eJournal USA

بين الحمائية والسياسة

بقلم بروس ستوكس

فوائد التجارة  ثمن الحمائية

المحتويات
مقدمة
ما هي الأسباب الداعية إلى تحرير التجارة؟
بين الحمائية والسياسة
على الدول النامية أن تفتح أسواقها أمام بعضها بعضا
تهدئة مخاوف العمال بشأن التجارة
استخلاص العبرة الصحيحة حول الحمائية
نموذج واضح للإصلاح
كيف تحارب منظمة التجارة العالمية الحمائية؟
المراجع
مصادر الانترنت
 

Protectionism has long been contentious. This cartoon makes fun of the protectionist platform of 1896 U.S. presidential candidate William McKinley
ما فتئت الحمائية تثير النزاع منذ فترة طويلة. ويسخر هذا الرسم الكاريكاتوري من البرنامج السياسي الحمائي الذي اعتمده المرشح وليام مكينلي في الانتخابات الرئاسية الأميركية للعام 1896.
جوزف كبلر وفردريك أوبر، مجلة باك، عدد 3 حزيران 1896

للحمائية تاريخ طويل. فقد لجأت الحكومات تحت وطأة الضغوط السياسية، في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، إلى حماية منتجي المنسوجات والسيارات والسلع الزراعية وغيرهم من منتجيها من منافسة البضائع المستوردة. وفي بعض الدول، يحظى المزارعون بالحماية رغم ضآلة أعدادهم، ليس لسبب سوى ما يتمتعون بها من قوة كبيرة لا تتناسب مع عددهم في الانتخابات. وحيث أن مشكلة الحمائية هي مشكلة سياسية، فإن علاجها يجب أن يكون سياسياً أيضا.

بروس ستوكس هو محرر العمود الخاص بالاقتصاد الدولي في مجلة ناشونال جورنال.

إن الحمائية، التي تعني تحديداً الجهود الحكومية لوقاية المنتجين المحليين من المنافسة الدولية، سياسة ذات جذور عميقة في سياسات الدول في جميع أنحاء العالم. وهي تأتي كاستجابة للمصالح الخاصة، وكانعكاس للقلق الشعبي إزاء صدمة التغيير، في آن معاً. أما الثمن الاقتصادي الذي تفرضه فمرتفع جدا.

إن مقاومة تحرير التجارة وجذورها السياسية ليست بجديدة على الإطلاق. ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر، فرضت بريطانيا رسوماً جمركية على الواردات تهدف إلى "حماية" المزارعين البريطانيين وملاّكي الأراضي الزراعية من منافسة الواردات من الحبوب الأجنبية رخيصة الثمن لمحاصيلهم. لكن هذه الرسوم الجديدة المفروضة على الواردات ما لبثت أن تسببت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية في المدن الإنكليزية، مما أرغم أرباب العمل على دفع رواتب أعلى للعمال كي يتمكن عمالهم من تحمل نفقات طعامهم. وفي العام 1846، وبعد صراع طويل داخل البرلمان تم إلغاء هذه القوانين، التي عرفت باسم قوانين الذرة، مما شكل أول مؤشر على صعود النجم السياسي للطبقة الوسطى الجديدة في المجتمع البريطاني.

وقد هيمنت نزاعات مماثلة حول التعريفات الجمركية على السياسة الأميركية طوال معظم القرن التاسع عشر. وخلال الفترة المؤدية إلى الحرب الأهلية الأميركية التي دارت رحاها من سنة 1861 إلى سنة 1865، أرادت ولايات الشمال الصناعية فرض تعريفات جمركية عالية من أجل حماية مصالح صناعتها الناشئة من خطر المنافسة الأوروبية. بينما كانت ولايات الجنوب تسعى إلى تعريفات جمركية مخفضة لأنها كانت تستورد معظم حاجاتها الاستهلاكية من الخارج، ابتداء من الأقمشة وانتهاء بالمعدات الزراعية. ومما يدل على مدى أهمية هذه المسألة أن جيفرسون دايفس، رئيس الولايات الكونفدرالية الأميركية (الجنوبية) التي أعلنت انفصالها عن الاتحاد، خصص الجزء الأكبر من خطاب تنصيبه في العام 1861، للتحدث عن ضرورة الرسوم الجمركية المنخفضة لا للتحدث عن مسألة الرق.

