدرالي (القومي)، ومستوى الولايات، والمستوى المحلي. وعلاوة على ذلك، وعند كل مستوى من هذه المستويات، توزع مهمات الحكم بين السلطات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية. وقد كان مفهوم السلطة القضائية، كفرع منفصل ومتُساوٍ في نظام الحكم، إسهاماً جديداً في نظرية الحكم قُدم في القرن الثامن عشر. وقد تطور هذا المفهوم في أميركا خلال القرنين الماضيين، بشكل أصبح فصل صلاحيات الحكم وتوزيعها بين السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية مترابطاًً، بالنسبة للمحاكم، مع مفهوم استقلال القضاء. وهكذا، فإن التحرك الرامي إلى تمكين المحاكم من إدارة شؤونها الخاصة وتولي أمر الموارد المالية العامة التي تُخصّصها لها المجالس التشريعية، والذي بدأ في أواخر الثلاثينات من القرن الماضي عند انتقال تلك المهام من يد السلطة التنفيذية في وزارة العدل الأميركية إلى المكتب الإداري للمحاكم الأميركية الذي كان قد تأسس مؤخراً، يقوم بشكل عام على أساس استقلالية القضاء لا على أساس مبدأ فصل السلطات.

ومن الواضح أن هذه التقسيمات والطبقات الحكومية المختلفة غير فعالة، وهي كذلك عن قصد. فقد كانت تعتري واضعي الدستور الأميركي ريبة كبيرة من السلطة الحكومية. وقد هدفوا، عن طريق توزيع المهمات ومجالات المسؤولية، إلى إنشاء نظام من "المراقبة والتوازن" يحول دون تسلط الحكومة على الشعب. وعلاوة على هذا، هدف مؤسّسو نظام الحكم الأميركي في أواخر القرن الثامن عشر من الطابع الفدرالي اللامركزي لنظام الحكم تعزيز الابتكار وتشجيع التجارب عبر المنافسة بين الولايات، وبين حكومات الولايات والحكومة القومية، وبين فروع الحكم الثلاثة.

وقد حظي هذا الأسلوب في الحكم على دعم أميركي شعبي كان من الاتساع والاستمرارية بحيث تم تبني هيكلية التركيبة الحكومية ذات السلطات الثلاث بشكل ثابت في دساتير جميع الولايات. وهكذا، لا يوجد نظام محاكم واحد بل خمسة وخمسون نظام محاكم في الولايات المتحدة -- نظام المحاكم الفدرالية، ونظام المحاكم في كل من الولايات الخمسين، وفي مقاطعة كولومبيا، وبويرتو ريكو، والأراضي الأخرى التي تحكمها الولايات الأميركية. (وهناك، علاوة على ذلك، محاكم قبلية لحل النزاعات في العديد من المناطق المخصصة كمواطن للسكان الأميركيين الأصليين). وتملك المحاكم الفدرالية مسؤولية دستورية حصرية في حلّ النزاعات المتعلقة بالقضايا البحرية، وقضايا براءات الاختراع وحقوق النشر، والإفلاس، والمعاهدات الدولية والقضايا التجارية، والنزاعات بين الولايات. وهي مُخوّلة أيضاً البّت في القضايا المتعلقة بالقوانين الفدرالية وبانتهاك الدستور. أما محاكم الولايات فمُخوّلة بموجب القانون البّت في القضايا المتعلقة بقوانين الولاية وبانتهاك دستور الولاية، وبانتهاك معظم القوانين الفدرالية ودستور الولايات المتحدة، والبت في الدعاوى التي يُبّت فيها بموجب "القانون غير المدون" التقليدي المستند إلى السوابق القانونية التي ورثتها الولايات المتحدة عن إنجلترا.

