كيف تحارب منظمة التجارة العالمية الحمائية؟بقلم كارلا أ. هيلز
| ||||
|---|---|---|---|---|
تقوم منظمة التجارة العالمية بأكثر بكثير من مجرد تنظيم التجارة العالمية. فهي تشجع تحرير التجارة وتحارب الحمائية من خلال:
وتجعل هذه العناصر الأربعة مجتمعة منظمةَ التجارة العالمية أنجح المؤسسات المتعددة الأطراف التي تم إنشاؤها بعد الحرب العالمية الثانية وأعظم دفاع نمتلكه ضد الحمائية. القوانين التجارية تقوم منظمة التجارة العالمية بإدارة التجارة اليوم، من خلال صفحاتها الأربعمائة من الاتفاقات التجارية التفصيلية، بما فيها الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الغات) والاتفاقية العامة لتجارة الخدمات (الغاتز)، علاوة على ما أُلحق بها من 22 ألف صفحة من جداول الالتزامات التي وافقت عليها الدول الأعضاء المائة والخمسين فيها. عندما تم التوصل إلى الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الغات) في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، أرست هذه الاتفاقية القواعد والمبادئ المختلفة التي ستحكم التجارة الدولية. وشكل جوهر هذه الاتفاقية، مبدآن أساسيان يتعلقان بعدم التمييز، هما المعاملة القومية والمعاملة على أساس الدولة الأكثر رعاية (MFN).
ويساعد الالتزام بهذه المبادئ الأساسية في إبقاء الأسواق العالمية مفتوحة. فالمعاملة القومية تعني أنه لا يمكن لدولة ما أن تمنع استيراد سلعة معينة إن كانت تسمح بإنتاج وبيع نفس السلعة محلياً. والمعاملة على أساس الدولة الأكثر رعاية تعني أنه عندما توافق دولة من الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية على تخفيض تعريفاتها على المستوردات من دولة أخرى من الدول الأعضاء في المنظمة، فإنه يتعين عليها القيام بنفس الشيء حيال جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. دورات المفاوضات التجارية لم يوافق واضعو اتفاقية الغات على أنظمة وقواعد وقوانين معينة لإدارة التجارة العالمية فحسب، بل وأيضاً على التحرير التدريجي للتجارة من خلال ما أصبح يُسمى بعد ذلك بسلسلة من "جولات" أو "دورات" التفاوض بشأن التجارة المتعددة الأطراف. والجولة الحالية، أي أجندة الدوحة للتنمية، هي التاسعة في هذه السلسلة. وقد اتسعت العضوية منذ إنشاء نظام الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة في العام 1947 من الـ23 حكومة عضواً في الاتفاقية كانت تناقش التعريفات الجمركية على السلع الصناعية حتى أصبحت الآن 150 دولة تتفاوض حول قواعد تشمل التجارة الزراعية، والسلع الصناعية، والحواجز التجارية غير الجمركية، والخدمات، والإعانات المالية الحكومية، وحقوق الملكية الفكرية. وعندما تتفق الدول على تخفيض تعريفاتها، فإنها تلتزم في نفس الوقت بعدم رفعها فوق الحد المتفق عليه، أو ما يعرف باسم المستوى "المحدد"، وإلا اضطرت إلى دفع تعويض للدولة المصدرة المتأثرة بذلك أو عرضت نفسها لمواجهة إجراءات انتقامية من جانب تلك الدولة. وقد تحقق حتى اليوم أن "حددت" الدول المتقدمة نسبة قدرها 99 بالمئة من تعريفاتها، وحددت الدول النامية نسبة قدرها 73 بالمئة من تعريفاتها الجمركية. وقد أوجد ذلك حصناً منيعاً ضد اعتماد سياسة حماية المنتجات المحلية من خلال زيادة التعريفات. وقد عزز التزام معظم الدول التجارية في العالم بالتقيد بهذه القواعد والأنظمة التي تحكم عالم التجارة الآخذ في التوسع الوضوح والقدرة على توقع الاتجاهات في التجارة الدولية، مما مكن الصادرات العالمية من الارتفاع من مبلغ 58 بليون (ألف مليون) دولار العام 1948 إلى 8.9 تريليون (مليون مليون) دولار العام 2004. أما حجم التجارة العالمية اليوم فقد أصبح يزيد بمقدار 23 ضعفاً