القدرة على اللجوء إلى القضاء: الإصلاح القضائي في رواندابقلم فيكي مايلز - لاغرانج
| ||||||||||||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
|
كلمات "العدالة المتساوية في ظل القانون" محفورة في الحجر فوق مدخل مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن العاصمة. وتمثل هذه الكلمات العهد الذي قطعته أميركا على نفسها لشعبها. فما لم تتوفر فرصة الوصول الحر وغير المقيد لجميع الناس إلى النظام القضائي في بلدنا واستخدامه، مهما كانت مكانتهم أو موقعهم في الحياة، فان التعهد الأميركي "بعدالة متساوية في ظل القانون" لا يمكن أن يتحقق. القضاء المستقل واللجوء إلى القضاء تشكل السلطة القضائية المستقلة أحد أهم أوجه ضمان حصول جميع الناس على قدرة متساوية على اللجوء إلى القضاء. وفي النظام الأميركي لإقامة العدل، لا يحق لأي شخصٍ أن يشير على القاضي بإصدار حكم ما في قضية، بغض النظر عن منصب هذا الشخص، أو سلطته أو نفوذه. فحكم القاضي يجب أن يستند إلى القانون ولا يمكن تغييره إلا من قبل محكمة أعلى يتعين أن يكون قرارها هي أيضاً مستنداً إلى القانون المناسب.
والسلطة القضائية المستقلة هي جزء من نظام "سيادة القانون" الأوسع القائم في الولايات المتحدة وفي دول ديمقراطية أخرى. ويقول البنك الدولي، إن سيادة القانون تعم عندما (1) تكون الحكومة نفسها مقيدة بالقانون، (2) يُعامل كل شخص في المجتمع بطريقة متساوية مع معاملة الآخرين في ظل القانون، (3) تكون الكرامة الإنسانية لكل فرد معترفاً بها ومصانة بسلطة القانون، و (4) تتوفر القدرة للجميع على اللجوء إلى القانون. وطِبقاً لهذا، تتطلب سيادة القانون "نظاماً قضائياً مستقلاً حيث تستطيع المحاكم تفسير وتطبيق القانون والأنظمة دون تحيز، بشكل قابل للتوقع وفعال وشفاف. ويؤمّن فرض تطبيق القانون بشكل ثابت بدوره بيئة مؤسساتية مستقرة يمكن فيها تخمين عواقب القرارات الاقتصادية على المدى البعيد." ويجادل البعض بأن الغرض من القضاء المستقل هو الحدّ من سلطة الحكومة وحماية حقوق الأفراد. وينبغي إرساء وتطبيق إجراءات وقائية لتأمين عمل المحاكم بصورة مستقلة. ومن الناحية التنظيمية، فإن الشفافية في عملية التعيينات القضائية، وقدرة القضاة بالتالي على التحرر من أي تهديد لكون وظيفتهم أو راتبهم مضمونين، تؤدي إلى تعزيز قدرة السلطة القضائية على تفسير القانون دون تدخل غير ضروري من جانب السلطتين الحكوميتين الأخريين أو من أي فرد. وعلى سبيل المثال، ينص الدستور الأميركي على "أن القضاة الفدراليين يحتفظون بمناصبهم طالما كان سلوكهم جيداً، وأنه يحق لهم، في أوقات مُحددة، تلقي تعويضات لقاء خدماتهم لا يجوز خفضها ما داموا في مناصبهم". وإدارياً، تُعزّز استقلالية تقرير الموازنة القضائية عن السلطتين الأخريين، وشفافية إجراءات تأديب وإقالة القضاة هما أيضاً استقلالية القضاء. كما توفّر قوانين السلوك القضائي للقضاة والمحامين الأميركيين حداً أدنى من المعايير المتماثلة بالنسبة لسلوكهم المهني. وأخيراً، إن قدرة القضاة على فرض أحكامهم من خلال ما يتمتعون به من سلطة اعتبار من يخرقونها منتهكين لحرمة المحكمة تُرسّخ استقلالية القضاء الأميركي. مثال: الإصلاح القضائي في رواندا نظرياً، تمّ تبني العديد من هذه الإجراءات الوقائية دستورياً وعن طريق سن قوانين تشريعية خلال عملية الإصلاح القضائي وتعديل القوانين في رواندا. وشرع النموذج الذي طوره هذا البلد الإفريقي الصغير جداً في معالجة أمر الحاجة الملحة لإعادة بناء النظام القضائي ولضمان محاكمة الآلاف من السجناء المشتبه بارتكابهم