وفي حين أن المحاكم الفدرالية الأميركية قد تكون أكثر شهرة، إلا أن محاكم الولايات هي المحاكم التي يلجأ إليها المواطنون الأميركيون والشركات في أغلب الأحيان طلباً لإنصافهم. ويرفع أكثر من 96 بالمئة من القضايا المرفوعة أمام المحاكم الأميركية كل سنة في محاكم الولايات، أي أنها تنظر في أمر أكثر من 90 مليون قضية سنوياً. ويتعين على جميع محاكم الولايات في الولايات المتحدة، في سياق إقامتها للعدل، أن تتقيّد بمبادئ معينة مُثبتّة بشدة في الدساتير، والتقاليد، والقانون. وقد تم تحديد ووصف هذه المبادئ بشكل أكثر تفصيلاً في معايير أداء المحاكم البدائية (TCPS) وفي معايير أداء محاكم الإستئناف (ACPS) التي طّورتها لجان قومية من القضاة والمحامين، والمركز القومي لمحاكم الولايات. ( وتشكل المعايير السابقة الذكر معايير طوعية يمكن للمحاكم اعتمادها لقياس أدائها، كما أن تطويرها حظي بدعم على شكل هبات من مكتب مساعدة العدالة ومعهد العدل للولايات):

  • على المحاكم أولاً وقبل كل شيء، اتباع القانون وإسناد القرارات بصورة حصرية إلى عناصر ذات صلة قانونية بالقضايا؛

  • ثانياً، يجب أن تكون محايدة وأن تعامل الجميع بالتساوي دون أي تمييز بينهم؛

  • ثالثاً، مع احتفاظها باستقلالية قراراتها وشؤونها الإدارية، يجب أن تكون خاضعة للمساءلة والمحاسبة في ما يتعلق بقراراتها، وعملياتها، واستخدامها للموارد العامة؛

  • رابعاً، عليها أن تكون مفتوحة أمام الجميع وأن تقوم بأعمالها بصورة علنية؛

  • خامساً، يجب أن تكون ذات فعالية واستعجالية.

    أساليب جديدة
    لقد أصبحت إجراءات المحاكمات الأميركية الأساسية معروفة حول العالم كونها عنصراً متكرراً في الأفلام وبرامج التلفزيون المنتجة في الولايات المتحدة. وفي حين تبقى المحاكمات على يد هيئة مُحلفّين عنصراً أساسياً في نظام العدل الأميركي، فإن هيئات المُحلفين لا تقرر سوى أقل من خمسة بالمئة من النزاعات المطروحة أمام معظم السلطات القضائية. وفي حين ينظر القاضي في أمر بعض القضايا بدون هيئة مُحلّفين، فإن الأكثرية الساحقة من القضايا تُحل عبر مفاوضات بين الطرفين المعنيين. ويعرف هذا النوع من حلّ النزاعات بين الأفراد أو بين مؤسسات الأعمال بعملية التوصل إلى "تسوية". أما في القضايا التي تتعلق بالجرائم، فتعرف هذه العملية باسم المساومة حول الادعاءات (plea-bargaining) . وقد تعرضت المساومة حول الادعاءات لانتقادات واسعة النطاق، خاصة حين تحدث نتيجة لعدم توفر الموارد الكافية للمدعين ومحامي الدفاع، أو نتيجة اجتهاد دون حدود للادعاء العام. غير أن هذا النوع من الحلّ يُوفّر، عندما يكون خاضعاً لسياسة توجيهية مناسبة ولمراقبة قضائية دقيقة، طريقة لتسريع حلّ القضايا التي لا تشكل الوقائع فيها موضع خلاف، ولتركيز موارد نظام المحاكم الجنائية على القضايا التي تكون فيها الحاجة إلى البت في ما إذا كان المتهم مذنباً أم بريئاً أعظم من غيرها.

    وعلاوة على ذلك، طوّرت المحاكم الفدرالية ومحاكم الولايات، خلال السنوات العشرين الأخيرة، أساليب جديدة لتحقيق أهداف المحاكم. وقد تضمّنت هذه الأساليب دمج طرق بديلة لحل النزاعات، مثل الوساطة والتحكيم، في إجراءات المحاكمات؛ وتضمّنت أيضاً محاكم مُتخصّصة أو جداول أعمال لمعالجة أنواع مُعيّنة من النزاعات أو المخاصمات (بما في ذلك نزاعات الأعمال، والنزاعات العائلية، والأمور المتعلقة بالأولاد)؛ وتضّمنت أيضاً إجراءات مُتخصّصة مُصمّمة لمعالجة المشاكل التي تشكل أساس النزاعات القانونية التقليدية مثل التعدّي على الممتلكات والعنف المنزلي والأمراض العقلية (كثيراً ما تُسّمى "محاكم حل المشاكل").