وبعد مرور ثلاثة أرباع القرن، شكلت الحمائية المنبثقة عن أسباب سياسية استجابة عالمية شاملة لأزمة الكساد العالمي العظيم. فخلال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 1928، تعهد هربرت هوفر، مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة، برفع التعريفات الجمركية على المنتجات الزراعية المستوردة لمساعدة المزارعين الأميركيين الذين عانوا لسنوات من تدهور أسعار سلعهم. وعندما بدأ تحرك الكونغرس لسن التشريعات التي تعهد بها هوفر، أضافت جماعات المصالح الخاصة من القطاع الصناعي الحمايات الجمركية الخاصة بها.

وقد أدى قانون سموت - هاولي للتعرفة الجمركية، الذي تم سنه في حزيران/يونيو 1930 نتيجة لتلك التعهدات، إلى رفع التعريفات الجمركية في أميركا إلى مستويات من أعلى ما شهده التاريخ الأميركي. وجاءت ردّات الفعل الأجنبية على شكل زيادات جمركية جعلت التجارة العالمية تنزلق في دوامة من التقلص السريع. وبحلول العام 1934، كانت التجارة العالمية قد تقلصت إلى ثلث الحجم الذي كانت عليه في العام 1929.

Farmers protest in France, where the political system gives them a disproportionate influence in elections.
مزارعون يحتجون في فرنسا، حيث يمنحهم النظام السياسي قوة انتخابية تفوق نسبتهم العددية بين السكان
© أسوشيتدبرس/ كلود باريس

تجارة الأقمشة والملبوسات

لقد انحسرت الحماية الجمركية إلى درجة كبيرة في العصر الحديث بفضل نصف قرن من المفاوضات الدولية المؤدية إلى تقليص القيود الجمركية المفروضة على التجارة العالمية. لكن الحمائية ما زالت اليوم ظاهرة سياسية كما كانت آنذاك. فمجموعات المصالح الخاصة في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات لا زالت على نفس مقاومتها لفتح الأسواق لأنها تريد المحافظة على هيمنتها على السوق المحلية ولكونها تخشى الأسعار الأكثر انخفاضاً والتكنولوجيا المبتكرة التي تمثلها المنافسة الأجنبية.

وتشكل الحماية التي ظلت تمنح لصناعة الملابس والمنسوجات في جميع أنحاء العالم حتى عهد قريب، نموذجاً كلاسيكياً على كيفية دفاع مثل مجموعات المصالح الخاصة هذه عن نفسها من الواردات. وقد ظهرت القيود المفروضة على تجارة الأقمشة والملابس لأول مرة في الخمسينات من القرن الماضي حينما شرعت الدول النامية بمنافسة المنتجين في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وفرضت اتفاقية ترتيبات المنسوجات المتعددة الأطراف التي أُبرمت في العام 1974 كميات محدّدة (كوتا) للواردات من كل نوع من هذه المنتجات، كما حدّدت التعريفات الجمركية التي تُفرض على هذا القطاع التجاري. وقد كلفت هذه الخطوة الحمائية المستهلك الأميركي 20 مليار دولار سنوياً من خلال ارتفاع أسعار القمصان والسراويل والملابس الداخلية. وقدّر البنك الدولي أن كل وظيفة تمت المحافظة عليها في أميركا أو أوروبا من خلال هذه التعريفات حرمت 35 عاملاً في الدول الأفقر من العمل.

