استطلاعات الرأي السياسية: لماذا لا يُمكننا الاستغناء عنهابقلم جون زغبي
| |||||
|---|---|---|---|---|---|
أكسب معيشتي عبر طرح الأسئلة، وها هنا البعض منها: ماذا تعني لنا الاستطلاعات المبكرة التي تجرى قبل عدة أشهر من الانتخابات؟ هل انها تتكهن أو تكون مجرد قراءات للمزاج العام؟ ومع كل الكلام حول الانحباس الحراري العالمي، هل ان الاميركيين (وكل الذين يتابعون الانتخابات الأميركية) أصبحوا ضحية "التلوث الاستطلاعي"، أي الاستطلاعات الزائدة عن اللزوم التي تدور في الحقل العام؟ وهل يمكننا ان نستغني عنها؟ سوف نحاول الإجابة على كل واحد من هذه الأسئلة. ماذا تعني استطلاعات الرأي المُبكرة قبل عدة أشهر من الانتخابات؟ هل أنها تتكهن أو تكون مجرد قراءات للمزاج العام؟ أفضل استعارة يمكنني التفكير فيها حول قيمة الاستطلاعات المُبكرة تتعلق بشخص يحدد هدفاً لنفسه في تخفيف وزنه بحلول تشرين الثاني/نوفمبر. فهل يكون على ذلك الشخص أن يتجنب بكل بساطة الميزان لعدة أشهر أو أن يحاول قياس مدى تقدم هدفه بين فترة وأخرى؟ معظم الذين يحاولون تخفيف وزنهم يشبهون تماماً السياسيين المحترفين أو المولعين بالسياسة، فهم يرغبون بالحصول على المعلومات في كل الأحيان. وبالطبع، فان الشخص الذي يتبع حمية غذائية لا يمكنه التأكد من أن هدفه سوف يتحقق في التاريخ المحدد، لكن التقارير حول تقدّم الوضع التي تُمثلها الاستطلاعات سوف توفّر له الأسباب إمّا لبذل جهود إضافية أو للاحتفال بمدى التقدم ومن ثم تقديم الحلوى. الاستطلاعات المُبكرة يُمكنها أن توفر معطيات وافرة تفوق بكثير مجرد إظهار من هم المرشحون الذين يتقدمون على غيرهم في المنافسة. فما هي القضايا المسيطرة في الساحة السياسية في اللحظة الحاضرة؟ ,هل ستتغير هذه القضايا السائدة أو هل ستدعو الحاجة إلى التعامل معها نفسها؟ تُبيّن الاستطلاعات المُبكرة أيضاً المزاج العام للناس. فهل هم راضون عن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد، أو وطبعاً للسؤال الذي نطرحه نحن المستطلعون عليهم: "هل الأمور سائرة في المسار الخاطئ؟" إن كل هذه الأمور تُشكِّل قراءات هامة، والاستطلاعات لا تقوم بأكثر من إضافة العلم إلى ما يراه المرشحون وما يشعر به مجموع الناس، كالرضا والاكتفاء، أو الاستياء، أو الغضب، أو الإحباط، أو الثقة، أو حتى اليأس. من المهم الإدراك بأننا نحن الذين نعمل في استطلاعات الرأي نحاول سبر أغوار أكثر من المشاعر الأحادية الأبعاد للناس، أو الأفكار العابرة حول أمور قد لا يفهمها الناخبون أنفسهم. فالاستطلاعات الجيدة تحاول تحديد القيم التي يؤمن بها الناخبون حول قضايا معينة. فالقيم ليست عابرة. بل تكون متأصلة وحتى مقدسة. كما انه في كثير من الأحيان يمكن للناس أن يواجهوا شعوراً بالتناقض حول قيمهم الذاتية. فنفس الناخب قد يشعر بأن الحرب في العراق تسوء لانها تتسبب بالقتل والدمار غير المبرر، ولكن يمكنه في نفس الوقت أن يهتم بنفس القدر بأن شرف وسلامة أميركا هما على المحك. وتُلقى على عاتق المرشحين ومساعديهم المحترفين مهمة صياغة الرموز والرسائل اللازمة لإقناع الناخبين بعدم الانجراف وراء نزاعاتهم الداخلية. وهذا هو السبب بأن الاستطلاعات تكون ذات قيمة للمساعدة في تحديد الرسالة الفضلى الواجب إبلاغها والموضوع الواجب التأكيد عليه في الحملة الانتخابية.
