المحتويات

تطوّر القانون الجنائي الأميركي يبحث جيمس جاكوبس، أُستاذ مادة القانون في جامعة نيويورك ومدير مركز أبحاث الجريمة والعدالة فيها، نظام القانون الجنائي للبلاد.

التقيّد بالقانون في أميركا: العدالة الإجرائية والشعور بالإنصاف يشرح توم تايلر، أُستاذ مادة علم النفس في جامعة نيويورك، مفاهيم ومواقف الشعب الأميركي تجاه نظام العدالة لديه، وكيف تؤثّر مثل هذه الآراء على التقيّد بالقوانين.

بروز العدالة المجتمعية يصف دنيس مالوني، مدير مؤسسة العدالة المجتمعية، وهي منظمة حكومية محلية تعمل بصورة وثيقة مع منظمات غير حكومية في مقاطعة دوشيت بولاية أوريغون، نظام العدالة المجتمعية الذي يعتمد الوساطة أداة لحل الخلافات بين المجرم وضحيته.

شبان سكوتسبورو والحقوق الأساسية يبحث المُحرّر المُشارك ديفيد بيتس قصة شبان سكوتسبورو، وهي قضية شهيرة من قضايا الحقوق المدنية بدأت قبل سبعين عاماً. وقد أدّت هذه القضية إلى صدور قرارين عن المحكمة العليا يعتبران مَعلمين قانونيين عزّزا الحقوق الأساسية لجميع الأميركيين.

المراجع
مقالات وكتب عن العدالة الجنائية في الولايات المتحدة.

المواقع على شبكة الإنترنت مواقع على شبكة الانترنت تُقدِّم مواضيع حول العدالة الجنائية في الولايات المتحدة الأميركية.
يُشار إلى أن الآراء المُعبّر عنها في مواقع أخرى على شبكة الانترنت والمدرجة هنا لا تُمثّل بالضرورة رأي حكومة الولايات المتحدة.


تطوّر القانون الجنائي الأميركي
بقلم جيمس بي جيكوبس

photo of James B. Jacobs

الصورة بإذن من الكاتب

في هذا البحث التمهيدي عن النظام القضائي الجنائي في الولايات المتحدة، يعرض جيمس جيكوبس، أُستاذ القانون في جامعة نيويورك ومدير مركز الأبحاث الخاص بالجريمة والعدالة في كلية الحقوق فيها، القوانين الجنائية الأميركية الأساسية ويشرح هيكليتها. ويقول، إن أساس الطبيعة الجوهرية لهذه القوانين راسخ في الدستور الأميركي وتعديلاته العشرة الأولى التي تُعرف مجتمعة بوثيقة الحقوق. فالدستور هو أساس بنية النظام القضائي للاتحاد الفدرالي والولايات، ويُشكّل المرجع النهائي في ما هو جائز وغير جائز.

يُعتبر الدستور الأميركي، بما فيه تعديلاته العشرة الأولى التي تُشكّل مجتمعة ما يُعرَف بوثيقة الحقوق، أساس الإجراءات الجنائية الأميركية. فهذا الدستور يضمن لكل شخص مقيم في الولايات المتحدة حقوقاً وحريات أساسية. والأبرز بين هذه الحقوق، في ما خصّ القانون الجنائي الأميركي، هو تمتّع المدّعَى عليهم بحق افتراض براءتهم. ولا يطلب من المدّعَى عليهم أن يبرهنوا براءتهم. بل على الحكومة إثبات ارتكابهم الجرم المنسوب إليهم بشكل لا مجال فيه لأي شك. إن حقوقا كهذه هي التي تُحدّد الإطار لنظام الاتحاد الفدرالي والولايات المنصوص عليه في الدستور. ولعلَّ أهم التعديلات الدستورية في هذا المضمار هي التعديل الخامس، والسادس، والثامن.

يحمي التعديل الخامس للدستور المدّعَى عليهم من الخطر القضائي المزدوج (أي محاكمتهم أكثر من مرة بالجرم نفسه ومن قبل السلطة نفسها)، كما يمنع إجبارهم على الإدلاء بشهادة تُدينهم في القضايا الجنائية. والأهم من ذلك، هو أن هذا التعديل يُحافظ على حقوق المدّعَى عليهم في تطبيق "أصول الإجراءات القانونية المرعية"، وهو تعبير يكتسب أهمية بالغة في وثيقة الحقوق التي فسّرتها المحاكم، خاصة في القرن العشرين، بأنها تمنح المدّعَى عليهم مجموعة واسعة من الحمايات والحريات.

أما التعديل السادس فيضمن للمدّعَى عليهم "محاكمة عاجلة وعلنية من قِبَل هيئة محلّفين غير متحيزة من الولاية نفسها والمقاطعة التي تمّ فيها ارتكاب الجرم." كما يمنح المدّعَى عليهم حق مواجهة الشهود الذين يُدلون بشهادات ضدهم وطرح الأسئلة عليهم، وحق الاستعانة بمحام للدفاع عنهم. وبمرور الزمن، تمّ توسيع نطاق هذه الحماية الأخيرة بحيث أصبحت تضمن عملياً حق الاستعانة بمحامين يفون بالحاجة للدفاع عن جميع المدّعَى عليهم في الدعاوى الجنائية.

يمنع التعديل الثامن فرض "كفالة مُفرطة" على المدّعَى عليهم، كما يمنع أن يُحكم على هؤلاء بـ "عقوبات قاسية وغير مألوفة". وقد فسّرت المحاكم هذا المنع الأخير بأنه يحد من أنواع العقوبات التي يمكن الحكم بها. ففي عام 1972، تمّ استناداً إلى هذا النص الدستوري إبطال القوانين التي تسمح بفرض حكم الإعدام في 38 ولاية من الولايات الخمسين. وقد أُعيد سنّ بعض هذه القوانين لتتوافق مع هذا النص الدستوري. وحالياً، هناك 38 ولاية لديها قوانين تقضي بفرض حكم الإعدام. لكن هذا المثل يُظهر أن الدستور، لا القانون الجنائي بحد ذاته، هو القانون الأعلى للبلاد. فليس بوسع الكونغرس أو المجالس التشريعية في الولايات إصدار أي قوانين تتعارض مع أحكام الدستور.

لكل ولاية كما للحكومة الفدرالية "قانونها الجنائي الأساسي" (الذي يحدد الجرائم وسبل الدفاع عن مرتكبيها) و"أصول إجراءاتها الخاصة بالمحاكمات الجنائية" (الذي يُحدّد مراحل الإجراءات الجنائية، من لحظة إلقاء القبض إلى المحاكمة، وإصدار الأحكام، واستئنافها وإطلاق السراح من السجن). تُصدر الهيئة التشريعية لكل ولاية القانون الجنائي الخاص بتلك الولاية، وهو الذي تُطبّقه النيابة العامة في تلك الولاية والمقاطعة، وتستند إليه محاكمها، على المستوى المحلي كما على مستوى الولاية، ويتم العقاب على أساسه في سجون الولاية أو السجون المحلية. كما يُصدر الكونغرس القوانين الجنائية الفدرالية وهي التي يتم تطبيقها، والمقاضاة، والحكم، والعقاب على أساسها، من قِبَل وكالات فرض تطبيق القوانين الفدرالية، كما المدعين العامين، والمحاكم، والسجون، وأنظمة إخلاء السبيل المشروط، وفترات المراقبة الفدرالية.

النظام الفدرالي
هناك أكثر من عشرين وكالة فدرالية مختصة بفرض تطبيق القوانين، معظمها تابع لوزارتي العدل والمالية. وأبرز وكالات فرض تطبيق القوانين الفدرالية هما مكتب التحقيقات الفدرالي، وإدارة مكافحة المخدرات، التابعان لوزارة العدل، ومكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية، والشرطة السرية، وإدارة الجمارك (التابعة لوزارة المالية). مقر هذه الوكالات واشنطن العاصمة، ولها فروع ومكاتب في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وفي الخارج أحياناً.

يُعيّن رئيس الجمهورية "المدّعين العامين" الفدراليين لكل من المناطق القضائية الـ 94 في الولايات المتحدة. ولا يلاحق هؤلاء إلا الجرائم التي تُخالف القانون الجنائي الفدرالي، ولا يترافعون إلاَّ أمام المحاكم الفدرالية. وحيث أن هؤلاء يعيّنهم الرئيس، فإنهم يتمتعون بقدرٍ كبير من الاستقلالية، لكنهم يخضعون لسلطة كبير المدعين العامين، أو وزير العدل، الذي يرأس وزارة العدل وله صفة عضو في مجلس الوزراء.

يُوفّر القسم الجنائي في وزارة العدل الأميركية في واشنطن المساعدة والخبرة وبعض الإرشاد والإشراف للمدَّعين العامين الفدراليين. أما المكتب المركزي لوزارة العدل الفدرالية فيضم أيضاً وحدات خاصة للادعاء العام تشمل صلاحياتها البلاد ككل، وتتناول قضايا مثل الجريمة المنظمة، وجرائم الحرب، ومكافحة الاحتكار، ومكافحة المخدرات. وهذه الوحدات تعمل عادة بالتعاون مع المدَّعين العامين الفدراليين.

يُسجن المحكوم عليهم بالسجن، من مرتكبي الجرائم التي ينص عليها القانون الجنائي الفدرالي، في سجون ومؤسسات يديرها المكتب الفدرالي للسجون، وهو وكالة تابعة لوزارة العدل. تنتشر هذه السجون في مختلف أنحاء البلاد؛ ويمكن سجن من يصدر بحقه حكم من إحدى المحاكم الفدرالية في أي من السجون الفدرالية، لكن أقل من عشرة بالمئة من السجناء في الولايات المتحدة هي نزيلة السجون الفدرالية.

القضاء الجنائي على مستوى الولايات والمستوى المحلّي
يتم مُعظم نشاط هيئات القضاء الجنائي في الولايات المتحدة بإشراف حكومات الولايات والحكومات المحلية داخل تلك الولايات. ومعظم صلاحيات تطبيق القوانين على مستوى الولاية هي غير مركزية وموزعة على المقاطعات (أو الأقاليم)، والمدن، والمدائن. تتمتع أجهزة الشرطة التابعة للولاية بصلاحيات فرض تطبيق القانون على طرقات الولاية السريعة الرئيسية وفي المناطق الريفية التي لا توجد فيها بلديات أو حكومات محلية. وهي تقوم في غالب الأحيان بمهام أخرى محدودة، منها تنظيم السجلات الجنائية. وعادةً لا يتمتع المدَّعي العام الأول في الولاية، بخلاف وزير العدل الفدرالي، بما يُذكر من صلاحيات الملاحقة القضائية، مع أنهُ يمكن أن يكون مسؤولاً عن المرافعة في القضايا الجنائية الاستئنافية أو الدفاع في قضايا طلبات الالتماس ما بعد صدور الأحكام القضائية. أما الملاحقات القضائية فهي من وظيفة المدّعين العامين على مستوى المقاطعة، ومعظم هؤلاء المدّعين العامين المحليين يتولّون مناصبهم بالانتخاب.

هناك سجن في كل مقاطعة حيث يتم توقيف المدّعَى عليهم بانتظار محاكمتهم، وأيضاً المحكومين بجنح (تكون مدة عقوبتها السجن سنة واحدة أو أقل). أما دوائر مراقبة السجناء الذي يُطلق سراحهم بشروط فيتم تنظيمها على مستوى المقاطعات أيضاً. ويوجد في الولايات المتحدة أكثر من 20,000 دائرة شرطة مستقلة تابعة لحكومات محلية. ومعظم دوائر الشرطة هذه تعمل في مدائن صغيرة ويقل عدد أفرادها عن 20 شرطياً. وعلى نقيض ذلك، تكون دوائر الشرطة في المدن الكبيرة ضخمة جداً. فعلى سبيل المثال، يبلغ عدد أفراد شرطة مدينة نيويورك، وهي أكبر دائرة شرطة في البلاد، حوالي 38 ألف عنصر. أما المدّعَى عليهم في محاكم الولايات الذين تصدر بحقهم أحكام بالسجن لارتكابهم جنايات، فيودعون في سجون تديرها حكومة الولاية، وتدعى عادةً "دائرة الإصلاحيات".

القانون الجنائي الأساسي في الولايات
في حين أن مصدر القانون الجنائي الأميركي الأساسي هو القانون العام الإنكليزي، فإن القانون الأميركي قانون وضعي ينص بالتحديد على وصف الجريمة وعقوبتها. ولا وجود في الولايات المتحدة لجرائم مُعتبرة من جرائم القانون العام. وبتعبير آخر، إن قانون الجرائم تُصدره المجالس التشريعية في الولايات (بالنسبة لكل ولاية) وكونغرس الولايات المتحدة (بالنسبة للبلاد ككل). ولدى معظم الولايات، لا الحكومة الفدرالية، قانون جنائي أساسي عام يتضمن مبادئ عامة للمسؤولية الإجرامية، وقوانين تحدد بالضبط ما يُعتبر عملاً إجرامياً، وقوانين أخرى تُحدّد بالضبط ما يمكن اعتباره أعذاراً أو تبريرات لإرتكاب أعمال إجرامية معيّنة.

يتبنّى ثلثا الولايات تقريباً، في صورة كاملة أو جزئية، ما يُعرف بالقانون الجنائي النموذجي الذي تمّت صياغته في الخمسينات والستينات من قِبَل معهد القانون الأميركي، وهو منظمة بارزة في حقل الإصلاح القانوني. والقانون الجنائي الأميركي هو الإنجاز الأشد تأثيراً في القانون الجنائي الأميركي الأساسي. ومن المبادئ الأكثر رسوخاً في القانون الجنائي الأميركي المبدأ القائل بأن لا مسؤولية جنائية دون عمد أو استحقاقية لوم المجرم على فعله. وبموجب القانون الجنائي النموذجي فإن جواز استحقاقية اللوم، وهو ما يُعرف أيضاً "بالحالة العقلية للمجرم"، لا يمكن إيفاء شروطه إلاّ بإظهار القصد، أو المعرفة، أو التهوّر، أو الإهمال، أو التقصير، وجميعها مُحدّدة في القانون بدقة. وباستثناء بعض الجنح والمخالفات لبعض الأنظمة الوضعية، يستلزم القانون الجنائي النموذجي توفّر استحقاقية اللوم، لكل عنصر من عناصر أي فعل إجرامي (السلوك، الظروف الملازمة للفعل، والنتيجة).