ومع ذلك، نظراً لما كان يتمتع به منتجو النسيج والملبوسات والاتحادات العمالية التي تمثل العاملين في هذا القطاع من نفوذ سياسي في أميركا وأوروبا، ظلت القيود المفروضة على التجارة سارية المفعول حتى العام 1993، عندما وافقت الدول الغنية أخيراً على إلغائها. وحتى بعد ذلك، تطلب إلغاؤها التدريجي عقداً كاملا. وهكذا، لم يتم تحرير تجارة الأنسجة والملبوسات إلا في العام 2005، أي بعد نصف قرن من بدء فرض القيود الحمائية عليها. وما زالت هذه التجارة تواجه، حتى في وقتنا الحاضر، بعض الرسوم الجمركية العالية جداً.

حماية صناعة السيارات

يمكن أن تطبق الحمائية أيضاً على المنتجات الأغلى ثمناً، كالسيارات مثلاً. وقد شهدت صناعة السيارات إجراءات حمائية فرضتها جهات سياسية نافذة ذات مصالح خاصة في كل من اليابان وكوريا والصين والولايات المتحدة الأميركية، في أوقات مختلفة.

ففي السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، واجهت صناعة السيارات في الولايات المتحدة الأميركية أول منافسة أجنبية شرسة، عندما اقتحمت شركات صنع السيارات اليابانية السوق الأميركية. وعندما تعاظمت حصة اليابان من سوق السيارات في أميركا، أقنعت أكبر ثلاث شركات لصنع السيارات في أميركا، أي شركات فورد وكرايزلر وجنرال موتورز، السلطات الفدرالية بفرض حد أعلى لعدد السيارات التي يمكن لليابان شحنها إلى الولايات المتحدة. وقد وافقت إدارة الرئيس ريغان في العام 1981 على فرض هذه القيود، رغم مخالفتها المبدئية لإيمان الرئيس ريغان باقتصاد السوق، نظراً لكون قطاع صناعة السيارات وقطع الغيار العائدة لها كان من الموظِّفين الرئيسيين للعمال في أميركا. وعلاوة على ذلك، كانت هذه الوظائف تتركز في ولايات بالغة الأهمية السياسية، مثل مشيغان وأوهايو وإلينوي، كانت تتمتع بقدرة كبيرة على التأثير على الكونغرس وعلى الانتخابات الرئاسية.

وجاءت هذه الكوتا السنوية المحددة لعدد السيارات اليابانية المستوردة بنتائج مناقضة لما ابتغاه من فرضوها إذ إنها شجعت شركات السيارات اليابانية على تغيير تشكيلة أنواع السيارات المصدرة إلى الولايات المتحدة بحيث زادت عدد السيارات الأغلى ثمنا، حيث الأرباح أعلى، وخفضت عدد السيارات القليلة الثمن والصغيرة الحجم. وتشير التقديرات إلى أن الكوتا أدت في ذروتها خلال أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، إلى ضخ خمسة بلايين دولار أميركي من الأرباح الإضافية سنويا إلى صناعة السيارات اليابانية التي تمكنت آنذاك من بيع سياراتها المحددة في الكوتا بنسبة ربح أعلى. ورغم هذه الإجراءات الحمائية استمرت صناعة السيارات الأميركية بالتراجع أمام نظيرتها اليابانية في السوق الأميركية، لأن الشركات اليابانية المنتجة للسيارات، مثل تويوتا ونيسان وهوندا، ما لبثت أن تخطت هذا الحاجز التجاري وتغلبت عليه إذ بدأت بإنتاج السيارات اليابانية في الولايات المتحدة نفسها.

وأميركا ليست الدولة الوحيدة التي تلجأ إلى التدابير الحمائية تحت الضغط السياسي. ففي كوريا الجنوبية مثلا، لم تبع شركات السيارات الأجنبية اليابانية والأميركية والأوروبية سوى ثلاثين ألف سيارة في البلاد في عام 2005، أي ما نسبته فقط 3.3% من مجمل حجم سوق السيارات الكوري. وفي السنة ذاتها، باعت شركات السيارات الكورية ما يزيد عن 1.5 مليون سيارة كورية في الخارج. فالتعريفات الجمركية على السيارات، البالغة 8%، مع بعض الضرائب على حجم المحرك، تضيف حوالى 9 آلاف دولار أميركي إلى سعر كل سيارة ثمنها 30 ألف دولار مستوردة إلى كوريا. وعلاوة على ذلك، عمدت الحكومة الكورية حتى فترة قريبة إلى التدقيق في الحسابات الضريبية لكل كوري يُقدِم على شراء سيارة أجنبية، وهي وسيلة ضغط أكيدة المفعول لثني المواطنين عن شراء السيارات الأجنبية.

