تهدئة مخاوف العمال بشأن التجارةديفيد هـ. فلدمان
| |||
|---|---|---|---|
دعا باسكال لامي، المدير العام لمنظمة التجارة العالمية، المجتمع الدولي إلى إعادة إحياء جولة مفاوضات الدوحة المحتضرة لأنه يخشى أن يؤدي فشلها إلى تعرّض نظام التجارة المتعدد الأطراف المرتكز إلى القوانين للخطر. وتتجاوز الصعوبة الحقيقية القضايا المحددة التي طرحت للتفاوض حولها في الدوحة. فالفكرة القائلة إن التكامل الاقتصادي العالمي يأتي بالفوائد الاجتماعية قد أصبحت موضع خلاف وجدل متزايدين في البلدان الصناعية والبلدان النامية على حدّ سواء. ونتيجة لذلك، يُظهر العديد من البلدان شهية متعاظمة لاعتماد ممارسات تمييزية معيقة للتجارة كأدوات سياسية اختيارية. فالإجراءات المضادة لإغراق الأسواق بالسلع بسعر أقل من كلفتها، والتعريفات الجمركية أو نظام الحصص، أي الكوتا، المؤقتان لدى حدوث ارتفاع كبير في المستوردات، والإعانات الحكومية للإنتاج، والقوانين المشوّهة للتجارة، كلها أمور يسهل فهمها عندما ينتاب النمو الاقتصادي الجمود. وما لم يكن بإمكان اقتصاد ما يشهد نمواً خلق فرص سهلة للصناعات الأخرى لاستيعاب اليد العاملة بسرعة، فان بإمكان كل من التنازلات التجارية والصدمات الاقتصادية، أو كلاهما، التسبب في خسائر واضحة للصناعات التي تُنافس الاستيراد، وعلى الأخص بالنسبة للعمال الذين ترتبط مهاراتهم وخبراتهم بوظائفهم الراهنة. فمثل هذه السياسات قد تستخدم لمجرد الحفاظ على الوضع القائم. ويفرض الانكماش السريع داخل أي قطاع كبير من قطاعات الاقتصاد ثمناً سياسيا. لكن تآكل الثقة بالأسواق العالمية المفتوحة والقوانين المتعددة الأطراف يبدو مُثيراً للدهشة في حقبة من النمو الاقتصادي القوي عموما. ويكمن الجواب على هذا اللغز المحيّر في تسارع وتيرة التغير التكنولوجي. التغيرات التكنولوجية والقلق على الوظائف لقد شهدنا تغيّرات تكنولوجية هامة تقلص الحاجة إلى اليد العاملة في القطاع الصناعي خلال السنوات الستين الماضية. وقد تراوحت نسبة نمو الإنتاجية في معظم الدول المتقدمة في القطاع الصناعي ما بين 3 و5 بالمئة سنوياً منذ عام 1950. وفي نفس الوقت، لم ينم عدد الوظائف في ذلك القطاع إلا قليلاً، أو أنه تقلص في الواقع. وأدى ذلك إلى تقلص في حصة قطاع الصناعة من الوظائف يقابله ازدياد في حصة قطاع الخدمات منها. وفي نفس الوقت، ساهم التدني في كلفة أسعار النقل العالمي في زيادة نسبة ما يتم تبادله من الإنتاج الصناعي في التجارة الدولية. وفي عهد أقرب، أدى اعتماد المصادر الخارجية لتنفيذ أعمال قطاع الخدمات، في العديد من البلدان، إلى قيام الشركات بإعادة هيكلة الطريقة التي تنجز بها أعمالها. وقد تسارع التغيير البنيوي بنفس القدر في العديد من البلدان النامية جرّاء تمدّد المدن وتراجع الزراعة التقليدية والصناعات المنزلية والصغيرة الحجم أمام المزيد من التخصص في الأسواق العالمية. وما تعنيه كل هذه الصدمات هو أن مزيداً من القطاعات الاقتصادية أصبح يشعر بأنه مهدد من قبل المنافسة الدولية الفعلية أو المحتملة، وقد أصبحت وجهة النظر هذه شائعة في دول وصلت إلى مستويات مختلفة من التنمية الاقتصادية. وهناك قضية ثانية مرتبطة بهذا الأمر هي الخوف من أن تكون التجارة المتنامية ما بين البلدان الأكثر تطوراً والمناطق الأقل نمواً في العالم هي السبب الرئيسي لازدياد التباين في الدخل في الولايات المتحدة وللبطالة المرتفعة في أوروبا. لكن أستاذ علم الاقتصاد في جامعة برنستون، البروفسور بول كروغمان، وغيره، يجادلون بأن السبب المحتمل لذلك هو تراجع الطلب الداخلي على اليد العاملة غير الماهرة، الذي ولده على الأرجح التغيّر التكنولوجي الذي يتطلب عمالاً بالغي المهارة. وقد يكون للتكامل الاقتصادي الدولي القليل من التأثير