وفي نفس هذا السياق، فقد علمتني تجارب ثلاثة عقود من ممارساتي في أخذ الاستطلاعات ان أهمية رأي الأكثريات يمكن أن تكون في أحيان كثيرة أقل وقعاً من مدى عمق شعور الناس حول قضايا أساسية معينة. دعونا نتفحص لبرهة القضايا الأهم حالياً في الحملة الرئاسية للعام 2008. إننا نجد أن المركز الأول الطاغي على كل ما عداه هو الحرب في العراق. فتقريباً ثلاثة من كل خمسة ناخبين يضعون الحرب في طليعة القضايا التي تقلقهم. وفي حين أن معارضة الحرب جاءت في العام 2004 بأكثرها من جانب الديمقراطيين (اكثر من 80 بالمئة)، إضافة إلى كثرة من المستقلين (أكثر من 60 بالمئة)، فإن مناصرة الحرب لدى الجمهوريين كانت عميقة بنفس قدر عمق معارضة الديمقراطيين لها حينذاك. وهكذا، فقد وجد الرئيس بوش ان حرب العراق لم تؤثر على وضعه كثيراً من حيث أنه ربطها بالحرب على الإرهاب، وهو شأن رأى معظم الناخبين بأن بوش هو أفضل قدرة على التعامل معه من منافسه الديمقراطي، السناتور جون كيري. ولكن بحلول العام 2005، فإن الدعم لدى الجمهوريين المحافظين للحرب لم يتراجع إلى حدٍ ما فحسب، بل برزت أيضاً أقلية صلبة من الجمهوريين الليبراليين والمعتدلين لتعارض الرئيس. أما مسألة الحرب على الإرهاب فتقع في المرتبة الثانية من حيث الأهمية، وتوفر لنا نظرة مفيدة على دينامية الرأي العام. فعندما أُعيد انتخاب بوش في العام 2004، كان يُعتبر الأفضل بسبب كونه المرشح الأقدر على التعامل مع مسألة الحرب على الإرهاب، وقد نال نسبة 67 بالمئة من الآراء حول هذه المسألة مقارنة مع 24 بالمئة لكيري. لكن بحلول العام 2005، أصبح الديمقراطيين متساوين مع الجمهوريين تقريباً في أعين عامة الناس بما يعود لقدرتهم في محاربة الإرهاب. وفي الحين الذي نتقدم فيه نحو العام 2008، فان الديمقراطيين غير جاهزين لكي يستطيعوا النجاح ضد الجمهوريين في هذا السياق، لأن الناخبين ليست لديهم حدة عالية من الدعم للديمقراطيين حول محاربة الإرهاب كي يتمكنوا من تحقيق النصر. أو على الأقل ليس لديهم ذلك حتى الآن. في الدورات الانتخابية القليلة الأخيرة، كانت المسائل الأكثر حدة تدور حول "الله، والأسلحة النارية، والمثليين". لكن الجمهوريين يمكن أن يكونوا قد بدأوا بخسارة تفوقهم في هذا السياق لأن الناخبين أصبحوا يتحولون إلى قضايا أخرى، مثل العراق والعناية الصحية، والتي تُثير لديهم مشاعر في عدم الأمان، والغضب، والإحباط. أما ردات الفعل حول هذه المسائل فإنها تثير انفعالات حادة جداً. وما يبشر بأن يصبح مسألة ساخنة أيضاً في العام 2008، هو الهجرة إلى البلاد. يعارض الأميركيون الهجرة غير القانونية، لكنهم يعتقدون انه من المنصف فتح مسار للحصول على الجنسية لمن هم داخل الولايات المتحدة. إنهم يرغبون في تحقيق سيطرة أكبر على الحدود، لكنهم يعارضون إنفاق مئات الملايين من الدولارات على بناء سياج بين الولايات المتحدة والمكسيك. ولكن، كما هي الحال مع حرب العراق، فان هذه المسألة لم تؤثر فيها نسبة الأكثريات التي تناصرها أو تعارضها بنفس القدر الذي أثّر فيها عمق الدعم أو المعارضة لها من جانب عدد صغير نسبياً من الناخبين. أما الجمهوريون فإنهم يواجهون وضعاً صعباً مرة أخرى في مواجهتهم لهذه المسألة. المرشحون الجمهوريون للرئاسة والكونغرس عالقون بين أعلى