Economic Perspectives

إصلاح المؤسسات المالية الدولية

مجلة إلكترونية تصدرها وزارة الخارجية الأميركية

شباط/فبراير، 2001

في هذا العدد:

كلمة المحرر | العناوين الرئيسية


كلمة المحرر

خلال العقد الماضي، ولأكثر من أي وقت مضى، دُعيت المؤسسات المالية الدولية، من قبل البلدان المنتسبة إليها لمعالجة أزمات مالية، ولمساعدة حكومات تقوم بإصلاحات إقتصادية وإجتماعية، ولمساعدة بلدان فقيرة في إيجاد سبل جديدة للتطور والنمو.

وقد ساعد كل من صندوق النقد الدولي، ومجموعة البنك الدولي، وبنوك التنمية الإقليمية في هذه الجهود، التي تراوحت بين معالجة أزمات مالية في المكسيك وآسيا وأماكن أخرى، وبين مساعدة بلدان تتبع أنظمة الاقتصادات الموجهة في التحول إلى إقتصاد السوق، وفي تسهيل تخفيف عبء الديون في أشد الدول فقراً.

حصل ذلك فيما كانت أسواق الرساميل العالمية نفسها تشهد تحوّلات. فقد أصبحت الرساميل الخاصة تتنقل في مختلف أنحاء العالم بكميات وأشكال لم يسبق لها مثيل، بحيث يصل بعضها إلى بلدان نامية كانت في السابق تتطلع إلى أسواق الرساميل الخاصة دون جدوى.

وفي الوقت نفسه، زادت التساؤلات حول فعالية المؤسسات المالية الدولية في التصدي للتحديات المالية العالمية، وحول هيكليتها، وأولوياتها، ونهج عملها، ومرونتها.

هل تُحسن المؤسسات المالية الدولية القيام بمهامها في مواجهة هذه التحديات الجديدة، وفي اغتنام الفرص الجديدة التي تُتاح لها؟ ماذا ينبغي أن يكون دور صندوق النقد الدولي؟ هل يتعذّر تفادي وقوع الأزمات المالية، أم أن ما تقوم به المؤسسات المالية الدولية يزيد من احتمال وقوع تلك الأزمات؟ كيف يجب أن يغيّر البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية عملياتها لكي تُصبح أكثر فعالية في البيئة الجديدة؟

هناك الكثير من إختلاف الآراء بصدد هذه التساؤلات. ويمكننا توقع بدء نقاش عام حول هذه القضايا فيما تقوم حكومة الرئيس بوش برسم سياساتها حيال المؤسسات المالية الدولية في الأشهر المقبلة. ونأمل أن تساعد وجهات نظر الخبراء التي يعرضها هذا العدد من مجلة "مواقف إقتصادية" في توضيح هذه القضايا.


العناوين الرئيسية

إصلاح صندوق النقد الدولي وإعادة تركيز نشاطاته : بقلم السناتور فيل غراهام، رئيس لجنة الشؤون المصرفية والإسكان والشؤون المدينية في مجلس الشيوخ الأميركي

إصلاح المؤسسات المالية الدولية: خطة للاستقرار المالي والتنمية الاقتصادية، بقلم ألان ايتش ميلتزر، أستاذ مادة الاقتصاد السياسي والسياسة العامة، في جامعة كارنيغي ميلون

صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: معالجة الأزمات المالية وشؤون التنمية، حوار مع تيموثي غيثنر، عضو مجلس العلاقات الخارجية ووكيل وزارة المالية الأميركية للشؤون الدولية سابقاً

بنوك التنمية المتعددة الأطراف في اقتصاد عالمي متغّير، بقلم نانسي بيردسول، باحثة بارزة وبرايان ديس، باحث جديد، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

السلع العامة الإقليمية في المساعدات الدولية، بقلم ليزا كوك، مساعدة بحث، وجيفري ساكس، مدير، مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد

برنامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتقييم القطاع المالي، بقلم بول هيلبرز، نائب رئيس قسم مراقبة الأنظمة المالي، دائرة شؤون النقد وصرف العملات، صندوق النقد الدولي

* وقائع وأرقام

المؤسسات المالية الدولية

تسلسل الأحداث المتعلقة بالمؤسسات المالية الدولية

مبادرة تخفيف أعباء الديون عن البلدان الفقيرة المثقلة بالديون


إصلاح صندوق النقد الدولي وإعادة تركيز نشاطاته

بقلم السناتور فيل غراهام، رئيس لجنة الشؤون المصرفية والإسكان والشؤون المدينية في مجلس الشيوخ الأميركي

يقول السناتور فيل غراهام، ممثل ولاية تكساس في مجلس الشيوخ ورئيس لجنة الشؤون المصرفية في المجلس، التي لها صلاحية الإشراف على سن التشريعات التي تتعلق بصندوق النقد الدولي، إنه يجب على الصندوق أن يعود إلى مهمته الأصلية المتمثلة بمساعدة البلدان التي تعاني عُسراً ماليا، بأن يوفّر لها قروضاً قصيرة الأمد بفوائد غير ميّسرة، ما يعكس طبيعة الصندوق باعتباره "الملجأ الأخير للإقراض."

ويرى السناتور غرام أنه ينبغي على صندوق النقد الدولي أن يتوقف عن منح قروض طويلة الأمد، ويتوقف عن تقديم معونات التنمية، لأن البنك الدولي هو أفضل من يقوم بمثل هذين الأمرين. ويضيف السناتور غراهام، وهو من منتقدي سياسة الولايات المتحدة تجاه صندوق النقد الدولي، إنه ينبغي اتخاذ خطوات لضمان وصول منافع تدابير تخفيف أعباء الديون التي يتخذها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى شعوب الدول التي تطبق فيها هذه التدابير. ويقول: "دون ضمانات تتعلق بكيفية استخدام الموارد التي تتحرر (بفعل تخفيف أعباء الديون)، هناك خطر كبير من إمكانية أن تُستخدم هذه الموارد في دعم الفساد الحكومي" في الدولة المعنية.

خلال العام الماضي، تدارس الكونغرس والحكومة (الإدارة) أفضل سُبُل مساعدة دول تواجه الإنهيار بسبب أزمات مالية كبرى، أو بسبب أعباء ديون ضخمة جداً. وبصفتي رئيساً للجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ، هناك مبدأ لست على استعداد أبداً للتساهل حياله، وهو: على المعونة الأميركية أن تساعد الدول المعنية لحل مشاكلها، لا لتكرار تلك المشاكل.

لا تُستخدم المعونة الأميركية، في غالب الأحيان، لانتشال فقراء العالم من براثن الفقر ولكنها تُهدر على بيروقراطيين وطغاة، ما يجعل مواطني هؤلاء أسرى دوامة مستمرة من الفقر المتزايد. ينبغي علينا أن نتوقف عن تبديد أموالنا، وأن نبدأ في توجيهها إلى حيث يكون لها تأثير ملموس على ملايين الفقراء في مختلف أنحاء العالم. ولكسر دوّامة الفقر، علينا إصلاح صندوق النقد الدولي عن طريق إعادة توجيه أولوياته وإعادته إلى مهمته الأصلية. علينا ضمان أن تصل منافع برامج تخفيف أعباء الديون التي يقوم بها صندوق النقد الدولي إلى شعوب البلدان الأشدّ فقراً، لا إلى النخبة الفاسدة التي تحكم تلك الدول.

نظرة إلى مهمة صندوق النقد الدولي وأولوياته

يشكل إصلاح صندوق النقد الدولي الخطوة الأولى الحاسمة. إن الولايات المتحدة هي أحد كبار المساهمين في تمويل الصندوق، لكنها لا تحصل على مردود جيد لاستثمارها. فالقروض التي يقدمها صندوق النقد الدولي أيام الأزمات أصبحت أكبر حجماً، وأطول أمداً، وأكثر تكراراً، ولا تحقق ما يُذكر من النتائج الاقتصادية أو التنموية في البلدان التي تُمنح لها. ولا بد أن الكثير من ناخبيّ في تكساس يقولون إن مثل هذا الاستثمار ليس منطقياً.