نفوذ انتخابي لا يتناسب مع الحجم العددي للفئة الناخبة

لعل الهيكلية الدستورية التي تتم ضمنها صياغة السياسات التجارية، والتوازن التجاري-الاقتصادي المتغير داخل المجتمعات الحديثة، ونشوء رأي عام حول القضايا التجارية حول العالم، هي أفضل ما يوضح سبب تمتع مجموعات المصالح الخاصة بالقدرة على التأثير في السياسة التجارية الأميركية، ويوضح ما إذا كانت ستستطيع الاستمرار في ممارسة هذا التأثير. ويمكن للمصالح الخاصة في الكثير من الأحيان استغلال الأنظمة السياسية لصالحها نظراً لكونها تعكس حقائق اقتصادية وسياسة لم تعد موجودة في الواقع.

ففي الولايات المتحدة الأميركية، يمثل أعضاء مجلس النواب الأميركي أفراد الشعب. وهناك نائب واحد عن كل 650 ألف مواطن تقريبا. أما أعضاء مجلس الشيوخ فيمثلون أرض الولايات. ولكل ولاية، مهما كان عدد سكانها، عضوان يمثلانها في مجلس الشيوخ. ويمثل هذا الترتيب اتفاقاً تم التوصل إليه في القرن الثامن عشر إبان وضع الدستور الأميركي بهدف إيجاد توازن بين مصالح الولايات الكبيرة والصغيرة. والنتيجة التي أدى إليها هذا الترتيب في القرن الحادي والعشرين الحالي هي منح المصالح الزراعية نفوذاً كبيراً لا يتناسب مع حجمها في مجلس الشيوخ، مما يعزز تأييد المساعدات الحكومية الرسمية للقطاع الزراعي التي يمكن أن تشوه التجارة.

لكن أميركا ليست وحيدة في انحياز دستورها إلى السياسة الحمائية. ففي فرنسا مثلا، رغم أن نسبة المزارعين الفعليين لا تتجاوز 4% من الناخبين الفرنسيين، إلا أن إقبالهم الكبير على الاقتراع يرفع تلك النسبة بحيث تشكل أصواتهم 8% من مجمل الأصوات التي يتم الإدلاء بها فعلاً في الانتخابات العامة. كما أن النظام الانتخابي الفرنسي يعطي المزارعين الفرنسيين فرصة للوصول إلى المناصب المنتخبة تتجاوز حجمهم العددي. وأكثر من ثلث محافظي (أو رؤساء بلديات) المدن الفرنسية اليوم هم إما مزارعون متقاعدون أو يمارسون الزراعة. وبما أن مجالس البلديات هي التي تنتخب أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي، فلا عجب في أن يكون المزارعون ممثلين في ذلك المجلس بنسبة تفوق حجمهم. هذا، ويُلاحظ أن هذه المفارقة بين نسبة المزارعين في مجلس الشيوخ ونسبتهم في عدد السكان الإجمالي قد تضاعفت تقريباً في العقود الأربعة الماضية.