وأكثر الأصوات محافظة، أي الأصوات التي تعارض أية جهود لتشريع وضع الناس الموجودين في البلاد بشكل غير قانوني والعدد المتزايد من أصوات الناخبين الذين يتحدرون من أصل لاتيني المستائين من بناء جدار فاصل على الحدود الجنوبية. لنأخذ هذه الأرقام بالاعتبار: كان الأميركيون اللاتينيون يشكلون 4 بالمئة من 92 مليون ناخب في انتخابات 1992، و5 بالمئة من 95 مليون ناخب في العام 1996، و6 بالمئة من 105 مليون ناخب في العام 2000، و8.5 بالمئة من 122 مليون ناخب في العام 2004. وكنسبة مئوية من الناخبين الأميركيين فإنهم لا يزالون يزدادون بدرجة أسرع من نسبة نمو عدد السكان ككل. وعندما فاز الرئيس بوش بنسبة 40 بالمئة من أصوات الأميركيين اللاتينيين (بزيادة 5 نقاط عن العام 2000) فانه كان يحصل على قطعة أكبر بكثير من كعكة هي نفسها أصبحت أكبر بكثير. ونتيجة لقضية الهجرة إلى البلاد بشكل رئيسي (بالإضافة إلى قضيتي العراق والاقتصاد)، فإن حصة الجمهوريين من إجمالي الأصوات انخفض إلى 28 بالمئة في انتخابات الكونغرس للعام 2006، وبذلك تكبدوا هزيمة كبيرة. وحيث ان الاستطلاعات المُبكرة للعام 2008 تُظهر ان الجمهوريين يعانون من ضعف بين الأميركيين اللاتينيين، فإنهم يواجهون خياراً صعباً حول مسألة الهجرة إلى البلاد. هل هناك تلوث استطلاعي؟ في ستينيات القرن العشرين، كانت هناك منظمتان للاستطلاع، وهما منظمتا غالوب وهاريس لاستطلاع الرأي. وبحلول السبعينيات اتفقت شبكات التلفزة الرئيسية مع الصحف الكبرى في هذا المجال. وحتى حلول العام 1992، لم تكن هناك سوى بضعة منظمات لاستطلاع الرأي. وأسباب إجراء الاستطلاعات من جانب وسائل الإعلام ومن جانب منظمات الاستطلاعات المستقلة كانت واضحة. فقد كانت هذه الاستطلاعات بمثابة رقابة ضد إساءة استخدام الاستطلاعات من مرشحين متواطئين قد يحاولون الادعاء بأنهم يحصلون على تأييد أكبر عن طريق إصدار استطلاعات مزيفة لتضليل كل من الرأي العام والمساهمين المحتملين. وتحققت هذه الرقابة عن طريق إنشاء سجل عام عن نتائج المسح تجريه مصادر مستقلة موثوقة.
ومع انفجار موجة شبكات الأخبار الكيبلية وغيرها من وسائل الأخبار، تكاثرت أيضاً استطلاعات الرأي. وأصبح هناك على الأقل 25 منظمة للاستطلاعات في الحقل العام في 2006، ولا يزال العدد على تزايد. وهكذا، يصبح السؤال الحقيقي هو، هل اصبح لدينا محطات أخبار ومؤسسات استطلاع زائدة عن اللزوم. حتى الآن، يبدو أن الاميركيين تعجبهم الخيارات الإضافية المُتاحة في مصادر الأخبار، كما من الاستطلاعات المتعددة. فالأميركيون يرغبون في ان يشعروا بأنهم على تواصل مع ما يحدث، وفي ان يعرفوا ما إذا كانت آرائهم تقع ضمن الرأي العام السائد أو إذا كانت تقع على أطرافه، وفي كيفية أداء مرشحهم لدى الرأي العام الأوسع، أي لما هو أبعد من عالمهم الخاص المؤلف من أصدقائهم، ومصففي شعرهم، ومتاجر حاجياتهم، وعائلاتهم، وأحيائهم المجاورة. ولكن، مع ازدياد عدد الاستطلاعات تأتي بعض المسؤوليات الإضافية التي تقع على عاتق كل من المستطلعين، وعامة الناس، ووسائل الإعلام. فمن يعمل منا في هذه المهنة لديه التزام تذكير الاميركيين بما يمكن للاستطلاعات أن تحققه، وما لا يمكن لها أن تحققه. فنحن نسمع دوماً اننا كمستطلعين "نقوم بتنبؤات" في كل مرة ننشر