كان الكونغرس قد اقترح بعض الإصلاحات الأساسية عام 1998، عندما خصصنا 18,200 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأميركيين لصندوق النقد الدولي. مقابل هذا الأمر، أصررنا على أن يضع صندوق النقد الدولي ضمن أولوياته وجوب قيام البلدان المعنيّة بإصلاحات تُراعي قوى السوق، واتخاذها تدابير لإصلاح أنظمة الحكم، وضمان أن يحصل فقراء العالم على المنافع التي تحققها مساعدات صندوق النقد. ولقد تحقّق بعض النجاح في هذا المجال. ولكننا، بالإجمال، لا نزال ننتظر أن يقوم صندوق النقد الدولي بالعمل المطلوب منه، وأن تترسّخ تلك الإصلاحات.

عملت خلال العام الماضي، ولا أزال، في سبيل إصلاح أكثر جوهرية، ألا وهو إعادة التوكيد على المهمة الأساسية لصندوق النقد الدولي. فإذا كنا نريد ضمان حصول فقراء العالم (ودافعي الضرائب الأميركيين) على عائد جيد لاستثماراتهم، يبدو لي أنه يجب على الولايات المتحدة أن تحدد بصورة واضحة ماهية المهمة التي نريد لصندوق النقد الدولي أن يقوم بها. ينبغي أن تكون تلك المهمة مماثلة للمهمة التي كان قد تم تصوّرها أصلا لهذه المؤسسة. فبموجب اتفاق "بريتون وودز"، كانت أولى مهام الصندوق توفير قروض سيولة قصيرة الأمد لمحاولة المحافظة على ثبات أسعار صرف العملات المثبتّة. ولكن، مثل كل الوكالات الحكومية، قومية كانت أم دولية، عندما لم تعد تلك هي مهمة الصندوق، فإنه قام بإعادة تحديد مهامه وتوسيع نطاق تلك المهام بمرور الزمن.

اليوم، يصرف صندوق النقد الدولي وقته في معالجة أزمات نقدية كبرى في العالم النامي عن طريق منح قروض طويلة الأمد، غالباً ما تكون بشروط ميسّرة. ويتم تمديد شروط هذه القروض لسنوات عديدة. فهناك سبعون دولة مدينة لصندوق النقد الدولي منذ أكثر من عشرين سنة. وفي آذار/مارس 2000، قدّمت لجنة استشارية شكّلها الكونغرس للنظر في أوضاع المؤسسات المالية الدولية، تعرف باسم "لجنة ميلتزر"، تقريراً للكونغرس الأميركي عن صندوق النقد الدولي وبنوك التنمية الإقليمية. وكما أشارت اللجنة، فإن التغيّر المتمادي في مهمة الصندوق، جعل عدداً من الدول الفقيرة تزيد من إعتمادها على هذا الصندوق دون الاهتمام بالعمل في سبيل تقدمها الاقتصادي.

إن دوّامة الفقر، والتي تدفع بها الديون، لن تتوقف إلا عندما يعمد صندوق النقد الدولي إلى إصلاح أولوياته ومهمته. ومن أجل إصلاح أولوياته، ينبغي على الصندوق أن يطبق بالكامل الإصلاحات التي اقترحها الكونغرس عام 1998. فبالضغط على الدول المعنية كي تعتمد سياسات اقتصادية تعتمد على قوى السوق، وتشجّع النمو الاقتصادي، والديمقراطية، وتُثني عن الفساد، يمكننا المساعدة في ضمان أن يحصل المواطنون، لا النخبة الحاكمة، على المنافع التي توفرها مساعدات الصندوق.

ولإصلاح مهمة الصندوق، اقترح ثلاث خطوات. الخطوة الأولى، هي أن يعود صندوق النقد الدولي إلى التركيز على مهمته الأساسية المتمثلة بتقديم قروض قصيرة الأجل من أجل معالجة ظروف خلل مالي ونقدي (تمر بها البلدان المعنية)، وأن يبتعد عن مجال تقديم معونات التنمية (وهذه مهمة يعتبر البنك الدولي أكثر قدرة على القيام بها). الخطوة الثانية، هي وضع حد لما لدى الصندوق حالياً من برامج إقراض طويل الأمد، ومن ثم إلغاء هذه البرامج على مراحل. والخطوة الثالثة، هي تحديد أسعار الفائدة على قروض الصندوق بصورة تعكس طبيعته باعتباره الملجأ الأخير للإقراض، وذلك لتشجيع البلدان المعنية على الاستعانة بمصادر خاصة للتمويل قبل اللجوء إلى الصندوق. عند إجراء هذه التغييرات، يصبح في وسع فقراء العالم أن يشهدوا تخفيفاً للأعباء ذا معنى.

تخفيف أعباء الديون

إننا بحاجة إلى إصلاحات مماثلة عندما يتعلق الأمر بالمبادرة المتعددة الأطراف الخاصة بـ "البلدان الفقيرة المثقلة بالديون". ولقد تأهل حتى اليوم 22 بلداً شديد الفقر، هي بينين، بوليفيا، بوركينا فاسو، الكاميرون، غويانا، غامبيا، غينيا، غينيا بيساو، هوندوراس، مدغشقر، مالاوي، مالي، موريتانيا، تنزانيا، أوغندا وزامبيا، للإفادة من تخفيف أعباء الديون المستحقة عليها بما يزيد عن 30,000 مليون دولار. وهناك 11 بلداً آخر قد تتأهل لذلك في المستقبل.

لقد اقترضت هذه البلدان الـ33 أموالاً من الولايات المتحدة وغيرها من الدول. وفي معظم الأحيان كانت هذه الأموال تهدر على برامج سبق أن رُفضت في مختلف أنحاء العالم؛ وفي الكثير من الأحيان، كانت تُسرق الأموال مباشرة من قبل بيروقراطيين أو حكام طغاة. لكن هذه البلدان طلبت من الولايات المتحدة تكراراً أن تعفيها من الديون المستحقة لها عليها، وفي نهاية المطاف، وافق الكونغرس في العام الماضي على الإعفاء. وفّر الكونغرس للحكومة مبلغ 435 مليون دولار لتساهم به في مبادرة "البلدان الفقيرة المثقلة بالديون"، كما أذن لصندوق النقد الدولي باستخدام عائدات مبيعاته من الذهب للمساهمة في هذه المبادرة.

في "كوليدج ستيشن"، وهي بلدتي في ولاية تكساس، من الصعوبة بمكان كسب التأييد للتنازل عن ديون مقدارها آلاف ملايين الدولارات مستحقة على بلدان أخَذَت هذه الأموال وبدّدتها. رغم ذلك، فقد قبلت التنازل عن هذه الديون لأني اقتنعت أن من المنطقي للولايات المتحدة أن تتنازل عن ديون مستحقة على بلدان فقيرة جداً يستحيل عليها سدادها. ولكنني لم أؤيد الاتفاق النهائي الذي تم التوصل إليه في العام الماضي للمصادقة على تمويل تخفيف أعباء الديون. لم أؤيده لأنه لم يعمد حتى إلى محاولة ضمان أن تصل منافع تخفيف أعباء الديون إلى شعوب البلدان المستفيدة، لا إلى حكوماتها. وكانت إدارة الرئيس كلينتون، خلال ترويجها لبرنامج تخفيف أعباء الديون، قد وصفت ذلك بأنه "تدبير مالي جيد" و"السبيل الصحيح لتقليص الفقر". قد يكون هذا هو القصد منه. لكن، دون وجود ضمانات تتعلق بكيفية إنفاق البلدان المعنية للأموال التي لم يعد عليها تسديدها، هناك احتمال كبير لأن تُستخدم هذه الأموال في دعم الفساد الحكومي في بلدان مثل غامبيا والكاميرون، أو في مساندة أعمال العنف في بلدان تمزقها الحرب مثل التشاد، بدلاً من أن تُستخدم في كسر دوَامة الفقر التي تلّف مواطني تلك البلدان.