يضاف إلى هذا أن طبيعة الانتخابات الرئاسية الفرنسية تجعل من الصعب على المرشح للرئاسة تجاهل مصالح المزارعين في البلاد. فنظام الدورة الحاسمة، حيث ينتقل المرشحان الحاصلان على أكبر عدد من الأصوات في الدورة الانتخابية الأولى إلى التنافس في دورة ثانية، يمنح المزارعين، الذين تنتمي أغلبيتهم الساحقة إلى الأحزاب السياسية اليمينية، نفوذاً كبيراً في اختيار مرشح المحافظين. ففي العام 1988 على سبيل المثال، شكلت أصوات المزارعين صوتاً واحداً من كل أربعة أصوات مُنحت لجاك شيراك، مرشح المحافظين الذي فاز في الدورة الأولى من الانتخابات. وليس من المستغرب والحالة هذه أنّ شيراك اعتُبر في كثير من الأحيان صنيعة القطاع الزراعي المنظم.

وتمكن هذه الخصوصيات التي تميز النظام السياسي الفرنسي صناعات قوية أخرى في المناطق الفرنسية المختلفة، مثل صناعة النسيج والإلكترونيات، من ممارسة ضغط مماثل. ويسهم هذا في إضعاف الـ"Patronat"، وهي الجمعية التجارية الرئيسية للصناعة الفرنسية، ويسكت معارضتها لجماعات الضغط (اللوبي) الزراعية ولسواها من القوى المؤيدة للسياسة الحمائية.

والوضع مشابه في الجمعية الوطنية في كوريا الجنوبية، حيث يتمثل ناخبو الأرياف بنسبة من المقاعد تفوق حجمهم العددي بهامش يبلغ ثلاثة إلى واحد. وقد أدى نفوذ المقترعين المزارعين هذا الذي لا يتناسب مع عددهم إلى فرض رسوم جمركية مرتفعة على الأغذية المستوردة، الأمر الذي يجبر المستهلك الكوري على دفع بعض أغلى الأسعار في العالم ثمنا للحم البقر والفواكه والخضار.

ولكن التجربة اليابانية تشير إلى أنه يمكن لتغيير الترتيبات الدستورية أن تحدث أثراً تحويلياً في السياسة الضاغطة باتجاه الحمائية. فحتى العقد الثامن من القرن الماضي كان تحديد الدوائر الانتخابية التي ترسل ممثلين إلى مجلس النواب "الدييت" الياباني يعكس توزيع السكان الذي كان قائماً في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، حينما كان ثلث السكان فقط يعيش في المدن بينما يعيش الثلثان الباقيان في الأرياف. إلا أنه بحلول الثمانينات من القرن الماضي كان ثلاثة أرباع السكان قد باتوا يعيشون في المدن. ونتيجة لذلك، كان انتخاب عضو في مجلس الدييت يحتاج إلى عدد من أصوات سكان المدن يبلغ خمسة أضعاف ما يحتاجه من أصوات سكان الأرياف. وكان بين النتائج الجانبية التي أفرزها هذا النفوذ الريفي فرض تعريفة جمركية بلغت 700% على الرز المستورد وجعل القطاع الزراعي الياباني من أكثر القطاعات الزراعية حماية في العالم.

ولكن إصلاح النظام الانتخابي الياباني في العام 1994 قلص بشكل دراماتيكي التباين بين تمثيل سكان الريف وسكان المدن في المجلس التشريعي. ودفع هذا التبدل في ميزان القوة الانتخابية الحزب الليبرالي الديمقراطي، الذي سيطر على السياسة اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية، إلى تحويل نفسه من حزب ريفي إلى حزب مدني، له أولويات سياسية جديدة مختلفة. وقد تم تحويل المساعدات الحكومية الرسمية التي كانت تُمنح إلى المزارعين إلى سكان المدن، وفي حين أن اليابان ما زالت بعيدة عن أن توصف بأنها اقتصاد حر منفتح، إلا أنها تستورد اليوم أكثر بكثير مما كانت تستورد في أي وقت مضى.

Japanese farmers resist trade agreements opening the country’s agricultural markets to any more foreign competition.
مزارعون يابانيون يحتجون على اتفاقيات التجارة التي تفتح الأسواق الزراعية أمام مزيد من المنافسة الخارجية
© أسوشييتدبرس/ إتسو إينويي

ازدواجية الموقف الشعبي

تخضع السياسات التجارية أيضا للازدواجية العميقة في الموقف الشعبي إزاء التجارة العالمية.