الإبادة الجماعية بموجب إجراءات قانونية سليمة. وقد شكّل وضع نظام العدالة في رواندا سنة 2001 انعكاساً لتاريخ البلاد. فكانت المؤسسات القضائية تَتسّم بالحزبية والفساد، وكان يشغل المناصب فيها العديد من المعيّنين السياسيين الذين كان هدفهم إرضاء السلطات التي عيّنتهم بدلاً من تطبيق القانون. وكان انعدام وجود الأجهزة القضائية المؤهلة في رواندا ما بعد الاستقلال أحد العوامل التي ساهمت إلى حد بعيد في تعزيز ثقافة الإفلات من العقوبة التي قادت إلى الإبادة الجماعية سنة 1994، التي كانت مجزرة راح ضحيتها أكثر من مليون رواندي. وبعد الإبادة الجماعية، كان من المحتم أن يشعر المجتمع الرواندي بالذهول لانعدام سيادة القانون كما أرهقه ضعف الاقتصاد والمؤسسات. وهاجر أكثر من مليونين من اللاجئين الهوتو ومن النازحين في الداخل إلى البلدان المجاورة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، وبوروندي وتنزانيا. وكان النظام القضائي في رواندا في فترة ما بعد الإبادة الجماعية في حالة من القصور الذاتي. وقد هرب العديد من رجال الشرطة وقوى الأمن من البلاد. وكان هناك أكثر من 100 ألف شخص من المشتبه بأنهم شاركوا في الإبادة الجماعية في السجون. ولم يبق إلاّ عدد قليل جداً من القضاة والمدعين العامين والمحامين على قيد الحياة، ولم تكن هناك أي جمعيات محامين. استجابةً لهذا الوضع، تمّ تأسيس لجنة إصلاح القانون الرواندي بموجب بناء على تشريع صدر في سنة 2001. وتتألف اللجنة من مواطنين روانديين من المؤسسات المهنية والقانونية المختلفة، بما في ذلك المحكمة العليا، ووزارة العدل وهيئات الادعاء العام، والجامعة الوطنية، وجمعية المحامين. واللجنة مخولة باقتراح تشريع ينص على تنظيم وتحديد سلطات المحاكم القضائية؛ وتشريع يتعلق بقانون الأخلاقيات المهنية للقضاة؛ وتشريع ينص على تنظيم، ووظائف وصلاحيات مجلس القضاء الأعلى؛ وتشريع لإنشاء سلطة ادعاء قومية؛ وقانون للإجراءات الجنائية؛ وتشريع خاص بقواعد الأدلة القضائية. وقد كنت، منذ سنة 2002، مندوبة أميركية إلى مجموعة من المبادرات لإصلاح القانون ومراجعته في رواندا. وقد عقد المؤتمر الدولي الأول حول إصلاح ومراجعة القانون الرواندي الذي عقد في تلك السنة، لتعزيز تبادل المعلومات. وقد أقيم المؤتمر تحت رعاية اللجنة الرواندية لإصلاح القانون بتمويل من السفارة الأميركية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID). وكان بين المشاركين قضاة ومُدّعون عامون ومحامون روانديون، وممثلون من الأرجنتين وبوروندي والكامرون وكندا وكينيا وجزر الموريس والسنغال وجنوب إفريقيا وتنزانيا وأوغندا والولايات المتحدة. وقد ركّز مؤتمر سنة 2002 على إصلاح ومراجعة القانون وعلى استقلالية القضاء وإرساء سيادة القانون. وقدّم المندوبون توصيات عبر ست مجموعات عمل عالجت قضايا استقلالية القضاء، أخلاقيات المهنة القضائية، إدارة السلطة القضائية ودور مديري المحاكم، وحوكمة النظام القضائي وتوظيف وتدريب القضاة وعملية وضع ميزانية السلطة القضائية. وقد تم إيجاز نتائج مناقشات اثنتين من مجموعات العمل، مجموعة عمل استقلالية النظام القضائي ومجموعة عمل أخلاقيات المهنة القضائية، في التقرير الفرعي الملحق بهذا المقال. التوصيات الخاصة بالتغيير عقد المؤتمر الدولي الثاني حول إصلاح القانون ومراجعة القانون الرواندي سنة 2003. وكان هدف المؤتمر التوصل إلى إطار عمل للإصلاح القضائي في رواندا يكون متوافقاً مع المعايير الدولية الخاصة بالقضاء السليم والفعال. وقدم المؤتمر توصيات لتضم إلى كل من الدستور والقوانين الأساسية تتعلق بالقضايا التي جرى النظر فيها سنة 2002 من قِبَل مجموعات العمل. وكان بين المشاركين مندوبون من الدول التي شاركت في مؤتمر سنة 2002، إضافةً إلى مندوبين من الدانمرك وإثيوبيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغواتيمالا وملاوي ومالي وهولندا ونيجيريا والمملكة المتحدة وزامبيا. كانت التوصيات الرسمية التي تقدم بها المندوبون الدوليون بالإجماع إلى المؤتمر، كالآتي:
كان من الواضح عند اختتام مؤتمر سنة 2003 أن تدريب القضاة والمدعين العامين أمر حاسم الأهمية كي يتمكنوا من القيام بمهامهم الجديدة بشكلٍ وافٍ. وقد صف رجل قانون رواندي مُميز القضاء الرواندي بأنه "غير نابض بالحياة"، وأعرب عن هواجسه بأن القاضي الرواندي العادي غير فعّال ويفتقر إلى الثقة بالنفس. وقبل الإصلاحات الدستورية والتشريعية، كان قضاة المحاكم البدائية ينظرون في الدعاوى ويصدرون الأحكام ضمن هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة. لكن القضاة أصبحوا مطالبين الآن باتخاذ القرارات في قضايا في محاكم القاضي المنفرد، الأمر الذي يتطلب مزيداً من الثقة بالنفس والقدرة على التأثير وفرض الاحترام. وقد أصبح يتعين على القضاة حالياً أن يكونوا أكثر كفاءة وإنتاجية وأفضل سلوكا أخلاقيا نظراً للسلطات والصلاحيات الجديدة المنوطة بهم في نظام قضائي مستقل. وعليه، إن كان سيتم حقاً إنشاء نظام قضائي مستقل مستديم في رواندا، فإن الأمر يتطلب إجراء دورات تدريب وتثقيف قضائية عاجلة في ميادين متعددة. كجزء من زيارة ثانية قمتُ بها لرواندا سنة 2002، خدمت كعضو في فريق قام بوضع تقييم لاحتياجات التعليم والتدريب القضائي- خطة التدريب واستراتيجية تطبيقها المقترحة. وكان هدف مهمتي جمع المعلومات حول التعليم والتدريب القضائيين المتوفرين في رواندا للقضاة ووضع خطة لإنشاء وتطبيق برنامج تعليم وتدريب قضائي يستخدم تلك الموارد المتاحة. وقدمت الخطةُ عملية يمكن بموجبها تجهيز قضاة المحاكم العادية الروانديين جيداً للعمل بفعالية في البيئة الجديدة المنصوص عليها في التشريع المقترح. وانطوت عملية الإعداد على التزام أكبر بكثير بتعليم وتدريب القضاة من الذي كان قائماً سابقاً. وإلى الحد الذي سيتم به إلغاء جميع مناصب القضاة في نظام المحاكم الحالي وإنشاء نظام جديد بمناصب قضائية جديدة تقوم مقامه بعد الموافقة على التوصيات، وفّر ذلك للحكومة الرواندية فرصة لا سابق لها لإجراء إعادة تقييم موضوعية للمرشحين ولاختيار المرشحين الأعلى كفاءةً القادرين على تحويل القضاء إلى كيان مستقل ومُميّز يثق به الشعب الرواندي لإقامة وصيانة وفرض سيادة القانون. ثمة نتيجة أخرى جديرة بالاهتمام انبثقت عن النموذج الرواندي هي بند دستوري يفرض أن تشغل المرأة 30 بالمئة على الأقل من "المناصب في هيئات صنع القرار"، وهي الهيئات التي يفترض أنها تشمل المناصب القضائية. خاتمة الإصلاح القضائي يهدف، في نهاية المطاف، إلى تعزيز استقلالية السلطة القضائية وزيادة فعاليتها وإنصافها وإتاحة اللجوء إليها. ومن الضروري أن تعمل المحاكم بصورة عملانية وإدارية وكفوءة وأخلاقية إن كان سيتم تحويل "العدالة المتساوية في ظل القانون" إلى واقع حقيقي في أي مكان في العالم. وإن كان النظام القضائي لا يؤدي وظيفته بشكل جيد، فإن العدل لا يقام ولا يطبق. وإن كانت المحاكم لا تعمل بصورة صحيحة، لن تكون هناك إطلاقاً قدرة متساوية على اللجوء إلى العدالة.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تُعبّر بالضرورة عن وجهات نظر أو سياسة الحكومة الأميركية.
|
|||||||||||||||