لقد كنت أعتقد آنذاك، ولا أزال أعتقد اليوم، أنه إذا كنّا لنلغي ديون بلدان ما، ينبغي علينا أن نتأكد من وصول المنافع التي تنجم عن ذلك إلى أهالي تلك البلدان لا إلى النخبة الفاسدة التي تحكمها. وإلا فإن بادرتنا الخيّرة هذه لن تؤدي إلى أكثر من تبديد أموال يمكن أن تستخدم في غايات أفضل. ولقد توصّل آخرون إلى الاستنتاج نفسه الذي توصلت أنا إليه.

شروط الإعفاء من الديون

من الأمثلة على دواعي قلقي: في اليوم الذي تأهّلت فيه أوغندا، وهي من أولى البلدان التي تم اختيارها للإعفاء من الديون، قام رئيسها بشراء طائرة فخمة من طراز "غالف ستريم" يبلغ ثمنها 32 مليون دولار ليتنقل بها في مختلف أنحاء البلاد. الأمر "السار" هو أن كلفة تلك الطائرة كانت لتبلغ في الأصل 47 مليون دولار. ولكن ذلك يخبو إزاء الأمر المحزن وهو أن مبلغ الـ32 مليون دولار كان ليفيد كثيراً أهالي أوغندا الفقراء لو إنه استخدم لتعزيز النمو الاقتصادي بدلاً من شراء الطائرة.

هناك مثال آخر، هو تشاد: فالتشاد بلد يُمكن أن يتأهل للإفادة من تخفيف أعباء الديون بموجب مبادرة "البلدان الفقيرة المثقلة بالديون"، ولكنه يحتل حيزا بارزاً في التقرير السنوي الذي تعده وزارة الخارجية الأميركية عن إنتهاكات حقوق الإنسان. ويشير آخر تقارير وزارة الخارجية عن إنتهاكات حقوق الإنسان إلى إن قوات الأمن في تشاد تواصل إعدام أشخاص دون أي مراعاة للأصول القانونية، كما تواصل أعمال تعذيب وضرب وإساءة معاملة واغتصاب المواطنين. أنا لا أحبذ تخفيف أعباء الديون عن حكومة تقوم بتعذيب وضرب وإساءة معاملة واغتصاب مواطنيها.

من الصحيح أن الحكومات المدنية المنتخبة أخذت تُصبح أمراً شائعاً، ولكن ليس في كثير من هذه البلدان. وقد تكون هناك أساليب جديدة للحؤول دون أن تدعم أموالنا ميزانيات حروب، أو حسابات حكام طغاة في بنوك سويسرية، ولكن صندوق النقد الدولي لا يريد استخدام هذه الأساليب. وقد تكون نتيجة ذلك استمرار الحروب، والسرقات، والتصرفات الوحشية، واستمرار البؤس.

لقد نظرت إلى حل مشكلة تخفيف أعباء الديون بالطريقة نفسها التي تنظر فيها الأسرة الأميركية عندما يدق بابها محصّل الديون. فهي تحسب مقدار دخلها ومقدار إنفاقها، وتقرر ماهية التغييرات التي يتعيّن عليها القيام بها للتخلص من أزمة ديونها. أي أنها تغيّر عاداتها وتغيّر تصرفاتها (التي أدت إلى وقوعها في أزمة الدين).

لهذا اقترحت أن نرهن إلغاءنا الديون المستحقة لنا بتحقيق أمرين: الأول، هو عدم إلغاء ديون أي دولة ترتكب حكومتها إنتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، والثاني، وجوب أن تعتمد الدولة التي يتم إلغاء ديونها مقاييس تستند إلى قوى السوق من أجل قياس التقدم الذي يتحقق في مجالي الإصلاح الاقتصادي وإصلاح الحكم. لقد رأيت أن هذه هي الطريقة الأفضل لضمان أن يحطم الإسهام المالي الأميركي حلقة البؤس المستمرة التي تحاصر مواطني هذه الدول. هذا هو اقتراحي الذي طرحته لدى التصويت على تمويل برنامج تخفيف أعباء الديون في العام الماضي، ولا يزال هو إياه اليوم.

الخروج من حلقة الفقر

يعيش ملايين الناس في مختلف أنحاء العالم حياة بؤس وفُقر مدقع. وهؤلاء يستحقون من قادتهم ما هو أفضل من. من خلال إعادة تركيز جهود صندوق النقد الدولي وإصلاحه، قد تكون حكومات هؤلاء الناس أصبحت تعرف أن تبني تغيّرات هيكلية تعتمد على قوى السوق من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي والحكم الصالح. وأن ذلك أكثر حكمة من الاستمرار في اتباع النهج الاشتراكي الذي يقيّد الحرية الاقتصادية، ويزيد الاتكال على القروض من صندوق النقد الدولي ومن البلدان الأجنبية. ومن خلال تخفيف دولي لأعباء الديون، مشروط باستخدام الموارد الجديدة المتوفرة بصورة مُنتجة، قد تعمل حكومات أولئك الناس في سبيل توفير مستوى معيشة أفضل لشعوبها.

يؤسفني ألاّ يكون إصلاح صندوق النقد الدولي، ولا الضمانات الخاصة بالتخفيف من أعباء الديون، قد قطعت أشواطاً كبيرة إلى الأمام العام الماضي. ومن أجل فقراء العالم، آمل أن يتحقق تقدم اقتصادي رغم ذلك. وفي هذه الأثناء، أنوي أن أواصل النضال للتيقّن من أن تساعد المعونة الأميركية الدول المعنية على الخروج من حلقة الفقر، لا البقاء فيها.

(ملاحظة: الآراء التي تم الإعراب عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات وزارة الخارجية الأميركية).


إصلاح المؤسسات المالية الدولية: خطة للاستقرار المالي والتنمية الاقتصادية

بقلم ألان ايتش ميلتزر، أستاذ مادة الاقتصاد السياسي والسياسة العامة، في جامعة كارنيغي ميلون

أقرّ الكونغرس الأميركي في تشرين الثاني/نوفمبر 1998، كجزء من عملية تخصيص مبلغ 18000 مليون دولار لتمويل صندوق النقد الدولي، إنشاء "اللجنة الاستشارية الخاصة بالمؤسسات المالية الدولية". وهدف هذه اللجنة هو النظر في فعالية عمل المؤسسات المالية الدولية التي تضم صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، وبنوك التنمية الاقليمية.

تولى رئاسة اللجنة ألان ميلتزر، وهو أستاذ مادة الاقتصاد في جامعة كارنيغي مالون، واستاذ زائر في المؤسسة الأميركية للأعمال (أميركان انتربرايز إنستيتيوت). في آذار/مارس 2000، أرسلت اللجنة إلى الكونغرس تقريراً، حظي بموافقة ميلتزر وأكثرية أعضاء اللجنة، ينتقد المؤسسات المالية الدولية بشدة، ويقترح إجراء تغييرات هيكلية بعيدة الأثر في هذه المؤسسات. وفي ما يلي يعرض ميلتزر استنتاجات وإقتراحات أكثرية أعضاء اللجنة.

يختلف إقتصاد العالم والنظام المالي الدولي اليوم كثيراً عمّا تم تصوره لهما في مؤتمر بريتون وودز عام 1944، عندما تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ولقد استجابت هاتان المؤسستان الماليتان الدوليتان الرئيسيتان للتغيّرات الكثيرة التي حصلت في العقود الأخيرة، كما تصدتا للتحديات العديدة التي برزت في تلك الحقبة. وقد فعلتا ذلك عن طريق توسيع نطاق مهامهما وإضافة مرافق وبرامج إقراض جديدة إلى تلك التي كانت قائمة في الأصل. وفتحت مؤسسات إقليمية جديدة، مثل بنك التنمية للبلدان الأميركية، أبوابها لتلبية حاجات سكان مختلف مناطق العالم، ولكن الكثير من نشاطات هذه المؤسسات يتداخل مع نشاطات وأعمال البنك الدولي.