فمن حيث المبدأ، ينظر الناس في جميع أنحاء العالم إلى العولمة على أنها شيء جيد ومفيد لعائلاتهم ولأوطانهم. فمن الاستطلاع الذي أجراه "مشروع بيو للمواقف العالمية" في العام 2002 يتبّين أن أغلبية كانت تصل إلى 60% على الأقل في 25 دولة من أصل الـ 44 دولة التي شملها الاستطلاع اعتبرت العولمة أمراً جيدا. وكان الأفارقة، الذين يعيشون في أشد القارات فقراً، أكثر المتحمسين للعولمة. فقد قال سبعة من كل عشرة ممن أجابوا على أسئلة الاستطلاع في أوغندا إن ازدياد التجارة العالمية يفيد بلدهم. وأيد هذا الرأي ثلثا النيجيريين تقريبا. كما قال أكثر من نصف الفيتناميين الذين يعتبر اقتصادهم ثاني أسرع اقتصاد آسيوي تنامياً إن العولمة كانت مفيدة لهم.

إلا أن استطلاعاً أحدث للرأي قام به صندوق مارشال الألماني توصل إلى وجود ازدواجية في الموقف الشعبي الأوروبي والأميركي إزاء التجارة. فقد أيد سبعة من كل عشرة أميركيين التجارة العالمية في العام 2006، مقارنة بتأييد ثلثي الأميركيين لها فقط في العام 2005. وأعربت حتى نسبة أكبر من الأوروبيين، ثلاثة من كل أربعة، عن تأييدها للتجارة في ذلك العام، مقارنة بتأييد اثنين من كل ثلاثة لها في العام 2005. إلا أن أكثر من نصف الفرنسيين وحوالى ثلث الأميركيين لا يؤيدون تحرير التجارة إلى حد أكبر. كما أن نصف الألمان وثلاثة أخماس الأميركيين والفرنسيين يعتقدون أن التجارة الأكثر تحرراً تقضي على فرص عمل يفوق عددها عدد فرص العمل التي تستحدثها.

وعلى وجه الإجمال، يبدو أن الأميركيين والأوروبيين يؤيدون التجارة الحرة من حيث المبدأ، إلا أنهم يؤيدون الحمائية على أرض الواقع. فالأشخاص أنفسهم الذين يؤيدون التجارة الحرة كفكرة فلسفية يدعمون أيضاً فرض تعريفات على ما يستورد من الفولاذ، على سبيل المثال، إذا ما كانت تلك التعريفات ستحمي فرص العمل المحلية.

وتكمن المأساة في الحمائية في الثمن الاقتصادي الذي تفرضه على الاقتصادات القومية، سيما الفقيرة منها. فقد خلصت دراسات أجراها البنك الدولي أخيراً إلى أن إزالة الحواجز الحمائية في بعض الدول النامية أدت إلى ازدياد النمو الاقتصادي بنسبة تتراوح بين 1.2% و2.6%. وبالإضافة إلى ذلك، أعقب تحرير التجارة تنامٍ سريع في حجم الاستثمارات وفي حجم الصادرات من السلع والخدمات.

وعلى الرغم من هذه الفوائد الاقتصادية المتأتية عن إلغاء الحمائية، تشير جذورها السياسية وتاريخها الطويل إلى أن الحواجز الموضوعة في طريق التجارة الحرة ستبقى قائمة كعائق أمام الرخاء الاقتصادي لسنوات قادمة وإلى أنه لن يكون من الممكن التغلب على الحمائية إلا من خلال معالجتها سياسيا.

فوائد التجارة  ثمن الحمائية

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء ولا سياسات حكومة الولايات المتحدة.

Back to Top


        يشرف على هذا الموقع مكتب برامج الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأميركية.
       إن الآراء المتضمنة في المواقع غير التابعة للحكومية الأميركية والمرتبطة بهذا الموقع لا تعكس بالضرورة آراء وزارة الخارجية.