تُحدّد القوانين الجنائية الممنوعات التي تُشكل قانون الجرائم، أي الجرائم ضد الأشخاص (مثل القتل والاغتصاب)، والجرائم ضد الممتلكات (مثل السرقة والحريق)، والجرائم ضد النظام العام (مثل أعمال الشغب والإخلال بالأمن)، والجرائم ضد العائلة (مثل تعدد الأزواج أو الزوجات، وجرائم القُربى)، والجرائم ضد الإدارة العامة (مثل الرشوة وشهادة الزور).

القانون الجنائي الأساسي الفدرالي
ما هي الجرائم التي تُعتبر جرائم فدرالية (أي تُخالف القانون الفدرالي) وأيّها تُعتبر مخالفة لقوانين الولايات؟ ليس هناك من جواب واضح عن هذا السؤال. والواقع أنه من غير الممكن تصنيف العمل الإجرامي في هاتين الفئتين. إذ عندما يُخالف عمل أو سلوك ما القوانين الجنائية الفدرالية وتلك العائدة للولايات على السواء، يُصبح من حق كِلا الحكومة الفدرالية وحكومة الولايات المعنية ملاحقة مرتكب ذلك الفعل قضائياً، إذ لا ينطبق في هذه الحالة مبدأ "السيادة المزدوجة" الذي لا يسمح بجواز محاكمة الشخص مرتين بالتهمة نفسها، لكون هذا المبدأ يُطبّق فقط عندما تقوم السلطة نفسها بالمحاكمة أكثر من مرة.

من الناحية النظرية، تنحصر سلطات الكونغرس بتلك التي نصّ عليها صراحةً الفصل الأول من الدستور. فالمخالفات من أمثال تزوير العملة الأميركية، ودخول الولايات المتحدة بصورة غير مشروعة، والخيانة، وانتهاك قوانين الحقوق الدستورية والفدرالية، تخضع بوضوح لصلاحية الحكومة الفدرالية. لكن الكونغرس عمد، مُستفيداً من الصلاحيات الواسعة النطاق التي منحها إياه الدستور بالنسبة لتنظيم التجارة وغيرها من البنود المرنة الأخرى، إلى إقرار قوانين جنائية فدرالية تتناول المتاجرة بالمخدرات، والأسلحة النارية، والخطف، وتشكيل عصابات إجرامية، وسرقة السيارات، والاحتيال، وما إلى ذلك.

نادراً ما قضت المحكمة العليا بأن لا صلاحية للكونغرس بإصدار قانون جنائي فدرالي. ولهذا السبب، جزئياً، طالت باع القانون الجنائي الفدرالي كثيراً خلال القرن العشرين. واليوم، يمكن اللجوء إلى القانون الجنائي الفدرالي لملاحقة الكثير من الأعمال الإجرامية التي كانت تُعتبر تقليدياً من صلاحيات حكومات الولايات. لكن الذي يحدّ من اتساع نطاق صلاحيات الحكومة الفدرالية، عملياً، في هذا المجال هو الموارد المتاحة. فليس في وسع مكتب التحقيقات الفدرالي وسائر الوكالات الفدرالية لفرض تطبيق القوانين، ومسؤولي الإدعاء العام الفدراليين، التحقيق في، أو ملاحقة سوى جزء صغير من مجموع الجرائم التي يمكن اعتبارها خاضعة لصلاحياتهم.

إجراءات الملاحقة الجنائية
لكل من حكومات الولايات، كما للحكومة الفدرالية، إجراءاتها الخاصة لناحية ملاحقة مرتكبي الأعمال الإجرامية. فالقواعد الفدرالية لإجراءات الملاحقة الجنائية تصوغها لجان قضائية استشارية وتنشرها المحكمة العليا وتكون خاضعة لتعديلات يُدخلها عليها الكونغرس. أما إجراءات الملاحقة الجنائية التي تعتمدها الولايات فتكون عادة من وضع الهيئات التشريعية لتلك الولايات.

من الحقوق الـ 23 التي تنص عليها التعديلات الثمانية الأولى للدستور، هناك 12 حقاً يتعلق بإجراءات الملاحقة الجنائية. قبل الحرب العالمية الثانية، كان يتم الاستناد إلى هذه الحقوق فقط لحماية الفرد من الحكومة الفدرالية. أما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أصبحت كل هذه الحقوق، تقريباً، مرتبطة بالبند الذي يوجب تنفيذ الإجراءات القانونية المرعية حسب التعديل الرابع عشر للدستور، والتي أصبحت واجبة المراعاة في تطبيق قوانين الولايات أيضاً. تجدر الإشارة إلى أن الدستور الفدرالي يرسم حداً أدنى، لا حداً أعلى، للحقوق التي يتمتع بها المواطن تجاه الشرطة، والنيابة العامة، والمحاكم، ومسؤولي السجون. ويمكن للولايات أن تمنح مزيداً من الحقوق للمدّعَى عليهم في القضايا الجنائية. وهناك ولايات، مثل ولاية نيويورك مثلاً، تمنح المتهمين بقضايا جنائية والمدّعَى عليهم بمثل هذه القضايا حماية لحقوقهم تفوق تلك التي تمنحهم إياها المحكمة العليا للولايات المتحدة.

في التعبير القانوني الأميركي، تَرسم الإجراءات الجنائية حدوداً دستورية، وقانونية، ووضعية، وإدارية تُفرض على التحقيقات التي تُجريها أجهزة الشرطة، مثل تفتيش الأشخاص والأماكن والأشياء، والمصادرات، والاستجوابات كما ترسم الخطوات الرسمية التي يجب أن تُتبع في عملية الملاحقة الجنائية. ويحمي التعديلان الرابع والخامس للدستور كافة المواطنين، لا المشتبه في ارتكابهم أعمالاً إجرامية وحسب، من ممارسات أجهزة الشرطة إن هي تجاوزت الحدود المرسومة.

حق تعيين محامي دفاع
يصبح حق الاستعانة بمحام لازماً عندما يُصبح المشتبه فيه متهماً، أي لدى بدء الإجراءات

القضائية. فإذا كان المتهم معوزاً، يُعيّن له القاضي محامي دفاع لدى مثوله لأول مرة أمام المحكمة. وقد قضى قرار للمحكمة العليا صدر عام 1963، في دعوى غيديون على وينرايت، بأنه ينبغي على الحكومة تعيين محامي دفاع للمتهمين في قضايا جنائية ممن يعجزون عن توكيل محام بسبب حالتهم المادية. وفي قضايا لاحقة، تمّ توسيع نطاق هذا القرار ليشمل كل الحالات التي يمكن فيها توقيف المتهم أو إيداعه السجن.

الكفالة والتوقيف قبل المحاكمة
إذا أدلى المتهم بأنه غير مُذنب بارتكاب العمل الإجرامي المنسوب إليه، على القاضي أن يقرر ما إذا كان يجوز إطلاق سراحه قبل محاكمته، وإذا كان الأمر كذلك، عليه أن يُقرّر ما إذا كان ينبغي أن يَفرض عليه دفع كفالة أو الوفاء بشروط أخرى مقابل هذا الإطلاق. تقضي المحاكم عادة بوجوب إطلاق سراح المدّعَى عليه إلا إذا كان فراره محتملاً. ورغم ما يُفترض من وجود صلة بين فَرض الكفالة وضمان المثول أمام المحكمة في الوقت المحدّد، غالباً ما يفرض القضاة كفالة مرتفعة على الأشخاص الموقوفين بجرائم خطيرة، وذلك بسبب قلقهم على السلامة العامة؛ إذ قد يرتكب مثل هؤلاء المتهمين المزيد من الجرائم إذا أُطلق سراحهم. ويسمح القانون الفدرالي بتوقيف أشخاص قبل المحاكمة دون إمكانية الإفراج عنهم بكفالة في بعض الحالات التي تتبيّن فيها المحكمة أن المدّعَى عليه يُشكّل خطراً على المجتمع، وأن لا يمكن لأي مجموعة من شروط إطلاق السراح ضمان السلامة العامة بصورة معقولة.

الاتهام الرسمي وهيئة المحلّفين الكبرى
يتمتع المدّعون العامون الأميركيون بقدر كبير من الاستنساب لجهة اتهام شخص ما بارتكاب عمل إجرامي، ولجهة ماهية العمل الإجرامي المنسوب إلى المُتهم، أو لعدد التهم التي يمكنهم توجيهها إليه. لكن معظم المدعين العامين يُسقطون تهماً بحق نسبة كبيرة من الموقوفين في المراحل الأولى من عملية الملاحقة الجنائية هذه لعدد من الأسباب، هي:

  1. عندما لا يُشكّل سلوك الموقوف جُرماً؛
  2. وفي حال كان ذلك السلوك جُرماً، فقد يكون قليل الأهمية بحيث يُستحسن عدم ملاحقته؛
  3. أو في حال كان السلوك جُرماً، لكن يتعذّر في الظرف الحالي إثباته؛
  4. وفي حال كان يُشكّل السلوك جُرماً، لكن المدّعي العام يرى أن إرسال المدّعَى عليه إلى مؤسسة علاجية أو إشراكه في برنامج إعادة تأهيل هو السبيل الأفضل لحسم القضية.

يحقّ للمدّعي العام، قبل بدء المحاكمة، أن يُسقط طوعاً التهم الموجهة إلى المدّعَى عليه دون الحكم مسبقاً على نتيجة الدعوى، وبهذا يُمكنه أن يعود ويوجّه للمدّعَى عليه الاتهامات نفسها في وقت لاحق. ينص التعديل السادس للدستور على عدم جواز ملاحقة أي شخص جنائياً إلا بعد صدور قرار اتهامي بحقه من قبل هيئة محلّفين كبرى. وهيئة المحلّفين الكبرى هي هيئة تحقيقية تُقرر ما إذا كانت هناك أدلة كافية لتوجيه الاتهام إلى الشخص المعني. ولكن المحكمة العليا قضت في أحد قراراتها أن هذا الحق هو من الحقوق القليلة في وثيقة الحقوق التي لا تلزم حكومات الولايات. وهكذا، في إمكان الولاية المعنية أن تُقرِّر بنفسها ما إذا كانت تريد اللجوء إلى هيئة محلّفين كبرى للشروع في إجراءات الملاحقة الجنائية الرسمية.

ينبغي أن يَمثُل المتهم أمام المحكمة وتُتلى عليه التهم رسمياً في غضون فترة قصيرة من الوقت. ولدى مثول المتهم أمام المحكمة لتلاوة التهم عليه، يتلو القاضي التهم الرسمية؛ ويسأل المتهم لدى تلاوة كل منها ما إذا كان يريد الإدلاء بأنه مذنب أو غير مذنب، أو أنه غير مذنب بسبب الجنون. وتَسمح معظم الولايات كذلك بأن يُدلى المتهم بأنه لا يعترض على التهمة، الأمر الذي يُعتبر في الواقع بمثابة الإدلاء بأنه مذنب. ويمكن للمتهم في وقت لاحق أن يُبدِّل الإدلاء بأنه غير مذنب ليدلي بأنه مذنب. وفي حالات محدودة جداً، يُمكن للمتهم أن يرجع عن إدلائه بأنه مذنب.

دُفوع ما قبل المحاكمة
تقضي قواعد إجراءات الملاحقة الجنائية بتوفير مهلة للمدّعَى عليه أو وكيله لتقديم دُفوع تطعن في قانونية القرار الاتهامي أو في المعلومات التي استند إليها، أو لتقديم طلبات تَقضي بعدم استخدام بعض الأدلة. إضافة إلى ذلك، يجوز للمدّعَى عليه طلب الإطلاع على بعض ما بحوزة الادعاء العام من أدلة. ووفق القواعد المتبعة لدى معظم الولايات يكون للمدّعَى عليه الحق، إذا تقدّم بمثل هذا الطلب، الحصول على نسخة من أي أقوال أدلى بها، ونسخ عن الاختبارات الطبية وعن لائحة الشهود الذين يود الادعاء العام استدعاءهم. وفي بعض الولايات ينبغي على المدّعَى عليه أن يُبلغ الادعاء العام مسبقاً بنيته اللجوء إلى وسائل دفاع معيّنة مثل تقديم إثبات على عدم وجوده في مكان ارتكاب العمل الجرمي عند ارتكاب ذلك العمل، أو التذرع بالجنون.

مساومة الإقرار بالذنب
غالباً ما يُساء فهم الممارسة التي تُعرف بـ "مساومة الإقرار بالذنب" في النظام القضائي الأميركي. وقد يكون من الأصح وصف هذه الممارسة بنظام يُتيح تقديم "تخفيضات" في التهم الموجهة إلى المدّعَى عليه. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة أكثر من تسعين بالمئة من الأحكام هي نتيجة إقرار المتهم بأنه مذنب بارتكاب الجرم المنسوب إليه. وبالنسبة إلى معظم المدّعَى عليهم الذين يقرون بأنهم مذنبون، لا تكون هناك "مساومة" في هذا الأمر. ولكن ما يحصل هو قبول المدّعَى عليه بعرض الادعاء العام إسقاط بعض التهم مقابل إدلائه بأنه مذنب بارتكاب واحد أو أكثر من الأعمال المتهم بارتكابها.

أما على المستوى الفدرالي، فهناك تقليد يُعرف بـ "مساومة التهم"، أي أن يَعمد الادعاء العام، قبل بدء المحاكمة، بإسقاط التهمة الأكثر خطورة إذا أقرّ المدّعَى عليه بأنه مذنب بارتكاب تهمة أقل خطورة. وفي بعض المقاطعات والمدن، يَعرض القاضي بصورة واضحة إمكانية الحكم على المدّعَى عليه بمدة تقلّ عن الحد الأقصى الممكن إذا أقرّ الأخير بأنه مذنب بارتكاب العمل الجرمي المعني. على سبيل المثال، يتعهد القاضي بالحكم على المدّعَى عليه بعقوبة السجن ثلاث سنوات حداً أدنى وخمس سنوات حداً أقصى إذا أقرّ المدّعَى عليه بأنه مذنب قبل إجراء المحاكمة؛ في حين قد يحكم عليه بالسجن ما بين خمس وعشر سنوات حداً أدنى وخمس عشرة سنة حداً أقصى إذا ظهر للمحكمة بنتيجة المحاكمة أنه مذنب بارتكاب العمل الإجرامي المنسوب إليه.