إضافة إلى ذلك، حصل تغييران كبيران في البيئة المالية الدولية إستوجبا تغييرات في مسؤوليات المؤسسات المالية الدولية. الأول، هو أن نظام سعر الصرف الثابت والقابل للتعديل، الذي تم اعتماده في مؤتمر بريتون وودز، إنتهى منذ حوالي 30 سنة. والثاني، هو أن المؤسسات المالية الخاصة، والشركات، والأفراد في البلدان الصناعية أصبحوا اليوم يوفرون القدر الأكبر من الرساميل التي تصل بلدان العالم النامي. أصبح ما توفره المؤسسات المالية الدولية من مجموع الرساميل هذه أقل من نسبة 5 بالمئة. ولكن الكثير من البلدان الأشد فقراً في العالم لا يزال يعتمد عل المؤسسات المالية الدولية للحصول على الرساميل.

وقد وقعت بعد هذه التغييرات مشاكل كبرى في النظام المالي الدولي. فلقد أصبح بعض البلدان يعتمد بصورة زائدة على رساميل خاصة تدخل البلاد لأمد قصير في تمويل مشاريع تنمية طويلة الأجل، وهو نهج شديد المخاطر طالما تسبب بأزمات مالية عبر التاريخ. وغالباً أيضاً ما استُخدمت الأنظمة المالية في البلدان النامية لدعم صناعات أو أشخاص ذوي حظوة، الأمر الذي أضعف المؤسسات المالية، وتسبب بضمور رساميلها، وزاد من مخاطر وقوعها في أزمات ومخاطر تُعرّضها للإفلاس. كما أن ما حصل في العديد من البلدان النامية من ربط أسعار صرف العملات فيها بسعر ثابت لعملة أخرى جعل هذه الأسعار عرضة للمضاربة. كل هذه العوامل ساعدت في إيجاد أنظمة مالية معرضة لأزمات شديدة متكررة.

علاوةً على ذلك، في حين تقوم المؤسسات المالية الدولية بإقراض الحكومات، فهي لا تملك أي تأثير على كيفية إنفاق تلك الحكومات لأموال القروض التي تحصل عليها. وفي كثير من الأحيان، تبقى مشاريع (مُنحت القروض لإقامتها) دون إنجاز، ويتم استخدام أموال القروض في غير الغايات التي تم الاقتراض من أجلها، وتبقى الإصلاحات الموعودة دون تطبيق. وبدلاً من تحسين أداءها، قامت بنوك التنمية بتوسيع مدى برامجها بحيث أصبحت تتداخل مع برامج صندوق النقد الدولي. والعكس صحيح أيضاً. فصندوق النقد الدولي، الذي أُنشئ في الأساس لمعالجة المشاكل المالية القصيرة الأمد، أخذ اليوم يمنح قروضاً طويلة الأجل بهدف القيام بإصلاحات هيكلية وتنفيذ برامج إزالة الفقر. وهناك بلدان أصبحت مدينة للصندوق بصورة دائمة. لكن الإقراض الطويل الأمد يجب أن يبقى من شأن بنوك التنمية.

إصلاحات هيكلية مطلوبة

لاستعادة فعالية المؤسسات المالية الدولية، ينبغي أن تخضع هذه المؤسسات لإصلاحات هيكلية.

الدور الصحيح لصندوق النقد الدولي يجب أن يكون إتّقاء وقوع الأزمات المالية، والحؤول دون امتدادها، أو اتساع نطاقها، إذا وقعت. وإتّقاء وقوع الأزمات لا يعني أنه يجب على صندوق النقد الاستمرار في "إنقاذ" المقرضين، أو إقراض مقادير ضخمة من الأموال للمحافظة على استقرار أسعار صرف عملة مربوطة بسعر صرف ثابت لعملة أخرى، أو لفرض سياسات يتعين على البلدان المقترضة ان تتبعها. ويجب على الصندوق ألا يقرض بلداً ما من أجل تمويل الإصلاح الهيكلي لمؤسسات ذلك البلد. على الصندوق أن يقدّم النصح والمشورة، ولكن يجب عليه ألا يربط تنفيذ النصح والمشورة بتقديم المعونة.

أما مهمة بنوك التنمية، وهي البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية، فيجب أن تكون ذات عناصر أربعة هي: تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية (بما في ذلك إصلاح المؤسسات داخل البلدان المعنية)؛ تحسين نوعية الحياة؛ تقليص الفقر؛ وتوفير السلع العامة، العالمية منها والإقليمية. يجب ألا تكون هذه المؤسسات مصارفاً بالمعنى التقليدي. فمهمتها يجب ألا تكون زيادة عدد وحجم قروضها، أو توفير القروض للبلدان ذات الوضع الإئتماني الجيد. بل يجب أن تكون مهمتها دفع التنمية قُدُماً، لا الإقراض. ولكي تعكس هذا ينبغي أن تتغير أسماء هذه المؤسسات من بنوك تنمية إلى وكالات تنمية.

ينبغي أيضاً القيام بخطوات لمعالجة مشكلة "التداخل" بين نشاطات البنك الدولي وأعمال بنوك التنمية الإقليمية. لقد بدأ البنك الدولي في إنشاء مكاتب ميدانية في البلدان التي تحصل منه على قروض. ولكن هذا الأمر يشكل هدراً للموارد من قبل بيروقراطية كبيرة لا تتسم بالكفاءة. فلدى بنوك التنمية الإقليمية مكاتب في كل البلدان التي تتعامل معها. ولدى الكثير من الحكومات ومواطنيها روابط أوثق، من ناحية اللغة والثقافة والتفاهم، مع الوكالات الإقليمية. وإذا تولت البنوك الإقليمية المسؤولية الحصرية في العديد من البرامج التي تُنَفّذ في مناطقها، فإن الكفاءة تتحسن، والتداخل المكلف يقل. والدور المباشر للبنك الدولي يجب أن يكون محصوراً بالمناطق التي يوجد لديها بنك تنمية، إضافةً الى أفريقيا، حيث مشاكل الفقر أشد وطأة وأصعب معالجة، وحيث خبرة بنوك التنمية تقل عن خبرة البنك الدولي. ويجب على البنك الدولي أن يواصل تقديم المعونة التقنية ويواصل العمل على نقل المعرفة ونشرها في كل المناطق.

الشروط المُسبقة لمساعدات صندوق النقد الدولي

ينبغي على صندوق النقد الدولي أن يركز على أربع مهام رئيسية، هي: إتّقاء وقوع أزمة؛ إدارة الأزمات؛ تحسين نوعية وزيادة كمية المعلومات الرسمية؛ وتقديم المشورة في مجال الاقتصاد الكلّي للبلدان النامية.

لكل من الأزمات الخطيرة التي وقعت منذ عام 1982 خصائص تنفرد بها وخصائص أخرى تشترك فيها مع غيرها. فحتى قبل اندلاع الأزمة، يكون المستثمرون قد بدأوا بسحب أموالهم. وفي العادة يضمن البلد قيمة سعر صرف الأموال الموجودة لديه في محاولة لدرء وقوع حالة طارئة. ومثل هذا الأمر يؤجل وقوع الأزمة لكنه لا يحول دون وقوعها. ويحاول صندوق النقد الدولي مساعدة البلد المعني في المحافظة على إستقرار سعر صرف عملته بإقراضه عملات أجنبية تساعده في الدفاع عن سعر الصرف ذاك. وقد يرفع ذلك البلد من أسعار الفائدة ويعد بإجراء إصلاحات، ولكن المستثمرين يرون في ذلك ازدياداً للمخاطر. وإذا كان النظام المالي في ذلك البلد يعتمد على دخول الرساميل لأمد قصير، فإن ذلك النظام قد ينهار مع انهيار سعر الصرف. وأكثر الأزمات إضراراً هي أزمات من هذا النوع.