    تطوير استجابة أفضل
    في الوقت الذي تختلف فيه أسباب إنشاء هذه البرامج في كل من المحاكم والمناطق القضائية المختلفة، إلا أنها تعكس تصميم قيادات المحاكم الأميركية على تحقيق المبدأ الخامس من المبادئ المذكورة أعلاه، وهو المبدأ الخاص بجعل إجراءات المحاكم على أكبر قدر ممكن من الفعالية والاستعجالية ضمن حدود المبادئ الأخرى. وهي أيضاً بمثابة الاستجابة لمطالبة الجمهور بتطوير وسائل أفضل لحلّ النزاعات. فعلى سبيل المثال، كشف استطلاع للرأي الأميركي أُجري لحساب جمعية المحامين الأميركيين في سنة 1999، أن 78 بالمئة من الذين أجابوا على أسئلة الاستطلاع يعتقدون "أن المحاكم تمضي وقتاً أطول من اللزوم للقيام بمهامها"، وأن 77 بالمئة يعتقدون أن "اللجوء إلى المحاكم مُكلف أكثر مما ينبغي"، كما أن 56 بالمئة من الذين شملهم الاستطلاع يفضلون الأحكام القائمة على أساس خدمة المجتمعات المحلية بدلاً من السجن.

    وقد تكررت نفس هذه النتائج في استطلاع لاحق أجرته على المستوى القومي شركة هيرست لحساب المركز القومي لمحاكم الولايات. فقد بين ذلك الاستطلاع أن نصف المشتركين فيه تقريباً يعتقدون أن محاكمهم المحلية تقوم بعمل متوسط أو ضعيف في معالجة أمر القضايا الجنائية؛ وأن أكثر من 50 بالمئة يشعرون أن المحاكم تقوم بعمل متوسط أو ضعيف بالنسبة لقضايا المشاكل العائلية أو جنوح الأحداث، وأن أكثرية ضئيلة جداً تقول إن المحاكم تقوم بعمل جيد أو ممتاز في النزاعات على العقود، والخدمات، والأذى الجسدي. وكانت الهواجس على أوسع ما كانت عليه انتشاراً بين مجموعات الأقليات.

    وفي حين أن المحاكم، من حيث طبيعتها وتصميمها، ليست ولا يمكن أن تكون مؤسسات جماهيرية (أي تعكس رغبة الجمهور في قراراتها)، إلا أن الشعب يبقى منبع سلطتها. وقد أقر بذلك قاضي المحكمة العليا السابق ثيرغود مارشال إذ قال: "يجب أن لا ننسى أبداً أن المصدر الحقيقي الوحيد للسلطة الذي يمكن لنا كقضاة أن نستمد منه (سلطتنا) هو احترام الشعب".

    حل النزاعات عن طريق المحاكم
    ظهر اعتماد إجراءات الحلول "البديلة" أو "المُكَمّلة" للنزاعات في المحاكم نتيجة الجهود الرامية إلى إيجاد طريقة أفضل وأسرع وأقل كلفة للبت في أمر الدعاوى. وكان المرجو، مع الإدراك بأن معظم القضايا تتم تسويتها (قبل صدور الحكم)، أن تساعد تلك البرامج البديلة الأطراف المتنازعة في معالجة المسائل التي تشكل أساس نزاعاتهم، وأن تحقق ذلك في مرحلة مبكرة من الدعوى بحيث يتم تجنّب التكاليف الباهظة التي تنجم عن عمليات التحضير السابقة للمحاكمة واختصار الوقت اللازم للتوصّل إلى اتفاق تسوية.

    وقد أصبح الآن يتم عموماً اللجوء إلى الوساطة (أي اعتماد شخص "محايد" مُدرب مِهَنياً لمساعدة الطرفين على التوصل إلى اتفاق) لحلّ نزاعات مؤسسات الأعمال، وقضايا الطلاق وحضانة الأطفال، والنزاعات حول الأذى الجسدي والأضرار الاقتصادية، وقضايا الشكاوى الصغيرة (عندما تكون قيمة موضوع الخلاف أقل من 5000 دولار)، والنزاعات حول المياه، والنزاعات بين المستأجرين وأصحاب العقارات. وتستخدم الوساطة أحياناً كذلك لتحديد مبلغ التعويضات التي ينبغي على المجرم أو الجانح من الأحداث دفعها للضحية. وبإمكان الفريق الذي لا ترضيه نتائج الوساطة عادة، طلب مواصلة الدعوى والنظر في القضية بدون تغريمه.