فيها إحدى نتائج استطلاعاتنا. بينما في الواقع ان جلّ ما نقوم به هو مجرد اخذ صورة سريعة للحظة محددة من الزمن، حيث نقرأ الأرقام على عدّاد، ونحدد مواقع التقدم على مقياس مدّرج. فمن الممكن ان يحدث أي شىء بين تاريخ أخذ الاستطلاع وتاريخ إجراء الانتخابات، حتى ولو كان الاستطلاع قد جرى في اليوم السابق للانتخابات. كما ان الاستطلاعات لا تكون مثالية. فنحن لا نتحدث مع كل شخص ضمن مجموعة مُعينة من السكان، لكننا بدلاً من ذلك نأخذ عينة من المجموعة. وهكذا، يصبح هناك مصدر قائم ضمنياً للخطأ في أخذ هذه العينات (مع العلم ان هناك عوامل أخرى يمكنها ان تسبب الأخطاء أيضاً). معظمنا يعمل على أساس وجود هامش من الخطأ في أخذ العينات مقداره "3 نقاط أكثر أو أقل" في نتائج الاستطلاعات على المستوى القومي. ولذلك فمن الممكن ان يحدث تغيّر قد يصل في النتائج حتى 6 نقاط. فإذا كان المرشح (أ) يحصل على 53 بالمئة من الأصوات في استطلاع كهذا، والمرشح (ب) يحصل على 47 بالمئة، عندئذ يمكن للمرشح (أ) أن يرتفع إلى 56 بالمئة أو ينخفض إلى 50 بالمئة، في حين أن المرشح (ب) قد يرتفع إلى 50 بالمئة أو ينخفض إلى 44 بالمئة. وبعبارات أخرى، من الممكن للمرشحين ان يحصلا على نفس عدد الأصوات. وهكذا يمكننا أن نعرف إذا كانت نتائج الانتخابات ستكون قريبة من بعضها، ولكن لا يمكننا ان نتنبأ بنتيجتها، إلا من خلال شعورنا الحدسي أو تحليلاتنا للأرقام المتوفرة لدينا. وهو ما يكون هدفه الرئيسي التسلية وليس التوقّع أو التنبؤ. فعلى عامة الناس ان تحتفظ بقدر طبيعي من الشك حول الاستطلاعات، رغم كونها تُشكِّل أدوات مُفيدة جداً لفهم ديناميات الانتخابات، ولهذا لا يجب صرف النظر عنها تماماً. فبوجه عام، يكون نتاج عملنا كثير الدقة. لكن في العام 2000، عندما كانت استطلاعاتي (مع استطلاعات سي بي اس نيوز) تُشير إلى ان نائب الرئيس حينذاك آل غور سوف يفوز بهامش ضئيل جداً من مجموع عدد الأصوات، بينما كانت عدة استطلاعات أخرى تظهر ان الحاكم حينذاك جورج دبليو بوش سوف يتقدم بنقطتين أو ثلاث نقاط، فإننا كنا نقول نفس الشيء بالأساس. وأخيراً، على وسائل الإعلام، وخاصة محطات البث، ان تحسن أداءها من ناحية تفسير الأخطاء في العينات، وطرح الأسئلة حول دقة الكلمات المستخدمة، وغيرها من المصادر الأخرى التي تقيد قدرة الاستطلاعات. وفي نفس الوقت على وسائل الإعلام ان تبلّغ النتائج ضمن سياقها الصحيح، أي أن تذكر الأحداث، والخطابات، والعوامل الأخرى التي قد تكون أثّرت في النتائج لحظة إجراء الاستطلاع. هل يمكننا الاستغناء عن الاستطلاعات؟ في الواقع، انني لا أستطيع الاستغناء عنها مطلقاً. والظاهر انه لا يمكن للسياسيين المحترفين والمراقبين السياسيين أن يستغنوا عن الاستطلاعات أيضاً. فالاستطلاعات تؤدي وظيفة هامة من حيث كشفها لأعمق الأفكار، والمشاعر، والتحيّزات، والقيم، وسلوك الجسم السياسي في البلاد. لقد علمتني الخبرة بعد كل هذه السنوات أن الأفراد الاميركيين يمكنهم ان يكونوا غير مطلعين جيداً، أو غير مكترثين، أو مخطئين تماماً، لكن الشعب الأميركي ككل يكون دائماً مطّلعاً بما يكفي، وقلّما يخطئ عندما يجيب على أي استطلاع أو في نهاية المطاف عندما يدلي بصوته.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية |
|||||