لا يمكن تلافي جميع الأزمات. لكن تقليص تكرارها وتخفيف شدتها يمكن تقليصهما عن طريق لجوء البلد المعني الى الإصلاحات وقيام صندوق النقد الدولي بتدابير لزيادة الحوافز على اتباع سياسات وإجراءات لتعزيز الاستقرار. ينبغي أن يكون صندوق النقد الدولي بمثابة الملجأ الأخير، لا الملجأ الأول، للاقتراض بحيث يوفر السيولة بعد إقفال الأسواق المالية. ويجب أن يعمل لتلافي وقوع الأزمات، لا أن يعمل للتخفيف من حدة تأثيرها، كما ينبغي عليه أن يترك مسائل الإصلاح الهيكلي والتنمية لأسواق الرساميل وبنوك التنمية.

عندما تواجه بلدان ما أزمة تستدعي مساعدة صندوق النقد الدولي، تكون بحاجة للحصول على تلك المساعدة بسرعة. ولجعل ذلك ممكناً، ينبغي على تلك البلدان أن تَفي ببعض الشروط لتصبح مؤهلة للحصول على مساعدة الصندوق. آنذاك، عندما تدعو الحاجة إلى الحصول على المساعدة، يجب توفيرها فوراً. ومن شأن هذا الأمر وضع حد للعملية المعتمدة حالياً التي يتعيّن فيها على البلدان المعنية أن تنتظر توصّل المتفاوضين إلى اتفاق على قائمة طويلة من الشروط الخاصة بالنسبة للتغييرات الهيكلية والمؤسساتية والمالية اللازمة. وخلال فترة التأخير هذه، تسوء الأزمة. إن الأدلة قليلة على أن شروط تقديم المساعدة، التي تكون قد فُرضت بعد بدء الأزمة، قد ساعدت في شيء بناءً على ما حدث في الأزمات السابقة.

ينبغي أن تكون الشروط المُسبقة صريحة، واضحة، يسهل تطبيقها، كما يسهل الإشراف على ذلك التطبيق. والشروط المُسبقة الأربعة الأهم، هي: أن يكون النظام المالي والمصرفي في البلد المعني مُرسملاً بصورة كافية، وأن تكون سياسات الحكومة المالية مُحترسة، وأن تتوفر بسرعة المعلومات اللازمة عن هيكلية واستحقاقات الدين الخارجي، وأن يُسمح للمصارف الأجنبية بالمنافسة في الأسواق المالية المحلية. لقد اتفقت البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية على أن يتم اعتماد الشرط الأخير على مراحل. وإني أود أن أضيف شرطاً خامسا،ً هو: أن يكون نظام سعر الصرف في البلد المعني إمّا مثبتاً تماماً أو عائماً.

سوف يكون للبلدان المعنية حوافز قوية لاستيفاء الشروط المُسبقة. فالتأهيل المسبق للبلد المعني من قِبل صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدة فورية يعتبر موافقة مسبقة على سياسات البلد الإقتصادية. وبذلك يكون ذلك البلد قادراً على الحصول على المزيد من الرساميل الأجنبية بشروط أكثر ملاءمة له. أما البلدان التي لا تؤهل مسبقاً، فتحصل على قروض أقل وتدفع أسعار فائدة أعلى على تلك القروض للتعويض عن المخاطر الإضافية التي تكتنفها. ومن شأن تحقيق الشروط المُسبقة أن تُعيد توجيه قروض القطاع الخاص من البلدان المعرّضة للمخاطر إلى بلدان تعتمد سياسات تتوخّى الاستقرار. ويؤدي هذا إلى تقليص المخاطر في النظام المالي العام ككل.

عندما تتضرر بلدان ثالثة من إنهيار شريك تجاري لها، فإنها سوف تتلقّى مساعدة تلقائية إذا كانت تفي بالشروط المُسبقة. والبلدان التي لا تفي بالشروط المُسبقة لا تحصل على مساعدة صندوق النقد الدولي إلاّ في حال وقوع أزمة تؤثر في النظام المالي ككل.

إن إخراج موضوع الإصلاح الهيكلي من مهام صندوق النقد الدولي يستند إلى فَرَضية معروفة مفادها أن باستطاعة الأموال أن تحلّ مشاكل السيولة، لكنها لا تستطيع حلّ معضلات هيكلية حقيقية. وتنشأ المشاكل الهيكلية في البلدان النامية بسبب الأنظمة المالية المعتمدة ، أو بسبب الرسوم الجمركية، أو الرقابة المالية غير الكافية، أو إنعدام حكم القانون، أو معوقات أخرى تعترض سبيل الاستثمار. وكما أثبتت التجربة مؤخراً، فإن القروض، وغيرها من الموارد السائلة، غالباً ما تُتيح للبلدان المعنيّة تأجيل الإصلاحات الضرورية.

في إمكان صندوق النقد الدولي الحفاظ على إنضباط الأسواق المالية من خلال نشره، في أوقات مناسبة، معلومات صحيحة ودقيقة عن التطورات الاقتصادية والمالية والسياسية (في البلدان المعنيّة). تسمح هذه المعلومات لقادة الدول وللمستثمرين إتخاذ قرارات قائمة على معطيات (صحيحة). كما للصندوق دور كبير يلعبه في تحسين نوعية وزيادة كمية المعلومات الخاصة بمختلف البلدان، وتوفيرها في حينها. ونشر المعلومات هذا يشجع الإصلاح ويُتيح للمستثمرين إجراء تعديلات هامشية متواصلة في استثماراتهم بدلاً من استعجال الخروج بسرعة من البلد المعني عندما تتغير التوقعات أو التكهنات. إضافة إلى ذلك، إن تحسين المعلومات وفتح الاقتصاد أمام البنوك الأجنبية يقلّص الإعتماد على قروض قصيرة الأمد قابلة للتجديد. وهذا الأمر يقلل من وقوع واحدة من أكبر مشاكل التمويل التنموي، ألا وهي إفراط في الإعتماد على قروض قصيرة الأجل.

هناك قضية أخرى هي قضية "المخاطر المعنوية" التي تنشأ في مجال الإقراض الدولي عندما تجعل الحكومات أو المؤسسات المالية الدولية المُقرضين الأجانب يعتقدون أنه سيتم إنقاذهم في حال وقوع أزمة في البلد المقترض. إن أحد عناصر إزالة أو تقليص هذا الخطر المعنوي هو السماح للمؤسسات المالية الخاصة الأجنبية بالمنافسة في السوق المحلية. وعلى هذه المؤسسات أن يكون لديها أصول وخصوم بالعملة المحلية، بحيث تكون أقل تعرضاً لتقلّبات أسعار صرف العملة، كما أن النظام المالي المنفتح يشجع قيام الأجانب باستثمارات طويلة الأمد مما يقلل من الإعتماد على توظيفات قصيرة الأجل. توفر المصارف الأجنبية الخبرة في إدارة المخاطر، وبذلك تشكّل ملاذاً آمناً نسبياً في حال وقوع أزمة.

مهمة أكثر تركيزاً لبنوك التنمية

مشكلة بنوك التنمية الدولية الرئيسية هي أن برامجها تفتقد التركيز، وهي في غالب الأحيان ضعيفة العلاقة، أو لا علاقة لها على الإطلاق، بأهدافها المُعلنة، كما أنها تفشل في معظم الأحيان في تحقيق أهدافها. وبعد عقود من تنفيذ مثل هذه البرامج، أصبحت مستويات المعيشة في عديد من البلدان الفقيرة أدنى مما كانت عليه. والخطأ ليس في بنوك التنمية وحدها، ولكن في أن هذه البنوك لم تتمكن من تخطّي العقبات التي تُقيمها بعض الحكومات. وهي تواصل الإقراض رغم وجود تلك العقبات ورغم ما ينتج عنها من فشل.