حق المحاكمة
للمدّعَى عليه الحق بمحاكمة علنية. ولهذا تكون المحاكم الأميركية مفتوحة أمام الجمهور، بما في ذلك الصحافيون. ولقد قضت المحكمة العليا بأنه لا يجوز للمدّعَى عليه التنازل عن حقه بمحاكمة علنية لأن سائر المواطنين يملكون أيضاً هذا الحق؛ كما لا يجوز للقاضي منع الصحافيين من حضور المحاكمات الجنائية وكتابة تقارير عنها. ولكن ذلك لا يعني السماح بتواجد كاميرات تصوير (بما ذلك الثابتة أو المُتحركة، أو كاميرات التلفزيون) في قاعة المحكمة. هناك بعض الولايات، مثل ولاية كاليفورنيا، تسمح بالتغطية التلفزيونية الحية للمحاكمات الجنائية. ويرى مؤيدو هذا التدبير الأخير بأن التغطية التلفزيونية تتيح للجمهور التعرّف على نواحي ومجريات المحاكمات الجنائية، وأنه لولاها لبقيَ الجمهور جاهلاً لهذه الأمور. أما منتقدو هذا التدبير فيقولون أن كاميرات التلفزيون في قاعات المحاكم تؤثر في تصرفات المحامين والقضاة وأعضاء هيئات المحلّفين، وتُغيّر من جو المحكمة العام. تجدر الإشارة هنا إلى أن الكاميرات ممنوعة في المحاكم الفدرالية.

ينص التعديل السادس للدستور على أن للمدّعَى عليه الحق بمحاكمة عاجلة. إن قوانين مرور الزمن على التقاضي، لا الحق بمحاكمة عاجلة، هي التي تطبق في حال التأخر في تقديم الدعوى مقارنة مع زمن ارتكاب العمل الإجرامي. يفرض الدستور ألاّ يكون هناك تأخير غير مُبرَّر بين صدور القرار الاتهامي وإجراء المحاكمة. ولكن المحكمة العليا لم تحدد المهلة التي، إذا تمّ تجاوزها، يُعتبر الحق بمحاكمة عاجلة مُنتَهكاً. إذ ينبغي تقييم كل حالة على حدة. لكن لكل ولاية قانون ينص على وجوب المحاكمة العاجلة ويُحدّد المهل التي ينبغي على الادعاء العام والمحاكم أن يُحيلوا خلالها المدّعَى عليه إلى المحاكمة.

يضمن التعديل السادس أيضاً للمدّعَى عليه في قضية جنائية الحق بالمحاكمة أمام هيئة محلّفين. ولكن هذا الحق، مثل معظم الحقوق، يُمكن التنازل عنه. وقد يَختار المدّعَى عليه أن يُحاكم أمام قاض أو أن يقرّ بأنه مذنب بارتكاب العمل الإجرامي المنسوب إليه. تجدر الإشارة إلى أن نسبة ما بين ربع وثلث عدد المحاكمات التي تتم أمام هيئة محلّفين تنتهي ببراءة المدّعَى عليهم. ولكن بعض المدّعَى عليهم يفضّلون أن يحاكموا أمام قاض لا هيئة محلّفين لاعتقادهم أن من الأرجح أن يتمكّن القاضي من كشف مكامن الضعف في حجج الادعاء العام؛ أو لاعتقادهم بأن القاضي يكون أكثر ليونة في إصدار الأحكام، أو لأن طبيعة الجريمة قيد المحاكمة من شأنها التسبب باستياء أفراد هيئة المحلّفين من المدّعَى عليه أو إثارة غضبهم منه.

رغم أن الدستور لا ينص على إجماع أعضاء هيئة المحلّفين على قرار الإدانة أو البراءة، لكن النظام القضائي الفدرالي والأنظمة القضائية في كل الولايات تقريباً تَقضي بوجوب تحقق مثل هذا الإجماع. وهيئة المحلّفين التي لا يتفق كل أعضائها في تقرير الإدانة أو البراءة تُسمى هيئة محلّفين معلّقة القرار. ولدى حصول هذا الأمر، يُعلن القاضي عدم اكتمال المحاكمة؛ وعندئذٍ يعود للادعاء العام تقرير ما إذا كان يريد محاكمة المدّعَى عليه ثانية. ليست هناك حدود لعدد المرات التي تُمكن فيها إعادة محاكمة مدّعى عليه في مثل هذه الحالة، ولكن قِلّة قليلة من المدّعَى عليهم تمت محاكمتهم أكثر من ثلاث مرات.

المحاكمة
هناك نسبة 10 بالمئة أو أقل من القضايا الجنائية في الولايات المتحدة يتم حلّها عن طريق المحاكمات. والمحاكمة الجنائية تستند إلى نظام الخصومة. فمحامي الدفاع يُمثِّل موكّله ويُدافع عنه بكل قوة، بغض النظر عما إذا كان يعتقد أن ذلك الموكّل مذنب أم بريء. أما المُدّعي العام فيمثّل الولاية والشعب، ولكنه يتحمل أيضاً مسؤولية أخلاقية تَفرض عليه التصرف كشخص يسعى إلى إحقاق العدالة.

يفرض الدستور على الجهة التي تتقصّى الحقائق، سواء كانت تتمثل بهيئة محلّفين أو قاض، إذا وجدت أن المدّعَى عليه مُذنب، أن تتيقّن من أن الادعاء العام أثبت كل عنصر من عناصر الجرم بشكل لا مجال فيه لأي شك معقول. هذا هو معنى المبدأ الذي يكثر ترداده، ومآله افتراض براءة المتهم. ولكل من الجانبين الحق في استدعاء شهود وطلب إحضار الشهود الذين يتمنعون عن الحضور طوعاً. ويُخضع المحامون شهودهم إلى استجواب مباشر، كما يَستجوبون شهود الجانب الآخر بعد استجوابهم من قبل ذلك الجانب. ويُمكن للقاضي، لا لأعضاء هيئة المحلّفين، طرح الأسئلة على الشهود، ولكن في نظام الخصومة هذا يكون المحامون هم من يطرح كل الأسئلة عملياً فيما يتصرّف القاضي كحكَم غير متحيّز. ويمكن لشاهد ما أن يرفض الإدلاء بشهادته متذرعاً بالتعديل الخامس للدستور الذي يُجيز له ذلك إذا كان يعتقد أن تلك الشهادة يمكن أن تؤدي إلى تجريمه. ويمكن للادعاء العام أن يمنح الشاهد حصانة من الملاحقة ومن ثم يستطيع إجباره على الإجابة عن كل سؤال (لا يتمتع الدفاع بمثل هذه السلطة). ويُمكن أن تشمل هذه الحصانة أي جريمة يقرّ الشاهد بارتكابها وأي جريمة يكشفها المحققون نتيجة لشهادة الشاهد الذي مُنح الحصانة.

إصدار الحكم
إن الهيئات التشريعية، والمحاكم، ودوائر مراقبة المُطلق سراحهم بشروط، والمجالس المعنية بإطلاق سراح السجناء قبل انتهاء مدة سجنهم، ولجان إصدار الأحكام، عند بعض السلطات القضائية، تلعب كلها دوراً في عملية إصدار الأحكام وتحديد العقوبات. في المقام الأول، تحدد الهيئات التشريعية عقوبات الجرائم، أو على الأقل الحد الأعلى الممكن للعقوبات، التي يُمكن فرضها على ارتكاب كل عمل إجرامي. وتختلف قوانين العقوبات في الولايات عن بعضها البعض كثيراً، ففي بعض الأحيان تكون للولاية الواحدة قوانين مختلفة لناحية فرض العقوبات على جرائم مختلفة. يحكم القاضي بالعقوبة بعد جلسة خاصة بإصدار الحكم يقوم فيها كل من الادعاء والدفاع بالمرافعة لما يعتبره كلّ منهما أنه العقوبة المناسبة. يُمنح المدّعَى عليه فرصة لمخاطبة المحكمة قبل صدور الحكم بحقه. وفي بعض الولايات والمناطق، يمكن لضحية العمل الجرمي أو لأهل الضحية أن يخاطبوا المحكمة أيضاً. ومن المرجح أن يشدد محامي الدفاع على أمور مثل ندم المدّعَى عليه على فعلته، والمسؤوليات العائلية التي تجعل الحكم عليه بالسجن مدة طويلة ضاراً بأسرته، واحتمالات توفر فرصة عمل جيدة له إذا لم يكن في السجن، وإمكان معالجته من مشكلته (إذا كانت مثل هذه المعالجة ضرورية) في إحدى مؤسسات المجتمع دون أن يكون نزيل السجن؛ أما الادعاء العام فالمرجح له أن يشدّد على سجل المدّعَى عليه الإجرامي السابق لارتكابه الجريمة موضوع الحكم، وعلى الأضرار التي أوقعها المدّعَى عليه بالضحية وأفراد أسرتها، وضرورة ردع الآخرين عن ارتكاب مثل هذه الجريمة.

يَسترشد القاضي لدى إصداره الحكم وتحديد العقوبة برأي دائرة مراقبة السجناء المُطلق سراحهم بشروط، التي تقوم بتحقيق مستقل حول خلفية المدّعَى عليه، وسجله الإجرامي السابق، وظروف الجريمة وعوامل أخرى. لا يتوجب على القاضي تعليل قراره، كما لا يتوجب عليه إيراد الأسباب التي تبرر اتخاذه ذلك القرار. وما دامت العقوبة التي يفرضها القاضي ضمن النطاق الذي يحدده لها القانون، فلا يجوز استئناف قراره.

العقوبات
إن وضع المدّعَى عليه قيد المراقبة هي العقوبة الأكثر شيوعاً التي تفرضها المحاكم الجنائية في الولايات المتحدة. وبذلك، يتفادى المدّعَى عليه السجن ما دام لا يتورّط بمشاكل ويتقيّد بقواعد وأنظمة دائرة مراقبة المُدانين، و يفي بمتطلبات التبليغ المفروضة. يُحدّد القاضي الفترة الزمنية التي ينبغي أن يخضع فيها المدان للمراقبة، وكثيراً ما تُحدَّد تلك الفترة ببضع سنوات. يُمكن للقاضي أيضاً فرض شروط خاصة؛ مثل المشاركة في برنامج للمعالجة من إدمان المخدرات، أو البقاء في الوظيفة أو المدرسة إذا كان المدّعَى عليه من الأحداث.

وتستخدم عقوبة السجن على نطاق واسع. تُشير الإحصائيات إلى أنه في كل يوم من أيام عام 2001، كان هناك حوالي مليوني شخص في السجون الأميركية. ولدى كل ولاية، كما للحكومة الفدرالية، نظام سجون خاص بها. وتصنف دائرة السجون المحكوم عليهم (استناداً إلى درجة الخطر التي يشكلونها على الغير، أو إلى إمكانية محاولتهم الفرار، أو السن، الخ) في فئات مختلفة وتودعهم سجونا تلائم تلك الفئات.

وقد زادت مصادرة الممتلكات زيادة كبيرة كعقوبة جنائية في السنوات الأخيرة، خاصة في قضايا تجارة المخدرات وجرائم عصابات الجريمة المنظمة. وتقضي قوانين المصادرة بأنه يجوز للقاضي، كجزء من العقوبة التي يحكم بها، أن يأمر المدّعَى عليه المدان بالتنازل عن أي ممتلكات له استخدمت في ارتكاب الجريمة (بما في ذلك السيارات والقوارب، والطائرات، وحتى المنازل) وعن عائدات عمله الجرمي (مثل مؤسسات الأعمال، أو الحسابات المصرفية، أو الأوراق المالية).

أما فرض الغرامات فأمر أقل شيوعاً في المحاكم الأميركية. وعندما تُفرض مثل هذه الغرامات، تكون عادةً إضافة إلى عقوبات أخرى تفرضها المحكمة المعنية. وتاريخياً بقي مِقدار الغرامات منخفضاً، إذ أنه يقل بكثير عن أتعاب محامي الدفاع الجنائي الخاص. لكن في الآونة الأخيرة، زادت الغرامات القصوى زيادة كبيرة. كما قد قضت المحكمة العليا بأنه عند فرض الغرامة، لا يجوز سجن المدّعَى عليه المدان لعدم دفعه تلك الغرامة إلا إذا كان تَمَنُّعه عن الدفع مقصوداً.

الاستئناف ووسائل المراجعة الأخرى
لا يضمن الدستور للمحكوم عليه حق الاستئناف، لكن كل سلطة قضائية تسمح على الأقل باستئناف واحد وتعتبره حقاً، ولدى العديد من الولايات مستويان من محاكم المراجعة ومستويان من الاستئناف. في بعض استئنافات الدرجة الثانية، للمحكمة حق الاستنساب في سماع الدعاوى التي تختارها فقط. وبسبب عدم جواز محاكمة المرء مرتين بالجرم نفسه، لا يجوز للادعاء العام استئناف حكم بالبراءة. وهكذا فإن إصدار المحكمة حكما ببراءة شخص ما يبقى نافذاً حتى ولو استند إلى خطأ جسيم من قبل القاضي في تفسير القانون، أو إلى اعتماد القاضي أو هيئة المحلّفين واقعة مادية غير قابلة للفهم.

بعد أن ترد محكمة الاستئناف في الولاية استئناف المحكوم عليه، يجوز له تقديم التماس لرفع الظلم عنه إلى المحكمة الفدرالية في منطقته يدعي فيه أنه محتجز لدى الولاية خلافاً للحقوق التي تضمنها له القوانين الفدرالية أو الدستور (يجوز للسجناء في السجون الفدرالية كذلك أن يطلبوا من المحاكم الفدرالية إعادة النظر في قضيتهم في حال ظهور أدلة جديدة من شأنها إثبات براءتهم ولم يكن بالإمكان اكتشافها قبل المحاكمة). إن حق مطالبة المحكمة برفع الظلم عنه يضمنه الدستور ويمارس تطبيقاً للقوانين الفدرالية. في بعض الحالات المحدودة، يجوز للمحكوم عليه الذي لم يؤد التماسه الأول المقدم إلى المحكمة إلى أي نتيجة أن يعاود تقديم التماسات يدّعي فيها حصول مخالفات دستورية أخرى بحقه.