عن حجمها في العام 1948. وقد رفع هذا الفتح للأسواق العالمية مستويات المعيشة عبر العالم. تسوية الخلافات حتى مع وجود قواعد أو أنظمة تجارية واضحة، من المحتمل أن تبرز ضغوط حمائية ضمن الخلافات حول ما إذا كانت إجراءات معينة تنتهك القواعد المتفق عليها. وبالتالي، يجب أن تتوفر آلية منصفة وفعّالة وتطبّق في الوقت المناسب لتسوية الخلافات التجارية. وقد ظلت مسألة تسوية النزاعات تشكل، طوال معظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الحلقة الضعيفة في نظام الغات. فقد أتاح نظام حل النزاعات الذي اعتمدته هذه الاتفاقية لأي طرف مشارك في النظام بأن يمنع إلى ما لا نهاية تبني قرار نهائي في القضية. ونتيجة لذلك، كان من المحتمل بقاء الخلافات قائمة بدون حل لسنوات عديدة، مما كان يولد توجهاً يتعاطف مع السياسة الحمائية نتيجة خيبة أمل الدول الناجمة عن فشل النظام في حل الخلافات التجارية. وفي قضية فاضحة بشكل خاص، اشتكت الولايات المتحدة لما يفوق عقد من الزمن من أن الإعانات المالية الحكومية التي تقدمها المجموعة الأوروبية إلى مصنّعي إنتاج الزيوت النباتية فيها، والتي تشجع على استعمالهم للبذور المزروعة لديها محلياً، تلغي مفعول التزام المجموعة الأوروبية بتعريفة الصفر على الزيوت النباتية المستوردة، الذي كان قد تمّ الاتفاق عليه في جولة مفاوضات ديلون للعام 1961. وقد ثابرت المجموعة الأوروبية على منع إنشاء هيئة تحكيم تابعة لاتفاقية الغات. وفي نهاية المطاف، صادق الكونغرس الأميركى على مادة في قانون العام 1988 للتجارة والمنافسة الشاملة تفرض على المندوب الأميركي للتجارة اتخاذ إجراء أحادي الجانب، بموجب البند 301 من القانون، لرفع التعريفات الأميركية على كمية مماثلة من صادرات المجموعة الأوروبية في حال لم يتم حل القضية بحلول العام 1989. وتم تجنب اندلاع حرب تجارية عندما وافقت المجموعة الأوروبية على تشكيل هيئة تحكيم أصدرت قرارها لصالح الولايات المتحدة. وعندما أُنشئت منظمة التجارة العالمية في كانون الثاني/يناير 1995 عزز الأعضاء آلية تسوية النزاعات من خلال إلغاء الحق في الحيلولة دون تشكيل هيئة للتحكيم. وتنص القوانين الجديدة على أنه في حال عدم التمكن من حل أي نزاع من خلال المشاورات الإلزامية، تنظر لجنة تابعة لمنظمة التجارة العالمية في القضية ويتم إصدار حكم نهائي فيها خلال 12 إلى 15 شهراً من تاريخ الرفع الرسمي للقضية (بضمنه الوقت اللازم لأي استئناف محتمل). أما العضو الذي يثبت أنه انتهك التزاماته بموجب عضويته في منظمة التجارة العالمية فيُلزَم بالعودة إلى التقيد بها، على أن يتم ذلك عادة خلال 18 شهراً بعد صدور الحكم النهائي. وقد شجع نظام تسوية النزاعات المحسن الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية، بما في ذلك الدول المتقدمة والدول النامية على حد سواء، على اللجوء إلى نظام تسوية النزاعات لحل الخلافات. ومنذ العام 1995، رفعت أكثر من 55 دولة قضايا وتم تشكيل أكثر من 120 هيئة لتسوية النزاعات. ونظراً لأن العملية تبدأ بمشاورات إلزامية، تم التوصل إلى تسوية مئات من النزاعات قبل تشكيل الهيئة. وبالإضافة إلى ذلك، ساعد نظام تسوية النزاعات الأقوى هذا في منظمة التجارة العالمية الدول الأعضاء في معالجة أمر سخط مواطنيها عما يعتبرونه ممارسات تجارية غير منصفة تقوم بها دول أخرى من الأعضاء كما ساعدها في استعمال النتائج التي تتوصل إليها هيئات منظمة التجارة العالمية كسبب لتصحيح ممارساتها غير المتقيدة بالتزاماتها تجاه منظمة التجارة العالمية. عملية القبول في المنظمة هناك طريقة أخرى ساعدت منظمةُ التجارة العالمية من خلالها على الحد من الحمائية اتفاقيات القبول في المنظمة. فعندما