إن البلدان التي حققت تقدماً ملموساً هي تلك التي عزّزت مؤسساتها وعزّزت دور الأسواق الحرة؛ والبلدان التي لم تقم بالإصلاحات لم تحقق أي تقدم يُذكر. معظم البلدان الفقيرة جداً مدينة بمبالغ ضخمة للمؤسسات المالية الدولية، وهي لا تستطيع دفع فوائد تلك القروض ولا تسديدها. وينبغى أن تُعفى هذه الدول من كل تلك الديون، إنما بعد أن تُطبّق الإصلاحات المطلوبة.

على التغييرات اللازمة في بنوك التنمية الدولية أن تُركّز على ثلاثة مجالات عامة، هي: أولاً، على بنوك التنمية أن تعمل لتحسين نوعية الحياة، حتى في البلدان التي يؤدي فيها الفساد والتعقيدات المؤسساتية إلى عرقلة التنمية الاقتصادية أو الحؤول دونها. وبدلاً من توفير القروض، يتعيّن على بنوك التنمية تقديم هبات تتكفل بنسبة تصل إلى 90 بالمئة من كلفة المشاريع الموافق عليها. ومن أجل زيادة الإنجاز وتقليص الهدر، يجب أن تُقدّم الهبات بعد إجراء مناقصات لتنفيذ المشاريع، وأن يخضع تنفيذ تلك المشاريع إلى رقابة مستقلة وتكون نتائجها خاضعة لتقويم مستقل. ويجب أن يتم الدفع، بعد التأكد من صحة التنفيذ، إلى مقدّمي المواد والخدمات مباشرة لا الحكومات. ومن شأن ذلك توفير حوافز لموردّي المواد والخدمات لإنجاز خدمات مثل التلقيح ضد الأمراض، وتوفير مياه الشرب، وتحسين أعمال النظافة الصحية، وتقليص نسبة الأمية، ومن ثم التأكد أن هذه البرامج ومثيلاتها تُحقق نتائج ملموسة. ثانياً، يجب تقديم قروض مدعومة طويلة الأمد، مخصّصة لتطوير مؤسسات فعالة، لمساعدة البلدان التي تتبنى من تلقائها إصلاحات ضرورية وتحافظ عليها. وهنا أيضاً، ينبغي إيجاد مُراقبين مُستقلين للتحقق من إستمرار التقدم. ثالثاً، قضية السلع العامة العالمية والإقليمية. هناك مشاكل عديدة تَحول دون التنمية أو تخفّض من نوعية الحياة في كثير من البلدان. وتستمر بنوك التنمية في التركيز فقط على البلد الذي يُنفّذ فيه أحد مشاريعها. ولم تحاول تلك البنوك أن تجد حلولاً لمشاكل عامة مشتركة تتعلق - مثلاً - بقضايا صحية، أو مشاكل الزراعة الاستوائية، وغيرها من المجالات الكثيرة. فأعمال الأبحاث والدراسات مرتفعة الكلفة، والطلب في كل سوق بمفرده يكون منخفض عادة بحيث لا يشجع شركات متخصصة على القيام بالدراسات اللازمة. بإمكان بنوك التنمية، الجمع بين عدد من البلدان وتمويل الأبحاث المشتركة بينها، فتقلل الفارق بين عائدات الإستثمارات الإجتماعية والإستثمارات الخاصة.

ينبغي أن يتم تركيز الموارد المالية العامة المحدودة على البلدان الفقيرة التي لا يُمكنها الحصول على تمويل بديل. وينبغي أن "تتخرج" بلدان بصورة تلقائية ومنتظمة من برامج بنوك التنمية (بكلام آخر، يجب ألاّ تبقى كل البلدان المعنية معتمدة على هذه البرامج إلى أجل غير محدود). فمن شأن "التخرج" أن يُفرج عن مزيد من الأموال لمساعدة البلدان الأشد فقراً. وعلى بنوك التنمية أن تواصل تقديم المعونة الفنية للبلدان التي تتخرج، إنما يصبح على تلك البلدان أن تقترض من الأسواق العادية، وتصبح بذلك خاضعة لنظام تلك الأسواق.

دعوة إلى الإصلاح

شَهِد الاقتصاد الدولي في العشرين سنة الماضية عدداً من الأزمات المالية الشديدة والطويلة الأمد. وفي الوقت نفسه، تجاوز النمو الاقتصادي البلدان الأشد فقراً. العديد من هذه البلدان موجود في أفريقيا، لكن هناك فقراً مدقعاً أيضا في كل من أميركا اللاتينية، وآسيا، وأوروبا الشرقية والجنوبية.

إن إصلاح المؤسسات المالية الدولية ضروري لزيادة الاستقرار الاقتصادي، وتحسين تدفق المعلومات، وتشجيع التنمية الاقتصادية، ودعم الإصلاح المؤسساتي، وتقليص الفقر، ودعم توفير السلع العامة الإقليمية والعالمية.

(ملاحظة: الآراء التي تم الإعراب عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات حكومة الولايات المتحدة).


صندوق النقد الدولي والبنك الدولي : معالجة الأزمات المالية وشؤون التنمية

حوار مع تيموثي غيثنر، عضو مجلس العلاقات الخارجية، وكيل وزارة المالية الأميركية للشؤون الدولية سابقاً

يقول تيموثي غيثنر، وهو وكيل وزارة المالية الأميركية للشؤون الدولية سابقاً، إن المؤسسات المالية الدولية ستواصل القيام بدور بالغ الأهمية في النظام المالي العالمي، وفي مساعدة البلدان الناشئة التي أخذت تتبنّى إقتصاد السوق في معالجتها للأزمات المالية، وأيضاً مساعدة البلدان الأشد فقراً في مجال التنمية. ويضيف أن الإصلاحات التي جرت مؤخراً زادت من توفر التمويل، كما أن الأدوات المالية الجديدة ساعدت في جعل المؤسسات المالية الدولية أكثر فعالية.

(أجرى هذه المقابلة وورنر روز، مدير تحرير مجلة مواقف اقتصادية)

سؤال: هل اصبحت الأسرة الدولية والمؤسسات المالية الدولية أفضل قدرة اليوم على الحؤول دون وقوع أزمات مالية، وعلى احتوائها إذا وقعت، مما كانت عليه الحال قبل خمس سنوات؟

غيثنر: إننا نعيش في عالم مؤلف من دول تتولى شؤونها حكومات ذات سيادة، كما نعيش في عالم أصبحت فيه أسواق الرساميل متزايدة الإندماج والتكامل. وسوف تبقى قدرة النظام العالمي محدودة إجمالاً لمنع حكومات ذات سيادة من إتخاذ قرارات من شأنها، إمّا أن تجرّها، في وقت لاحق، إلى أزمات مالية، وإمّا أن تَعجز عن تقليص تعرّضها للأزمات.

يتّفق معظم الاقتصاديين على أن قدرتهم على التكهن بوقوع الأزمات هي محدودة جداً. وحتى عند الإعتقاد أن هناك معرفة موثوقة بالمخاطر التي يواجهها بلد ما، فمن الصعب إقناع حكومة ذلك البلد بالتصدّي لهذه المخاطر، وفي وقت مبكر بما يكفي، للتقليل من احتمال وقوع الأزمة، أو للتخفيف من وطأتها إذا وقعت. علينا أن نبدأ من هذا المنطلق الأساسي.

بما أن العالم أصبح اليوم على هذا القدر الكبير من التكامل والاندماج، ولأن العديد من إقتصادات السوق الكبيرة الناشئة ذات الأهمية، أصبحت أنظمتها الاقتصادية أكثر انفتاحاً أمام تدفقات الرساميل، فإن النظام بمجمله أصبح أكثر تعرّضاً لتبدل المشاعر الذي يلازم كل الأسواق. عندما تزداد قدرة رأس المال على التحرك، يمكن لتأثير تقلبات الشعور بالثقة، وتأثير التغييرات التي تطرأ على أراء المستثمرين وعلى الأوضاع الاقتصادية الأساسية أن يكونا أبعد أثراً، وأسرع مفعولاً بالنسبة إلى البلدان المعنيّة.