إطلاق سراح السجناء المشروط، إلغاء العقوبات، وتخفيضها
تلعب مجالس مراقبة المُطلق سراحهم المشروط تقليدياً دوراً رئيسياً في الإفراج عن المحكومين من السجون. ولدى كل ولاية مجلس مراقبة خاص بها لهؤلاء يُعيّن أعضاءه حاكم الولاية. ويشكل المجلس أحد عناصر وكالة حكومية ضخمة تُعنى بمراقبة المخالفين بعد إطلاق سراحهم من السجون. أما متى يصبح للمحكوم حق إطلاق السراح المشروط قبل انتهاء مدة سجنه فأمر يقرره قانون الولاية المعنية، ولهذا هناك تباين كبير في قوانين الولايات المختلفة في هذا الصدد.

في نظام تحديد العقوبات الذي يقوم فيه القاضي وحده بتحديد العقوبة القصوى، يمكن للسجين، مثلاً، أن يُصبح مؤهلاً لطلب إطلاق سراحه المشروط بعد قضاء ثلث المدة المحكوم بها. ويُجري أعضاء مجلس المراقبة مقابلات مع السجناء الذين يُحتمل أن يُصبحوا مؤهلين لطلب إطلاق السراح المشروط. وعموماً يهتم المجلس بسلوك السجين داخل السجن لكنه يأخذ أيضاً بعين الاعتبار وقائع الجريمة والسجل الإجرامي السابق للسجين.

أخيراً، يتمتع حاكم كل ولاية بصلاحية العفو عن المحكومين في تلك الولاية وسلطة اختصار أو تخفيض عقوبتهم. كما يتمتع رئيس الولايات المتحدة بسلطة مماثلة في ما خص المحكومين في محاكم فدرالية. وكثيراً ما يتم إصدار قوانين تقضي بتعيين مجلس عفو للنظر في طلبات العفو الواردة من المحكومين، ويجري المجلس تحقيقات في الموضوع ويقدم توصيات بذلك لحاكم الولاية أو لرئيس البلاد، حسب التبعية. وكثيراً ما يُدعى حكام الولايات، خاصة في الولايات التي تكثر فيها أحكام الإعدام، إلى استبدال عقوبة الإعدام بأخرى أخف منها. وخلافاً لما هو متبع في بلدان أخرى، فإن العفو العام لا يشكل جزءاً من القانون الأميركي أو التقاليد الأميركية.


التقيّد بالقانون في أميركا: العدالة الإجرائية والشعور بالإنصاف
بقلم توم تايلر

photo of Tom Tyler

الصورة بإذن من الكاتب

كيف يُشجّع مُجتمع ما إطاعة مواطنيه للقانون في سلوكهم؟ هل يعتمد المجتمع على التهديد بفرض العقوبات وحسب؟ أو هل أن شعور الناس بالعدالة والإنصاف يطرح استراتيجيات أخرى أكثر فعالية؟ في دراستهم لهذا الموضوع، اكتشف توم تايلر، أُستاذ مادة علم النفس في جامعة نيويورك، وآخرون غيره، أن أساس إطاعة الأميركيين، والناس عموماً، للقانون يعتمد على شعورهم بإنصافه لهم، وعدم تحيّزه، وانسجامه مع القيم التي يؤمنون بها.

في الولايات المتحدة، يعتقد الناس في أحيان كثيرة أن أعضاء سلكي الشرطة والقضاء هم سلطات قانونية تملك قدراً كبيراً من السلطات، التي تستخدمها من أجل تطبيق القانون. ويُعتبر هؤلاء بأنهم سلطات تدعم قراراتها إمكانيات الردع بفرض العقوبات، وبأنهم يطاعون بشكل واسع.

لكن واقع السلطات القانونية الأميركية يختلف تماماً عن هذه الصورة من ناحيتين. الأولى، هي في حين أنه من الصحيح القول ان الأميركيين يتقيّدون بالقانون بصورة عامة، وإنهم على استعداد في غالب الأحيان لإطاعة قرارات الشرطة والقضاء، لا يجوز اعتبار التقيّد بالقانون أمراً مسلماً به. فطالما كافحت السلطات القانونية لتشجيع الناس على التقيّد بالقانون، وهناك آراء عديدة تُفيد بأن هذا الكفاح يزداد صعوبة. ففي تعاملهم مع مواطنين، يُواجه ضباط الشرطة في أميركا صعوبات مُتزايدة في فرض امتثال الناس للقانون، كما يُواجه القضاة من ناحيتهم زيادة صعوبات تطبيق الأحكام القضائية ومطابقة سلوك المواطنين لأوامر المحاكم. وبالنسبة لتأثير القانون على الحياة اليومية للناس، هناك ما يُؤكد أن تقيّد الاميركيين بالقانون يقل في مجال واسع من أنواع السلوك، تتراوح بين دفع ضريبة الدخل إلى التوقّف عند إشارة السير الحمراء، لكن لا ينبغي تضخيم حجم مشاكل عدم التقيّد بالقانون هذه، بل هناك اهتمام مُتزايد للسلطات القانونية بالاتجاه نحو ضرورة التوصل إلى فهم أفضل للأسباب التي تدفع الناس إلى إطاعة القانون.

دور الدافع الأخلاقي في التقيّد بالقانون
من المُثير للاهتمام أن الدراسات تُظهر أن الدافع الكامن للتقيّد اليومي بالقانون ليس عادةً الخوف من العقاب نتيجة تجاهل أو تحدي القانون، إذ أن ذلك لا يُشكّل أساساً لنماذج الردع. فقد تبيّن أن الدوافع الأولية للناس في إطاعة القانون هي من النوع الأخلاقي. هناك دافعان أخلاقيان يُعتبران دافعين رئيسيين للتقيّد بالقانون، هما: الشرعية، والأخلاقيات. الشرعية معناها الاعتقاد بأن من حق السلطة أن تُطاع. ويُظهر الأميركيون، نموذجياً، مستويات عالية من الشعور بواجبات واضحة لإطاعة الشرطة والمحاكم. فمثلاً، يوافق كافة الأميركيين تقريباً بأن عليهم "إطاعة القانون حتى عندما يعتقدون أنه خاطئ." عندما يعتبر الناس أن السلطات القانونية شرعية، فإنهم يتبعون أوامرها وتوجيهاتها بطيبة خاطر حتى ولو كانوا لا يعتقدون أنه سوف يُلقى القبض عليهم ويعاقبون لتجاهلهم تلك الأوامر والتوجيهات.

في كتابهما بعنوان، "العدالة والمسؤولية واللوم: آراء المجتمع والقانون الجنائي"، يشرح بول روبنسون وجون دارلي أن الأخلاقيات الشخصية تتعلق بدرجة اعتقاد الناس بأن القانون يتوافق مع شعورهم بما هو حق وما هو باطل. في بعض الحالات، تتطابق أخلاقيات الناس بقوة مع نص القانون. فالقتل غير مشروع، ويعتقد مُعظم الناس أنه عمل خاطئ من الوجهة الأخلاقية. لكن في حالات أخرى قد لا يقوم هذا التطابق. ففي ما يتعلق بتعاطي المشروبات الكحولية، والمخدرات، واستنساخ برامج الكومبيوتر، وحتى التقيّد بقوانين إيقاف السيارات، لا تَعتبر شرائح من المجتمع الأميركي بأن سلوكها خاطئ من الوجهة الأخلاقية، حتى عندما يُخالف هذا السلوك القانون.

في دراسة أُعدت عام 1990، بالنسبة لسبب إطاعة الناس للقانون، جرت مُقارنة مُباشرة بين ما يراه الناس بالنسبة لتأثير المخاطر المقدّرة للعقاب، ولشرعية السلطات القانونية، وتأثير أخلاقيات القانون على التقيّد اليومي بالقانون. وكانت النتيجة أن الإعتبارات الشرعية والأخلاقية تؤثران على التقيّد بالقانون بصورة مُنفصلة عن تقدير مخاطر إلقاء القبض والعقاب عند مخالفة القانون. وكان أكبر تأثير في ذلك للأخلاقيات، ويليه في الترتيب تأثير الشرعية. كما كان لاحتمال مخاطر العقاب تأثير على التقيّد بالقانون، لكنه التأثير الأضعف بين عناصر التأثير الثلاثة المُبينة أعلاه. بكلام آخر، كان للاقتناع الأخلاقي أكبر تأثير على التقيّد بالقانون، وكان لاحتمالات التعرّض للمخاطر التأثير الأقل.

مسألة الردع لضمان التقيّد بالقانون
تُشير دراسات أخرى إلى أن التهديدات بالعقوبات أو فرضها، وهي التي تُبيّن الحدود لتقديرات التعرّض للمخاطر، تُؤثر أيضاً إلى حد مُعيّن في السلوك بالنسبة للقانون. إنما يتبيّن، كما في دراستي الخاصة، أن مقدار هذا التأثير ضئيل عموماً. فمثلاً، في استعراض الدراسات والمؤلفات المنشورة حول تعاطي المخدرات في أميركا، وجد روبرت ماككون في مقالة حول المخدرات والقانون نُشرت في مجلة علم النفس، أن احتمالات التوقيف من قبل الشرطة والعقاب في المحاكم لا تؤثر بأكثر من خمسة بالمئة تقريباً من الفوارق ما بين المواطنين الذين يتعاطون المخدرات. هذا الاستنتاج يتطابق مع نتائج دراسات التقيّد بالقانون التي تُبين ان للردع تأثيراً ضئيلاً، في أحسن الحالات، على سلوك الناس.

أما النتيجة العملية لهذا الاستنتاج فهو أن أجهزة الشرطة والمحاكم تجد صعوبة في فرض تطبيق القانون بصورة فعّالة عندما تعتمد فقط على قدرتها على معاقبة الناس. فبدون تمتعها بشرعية واسعة الانتشار و/أو عندما تفرض تطبيق قوانين لا تنسجم مع أخلاقيات الناس، فإن هذه السلطات القانونية لا يُمكن تنفيذ مهامها بصورة جيدة. وهذا صحيح بالنسبة إلى القانون الجنائي والقانون المدني على السواء، أي بالنسبة إلى جهود السلطات القانونية للمحافظة على النظام العام كما على حل النزاعات بين المواطنين.

تتوضّح النتائج التي تدل على تدني أهمية الشرعية من خلال دراسة تأثير انعدام الثقة بالشرطة والمحاكم المُنتشرة بشكل واسع بين مجموعات الأقليات من المواطنين. ان ضعف هذه الشرعية يؤدي ليس إلى مزيد من السلوك المُخالف للقانون بين الأقليات فحسب، بل أيضاً إلى عدم الرغبة العامة بين المواطنين من الأقليات بالتعاون مع الشرطة لمعالجة المشاكل المُتعلقة بالجريمة. وأشهر الأمثلة في التاريخ الأميركي عن هذه المشاكل تبرز عندما لا يتطابق القانون مع الأخلاقيات العامة، مثل منع تعاطي الكحول قانونياً، وجهود فرض تطبيق قوانين مُكافحة البغاء والعاب القمار. وفي كل حالة تسعى فيها الشرطة إلى تطبيق قوانين تمنع ما لا تعتبره شرائح من المجتمع خاطئاً من الوجهة الأخلاقية، تتفاقم صعوبة تنفيذ مُهمة رجال الشرطة.

كيف يمكن معالجة هذه المسألة؟ قد يكون أحد الأساليب المُمكنة هو زيادة عدد رجال الشرطة زيادة كبيرة، وإعطاء هؤلاء قدراً أكبر من الصلاحيات للتدخّل في الحياة اليومية للمواطنين، وبالتالي زيادة احتمالات إلقاء القبض على الأشخاص الذين يُخالفون القانون ومُعاقبتهم على الجرائم التي يرتكبونها. وهذا العمل قد يزيد بدوره إدراك الناس لمخاطر إلقاء القبض عليهم وبذلك يقود إلى ردعهم عن السلوك الإجرامي. مثلاً، في جهودها لمنع قيادة السيارات في حالة السكر، تسمح بعض الدول لرجال الشرطة بإقامة حواجز عشوائية على الطرق لإيقاف السائقين والتحقق من أنهم غير مخمورين، بينما تسمح دول أخرى لرجال الشرطة بإيقاف أي مواطن يسير في الشارع أو في سيارة واستجوابه، وحتى باحتجازه بالسجن دون توجيه تهم مُحددة له. ليس من الواضح مدى تأثير منح السلطات القانونية مثل هذه الصلاحيات الزائدة على سلوك الناس، لكّن من المُمكن تصوّر استراتيجيات يمكن استخدامها لجعل الردع أكثر فعالية.

هناك عدة صعوبات تترافق مع السعي لزيادة فعالية حكم القانون من خلال تعزيز الردع. إحدى هذه الصعوبات تتمثّل في كون تعزيز سلطة الحكومة في الولايات المُتحدة يتعارض مع التشديد التاريخي على حرية الفرد وحقوقه، وهو تشديد راسخةً جذوره في إعلان الاستقلال، والدستور، ووثيقة الحقوق. يترافق هذا التقليد الديمقراطي مع رغبة عامة من قبل الأميركيين بالإذعان إلى الحكومة والقانون دون أن يكون هذا الإذعان تلقائياً، كما أن الشك بالحكومة وتحدي القوانين التي تُعتبر تدخلاً لا لزوم له في حياة الناس يُشكلاّن عنصراً تاريخياً أخر للثقافة السياسية والقانونية الأميركية. لذلك، فإن زيادة سلطة الحكومة قد تؤدي إلى إضعاف أهمية الشرعية وتقليص التقيّد بالقانون. هناك مسألة أخرى، تتمثّل في ما إذا كان من الواقعي الاعتقاد بأن الاستراتيجيات الهادفة إلى زيادة إدراك مخاطر العقاب قد تُبدل سلوك الناس. وكما لاحظنا أعلاه، يكون للتغيرات في إدراك المخاطر تأثير طفيف على مثل هذا السلوك في أحسن الحالات.