    أما إجراءات التحكيم (تحويل مسؤولية القرار حول النزاع إلى شخص "محايد" أو أكثر يختارهم الطرفان المتنازعان على أساس خبراتهم التقنية) فكثيراً ما تشترطها عقود البناء والخدمات الطبية وخدمات الوساطة المالية والتوظيف. وتكون قرارات التحكيم في العادة مُلزِمة بالنسبة للطرفين ولا يمكن إعادة النظر فيها.

    وهناك إجراءات أخرى تستخدم أقل مما تستخدم الإجراءات السابقة، كالتقّييم الحيادي المبكر (تقييم خبير للمسائل التي تدور حولها القضية ومقدار الأضرار على أساس بيان مُفصّل يقدمه كل من الفريقين)، أو المحاكمات السريعة أمام هيئة مُحلّفين ( وهي عبارة عن عرض موجز للأدلة والحجج أمام هيئة مُحلفين غير رسمية). وتُعتمد هذه الإجراءات عادة في قضايا أو نزاعات مُعَقّدة تنطوي على مبالغ كبيرة من المال.

    وتُبيّن عمليات التقييم التي أجريت أن الوساطة تعتبر بشكل عام "أفضل" من عملية المقاضاة الاعتيادية من حيث مستوى شعورالمتخاصمين بالارتياح للنتيجة والرضى عنها وامتثالهم لشروط الاتفاقات. أما إذا ما كانت هذه الوساطة أيضاً أقل كلفة وأسرع، فمسألة تتوقف إلى حدّ كبير على توقيت حدوثها خلال عملية المقاضاة، وعلى من سيدفع التكاليف، وعلى نوعية البرنامج والإشراف عليه. وقد أثيرت أيضاً تساؤلات حول إنصاف هيئات التحكيم المشترطة كجزء من عقود المستهلكين.

    أصل المحاكم المتخصصة
    إن المحاكم المُتخصّصة أو الهيئات المُصّممة لمعالجة أنواع مُعيّنة من القضايا أو مجموعات معينة من المتنازعين ليست أمراً جديدا. فقد ركزت محكمة تشانسِري المختصة بأمور التركات وقضايا الشركات في ولاية ديلاوير، منذ تأسيسها، على قضايا شركات الأعمال، كما أن إنشاء أول "محكمة للأحداث" يعود إلى أوائل القرن العشرين. غير أنه نظراً للإدراك المتزايد بتعقيد بعض أنواع القضايا، أو لأن الحاجات الخاصة لبعض أنواع المتنازعين تتطلب خبرات مُتخصّصة وخدمات مُتخصّصة وإجراءات خاصة أو حتى مرافق مُتخصّصة، أفردت أنظمة المحاكم في العديد من الولايات قاعات محاكمة لأغراض خاصة، وسنت قوانين جديدة، وعَيّنت قضاة اختيروا لخبراتهم للنظر فقط في قضايا جرائم تتعلق بشركات الأعمال أو العلاقات العائلية أو العنف العائلي أو جرائم الأحداث.

    وكثيراً ما يكون لمحاكم الأعمال، مثلاً، بالإضافة إلى تعيين قضاة ذوي معرفة تامة وخبرة واسعة في الأمور القانونية والمالية المتصلة بالتجارة، إجراءات وعمليات تُمكّنها من اتخاذ قرارات سريعة بالنسبة للأمور المُعقّدة، وقد تملك أساليب متطورة وحديثة لإدارة المعلومات في قاعات المحاكم، وإمكانات للعرض من ضمنها نظم إجراء مؤتمرات بواسطة الفيديو تسمح للشهود بالإدلاء بشهادتهم دون ترك مكاتبهم.

    وكثيراً ما تطبق محاكم النظر في العنف المنزلي إجراءات أمنية معززة وتقدم خدمات نصح ومشورة للعائلات وتتوفر لديها خدمات للمعالجة الطبية وتؤمن أماكن جلوس منفصلة لشهود ومؤيدي كل من الفريقين المتنازعين.