خلال السنوات الخمس الماضية، حصل عدد من التطورات التي زوّدت المؤسسات المالية الدولية بأدوات أقوى، معظمها أدوات مالية، لمعالجة الأزمات، وكذلك مساعدة البلدان في التقليل من إمكانية تعرّضها للأزمات.

ويشجع صندوق النقد الدولي الدول أيضاً على اعتماد ترتيبات لأسعار صرف العملة تكون أكثر قدرة على التكيّف واستعادة توازنها، والابتعاد عن تثبيت غير مرن لسعر الصرف. إن عدم اعتماد هذه الترتيبات، يُمكن أن يؤدّي إلى تراكم الديون الخارجية القصيرة الأمد، وإلى مكامن ضعف أخرى قد تكون شديدة الضرر في حال وقوع أزمة. وهناك تحول باتجاه نهج أكثر مرونة يجعل النظام نفسه أكثر قدرة على التكيّف وعلى استعادة التوازن بعد التعثّر. ولعل التغيير الأوضح والأكثر مدعاة للتفاؤل هو التحوّل الهائل في مجال الشفافية، حيث أن نوعية المعلومات التي يتعيّن على البلدان المنتسبة إلى صندوق النقد الدولي أن تكشف عنها للأسواق أصبحت (أفضل وكمياتها) أكبر، كما أصبحت أكثر شمولية وأحسن توقيتاً مما كانت عليه في أي وقت مضى.

سؤال: ما هي الأدوات الجديدة التي تُستخدم في معالجة الأزمات؟

غيثنر: الأدوات الأساسية تتمثّل في توفير قدر أكبر من الموارد لصندوق النقد الدولي.

أولاً، هناك الزيادات التي حصلت عام 1999 في مساهمات الدول الأعضاء في تمويل الصندوق، والتي أدّت إلى مضاعفة موارد الصندوق المالية تقريباً. ثانياً، تم في عام 1998 إنشاء صندوق إحتياط مالي طارئ، يُعرف باسم "الترتيبات الجديدة للاقتراض"، تبلغ موجوداته 50,000 مليون دولار. وقد تم إنشاء هذه المرافق الجديدة لصندوق النقد الدولي لتُتيح له القدرة على توفير تمويل على نطاق واسع جداً في الحالات الطارئة. يتم توفير هذا التمويل بأسعار فائدة تزيد عن أسعار السوق، أي فائدة عقابية، ولأجل أقصر من المتوفر في الأسواق، غاية ذلك أن لا تلجأ البلدان المعنيّة إلى هذا المرفق إلاّ إذا كان الأمر ضرورياً جداً، كما تشجيعها على العودة إلى الأسواق العادية في أسرع وقت ممكن.

سؤال: ما هي المرافق الجديدة؟

غيثنر: المرفق الرئيسي الجديد هو "مرفق الإحتياط الإضافي". وهناك مرفق ثان هو "الحساب الإئتماني الطارئ" الذي يختلف طابعه قليلاً عن طابع المرفق الأول. فمرفق الاحتياط مصمم للبلدان التي تقع في أزمة بسبب تغيّر في الظروف يؤدي إلى تحركات ضخمة للرساميل.

وعلى العموم، يجب ألا يتم اللجوء إلى هذا المرفق الأخير إلا إذا كان هناك خطر من إتّساع نطاق الأزمة وانتشارها. وقد استخدم هذه المرفق للمرة الأولى لمساعدة كوريا الجنوبية في كانون الأول/ديسمبر 1997، ثم لمساعدة البرازيل عام 1998.

أما مرفق الحساب الإئتماني الطارىء فيهدف إلى تشجيع البلدان المعنية على أن تعتمد بصورة مسبقة سياسات قد تجعلها أقل تعرضاً للوقوع في أزمة، إذ تتوفر لها إمكانية سحب كميات ضخمة من الأموال عندما تقع في أزمة. ومع أن هذا المرفق جاهز كلياً، فإنه لم يُستخدم بعد.

سؤال: ما هي الترتيبات الأخرى التي تعمل بموازاة هذين المرفقين؟

غيثنر: عمدت كبرى البلدان الدائنة والمانحة، تكملة لعمل هذين المرفقين، إلى وضع ترتيبات مبتكرة تراعي قوى السوق لاستخدامها أبان الأزمات. وترمي هذه إلى معالجة ديون المستثمرين من القطاع الخاص، كي تتم إعادة جدولة الديون عندما تدعو الضرورة ، أو كي يكون بالإمكان حفز الدائنين الخارجيين على الحفاظ على تغطيتهم المالية لتلك القروض، أو تمديد مهلة استحقاق القروض عندما يكون ذلك ملائما. وهكذا، تتوفر الآن، على العموم، قدرة أفضل على إستخدام التمويل الرسمي، إضافة إلى إمكانية الإستجابة البنّاءة للمستثمرين في القطاع الخاص لحل أزمة ما بسرعة أكبر.

سؤال: ماذا كان تأثير هذين المرفقين الجديدين حتى الآن؟

غيثنر: لقد وفّرا لصندوق النقد الدولي القدرة على الاستجابة بتوفير قوة مالية أكبر عند الضرورة، لمعالجة أزمة لها مفاعيل تتعلق بالنظام المالي، ولضمان أن يتم ذلك وفق شروط يُرجّح لها أن تُعيد الثقة بسرعة. أمّنت هذه القدرة نجاح البرنامج الخاص بالمكسيك عام 1995، ومكّنت التعافي الاقتصادي في كوريا والبرازيل من أن يكون بالفعالية التي تم بها. لقد تعافت هذه الدول بسرعة تفوق بكثير ما توقّعه لها معظم الناس.

إستُخدم هذا النوع نفسه من مجموعة التدابير المالية المبتكرة في معالجة الأزمات التي تلت الأزمات التي ذكرناها، وكان آخرها في الأرجنتين وتركيا.

وحيث تم إحراز نجاح، فقد حصل ذلك بسبب مزيج، لم يسبق له مثيل، من موارد مالية ضخمة مع برنامج إصلاح اقتصادي قوي وموثوق في البلد المعني. وحيث لم يتم إحراز نجاح، كان السبب، على الأكثر، عدم قيام النظام السياسي في البلد المعني ببذل جهود جادة لاستعادة الثقة.

سؤال: ماذا عن قضية "الخطر المعنوي"؟ أعني ان وجود أدوات الإنقاذ هذه، يشجع المستثمرين والبلدان المعنية على الاعتقاد بأن صندوق النقد الدولي سينقذهم من إستثمارات سيئة قاموا بها أو من سياسات سيئة اتبعوها؟

غيثنر: لقد رأى منتقدو هذا النهج بأن برامج المعونة التي جرى تطبيقها في المكسيك وكوريا والبرازيل زادت من مقدار الخطر المعنوي بهذا النظام. لكن إذا نظرت إلى نشاطات التمويل في الأسواق المالية الناشئة اليوم، لرأيت أن خطر التوقف عن الدفع يكمن في أسعار الفائدة (المرتفعة) لتلك القروض، وفي مقدار وشكل الأموال التي تتدفق إلى الأسواق الناشئة. وعليه لن تجد أساساً للإستنتاج بأن قدراً مهماً وخطيراً من الخطر المعنوي قد أُدخل في النظام. إن معظم الدراسات الأكاديمية الجيدة الأخيرة حول هذا الموضوع تتفق على نفس هذا الإستنتاج هناك اليوم تمييز أكثر من الماضي لكيفية تقدير إحتمالات عدم تسديد القروض في الأسواق الناشئة. وهذا يشكل دليلاً جيداً على نجاح التحسينات في مجال الشفافية، وعلى وعي أكبر للمخاطر.

سيبقى هناك على الدوام خطر معنوي في النظام بسبب وجود صندوق النقد الدولي، ولا بد أن يزيد ذلك الخطر إزاء ما تم القيام به في السنوات الأخيرة، وهو زيادة الموارد المتوفرة لمعالجة الأزمات، وتأكيد الاستعداد لاستخدام تلك الموارد عند الضرورة. والتحدّي الظاهر أمامنا اليوم هو الحدّ من الخطر المعنوي ذاك فيما نحافظ على قدرتنا على التصدي بفاعلية لأي أزمة تقع في المستقبل.