دور إنصاف الإجراءات القانونية في ضمان التقيّد بالقانون
هل هناك سبيل بديل لابتداع نظام قانوني جديد قابل للتطبيق والاستمرار والحفاظ على ديمومته؟ تُشير الدراسات الحديثة حول أسس تفاعل الناس مع القوانين الأميركية ومع قرارات السلطات القانونية إلى إمكانية اعتماد سبيل واحد مهم. فنظراً لكون أجهزة الشرطة والمحاكم هي سلطات تنظيمية اجتماعية، فهي تضطر في أحيان كثيرة إلى اتخاذ قرارات حول أمور لا يعتبرها الناس مرغوبة أو حتى مُنصفة. مثلاً، منع الشرطة للناس من القيام بما يريدونه، وتنفيذ هذا الأمر بالتهديد، أو الاعتقال، أو حتى استعمال القوة الجسدية. كما على القضاة في أحيان كثيرة فرض تطبيق القوانين من خلال الحكم على المُتهمين بدفع غرامات مالية، أو الحبس لمدة مُعينة في السجن. وكثيراً ما يفترض أن مثل هذه النتائج غير المرغوب فيها لا تُقبل إلاّ عندما تكون السلطات القانونية مدعومة باستعمال القوة أو التهديد باستعمالها.

تُشير دراسات لردود فعل الناس تجاه تجاربهم الشخصية مع الشرطة والمحاكم إلى صورة مُختلفة وإيجابية جداً عن كيفية تفاعل المواطنين مع القرارات التي تُصدرها السلطات القانونية. تُبين هذه الدراسات أن الناس يعتمدون معايير أخلاقية لتقييم تجاربهم الشخصية. بصورة خاصة، فإنهم يُقيّمون تجاربهم مع السلطات القانونية من خلال مصفاة تتمثل بعدالة الإجراءات التي تتخذها تلك السلطات بحقهم. وتُشير الأبحاث باستمرار إلى أن الأساس الأولي لقبول أو رفض القرارات المُتخذة من قبل ضباط الشرطة والقضاة هو تقييمهم لمدى إنصاف الإجراءات التي تتبعها السلطات في اتخاذ هذه القرارات.

لنأخذ مثالاً في هذا السياق: أجريت مقابلات مع أشخاص مَثَلوا أمام قُضاة في محاكم السير في شيكاغو، بولاية إلينوي. في ذلك الوقت، كان من الأساليب المعتادة في المحاكم أن تُسقط المحكمة الدعوى المُقامة على الشخص المعني إذا حضر إلى المحكمة على افتراض أن قدومه إلى المحكمة كان عقاباً كافياً له لمخالفته الطفيفة لقانون السير. وهكذا، لم تَفرض المحكمة أي غرامة على مثل هؤلاء المخالفين، ولم تسجل لهم المخالفة في سجلهم العدلي. كان من المتوقع أن يفرح الناس لهذا التصرف. لكني وجدت أنهم كانوا غاضبين. لماذا؟ لأنهم لم يعتبروا هذا النمط من المحاكمة مُنصفاً. لقد أرادوا أن تَجري لهم محاكمة منصفة يستطيعون خلالها تقديم براهينهم، ويصدر فيها رأي قانوني في صحة محضر الضبط المُحرر بحقهم. وكان حصولهم على نتيجة لصالحهم أقل أهمية لهم من عرض قضيتهم أمام المحكمة.

في كتاب "علم النفس الاجتماعي للعدالة الإجرائية"، قمنا، ألان ليند وأنا، بمقابلات مع أشخاص تعاملوا شخصياً مع ضباط الشرطة والقضاة. لاحظنا تكراراً أن ردود فعل هؤلاء الأشخاص تتأثر تأثراً شديداً بتقييمهم لمدى إنصاف هذه السلطات القانونية. وكان الأشخاص الذين شعروا بأنهم عوملوا بإنصاف، أكثر استعداداً لقبول الأحكام، حتى ولو كانت هذه الأحكام لغير صالحهم، وبغض النظر عما إذا كانوا يعتقدون بأنه سوف يُلقى القبض عليهم ويُعاقبون في حال رفضهم لهذه الأحكام. ما سبب ذلك؟ إن ما يشهده الناس من إجراءات مُنصفة يُحرّك لديهم شعوراً بأنه ينبغي عليهم الإذعان للنتيجة. كما يقودهم إلى اعتبار أن الأحكام الصادرة بحقهم هي أكثر انسجاماً مع قيمهم الأخلاقية. لهذه الأسباب، يقبل الناس هذه الأحكام بطيبة خاطر. هذا الأمر الذي تبينّاه من المقابلات هام لأنه يدل على أن الناس يُركزون اهتمامهم على المسائل الأخلاقية لا على الأرباح والخسائر الشخصية في ردود فعلهم على ما يشهدون في تعاملهم مع الشرطة والمحاكم.

تُشير نتائج هذه الدراسة الى أن بإمكان السلطات القانونية ضمان قبول قراراتها إن هي أعارت اهتماما لكيفية صنع هذه القرارات. في دراسة أعدها باترنوستر وآخرون عام 1997، تَبيّن أن التقيّد بهذه القرارات يتزايد مع مرور الزمن إذ يشعر الناس بمسؤولية شخصية أكبر تجاه تنفيذها، وتجاه إطاعة قوانين مماثلة في المستقبل. في دراسة أجريت عام 1997، تبيّن أن الذين شعروا بأنهم عوملوا بإنصاف عند تعاملهم مع الشرطة كانوا ميّالين أكثر إلى احترام القانون خلال فترة ستة أشهر تلت تجربتهم. وبما أن رجال الشرطة لم يكونوا حاضرين خلال معظم أو كامل هذه الفترة، أخذ الناس مسؤولية احترام القانون على عاتقهم. ولقد أدّت بهم تجربة معاملتهم بإنصاف إلى الرضى عن التنظيمات الاجتماعية، والتزموا شخصياً احترام القانون.

ما هي العناصر الإجرائية التي تُكوِّن آراء الناس حول إنصافهم من عدمه؟ تُشير الدراسات إلى أن أفراد المجتمع يعتمدون نماذج مُعقدة للعدالة الإجرائية، ويأخذون في اعتبارهم في كثير من الأحيان ثماني مسائل أو أكثر تتعلق بالعدالة عند تقريرهم لمدى إنصاف أي إجراء قانوني. ولقد تبيّن أن هناك أربع مسائل تُعتبر مهمة بصورة نموذجية هي:

  1. أولاً، إن الناس يُقدرون فرصة المشاركة والإسهام في اتخاذ القرارات.
  2. ثانياً، إنهم يريدون أن تكون الإجراءات مُحايدة وغير مُتحيزة، تستند إلى معايير واقعية وتُتخذ عبر التطبيق المستقر للقواعد القانونية.
  3. وثالثاً، إنهم يريدون أن يُعاملوا بكرامة واحترام، وأن يتم الإقرار بحقوقهم.
  4. ورابعاً، إنهم يريدون أن يشعروا بأن السلطات قد أخذت في الاعتبار حاجاتهم واهتماماتهم، وأنها كانت صادقة في التواصل معهم.

وعند مُناقشة ما إذا كان ينبغي قبول قرار صادر عن سلطة قانونية، يكون كل واحد من هذه الاعتبارات أكثر أهمية من تقييم الناس لإنصاف أو إيجابية القرار بحد ذاته.

ملابسات العدالة الإجرائية بالنسبة إلى إرساء السلطة القانونية
يُولي الناس هذه العناصر المختلفة قدراً مُختلفاً من الأهمية بحسب طبيعة المسألة أو المشكلة المعنية. وهكذا، على سبيل المثال، تكون فرص الإسهام في تقديم الحلول مُهمة بشكل خاص عندما تحاول السلطات تسوية نزاع بين عدة أشخاص. من جهة أخرى، لا تؤثر عوامل العرق أو الجنس أو الوضع الاجتماعي على آرائهم في ما يجعل الإجراء المعني مُنصفاً. يدلّ هذا على أن الإنصاف الإجرائي قد يكون آلية قيّمة جداً يتم من خلالها إيجاد الحلول للنزاعات التي يتعدى نطاقها جماعة واحدة. ولقد تبيّنت الدراسات أن لدى الأشخاص المُنتمين إلى جماعات اقتصادية، أو اجتماعية، أو إيديولوجية مختلفة في أحيان كثيرة آراء مختلفة للغاية حول ما هي النتيجة المُنصفة، ولديهم آراء مُتضاربة حول نوع النتيجة المواتية لهم و/أو لجماعتهم. مع ذلك يُعبّر نفس هؤلاء الأشخاص عن آراء مُشتركة أكثر عندما يسألون عمّا يجب أن يتميز به إجراء اتخاذ قرار مُنصف. وبما أنه تمّ التنويه بقدرة الإجراء المُنصف على تسهيل قبول القرارات، فإن من المُشجع أن يبدو الناس مُتفقين في صورة واسعة النطاق على ما الذي يجعل ذلك الإجراء مُنصفاً.

تبرز استنتاجات مُماثلة تتعلق بالعدالة الإجرائية عندما ندرس مدى انصياع الناس للقانون على أساس يومي. ومن الأكثر احتمالاً أن يُطيع الناس القانون عندما تكون لديهم ثقة بإنصاف الإجراءات التي تعتمدها السلطات القانونية والمؤسسات القضائية. وهكذا، من خلال اتخاذ القرارات بإنصاف، تبني السلطات القانونية ثقافة قانونية يشعر الناس فيها بمسؤولية شخصية للتقيّد بالقانون. يستند مثل هذا المجتمع الذاتي التنظيم إلى شعور الناس بمسؤولية تجاه القانون وبالالتزام حياله، وإلى رغبتهم في اتباع القيم الأخلاقية التي يؤمنون بها. ان العنصر الأساسي لقيام مثل هذا المجتمع وديمومته هو استخدام السلطات القانونية لإجراءات مُنصفة.


بروز العدالة المجتمعية
بقلم دنيس مالوني

photo of Dennis Maloney

الصورة بإذن من الكاتب

ماذا لو أنه تمّ اعتماد أسلوب أكثر فعالية وأكثر ارتباطاً بعموم الناس بدلاً من إتباع الطريق المُجرّب والمُعتاد في التعامل مع مُرتكبي الجرم؟ فبدلاً من عملية محاكمة طويلة، تؤدي إلى براءة مُرتكب العمل أو الحكم عليه، يُمكن للمجتمع أن يعمل مع، ومن خلال، هيئة خاصة يتم إنشاؤها للتوسط بين المُجرم وضحيته. يُبيّن دنيس مالوني، مدير منظمة "العدالة المجتمعية"، وهي منظمة حكومية محليّة تعمل عن كثب مع هيئات غير حكومية للتشديد على الوقاية من الجريمة والتعاون في مُكافحتها، يبيّن ان نظام "العدالة المجتمعية" يعمل بنجاح في مقاطعة ديشوتس في ولاية أوريغون.

لندرس الحالة التالية: بعد العمل حتى ساعة متأخرة في إحدى الليالي، تستقل آخر حافلة متوجهة نحو مكان سكناك. وبعد مُغادرة الحافلة في مكان توقفك المُعتاد، تبدأ السير باتجاه منزلك. لدى اقترابك من منزلك، تُلاحظ وضعاً مُقلقاً. تسمع صراخ مجموعة من الأطفال الذين يحيطون بامرأة مُلقاة على الرصيف. وعندما تُسرع إلى موقع الحدث، تُلاحظ ما يبدو أنه رجل ينسلّ تحت الظلال باتجاه أحد الأزقة. ماذا تفعل؟

طُرح هذا السؤال على آلاف المواطنين في عشرات من الولايات المتحدة الأميركية. وكان الجواب مُماثلاً. أولاً، تهتم بالمرأة المُصابة، وتتفحّص وضعها وتُحدّد طبيعة الإصابة. ثانياً، تُعاين حالة الأطفال لمعرفة ما إذا كانوا هم قد أُصيبوا أيضاً. ثالثاً، تطلب من جار لك استدعاء سيارة إسعاف والاتصال بالشرطة لمُلاحقة المُجرم وتوقيفه. إن هذا التسلسل: الاهتمام بضحية العمل الإجرامي، وتفحّص الوضع الاجتماعي المحيط، ثم التعامل مع مُرتكب الجريمة، يبدو كأنه نمط السلوك المُتّبع عند مواجهة عمل إجرامي.

عيوب النظام
إذا كان ما ورد أعلاه يُمثّل سلسلة الإجراءات التي تُتّبع لدى وقوع جريمة، لماذا يظهر وكأن نظام العدالة الجنائية في الولايات المتحدة يتبع نمطاً مُعاكساً تماماً لذلك السلوك؟ في الولايات المتحدة تموّل الحكومة تعيين محامٍ للدفاع عن مُرتكب الجرم، وتُؤمِّن له خدمات إرشادية وعلاجية. وحتى عند سجن المجرم تُقدّم له خدمات تعليمية ومهنية. لكن الضحية تُترك لمعالجة الصدمة التي أصابتها بما قد يتاح لها من وسائل. وعليه فقد استنتج الشعب الأميركي أن نظام العدالة الجنائية بات يُركّز اهتماماً أكثر على مُرتكبي الأعمال الجرمية بحيث أصبحنا في الواقع ندافع عن هؤلاء. ويَعتبر كثيرون أننا ندافع عن المجرم على حساب احتياجات الضحية والمجتمع. هذا التناقض الواضح لن يكون مقبولاً، بل ويجب ألاّ يكون مقبولاً.

اعتمد النظام الأميركي على السجن كوسيلة مُفضّلة، وفي حالات عديدة الوسيلة الوحيدة، لمعاقبة المجرمين على أفعالهم. لكن هناك أدلة متزايدة على إمكانية التأثير على المجرم أكثر بالنتائج الناجمة عن تصرفه، وذلك من خلال إشراك المُجنَى عليه في الإجراءات القضائية. كما يُمكن لهذا التوجّه أن يُعمّق شعور المُذنب بمسؤوليته.