على التوقيت فيما يتعلق بهذه التغيرات في أسواق العمل هذه، لكن هذه التغيرات كانت ستحدث على أي حال. ومع هذا، يتركز القلق العام من عدم التيقن من استمرارية الوظائف جزئياً على تحرير التجارة نظراً لكون خسارة الوظائف تكون بأعداد كبيرة في الصناعات التي تواجه منافسة البضائع المستوردة. إلا أنه ينبغي على الحكومات ألا ترد على هذا الشعور بكون الوظائف معرضة للخطر بالتخلي عن التزاماتها المبدئية بالتعامل المنفتح مع السوق العالمية، أو بالاعتماد إلى درجة أكبر على سياسات الحماية الإدارية والسياسات الأخرى التي تعطي الأفضلية لشركات محلية مُعيّنة أو قطاعات محددة في الاقتصاد. مشاكل اعتماد العلاج بالسياسة الحمائية إن المنافسة الأكثر أهمية التي تجري داخل أى بلد لا تكون بين شركات محلية وشركات أجنبية منافسة، بل بين شركات محلية تتنافس على اليد العاملة القليلة ورؤوس الأموال النادرة في الدولة نفسها. والحواجز الجمركية والإعانات الحكومية المحلية قد تزيد من الإنتاج والوظائف والأرباح في صناعات محلية معينة، لكنها تحقق ذلك من طريق إلحاق الضرر بالشركات المحلية الأخرى التي لا تستفيد من الإعانات أو الحماية. وإذا كانت مصادر الأرباح في الصناعات الحائزة على المعونات والحماية هي الأسعار المحلية الأعلى، بدلاً من الإنتاجية الأعلى، عندئذ تمثل تلك الأرباح خسارة في الدخل لجهة أخرى في نفس ذلك البلد. وهذا لا يمثل كسباً في الدخل القومي. وغالباً ما تضع هذه السياسات المستهلكين المحليين والشركات التي تستخدم مواد إنتاج وسيطة مستوردة في مواجهة مع منتجين لمصنوعات تتنافس مع المنتجات المستوردة كثيراً ما تكون لديهم علاقات قوية بالسياسيين. ولأن السياسات الحمائية كثيراً ما تكون غير شفّافة وتبقى العملية التي تقود اليها مخفية عن الأنظار، فإنها توسع نطاق نشاطات جماعات المصالح الخاصة التي تمارس الضغط السياسي. وهذا السعي إلى الأرباح المفرطة غير المُنتجة اجتماعياً يعيد أحياناً كثيرة توزيع الدخل بمنأى عن المواطنين الأكثر حاجة إليه في المجتمع، ويحوّل الموارد النادرة بعيداً عن القطاعات المرجح إنتاجها لمستويات عالية من النمو الاقتصادي. ومن ميزات الانفتاح التجاري كون الأسعار العالمية توفر عادة معلومات حول النُدرة أفضل مما توفره الأسعار التي شوهها ضغط مجموعات المصالح الخاصة. وتوفر الأسعار العالمية حوافز أفضل للمستهلكين وللشركات المحلية على استخدام الموارد بطريقة تزيد قيمة الدخل القومي إلى أقصى حد ممكن. وكثيراً ما تتوفر للشركات والمستهلكين في الاقتصادات الأكثر انفتاحاً خيارات أكثر من البضائع الأفضل نوعية، وقد تشهد هذه الاقتصادات وتيرة أسرع من الانتشار التكنولوجي إذا ما كانت التكنولوجيا مضمّنة في قطع مستوردة أو في الاستثمارات الأجنبية. وثمة فائدة أخرى للتجارة المنفتحة تتمثل في تقليص ما تتمتع به الصناعات المحلية العالية التركيز من قوة في السوق داخل بلدانها. فسياسة الانفتاح سياسة بالغة الفعالية للتنافسية. وهذا صحيح بنوع خاص بالنسبة للاقتصادات الصغرى النامية التي لا يملك فيها الكثير من الصناعات المحلية سوى شركة كبرى واحدة أو شركتين فقط. أي ردّ هو الأفضل؟ في الدول التي تملك قطاعاً عاماً متطوراً جداً، يمكن التعامل مع قلق العمال على وظائفهم وانعدام ضمان استمرارها من خلال استخدام عدد من البرامج ذات الأهداف المحدّدة. ويمكن للأدوات الأقدم المستخدمة لهذا الأمر، مثل توسيع مساعدات تصحيح التجارة (TAA)، والتي هي عبارة عن أموال تُنفق على إعادة تدريب العمال المصروفين كنتيجة للتجارة، أن تساعد في جعل الاتفاقيات التجارية أكثر استساغة بالنسبة للهيئات التشريعية المتشككة فيها. لكن أنظمة المساعدات لتصحيح التجارة معقدة إدارياً، لسوء الحظ، كما أنها لا تصل دوماً