تتقدم دولة بطلب الانضمام إلى عضوية منظمة التجارة العالمية يتم إخضاع نظام تلك الدولة التجاري لتدقيق صارم، ثم تتلو ذلك مفاوضات ثنائية مع دول أعضاء في منظمة التجارة العالمية، كل منها في مجالات اهتماماتها. ومن المحتمل أن تستغرق هذه العملية عدة سنوات. فعلى سبيل المثال، قضت الصين 15 سنة في التفاوض ثنائياً حول شروط قبولها قبل أن تصبح من أعضاء منظمة التجارة العالمية العام 2001. وقد أكملت دولة فيتنام، الدولة الأحدث عضوية في منظمة التجارة العالمية، للتو 11 سنة من المفاوضات الثنائية قبل قبولها في المنظمة. وبعد إتمام المفاوضات الثنائية، يوضع نص اتفاق يفصّل ما تلتزم الدولة التي قدمت طلب الانتساب القيام به لدى انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية. ففي حالة الصين، وافقت تلك الدولة على الإلغاء التدريجي لجميع القيود التي تحدد كمية الواردات من المنتجات الصناعية؛ وعلى إلغاء الشروط المفروضة على المستثمرين الأجانب كمطالبتهم بتصدير منتجاتهم؛ وعلى التطبيق القسري لحقوق الملكية في مجال الملكية الفكرية؛ وفتح مجموعة من الخدمات، تشمل الاتصالات السلكية واللاسلكية والخدمات المالية، أمام مقدمي الخدمات الأجانب. أما فيتنام فقد وافقت على تقليص التعريفات والكوتا (أي الحصص المحددة) للسلع المستوردة والإعانات المالية الحكومية للزراعة، كما وافقت على فتح تشكيلة واسعة من الخدمات أمام مقدمي الخدمات الأجانب. وأخيراً، يشترط أن توافق جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية على رزمة الالتزامات المتعلقة بفتح الأسواق، المفصلة عادة في عدة مئات من الصفحات، التي تشكل اتفاقية انضمام الدولة الجديدة إلى المنظمة. ومن الممكن أن يشكل تخلّف العضو الجديد عن التقيد بالتزاماته أساساً لرفع قضية ضده لدى منظمة التجارة العالمية. ففي العام 2006 على سبيل المثال، رفعت الولايات المتحدة، مع ست دول أخرى، قضية ضد الصين متهمة إياها بأنها تفرض رسوماً على قطع السيارات المستوردة الأمر تشكل انتهاكاً لاتفاقية قبولها في المنظمة.
جولة الدوحة قاومت منظمة التجارة العالمية السياسات الحمائية من خلال المفاوضات، والأنظمة والقوانين، وتسوية النزاعات، وعمليات القبول. ولكن النظام لا يتسم بالكمال. ولم يتم حتى الآن التوصل إلى اتفاقيات في مجالات أساسية هناك حاجة ماسة فيها إلى الاتفاقيات. فعلى سبيل المثال، لا توجد أي اتفاقية دولية تُحرّم تقديم إعانات مالية حكومية لتشجيع التصدير أو تمنع تحديد الحصص (الكوتا) لمعدلات التعريفات في تجارة المنتجات الزراعية، وهو أسلوب الحصص الذي يفرض تعريفات مفرطة الارتفاع إذا ما تجاوزت الواردات كمية معينة (كوتا). وتهدف كل جولة جديدة من المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف إلى زيادة التزام الدول الأعضاء بفتح أسواقها وإلى تحسين تأدية النظام التجاري لوظائفه. ويعتقد الخبراء بأن الجولة الأخيرة، أي دورة الأوروغواي، خلقت مئات المليارات من الدولارات على شكل فرص اقتصادية جديدة. وبإمكان جولة الدوحة، التي أُطلقت العام 2001، أن تحقق نفس الشيء هي أيضاً لأنها تسعى إلى خفض أو إلغاء الإعانات المالية الحكومية للزراعة، وتخفيض التعريفات على السلع، وتوسيع فتح أسواق الخدمات، وزيادة الشفافية ضمن نظام منظمة التجارة العالمية (بما في ذلك مجال تسوية النزاعات). ويرى الخبراء أن بإمكان مثل هذه الاتفاقية أن تنتشل الملايين من الفقر، وتساهم بمئات المليارات من الدولارات سنوياً في النمو العالمي، وتصحح بعض أفظع حالات الظلم في نظامنا التجاري. وهو أمر ينبغي علينا جميعاً أن نسعى إلى تحقيقه.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية. |
||||