علينا في بادئ الأمر أن نُقرّ أن هناك مجالاً واضحاً في السجون لمراقبة المجرمين الخطرين أثناء المداولات التي تسبق المحاكمة، وبعد ذلك لمعاقبة المُذنبين على أعمالهم الوحشية. يحتاج هؤلاء المجرمون إلى سجون آمنة لفترات زمنية طويلة. ولكن علينا أيضاً أن نتذكر ان قدراً كبيراً من الأفعال الإجرامية تلحق الضرر بممتلكات يقوم بها أناس لا ميول ثابتة لديهم نحو العنف. تشمل هذه الأفعال عمليات السرقة، والسطو على المنازل، والتخريب المتعمّد للممتلكات، وإعطاء شيكات دون رصيد. تُشكّل هذه الجرائم نسبة تصل إلى 90 بالمئة من مجموع الجرائم المُرتكبة في الولايات المتحدة. وفي مثل هذه الحالات قد تكون الإفادة أكبر، وهي حتماً أقل كلفة، إذ اعتبرنا مُرتكب الجرم مسؤولاً بصورة مُباشرة تجاه الضحية والمجتمع.

يمكن تحقيق ذلك من خلال السماح للمُجنى عليه بتحديد المستوى المناسب للتعويض، وتقدير ما على المُذنب أداؤه من الخدمات الاجتماعية، وترتيب مقابلته مع الضحية مباشرة، بمساعدة وسيط مدرّب، للتعبير عما أصاب الأخير من أذى نتيجة الجرم المُرتكب.

والواقع، إذا قام نظام العدالة الجنائية بتخصيص أمكنة معينة في السجون للمجرمين الخطرين الذين يعتدون على أشخاص، وللمجرمين المزمنين الذين لا يمكن ردعهم ممن يعتدون على الممتلكات، فيمكن الاستفادة من اقتصاد النفقات الحاصل لتوفير خدمات علاجية واسعة تحتاج لها الضحايا. كما يمكننا تمويل تنفيذ استراتيجيات قابلة للاستمرار لمنع الجرائم لتمثل الطريق الأمثل لمنع إيذاء الضحايا.

يقودنا ذلك إلى عنصر ثالث في نظام العدالة الجنائية في الولايات المتحدة: الوقاية من الجريمة. لدينا نظام يتضمن أشمل المعلومات المتوفرة حول أماكن، وأوقات، ووتيرة تكرار، وأنماط النشاط الإجرامي. مع ذلك، إذا نظرنا إلى الموارد المخصصة للوقاية من الجريمة، نجد أن هناك مجالاً واسعاً للتحسين. كما أن النظام، لا يوجّه تقليدياً وإلى حد كبير، ما يُذكر من الاهتمام لضحايا الأعمال الإجرامية، فانه كذلك لا يوجّه ما يذكر من الاهتمام لمناقشة جدية لموضوع الوقاية من الجريمة يُراقب النظام مبدئياً، تحركات مُرتكبي الأعمال الإجرامية، ويلجأ غالباً إلى استجوابات مكلفة للغاية. ويشعر البعض بقصر نظر هذا الأسلوب.

العدالة المجتمعية
في مقاطعة ديشوتس في ولاية أوريغون، كما في عدد محدود من المقاطعات القضائية الأخرى عبر الولايات المتحدة، اجتمعت مجموعة من الموظفين القضائيين مع مسؤولين منتخبين محلياً ومع ممثلين تشريعيين ومواطنين عاديين للتركيز على عيوب النظام، والأهم، لبناء نظام أفضل للعدالة الجنائية، وهو النظام الذي أطلقنا عليه اسم نظام "العدالة المجتمعية".

ضمن إطار عمل نظام "العدالة المجتمعية" يُعتبر أن "الزبون الأهم" للنظام القضائي هو الضحية، ويُحاسب المرتكبون بأساليب بناءة ذات معنى، وتوضع جهود الوقاية من الجريمة في مُقدمة الأولويات. إن مشاركة المواطنين في تلبية احتياجات الضحية، وتحديد الأولويات، والتوسّط في شؤون تحديد التعويضات، ومشاريع الإشراف على الخدمات الاجتماعية هي، أمور مركزية في تطبيق نظام العدالة المجتمعية. ويؤكد المسؤولون عن نظام العدالة بأن هذا التحوّل يمكن أن يحدث مع بقائهم ثابتين تجاه مُتطلبات وجوب مُراعاة الإجراءات القانونية المُتّبعة.

اتخذت مُقاطعة ديشوتس عدة خطوات للتأكيد على جديتها بشأن نظريتها الجديدة في ما خص نظام العدالة. في أعقاب سلسلة من الاجتماعات التي عقدها القاضي ستيفن تيكتين بالنسبة للحاجة إلى نظام عدالة محلّي لتعزيز الخدمات المقدمة إلى الضحايا والوقاية من الجريمة، أصدرت المقاطعة قراراً رسمياً بالتجاوب مع ما أبدته قيادة هذه المجموعة. حفز هذا القرار بدوره القيام بسلسلة من الأعمال التي حولّت النظام بسرعة نحو نموذج من العدالة المجتمعية.

ندرج فيما يلي أمثلة عن الأفكار التي تم تطبيقها منذ تبني هذا القرار:

* تقديم خدمات أفضل للضحايا - أعدّ مكتب المدعي العام لمقاطعة ديشوتس قائمة كاملة للخدمات الواجب تقديمها للضحايا. يهتم المكتب باحتياجات الضحايا من وقت الإبلاغ عن الجريمة حتى تسديد القسط الأخير من التعويض المقرر. صُمّم برنامج مُساعدة الضحية وفق نمط رموز "الحالات الطارئة" المُتبع في مستشفيات الولايات المتحدة. فتُعتبر الجرائم الواقعة على أشخاص من فئة "الرمز الأزرق"، الذي يؤمن له البرنامج متطوعا مساعدا إلى جانب الضحية خلال دقائق من استلام نداء الاستغاثة. تتم الاستجابة إلى الجرائم الأقل أهمية خلال ساعات ويتم الاتصال بالضحايا الذين عانوا من جرائم ثانوية خلال بضعة أيام بعد استلام النداء. يحصل الضحايا أيضاً على خدمات أخرى مثل الاستشارة الطبية بشأن تأثير الصدمة، وتأمين المسكن المؤقت، إذا لزم الأمر، وتقديم المعلومات والمساعدة القانونية في تثبيت الخسائر. والرسالة واضحة إلى ضحايا العمال الإجرامية، وهي: "أنتم أعضاء شرفاء في مجتمعنا؛ لقد أسيء إليكم، ومهمتنا هي القيام بكل ما يمكننا عمله للتأكد من حصولكم على التعويض بالحد الأقصى الممكن. سوف نقف بجانبكم إلى ان تستعيدوا الشعور بالأمان."

عمدت محكمة مقاطعة ديشوتس إلى الإسراع في وضع نطاق كامل من الفرص للضحايا كي يتم إشراكهم بصورة مباشرة في العملية القضائية. جعلت المحكمة في مقدمة الأولويات توفير خدمات التوسط بين الضحية ومُرتكب الجرم. وفق هذا الأسلوب تستطيع الضحية الاختيار بين مقابلة المُذنب وجهاً لوجه لشرح النتائج المادية لما أصابه وبين ضرورة حصوله على تعويض عن خسائره المالية، ولتحديد متطلبات الخدمات الاجتماعية الملائمة. تنسق دائرة العدالة المجتمعية، التي شُكلت مؤخراً، تنظيم البرنامج الذي سوف يقدّم إلى المحكمة. كانت النتائج الأولى لهذا الأسلوب مُشجعة للغاية. يُعبّر الضحايا عن مستوى من الرضا تجاه هذا التوسط يفوق بكثير مستوى رضاهم تجاه الإجراءات القضائية التقليدية. كما أن العمل بالاتفاقات التي يتم التوصل إليها يستمر لمدة أطول من تلك التي تنص عليها الإجراءات التقليدية التي تعتمدها دوائر مراقبة المحكوم عليهم. يُسدد المدانون مبالغ التعويض بنسبة عالية جداً تصل إلى 90 بالمئة بالمقارنة مع نسبة ما يُسدده المدانون الموضوعون قيد المراقبة على المستوى القومي، والتي لا تتجاوز 33 بالمئة فقط.

تقوم دائرة العدالة المجتمعية بتحويل المواقف التي كانت تركّز اهتمامها في السابق على تقديم الاستشارة القانونية إلى المُذنب إلى مواقف تُشدّد على مساندة الضحية وتقديم الاستشارات القانونية له. كان النظام القديم يسأل في كل قضية تُحال إليه حول تنفيذ القانون "ما هي وضعية المُذنب؟ ما هي احتياجاته؟ ما هي الخدمات الضرورية لتغيير سلوكه؟" أما النظام الجديد فيسأل "ما هي وضعية الضحية؟ ما هي درجة الضيق التي يعاني منها؟ وماذا يجب على المُذنب عمله للتعويض عن الخسائر التي سببها للضحية؟"

تستمر الدائرة في مراقبة سلوك المُذنب والإشراف عليه. ولكن السياق الأولي للإشراف يتعلق بمسؤولية المُذنب في التعويض عن الخسائر التي لحقت بالضحية والتسديد الفعلي لمبلغ هذا التعويض. ان محاسبة المُذنب عما اقترفه من أعمال، وليس تقديم الاستشارة القانونية له، هي أعلى الأولويات في عملية مراقبة المُذنب.

* التعامل مع المعتدين على الأملاك بشكل خلاّق أكثر - وحَّد مجتمع الشركات التجارية في مقاطعة ديشوتس قواه مع دائرة العدالة المجتمعية لتشكيل ما أصبح يعرف بمجلس المحاسبة عن أضرار التجار. لقد تمّ تشكيل هذا المجلس لأسباب عدة:

  1. ان سرقة مخازن البيع بالمفرق، وإعطاء شيكات بدون رصيد، تشكّلان خسارة ضخمة لتجار المنطقة، وفي بعض الحالات تهددان استمرارية عمل الشركات التجارية الصغيرة.
  2. وصل مكتب المدعي العام للمقاطعة إلى نقطة أصبح عندها عاجزاً تقريباً عن الإنفاق على سيل القضايا المرفوعة إليه نظراً لأن كل قضية تكلّف ما بين 600 و900 دولار من الأموال المخصصة من ميزانية الدائرة لتسديد رسوم المحاماة والنفقات الأخرى للموظفين. واستمرت هذه الكلفة على نفس هذا المعدل بغض النظر عما إذا كانت السرقة تتعلق بكمية كبيرة أو صغيرة من المال.
  3. لا يستطيع التجار، رغم تأييدهم لبرنامج التوسط بين المُذنب والضحية في المقاطعة، تخصيص الوقت الكافي لمتابعة عملية التوسط في كل قضية.

ونتيجة لهذه الظروف وضع التجار سوية برنامجاً يقوم بموجبه أحد التجار بمهمة وكيل الضحية في عشر قضايا أو أكثر، وتحديد المستوى الملائم للتعويض عن الأضرار. بموجب هذه الطريقة تجري معالجة القضية دون ضرورة اللجوء إلى مقاضاة مكلفة ويحصل التاجر، الضحية، على فرصة للفت نظر سارقي المعروضات وصغار اللصوص إلى تأثير أعمالهم على شركة تجارية عائلية، كما يتسلّم التجار التعويضات بسرعة أكبر وبمعدل أعلى من اللجوء إلى دعاوى قضائية تقليدية.

* بناء مجتمعات أكثر قابلية للحياة - ان أحد التغييرات البارزة التي حدثت بالنسبة للالتزام بنظام العدالة المجتمعية هو أن ظهور الأحكام التي تفرض القيام بخدمات للمجتمع شكلّت مورداً لبناء مجتمعات أكثر قابلية للحياة. جرى تطبيق نظام العمل لخدمة المجتمع تقليدياً بصورة أولية كإجراء عقابي ضد المُذنبين. ففي مقاطعة ديشوتس، وفق مفهوم فلسفة العدالة المجتمعية يُنظر إلى العمل لخدمة المجتمع كوسيلة لتعويض الضحايا والمجتمع عن الأضرار التي لحقت بهم. في هذا السياق عملت الدائرة بنشاط مع هيئات اجتماعية لا تبغي الربح على دراسة مجموعة من المشاريع المبتكرة. تشمل هذه المشاريع:

  1. المشاركة مع نادي الروتاري المحلي للمساعدة في بناء مركز للأطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة.
  2. توحيد القوى مع هيئة محلية تهتم بمكافحة الفقر بغية المساعدة في جمع الأموال اللازمة لبناء مأوى سكني مؤقت يضم 70 وحدة سكنية.
  3. العمل على إنشاء حديقة عامة لأفراد المجتمع تكريماً لذكرى مُربٍ سابق في المجتمع.
  4. تطوير علاقة رسمية مع مؤسسة "السكن للإنسانية،" حيث قام المُذنبون ببناء مساكن تحت رعاية هذه المؤسسة.

وفق هذا الأسلوب، يجني المجتمع فوائد ملموسة من دائرة العدل ويبدأ المُذنبون بإقامة روابط مع المجتمع، وبذلك يخفّضون احتمالات قيامهم بالتخريب المُتعمّد. لقد أظهر المجتمع تأييداً عارماً لهذا الأسلوب.

* إستراتيجيات المنع - قد تكون هذه المسألة قد حفّزت الأفكار الأكثر إبداعاً في المقاطعة. في تحليلها لنظام إصلاح الأحداث الجانحين في الولاية، وجدت المقاطعة أن ولاية أوريغون أوجدت بصورة غير متعمدة حافزاً للمقاطعات الأخرى لاستعمال مرافق إصلاح الأحداث الجانحين التابعة للولاية. لا تدفع المقاطعات في ولاية أوريغون أي رسم مقابل استعمال المؤسسات التابعة للولاية، ولذلك يتوفّر بصورة أساسية، للمقاطعات خيار حجز الأحداث الجانحين المزعجين، وغير الخطرين بالضرورة، في إصلاحيات الأحداث الجانحين التابعة للولاية. ومن غير المُستغرب وجود، أو احتمال وجود، ضغط دائم لتوسيع المؤسسات الإصلاحية لاستيعاب المُذنبين من الأحداث في المقاطعات. وفي حين أن هذا الضغط يبدو ظاهرياً على أنه مفيد من الوجهة المالية لحكومات المقاطعات، فإنه لا يؤدي إلا إلى زيادة أعداد المقيمين في السجون ونفقات خدمتهم، وبالتالي لا تهُدد الخدمات الأخرى الأساسية التي تقدمها الولاية، كالتعليم مثلاً.