إلى العمال الذين يحتاجون المساعدة أكثر من غيرهم أو المتضررين أكثر من غيرهم نتيجة للتجارة. أما البرامج التي يرجح أن تعيد الحيوية إلى تحرير التجارة فهي تلك التي تعالج مباشرة أسباب قلق العمال والتي تصل إلى أكبر عدد من الناس. دعا لوري كليتزر، وهو من كبار الزملاء في معهد بيترسون، وروبرت ليتان، أحد كبار الزملاء في معهد بروكنغز، في ورقة سياسية أعداها لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي، إلى إنشاء شبكة أمان جديدة لجميع العمال الذين يفقدون وظائفهم. ولهذا الاقتراح ركنان أساسيان هما ضمان نفس مستوى الأجور وتقديم مساعدات حكومية لشراء التأمين الصحي للعمال المؤهلين لدى توظفهم مجددا. ومع أن حججهما موجّهة نحو التجربة الأميركية، غير أن فكرة توفير ضمان اجتماعي ضد أكثر ما يخشاه الناس نتيجة فقدان الوظائف فكرة جذابة جدا. فنظام التأمين الراهن ضد البطالة لا يقلص بأي شكل من الأشكال الخوف من الحصول على أجر أقل في الوظيفة الجديدة، كما أن دفع الفرق للعامل فقط بعد توظفه مجدداً من شأنه أن يقلص فترة البطالة ويعجل في اكتساب مهارات جديدة أثناء العمل في الوظيفة. هناك مقاربة أخرى تفترض استخداماً أوسع للأفضليات الضرائبية التي تُشجّع على إعادة تدريب العمال. فقد يسمح للشركات بأن توزع التكاليف على عدة سنوات في أنواع تدريب العمال المؤهلة لذلك، في حين قد يكون بإمكان الحصول على إعفاءات ضريبية، أو على قروض مالية فردية، للنفقات التعليمية الشخصية في البرامج المؤهلة. وفي الكثير من الاقتصادات النامية يكون المدى الفعّال لتأثير القطاع العام أقل بكثير، وتكون هناك أولويات حكومية واضحة ينبغي أن تحظى بالأولوية مقارنة بالسياسة الصناعية أو إدارة التجارة. وينبغي أن يكون بين هذه الأولويات تشييد بنية مالية سليمة من قوانين الضرائب الواضحة التي تطبقها سلطات قضائية مستقلة وغير متحيزة بحيث يمكن جباية الواردات الحكومية بطريقة فعالة ومنصفة. وعلاوة على ذلك، من شأن توسيع القاعدة الضريبية أن يتيح للحكومات جمع كمية أكبر من الواردات في الوقت الذي يتم فيه خفض المعدلات الضريبية المرتفعة، بما فيها الضرائب المرتفعة المفروضة على الواردات وعلى الدخل، التي تولد التهرب من دفع الضرائب وتشجع الفساد. ومن شأن وجود قاعدة متينة للواردات أن يتيح للحكومات في الاقتصادات النامية أداء العديد من المهام التي لا تستطيع إلا الحكومات القيام بها. فالأحداث بحاجة إلى بنية أساسية للتقدم التعليمي، وعلى الأخص في المرحلتين الابتدائية والثانوية. والميزة الاقتصادية المقارنة لكل بلد تبقى بطبيعتها هدفاً متحركاً، وبالنظر إلى تسارع التغيرات في السنوات الأخيرة، سوف يحتاج العمال إلى مهارات يمكن تطبيقها في أكثر من صناعة تتيح لهم العمل في عدة صناعات خلال حياتهم العملية. والرعاية الصحية الأساسية يجب أن تشمل مزيد من الناس كي لا تختصر حياة الناس الإنتاجية بسبب أمراض مزمنة تسهل الوقاية منها. وأخيراً، ينبغي أن يكون باستطاعة كل مواطن الاعتماد على شبكة أمن اجتماعي أساسي بحيث لا يتحول خوفه على وظيفته إلى رهاب (أو خوف مفرط مرضي) من التغيرات التي تجلبها السوق العالمية. ربما كان باسكال لامي مصيبا. فهناك بعض الخطر من أن يؤدي فشل مفاوضات الدوحة إلى إثارة دورة من سياسات الانكفاء على الشؤون الداخلية أو حتى اعتماد تكتيكات "أفقر جارك" كتكتيك الخفض التنافسي لسعر صرف العملات وزيادة الحواجز الحمائية. ومن الجهة الأخرى، قد يكون المستقبل الحقيقي للتكامل الاقتصادي العالمي أقل توقفاً على ما يتم التوصل إليه حول طاولة المفاوضات العالمية مما هو على الكيفية التي ستعالج بها الدول المختلفة قلق مواطنيها على وظائفهم.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية. |
|||