    أما محاكم العائلات فمُصَمّمة لتسهيل تدفّق المعلومات عن أفراد العائلة الواحدة والخدمات المقدمة لأولئك الأفراد الذين يمكن أن يكونوا منخرطين في عدد من الإجراءات المختلفة لضمان كون الأوامر المتعلقة بالعائلة منسجمة مع بعضها البعض وكونه يتم تقديم الخدمات اللازمة لكل فرد من أفراد العائلة وللعائلة ككل. ويمكن إظهار ما لهذا التنسيق من أهمية من خلال المثال التالي:

    اشترك فتى في الثالثة عشرة من العمر في عراك في المدرسة بعد أن شاهد والده الثّمل يضرب والدته ويهز أخته البالغة سنة من العمر بعنف ليوقفها عن البكاء. ونتيجة لهذه الأعمال، قُدمّت عريضة مكتوبة تتعلق بجنوح الأحداث ضد الفتى؛ وقُدمّت شكوى بدعوى العنف المنزلي والاعتداء على طفل ضد الوالد؛ ومن جهتها قدمت الأم دعوى طلاق، وطالبت بأمر مُلزم لإبقاء الوالد بعيداً عن العائلة.

    وقد يقوم، في السلطات القضائية التي لا محاكم عائلية لديها، قضاة مختلفون في محاكم مختلفة بالنظر في أمر كل من هذه المسائل القانونينة. وإذا كانت العائلة مُعدمة، قد يتم تعيين محامين مختلفين لتمثيلها في كل من هذه القضايا، كما قد يقوم العاملون في مجال الخدمة الاجتماعية وضباط فترة المراقبة واختبار السلوك الملحقين بكل محكمة من المحاكم بجمع المعلومات المتعلقة بالعائلة ويحفظونها في ملفّات متوفرة فقط لتلك المحكمة.

    وفي حال عدم توفر جميع المعلومات المتصلة بموضوع ما حصل ويحصل بين أفراد العائلة على الأقل للقضاة، فإن القاضي المسؤول عن النظر في جنح الأحداث قد يضع الفتى تحت رعاية والده، في حين يعهد قاضي دعوى الطلاق برعاية الفتى إلى والدته؛ وقد يحكم القاضي الذي ينظر في شكاوى العنف العائلي بالسجن على الوالد؛ في نفس الوقت الذي يحكم فيه القاضي الذي ينظر في قضايا إساءة معاملة الأطفال وإيذائهم بتقديم جلسات نصح ومشورة للعائلة؛ وقد تُلزم الأوامر الحاسمة لقضيتي العنف المنزلي وسوء معاملة الأطفال الوالد على الاشتراك في نوعين مختلفين من برامج معالجة الإدمان على الكحول لمدتين زمنيتين مختلفتين.

    المحاكم المتخصصة بحل المشاكل
    ظهر ما يطلق عليه اسم "محاكم حل المشاكل" إلى الوجود بظهور محكمة ميامي للمخدرات سنة 1989. وقد انتشرت هذه المحاكم، التي أصبح لها مؤيدون متحمسون وحظيت بتمويل الحكومة الفدرالية، في جميع أنحاء الولايات المتحدة وتوسّعت لتضم قضايا لا علاقة لها بجرائم تعاطي المخدرات. وقد نشأت هذه المحاكم نتيجة الإحباط الذي أصاب القضاة الذين كانوا يشاهدون نفس الأشخاص مراراً وتكراراً يمثلون أمامهم لارتكابهم نفس الجرائم أو الأعمال. غير أن الجذور الفلسفية لهذه المحاكم تكمن، على الأقل جزئياً، في المفهوم الأصلي لمحاكم الأحداث، التي ظهرت عند منعطف القرن العشرين، حيث كان يفترض أن يقوم القاضي بدور أب حكومي، يهتم بمشاكل الطفل وسلوكه واحتياجاته أكثر من اهتمامه بمعطيات المخالفة القانونية المطروحة أمامه.