توصلت مقاطعة ديشوتس ودائرة شباب أوريغون إلى طريقة لعكس هذا الاتجاه. عرضت المقاطعة التحول إلى قاعدة تمويلية تعتمد على مجموعة هبات بحيث تستطيع المقاطعة إدارة الأحداث الجانحين غير الخطرين في الإصلاحيات المحلية التابعة لها الذين لولا ذلك لكانوا وضعوا في مؤسسات تابعة للولاية. تُسدد تكاليف تنفيذ البرامج الملحية من أموال تُسحب من مجموعة الهبات، مع الاتفاق على إمكانية إعادة استثمار المبالغ التي تُقتصد في تنفيذ استراتيجيات الوقاية من الجريمة. من المحتمل أن تكون المبالغ المقتصدة كبيرة تصل إلى عدة مئات الآلاف من الدولارات سنوياً. تُدير هذه الأموال لجنة المواطنين لرعاية شؤون الأطفال والعائلات. يُدخل هؤلاء المواطنون نظرة تجارية قوية إلى البرنامج ويميزون بوضوح بين النفقات والاستثمارات. حصل هذا الأسلوب المبتكر على تأييد الهيئة التشريعية في الولاية كما على دعم حاكم الولاية جون أي. كيتزهاير.

في حال نجح هذا البرنامج وانتشر تطبيقه في ولايات أخرى، سوف تكسب ولاية أوريغون من وجهتين. يمكن على الأقل تقييد عدد المقيمين الحاليين في السجون ويمكن إعادة استثمار المبالغ التي خصصت لتسديد النفقات الباهظة لإدارة السجون في تنفيذ استراتيجيات منع الجريمة في المجتمع.

هذه مجرد أمثلة قليلة عن الجهود المبذولة منذ إطلاق مبادرة العدالة المجتمعية. ومع الإشراك الأوسع للمواطنين والضحايا، تتوفر طاقة خلاقة لا حد لها لتحويل نظام العدالة الجنائية إلى نظام العدالة المجتمعية.

يُلبي نظام العدالة المجتمعية بوضوح احتياجات الضحايا أولاً، ويقدم حلولاً خلاّقة لمحاسبة المُذنبين غير العنيفين، ويُبرز مسالة منع الجريمة كمظهر مهم للنشاطات اليومية لنظام العدالة الجنائية. إن جوهر هذه السياسة هو اشتراك المواطنين في كافة أوجه النظام الجنائي. يخدم اشتراك المواطنين في توسيع الشعور بالمسؤولية تجاه تأمين مجتمعات أكثر أماناً إلى مدى أبعد بكثير مما يؤمنه العاملون في نظام العدالة. وبقيام هذا الشعور الجديد بأنهم يعملون لما فيه خيرهم، والمسؤولية، يقدم المواطنون عن طيبة خاطر الطاقة والموارد التي لم تكن تتوفر أبداً في السابق من خلال وسائل تستند على النظام الضريبي. يبدو المستقبل الآن أكثر إشراقاً وأكثر أماناً لتلك الهيئات التي تسعى إلى تطبيق نظام العدالة المجتمعية، بعد أن أصبح مُتسلحاً بفلسفة جديدة ومجهزاً بقيادات وموارد من المواطنين.


قرار إنشاء نظام العدالة المجتمعية
القرار رقم 96-122

  1. حيث ان المواطنين في مقاطعة ديشوتس يحق لهم التمتع بأعلى مستوى من السلامة العامة،

  2. وحيث ان المعدلات المتزايدة للجرائم التي يرتكبها الأحداث والبالغون تشكل تهديداً لحياة المواطنين وشعورهم بالأمان،

  3. وحيث أن استراتيجية شاملة لخفض معدل الجريمة تتطلب تشديداً متوازياً على جهود الوقاية من الجريمة والتدخل المبكر والإصلاحات الفعالة،

  4. وحيث أن نظام العدالة المجتمعية يتضمن فلسفة تشرك المجتمع في إدارة جميع إستراتيجيات الوقاية من الجريمة وخفض معدل الجريمة.

لذلك، صادق مجلس المندوبين لمقاطعة ديشوتس على نظام العدالة المجتمعية ليكون المهمة المركزية والهدف المركزي لجهود المقاطعة الإصلاحية. علاوة على ذلك، تنشئ المقاطعة بهذا القرار دائرة العدالة المجتمعية للحلول محل دائرة الإصلاحيات المجتمعة.
لقد تمّ القرار بأن تعمل دائرة العدالة المجتمعية بالاشتراك مع جميع مواطني المقاطعة لتنفيذ مبادرات فعالة للوقاية من الجريمة وضبطها وخفض معدلاتها.
كما تمّ القرار أيضاً بأن على المقاطعة أن تنشئ مركزاً للعدالة المجتمعية بغية توفير التسهيلات والبرامج لتعويض ضحايا الجريمة عما يصيبهم من أضرار، ومحاسبة المُذنبين وتمكينهم من اكتساب الكفاءات التي تؤهلهم ليصبحوا مواطنين مسؤولين ومنتجين، ولتمكين المجتمع من الإفادة من مركز تنظيمي لجهود مكافحة نطاق واسع من الجرائم.
صدر بتاريخ 25 أيلول/سبتمبر 1996 من قبل مجلس المندوبين لمقاطعة ديشوتس.


شبان سكوتسبورو والحقوق الأساسية
بقلم ديفيد بيتس

يصادف هذا العام الذكرى السبعين لمحاكمة أسرَت مخيلة الأمة لأكثر من عقدين من الزمن. فقد أصبحت دعوى "شبان سكوتسبورو" المرفوعة ضد ولاية ألاباما دعوى شهيرة أثارت اهتمام الرأي العام، وكانت بشيرا رئيسيا بنشوء حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة وأدت إلى صدور حكمين من قبل المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية شكّلا مَعلمين قضائيين مما عزّز الحقوق المدنية الأساسية لكافة الأميركيين. كانت القضية أيضاً بمثابة تذكير منبّه بأن الحقوق المدونة في الدساتير المكتوبة نادراً ما تكون حقائق فورية، بل هي تتطور مع مرور الزمن في ضوء تفسير المحاكم للقوانين والمراجعة القضائية. يبحث المحرر المشارك ديفيد بيتس في المقالة التالية أهمية حكمي المحكمة العليا. كما زار مدينة سكوتسبورو للتحدث مع رئيس البلدية فيها وسؤاله كيف تغيرت مدينته منذ أن أُجريت أولى المحاكمات فيها عام 1931.

في آذار/مارس أُدخل السجن تسعة من الشبان السود تتراوح أعمارهم بين 13 و21 سنة كانوا يركبون عربة شحن مكشوفة من قطار يجتاز المناطق الريفية في ولاية ألاباما، وأحيلوا إلى المحاكمة بتهمة اغتصاب فتاتين من البيض، هما روبي بيتس وفكتوريا برايس، كانتا أيضاً من ركاب القطار نفسه. كان موقع الحدث مدينة سكوتسبورو، التي كانت حتى ذلك التاريخ مدينة مغمورة أعطت لاحقاً أسمها لإحدى أشهر قضايا الحقوق المدنية في التاريخ الأميركي، وهي قضية تناولت مسائل تمييز عنصري، وأفكارا نمطية مشوهة، ومحرمات جنسية، جرت أحداثها في قلب الجنوب الأميركي الذي كان يطبق في ذلك الوقت سياسة التمييز العنصري تطبيقاً صارماً. حُكم بسرعة على ثمانية من الشبان التسعة بالإعدام، واستثني التاسع، وهو روي رايت، من عقوبة الإعدام لأنه كان في الثالثة عشرة من عمره آنذاك.

photo of The Scottsboro courthouse today

مبنى المحكمة الذي عُقدت فيه أولى جلسات المحاكمة في وسط المدينة اليوم - الصورة بإذن من الكاتب

لا زال مبنى المحكمة الذي عُقدت فيه أولى جلسات المحاكمة قائماً في وسط المدينة، رغم مُسارعة أحد المقيمين فيها إلى تذكير أحد الزائرين بأن الجلسات اللاحقة عُقدت في مدينة أخرى من مدن ولاية ألاباما. لم يكن لدى معظم الأشخاص الذين تم سؤالهم عن الدعوى سوى معرفة بسيطة بما حدث هناك قبل سبعة عقود. قال أحد الكهول، "كنت صغيراً عند بدء المُحاكمات. وبالكاد أتذكر والديّ يتحدثان عنها. ولم أُدرك حتى وقت لاحق أن حدثاً هاماً حصل هنا في هذه المدينة، ولكني لم أدرك ذلك إلاّ بعد أن أصبحت مسألة الحقوق المدنية موضوعاً بارزاً."

أهمية القضية
ان قصة شبان سكوتسبورو مُهمة ليس فقط في تاريخ الحقوق المدنية، بل أيضاً في تطور القانون الدستوري، لأن هذه القضية بالذات هي التي أدّت إلى صدور تفسير أوسع نطاقاً لمضمون التعديل الرابع عشر الذي يضمن "الحماية المتساوية أمام القانون" و"أصول الإجراءات القانونية المرعية". ووسعت هذه القضية أيضاً نطاق ضمانات التعديل السادس الذي ينص على حق المتهم "بالحصول على مساعدة محام". وبالتحديد نتج عن القضية صدور حكم يضمن حصول كافة الأميركيين على مساعدة محامٍ مناسب في كافة المحاكمات الجنائية أكانت على مستوى الولاية أو على المستوى الفدرالي؛ وينص على عدم جواز استثناء أي جنس أو فئة إثنية من هيئة المحلّفين.

يتضمن التعديل السادس للدستور الأميركي حقوقاً مختلفة تهدف إلى ضمان حصول المتهمين في قضايا جنائية على محاكمات مُنصفة. ومن أهم هذه الحقوق الأساسية هو حق المُتهم في أن يمثله محام. لكن خلال معظم سنوات تاريخ البلاد، كان حق الحصول على مساعدة محام محدداً بالذين يستطيعون دفع أتعابه، وبالمتهمين بارتكاب جرائم خاضعة لصلاحية المحاكم الفدرالية. لقد تغيّر كل ذلك في قضية شبان سكوتسوبورو الذين اتهموا بانتهاك قانون الولاية، لا القانون الفدرالي، وكانوا على درجة من الفقر بالكاد تمكّنهم من إعالة أنفسهم ناهيك عن دفع أتعاب محامٍ يمثلهم. في نهاية المطاف، وفّرت المحكمة للمتهمين محاميين للدفاع عنهم، ولكن هذين لم يكونا يتمتعان بما يكفي من مؤهلات للقيام بمهمتهما. فقد كان أحدهما محاميا متخصصاً بالشؤون العقارية من ولاية تنيسي، وكان يأتي إلى قاعة المحكمة مخموراً تماماً. أما الآخر فكان محاميا محلياً لم يترافع في أي قضية طوال عقود من الزمن.

الحكم الأول للمحكمة العليا الذي شكَّل مَعلماً قانونياً
الحكم الذي شكّل مَعلماً قانونياً في قضية سكوتسبورو هو الحكم في قضية "باول ضد ولاية ألاباما" (1932) الذي سمّي نسبة إلى أحد المتهمين التسعة. وفيه أعلنت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية وجوب تأمين محامٍ مناسب للدفاع عن متهمين فقراء يواجهون عقوبة الإعدام. استندت المحكمة في قرارها بدرجة كبيرة إلى مبدأ "أصول الإجراءات القانونية المرعية" الذي تضمّنه التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي. وتبريرا لقرارها بنقض أحكام الإعدام التي صدرت بحق المتهمين، قضت غالبية قضاة المحكمة بأن الدفاع عن شبان سكوتسبورو كان، على أقل تقدير، غير واف. وجاء في حيثيات حكم المحكمة العليا أن وجود محامٍ أمر "أساسي" وفق مبدأ مراعاة الإجراءات القانونية المتبعة في حالات خطيرة كهذه أكان ذلك في محكمة ولاية أو محكمة فدرالية.

قال دونالد لايفلي في كتابه "قرارات المحكمة العليا التي أصبحت مَعالم قانونية،" إن المحكمة العليا قضت بأن تعقيدات المحاكمات الجنائية تتطلب حق وجود محامٍ للدفاع. رغم أن قرار المحكمة في دعوى باول على ولاية ألاباما كان قراراً محدوداً، نظراً لأنه ينطبق فقط على جرائم يعاقب عليها بالإعدام، يؤكد خبراء القانون الدستوري بأنه أثّر على القانون الأميركي بما أنه تمّ للمرة الأولى تأكيد حق الاستعانة بمحامٍ في المحاكمات التي تجري على مستوى الولايات كما هو الأمر في المحاكمات على المستوى الفدرالي.

علاوة على ذلك، وكما يشرح معجم القانون الدستوري الأميركي، فإن "قرار المحكمة ربط البند المتعلق بحق الاستعانة بمحامٍ المنصوص عليه في التعديل السادس، ربطه بالولايات بواسطة البند الخاص بمراعاة الإجراءات القانونية المتبعة النابع من التعديل الرابع عشر، مع أنه كان يتعلق فقط (في ذلك التاريخ) بالجرائم التي يُعاقَب عليها بالإعدام، وفي مرحلة المحاكمة فقط. وقد شدّد ستيف غيلبرت ومورين هاريسون في كتابهما، "قرارات للمحكمة العليا الأميركية شكلت معالم قانونية" على أهمية هذا الحكم أيضاً، إذ جاء في الكتاب: "منذ البدء أكدّت دساتير وقوانين ولاياتنا، كما دستور وقوانين بلادنا، على توفير إجراءات وقائية أساسية بهدف تأمين إجراء محاكمات منصفة أمام محاكم غير متحيزة، يقف فيها كل مُتهم متساوياً مع غيره أمام القانون."