    وتستخدم محاكم حلّ المشاكل التهديد باستخدام السلطة القسرية للمحاكم أو أنها تستخدمها فعلاً، ليس فقط لإقناع المدّعى عليهم بطلب المعالجة أو غيرها من الخدمات الأخرى والمشاركة فيها وحسب، وإنما أيضاً لحشد الخدمات اللازمة لمعالجة المشاكل الأساسية التي يعاني منها المتنازعون والمتعلقة بإدمان المواد المخدرة ، والصحة العقلية، والسيطرة على الغضب، والمشاكل المرتبطة بالفقر. ومن خصائصها أيضاً:

  • رَصد القاضي والمسؤولين عن فترة المراقبة واختبار السلوك والعاملين على العلاج بشكل دقيق لمدى تقيّد المدعّى عليهم بشروط أوامر المحكمة ولمدى التقدم المُحرز في علاجهم.

  • دور مباشر وتدخّلي للقاضي مع المدّعى عليه، مما يؤدي إلى تقليص الدور الذي يقوم به عادة المدعون العامون ومحامو الدفاع في الولايات المتحدة؛ و

  • إجراء اتفاق بين النيابة العامة والمُدّعى عليه ينصّ على أنه سيتم إسقاط التهم عن المدعى عليه أو تمحى الإدانة (من سجله) في حال وفائه بالشروط وإكماله البرامج المنصوص عليها في أوامر القاضي.
  • وهناك نوع آخر من نماذج محاكم المُخدرات أو محاكم الصحة العقلية يتمثل بمحكمة "ميدتاون كوميونتي كورت" التي أنشئت للتعاطي مع جرائم تافهة غير عنيفة وإن تكن كثيرة جدا ابتلي بها أحد أحياء مدينة نيويورك (التخريب المتعمد للممتلكات العامة والخاصة، سرقة السلع من المتاجر، الدعارة، عدم دفع أجور وسائل النقل العام وغيرها). وفي حال اعتراف المدعى عليه باقترافه ما اتهم به، يستطيع القاضي والمحامي في هذه المحكمة استخدام تكنولوجيا متطورة جداً، للتّعرفّ بسرعة على سجلّ المدعى عليه بالنسبة للمخالفات السابقة للقانون، في حال وجود مخالفات سابقة، ولمعرفة ما إذا كان المدعى عليه قد تلقى سابقاً خدمات تتعلق بتعاطي المخدرات أو الصحة العقلية أو خدمات أخرى، بموجب أوامر صادرة عن المحكمة. وتُستخدم هذه المعلومات مع مباحثات تجرى مع المدعى عليه لإحالته إلى خدمات الصحة أو الصحة العقلية أو التوظيف أو التعليم أو الإسكان أو الخدمات الاجتماعية الأخرى المتوفّرة لدى المحكمة، كشرط لإصدار حكم بوضعه تحت فترة مراقبة واختبار سلوك. كما يفرض الحكم عادة قيام المدعى عليه ببعض الخدمات للمجتمع.

    أما فوائد محاكم حّل المشاكل هذه فهي:

  • أن إمكانية عودة مرتكبي المخالفة القانونية (أو الجنحة) الذين ينجزون البرامج التي تقررها المحكمة إلى تكرار مخالفاتهم أقل بكثير من إمكانية تكرار من أُدينوا بتهم مماثلة وأودعوا السجن لفعلتهم؛

  • يصبح مرتكب المخالفة عرضة للمساءلة والمحاسبة مباشرة ويواجه عواقب سريعة وأكيدة لِتَخلّفه عن الإذعان لأوامر المحكمة؛

  • إن تكاليف المعالجة التي تؤمنها المحكمة أدنى بكثير من تكاليف السجن؛

  • تُشجع هذه المحاكم التنسيق بين وسائل الخدمات المختلفة، وكنتيجة لكل هذه الفوائد؛

  • تُعزّز ثقة الجمهور بالمحاكم.
  • غير أن محاكم حلّ المشاكل تثير أيضاً بعض الهواجس بالنسبة لاستمرار التقيد بالمبادئ الأساسية المذكورة سابقاً. وينطبق العديد من دواعي القلق هذه على المحاكم المتخصصة وعلى برامج الحلّ البديل للنزاعات أيضاً، مثلاً:

  • عندما يخرج القضاة عن دورهم التقليدي أو عندما لا تُطبّق قواعد الإجراءات والأدلة التي صيغت بعناية، تصبح هناك احتمالات لانتهاك المبدأين الأول والثاني المذكورين أعلاه (إسناد القرارات إلى العناصر القانونية ذات العلاقة فقط، وعدم التحيّز، ومعاملة الجميع بصورة متساوية دون تمييز بينهم)؛