الحكم الثاني للمحكمة العليا الذي شكّل مَعلماً قانونياً
رفضت ولاية ألاباما التسليم بحكم المحكمة العليا الأميركية، وأعادت محاكمة شبان سكوتسبورو رغم أن الأطباء الذين كشفوا على الفتاتين شهدوا بعدم حدوث اغتصاب، ورغم أن روبي بيتس أنكرت أقوالها الأولى قبل شهر واحد من بدء جلسات المحاكمة الجديدة. أصدرت محكمة الولاية مجدداً حكماً بإعدام اثنين من المتهمين هما هايوود باترسون وكلارينس نوريس. سجّلت المحكمة العليا الأميركية المَعلم القانوني الثاني في قرارها حول قضية "نوريس ضد ولاية ألاباما" (1935) الذي نقضت فيه قراري حكم الإعدام. وكان السبب الذي اعتمدته هذه المرة قيام ولاية ألاباما بمنع الأميركيين المتحدرين من أصل أفريقي من عضوية هيئة المحلّفين. وقد ورد في قرار المحكمة الذي صدر بالإجماع تعبير "الاستثناء الصارم والجماعي" للسود من هيئات المحلّفين، ووصف فكرة عدم أهلية الأميركيين المتحدرين من أصل أفريقي للخدمة في هيئات المحلّفين، والذي كان يدّعيها البعض، بأنها "افتراض يتسم بالعنف".

في تعليقه على معنى الحكم في قضية نوريس، يقول دليل أكسفورد لقرارات محكمة العدل العليا إن المحكمة اعتبرت "أن الاستثناء المنهجي للأميركيين المتحدّرين من أصل أفريقي من الخدمة في هيئات المحلّفين الكبرى، وهيئات المحلّفين في المحاكمات، يَحرم المتهمين من الأميركيين المتحدرين من أصل أفريقي في محاكم الولاية (ألاباما) من حق المساواة أمام القانون الذي كفله التعديل الرابع عشر" وبالفعل فقد حُرم المتهمان من محاكمة منصفة من قبل هيئة محلفين غير منحازة، كما كتب جيمس غودمان في كتابه قصص سكوتسبورو الذي حقق انتشاراً واسعاً، مُضيفاً، أن "المحكمة العليا الأميركية وافقت بإجماع الآراء على موقف الدفاع بأن استثناء السود بصورة كيفية ومنهجية من قائمة المحلّفين في ولاية الاباما عمل يخالف منطوق بند كفالة الحماية المتساوية في التعديل الرابع عشر للدستور."

photo of 4 of the 9 Scottsboro boys

أربعة من شبان سكوتسبورو التسعة مع أحد محاميهم سامويل ليبوويتز. من اليمين: أولين مونتغومري، روي رايت، ليبوويتز، أوجين وليامز، وويلي روبرتسون - الصورة بإذن من أسوشيتد برس

رغم قراري المحكمة العليا الأميركية ضد الإدعاء، أصرّت ولاية ألاباما مجدداً على إجراء محاكمات أخرى. وفي وقت لاحق حُكم على خمسة من المتهمين بالسجن لمدد طويلة وخرج آخر المتهمين من السجن عام 1950. أما المتهمون الأربعة الآخرون فقد أُطلق سراحهم. ومع أن المحكمة العليا الأميركية لم تُنقذ خمسة من المتهمين من السجن، فقد ضمنت عدم إعدامهم. من الناحية الدستورية، تعني هذه القضية ان المحكمة العليا الأميركية ألزمت نفسها بحق المتهم في الاستعانة بمحامٍ مناسب، على الأقل في الجرائم التي يُعاقَب عليها بالإعدام. كما أبلغت من يعنيهم الأمر، بأن استثناء مواطنين من الخدمة في هيئة محلفين استناداً إلى اللون لن يكون مقبولاً. وأدى قرار المحكمة العليا الأميركية في قضية نوريس ضد ولاية ألاباما، في عام 1935، في نهاية الأمر، لكن ليس فوراً، إلى إلغاء جميع هيئات المحلّفين المكونة من البيض فقط في كافة الولايات الجنوبية.

قرارات لاحقة للمحكمة العليا الأميركية
بالنسبة لقرار المحكمة العليا في قضية "باول ضد ولاية ألاباما"، فقد عززت أحكام أخرى صدرت عن المحكمة العليا لاحقاً ضمان حق المتهم بالاستعانة بمحامٍ. ففي قضية، جونسون ضد زيربست (1936)، أعلنت أعلى محكمة في البلاد وجوب تأمين محامين لكافة المتهمين بارتكاب جرائم ممن يحاكمون في المحاكم الفدرالية بتهم ارتكاب جنايات. في السابق (منذ عام 1790) كان المتبع هو وجوب تأمين محام فقط للأشخاص المتهمين بجرائم يعاقب عليها بالإعدام لدى محاكمتهم أمام محكمة فدرالية. في الأربعينات من القرن العشرين، وسّعت المحكمة العليا هذا الحق ليشمل المتهمين بارتكاب جنايات في الولاية الذين يواجهون اتهامات أقل خطورة من الاتهامات التي واجهها شبان سكوتسبورو. وأكّدت محاكم عليا في العديد من الولايات على ضرورة تأمين محامٍ للمتهمين، وبالأخص في قضايا الجنايات.

حتى عام 1963 بقيت سبع ولايات لا تزال ترفض وجوب تأمين محامين لجميع المتهمين بارتكاب جنايات لدى محاكمتهم أمام محاكمها. في تلك السنة فرضت المحكمة العليا الأميركية على كافة الولايات الالتزام بقرارها حول تأمين محامٍ للمتهم في قضية جنائية من خلال الحكم الذي أصدرته في قضية جيديون ضد وينرايت (1963)، والذي استندت فيه إلى الحق الذي كفله التعديل السادس للمتهم بالاستعانة بمحامٍ في جميع محاكم الولايات كما في المحاكم الفدرالية في قضايا الجنايات. وأعلن القاضي هيوغو بلاك في نص الحكم: "قد لا يكون حق المتهم بجريمة في الاستعانة بمحامٍ أمراً أساسياً وضرورياً لمحاكمة منصفة في بعض البلدان، ولكنه أساسي وضروري في بلادنا."

شكل هذا القرار تتويجاً لإحدى القصص الأكثر إثارة في تاريخ القانون الدستوري في الولايات المتحدة التي وردت في كتاب "بوق ترامبيت،" (نسبة الى اسم الفائز بالقضية) المنشور عام 1964. يقول لي ابستين وتوماس واكر في كتابهما المرجعي الشهير "القانون الدستوري لأميركا متغيرة،" ان الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا في قضية غيديون قرار في منتهى الأهمية. فقد أمّن "التمثيل القانوني لفئة من المتهمين حُرموا في السابق من حق الحصول على خدمات محامٍ."

وسّعت الأحكام اللاحقة التي أصدرتها المحكمة العليا الأميركية في أواخر الستينات، وبالأخص في أوائل السبعينات، حق الجميع في الاستعانة بمحامٍ الذي أكدته في عام 1963. ففي عام 1972 قضت المحكمة بأن حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ لا ينطبق فقط على المتهمين الذين يحاكمون في محاكم الولايات أو المحاكم الفدرالية بقضايا جنائية، بل وأيضاً على جميع المتهمين الذين من المحتمل أن تصدر بحقهم أحكام بالسجن في حال إدانتهم. لقد اجتازت الدولة طريقاً طويلاً منذ أن وقف تسعة أميركيين متحدرين من أصل أفريقي يرتجفون خوفاً في قاعة محكمة حارّة يعفرها الغبار في ألاباما، ربيع عام 1931، لمحاكمتهم بتهم كان يُمكن أن تؤدي بهم إلى الإعدام.

في قضية شبان سكوتسبورو تدخلت المحكمة الأميركية العليا فحفّزت صدور سلسلة من الأحكام الرئيسية التي عزّزت الحقوق الأساسية لجميع الأميركيين، وأكدت بذلك أن هذه المأساة العرقية المعنّية قد تُصبح أسطورة، ليس فقط في تاريخ الحقوق المدنية، بل وأيضاً في التاريخ الطويل لتطور القضاء الأميركي. إنها قضية أثارت الكثير من الانفعال والجدل في الثلاثينات، ولا زالت أصداؤها تتردد في وقتنا الحاضر لتؤكد مبدأ الحماية المتساوية أمام القانون.
***
حقائق القضية وسكوتسبورو اليوم
في 31 مارس/آذار 1931 صدر قرار اتهامي بحق تسعة أميركيين من أصل أفريقي في سكوتسبورو، الاباما، بجريمة اغتصاب فتاتين من البيض في عربة قطار. قال الأطباء الذين كشفوا على الفتاتين بعد الجريمة المفترضة بأنه لم يحصل أي اغتصاب. رغم هذا الإثبات، تمّت إدانة ثمانية من الشبان التسعة وحُكم عليهم بالإعدام من قبل محكمة الولاية. نقضت المحكمة العليا الأميركية الحكمين الصادرين في قضية باول ضد ولاية الاباما 1931، وقضية نوريس ضد ولاية الاباما 1935، بسبب عدم توفر دفاع كاف للمتهم في القضية الأولى، ولأن السود إستُثنوا من هيئات المحلّفين في القضية الثانية.
رغم ذلك، استمرت المحاكمات اللاحقة في الاباما بين عامي 1935 و1936. أُدين مجدداً أربعة من المتهمين وحكم عليهم بالسجن لفترات طويلة، وأُسقطت التهم عن الخمسة الباقين. وكان آندي راغيت آخر من خرج منهم من السجن عام 1950، حيث قضى 19 عاماً وشهرين و15 يوماً. أما الرئيس المفترض للمجموعة هايوود باترسون قد فر من السجن عام 1948 وتمكّن من الوصول إلى ولاية مشيغان الواقعة في الغرب الأوسط من الولايات المتحدة حيث لا يُمارَس التمييز العنصري بموجب القانون. رفض حاكم ولاية مشيغان تسليم باترسون إلى ولاية الاباما. نشر باترسون كتابه بعنوان شبان سكوتسبورو أثناء هروبه. وتوفي عام 1952 بمرض السرطان في سن التاسعة والثلاثين.
أما أوزي باول وكلارنس نوريس اللذان ذُكرا بالاسم في القرارين، الذين شكّلا مَعلمين قانونيين لأحكام المحكمة العليا الأميركية، فقد أُطلق سراحهما من السجن بشروط عام 1946. وبعد انقضاء ثلاثين عاماً، سعى نوريس للحصول على عفو غير مشروط من حاكم الاباما آنذاك جورج سي. والاس، وكان له ما أراد. كان الحاكم والاس مؤيداً لقوانين التمييز العنصري المطبقة في الولاية، ولكن في السبعينات تم القضاء تماماً على التمييز العنصري المفروض بموجب القانون في الاباما، وسعى الحاكم إلى إصلاح الأخطاء السابقة. في عام 1979 نشر نوريس كتابه حول ما عاناه من العذاب بعنوان آخر شبان سكوتسبورو. وتوفي عام 1989 وكان هو آخر من تبقّى على قيد الحياة من شبان سكوتسبورو.
دافعت عن شبان سكوتسبورو خلال الثلاثينات جماعات ذات آراء متباينة جداً منها الحزب الشيوعي الأميركي، والجمعية القومية لتقدم الأشخاص الملونين، وهي أقدم جمعية قومية للحقوق المدنية. لكن إطلاق سراح معظم المتهمين في نهاية المطاف كان نتيجة عمل لجنة الدفاع في سكوتسبورو، وهي جماعة تضم في عضويتها أميركيين من جميع الألوان. اعتبر المؤرخون المظاهرات والتجمعات التي نُظمت تأييداً لشبان سكوتسبورو بأنها كانت مقدمة مهمة لحركة الحقوق المدنية الحديثة في الولايات المتحدة التي بدأت نشاطها في أوائل الخمسينات. تُعتبر القرارات التي أصدرتها المحكمة العليا الأميركية نتيجة لهذه القضية مَعالم للأحكام التي وسعت بصورة كبيرة الحقوق الأساسية للأميركيين من أصل أفريقي، وبالطبع، لجميع الأميركيين.

لدى دخولك سكوتسبورو اليوم، أي بعد انقضاء سبعة عقود على الحدث، لن تعثر على أي إشارة تدل على نظام التمييز العنصري المتصلب الذي بدا غير قابل للانتهاك في أوائل الثلاثينات. يريد رئيس بلدية المدينة ان يعرف الزائرون ان سكوتسبورو، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 15 ألف نسمة، هي اليوم مكان مختلف تماماً عما كان عليه آنذاك. ويقول "ان مدينتنا خالية من التمييز تماماً الآن؛ ان النسبة الكبرى من سكان مدينتنا لم تكن قد وُلدت عندما جرت المحاكمات الأولى هنا". ويضيف، "ينبغي الحكم على أحداث عام 1931 في إطار الأعراف التي كانت سائدة في ذلك الحين. في عام 1931 كان لا يزال يعيش في هذه المدينة أشخاص يتذكرون شخصياً أحداث الحرب الأهلية". لقد استعادت ولاية الاباما عافيتها الاقتصادية وعافيتها من النواحي الأخرى (بعد الحرب) بوتيرة أبطأ مما فعلت بقية ولايات الجنوب."
وأردف، "من المهم تذكّر ما حصل في هذه المدينة عام 1931، ولكن كان من الممكن حصول نفس هذه الأحداث في مدن أخرى في ذلك الوقت. لقد تغيّرت سكوتسبورو منذ ذلك التاريخ، وكذلك تغيّر جنوب البلاد. ان مدينة سكوتسبورو في يومنا الحاضر مدينة تقدمية في ما يخص الناحية العرقية. ربما لدينا مُعدّل أكبر من العلاقات الحميمة والزيجات بين الأعراق مما هو موجود في مناطق أخرى من ولاية الاباما. لم تعد مدينتنا اليوم مدينة يعيش فيها السود والبيض فقط بل أصبحت مدينة متعددة الأعراق. لدينا نسبة متنامية من الآسيويين والمتحدرين من بلدان أميركا اللاتينية مثلاً. والعلاقات بين الأعراق في سكوتسبورو تُماثل العلاقات الموجودة في المناطق الأخرى من الولايات المتحدة. ان الأمور لم تصل إلى حد الكمال هنا، ولكننا اجتزنا بالفعل شوطاً طويلاً."


المجلات الإلكترونية باللغة العربية | باللغة الإنكليزية