  • إن التوجه نحو اعتماد المحاكم المتخصصة قد يحد من فعالية عمليات نظام المحاكم ومن الرقابة والإشراف الإداري الفعّال على مجمل نظام المحاكم، مما يشكل تحدّياً للمبدأ الثالث (المحاسبة المتعلقة بالعمليات واستخدام الموارد العامة)؛

  • قد يُقلل أحياناً التمويل الإضافي المطلوب لتشغيل برامج المحاكم المتخصصة، التي تكون قد باشرت عملها اعتماداً على هبات محدودة المدة الزمنية، من مقدرة نظام المحاكم على تحمل نفقات العمليات الأساسية التي تؤثر على أطراف في دعاوى أخرى، الأمر الذي يُهدّد المبدأ الرابع (وجوب فتح المحاكم أمام الجميع)؛

  • وأخيراً، وكما ذكر مؤتمر مدراء محاكم الولايات، في وثيقة حدّدت موقف المؤتمرين وكانت محبذة بشكل عام لمحاكم حلّ المشاكل، "من الواضح أن إجراء 15 إلى 20 مقابلة مع المدعى عليه خلال سنة أو أكثر يتطلب عدداً أكبر من القضاة وكتبة المحاكم مما يحتاجه سماع القاضي لاعتراف المدعى عليه بالذنب وإصدار حكم عليه … ولا يؤثر هذا العبء من العمل الإضافي على قاضي المحكمة التي تعالج المسألة وعلى كاتب أو كتبة تلك المحكمة فحسب، بل وأيضاً على القضاة والكتبة الآخرين في المقاطعة القضائية الذين يضطرون إلى تعويض الفرق الحاصل (جراء ذلك)". وبالتالي، قد يقل التقيّد بالمبدأ الخامس (الفعالية والاستعجالية).
  • إجراءات وقائية للقرن الحادي والعشرين
    إن المحاكم التي تتبنّى هذه التّوجهات الجديدة تعي جيداً الفوائد التي قد تنطوي عليها والهواجس المحتملة بسببها، كما أنها تدرك التحدّي الذي يُشكلّه ضمان كونها، بسعيها الجاهد لتحسين فعالية المحاكم وتمكين الناس من استخدامها، لا تمس بالمبادئ الأخرى التي يقوم عليها النظام القضائي الأميركي.

    إن عملية الابتكار والاختبار ونشر المعطيات التي تقوم عليها التّوجهات الجديدة موضوع البحث أعلاه، والتي سوف تناقشها المقالات التالية، تُبين أحد أعظم مواطن القوة في نظام الحكم الفدرالي الأميركي-أنه يمكن للولايات أن تلعب دور "المختبرات" لتطوير واختبار طرق مبتكرة للقيام بمسؤوليات الحكم الأساسية ضمن حدود الأطر الدستورية.

    والواقع هو أن البحث عن طرق فعالة أصبح اليوم يتعدّى حدود الولايات المتحدة، إذ أن المحاكم الأميركية تعدل وتكيف برامج تمّ تطويرها في بلدان أخرى (لتلائم الاحتياجات الأميركية)، في حين تطبق محاكم في أماكن أخرى من العالم الدروس التي تعلمناها هنا. وتوفر هذه الديناميكية الذاتية المتأصلة في صلب النظام الأمل والضمانة بأن تقاليد العدالة الأميركية المبجّلة ستبقى بمثابة إجراءات وقائية أساسية أثناء تقدمنا في مسيرتنا في القرن الحادي والعشرين.

    * ريتشارد فان دويزند يحمل شهادة بكالوريوس وشهادة حقوق من جامعة هارفرد. وهو حالياً مستشار رئيسي في إدارة المحاكم في المركز القومي لمحاكم الولايات، الذي يؤمن الخدمات في حقول الاستشارة، والتدريب، والأبحاث، والتكنولوجيا، والإدارة، والمعلومات، لتحسين إدارة ونوعية العدالة في الولايات المتحدة والعالم.


    الى أعلى الصفحة | المحتويات | أجندة السياسة الخارجية الأميركية تشرين الثاني/نوفمبر، 2002

    المجلات الإلكترونية: باللغة العربية | بالإنجليزية | مكتب برامج الإعلام الخارجي: باللغة العربية | بالإنجليزية