سؤال: هل يزيد صندوق النقد الدولي من تعاطيه في برامج التنمية؟

غيثنر: إن الرأي بالنسبة لما يُحقق نجاحاً طويل الأجل في مجال التنمية قد تغيّر مع الوقت. فمن المعترف به الآن أن النمو الاقتصادي يستلزم أكثر من سياسات اقتصادية كلية ذات مصداقيّة. إذ أنه يعتمد إلى حد كبير على نوعية الإطار المؤسساتي الذي يوضع لتمكين إقتصاد السوق من العمل بنجاح. وما له تأثير كبير في هذا المضمار، هو مقدار ونوعية الإستثمارات في مجال الرعاية الصحية والتعليم، وأمور كهذه.

ينبغي على الصندوق أن يُركّز بصورة أساسية على إطار السياسة الاقتصادية الكليّة، وهي العنصر المركزي في إستراتيجيات النمو الطويلة الأجل. لكن هناك أموراً خارج نطاق ذلك الإطار الضيق لها تأثيرها أيضاً على الاستقرار المالي، مثل قوة النظام المالي نفسه. وهذه القضايا من اختصاص الصندوق. أما القضايا الأوسع مدى، المتعلقة بالتغييرات الهيكلية والبرامج الاجتماعية، فيجب أن تكون من إختصاص بنوك التنمية المتعددة الأطراف.

سؤال: كيف يعمل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي معاً؟ أين تنتهي مهمة أحدهما وتبدأ مهمة الآخر؟

غيثنر: في معظم البلدان، قد يعمل الصندوق والبنك معاً لفترة طويلة من الوقت. ولعل الأمر ليس على هذا النحو في البلدان التي تُعرف بإقتصادات السوق الناشئة؛ ففي تلك البلدان يكون عمل المؤسستين معاً بين الحين والآخر، إذ أن عمل الصندوق يكون موقتاً. ولكن في البلدان التي تمرّ بفترة تحوّل اقتصادي، وفي البلدان الأشد فقراً، من المرجح أن يتواجد هناك كل من البنك والصندوق، وأن يعملا معاً، ولفترة طويلة من الزمن. يقوم الصندوق بوضع الإطار العام للإقتصاد الكلّي، بما في ذلك رسم سياسة أسعار صرف العملة، وذلك يساعد في تقرير ما إذا كان البلد المَعني سيُحقق نمواً اقتصادياً، أو ما إذا كانت رؤوس الأموال ستبقى في ذلك البلد أو تغادره. أما البنك فيعمل في مجال الاستثمارات الطويلة الأجل ضمن سياسة التنمية، بغية تحسين نوعية سلع عامة مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والتنمية الزراعية. وفي القطاع المالي، يعمل الصندوق والبنك معاً، لا سيما في تصميم برنامج يرمي إلى تقوية النظام المالي للبلاد.

سؤال: ما هو دور بنوك التنمية الإقليمية لناحية توزيع العمل؟

غيثنر: على البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية أن يحددوا، بلداً بلداً ومنطقة منطقة، ماهية الأمور التي ينبغي على البنك القيام بها، وتلك التي ينبغي على بنوك التنمية القيام بها. لكل المعنيين مصلحة في التوصل إلى توزيع عملي، إذ إن الموارد قليلة، ولا مصلحة لهذه المؤسسات أن تحاول كلها القيام بالأمر نفسه. تدّعي بنوك التنمية الإقليمية أنها مدركة لوجوب أن يكون عملها مكمّلاً لعمل المؤسسات الأخرى، لا تكراراً له.

سؤال: هل يجوز أنُ تُقرض بنوك التنمية بلداناً نامية في وسعها الإقتراض من الأسواق المالية العالمية؟

غيثنر: إن إمكانية وصول البلدان النامية إلى الأسواق المالية العالمية عسير وضعيف، ومعرّض للتوقف، كما أنه جُزئي ومُكلف. يصحّ هذا الوصف على بلدان مثل بولندا وإندونيسيا، ومثل البرازيل وكوريا، علماً أن معظم البلدان الأشد فقراً لا وصول لها إلى تلك الأسواق مطلقاً. وحتى تلك البلدان التي رسّخت وضعها في الأسواق الخاصة، تجد أحياناً أن حصولها على قروض من هذه الأسواق يتعثر، أو يتعرقل، أو يتقلّص، أو يتم بكلفة مرتفعة جداً أو لآجال قصيرة جداً. وفي اعتقادي، أن ما شهدناه في السنوات الخمس الماضية يُثبت أن مُبرر إنشاء بنوك التنمية الذي تم الاتفاق عليه في مؤتمر بريتون وودز عام 1944، يصحّ اليوم أكثر منه في ذلك الحين، لأن العالم اليوم هو أكثر تكاملاً، رغم أن أسواق الرساميل الخاصة أصبحت ضخمة جداً.

سؤال: ما هي الخطوة التالية في مبادرة تخفيف أعباء ديون البلدان الفقيرة التي يقوم بها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؟

غيثنر: رغم أن 22 بلداً بدأت تستفيد من مبادرة تخفيف أعباء الديون هذه، فإن المبادرة لا تزال في مراحلها الأولى. الأهداف الرئيسية هي إجراء تغييرات طويلة الأجل لكيفية قيام كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بتحديد الأولويات التنموية، وكيفية تحديد الشروط اللازمة لتطبيق السياسة المُعتمدة وتغيير الطريقة التي تتخذ فيها البلدان المستفيدة القرارات المتعلقة باستخدام مواردها. وينبغي إعادة توجيه أولويات السياسة الاقتصادية في هذه البلدان، وإيجاد آليات جديدة للمحاسبة ولمشاركة أكبر للمجتمع المدني، كما تغيير وجهة استخدام الموارد بحيث تتوجه للاستثمار ضمن الأولويات الأساسية للتنمية، بدلاً من تخفيف أعباء الديون.

وإذ نتطلع إلى المستقبل، يجب على البلدان المانحة، بما فيها الولايات المتحدة، أن تكون شديدة الحرص في إقراضها للبلدان المستفيدة من مبادرة تخفيف أعباء الديون هذه. لدى كل حكومات البلدان المانحة الرئيسية برامج إقراض ثُنائية لدعم الصادرات، بما في ذلك الصادرات الزراعية وما أشبه. وإنه لمن الأهمية بمكان ألاّ تقوم تلك الوكالات الثنائية بدفع هذه البلدان على الاقتراض بأسعار السوق بطريقة تزيد من أعباء الديون.

شجّعت الولايات المتحدة البلدان المانحة الأخرى على الالتزام بتقديم معظم ما توفّره من مساعدات للتنمية على شكل هبات. وهذا أمر فعلته الولايات المتحدة منذ أمد بعيد. هناك أيضاً جهود تُبذل لجعل المزيد من المساعدات التي يقدمها البنك الدولي للدول الأشد فقراً، ولا سيما تلك المُثقلة بالديون، على شكل هبات.

(ملاحظة: الآراء التي تم الإعراب عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات حكومة الولايات المتحدة).


بنوك التنمية المتعددة الأطراف في اقتصاد عالمي متغّير

بقلم نانسي بيردسول، باحثة بارزة، وبرايان ديس، باحث جديد، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

رغم الزيادة الهائلة في تدفقات الرساميل الخاصة إلى البلدان النامية والبلدان الناشئة التي تتبع نظام إقتصاد السوق، ما زالت هناك أسباب وجيهة لأن تواصل بنوك التنمية المتعددة الأطراف نشاطاتها في هذه الأسواق، حسب قول كل من نانسي بيردسول وبرايان ديس من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

إن التدفقات الجديدة للرساميل الخاصة، ومعظمها لبلدان نامية متوسطة الدخل، شديدة التعرّض لعكس اتجاهها، كما أنها قد لا تكون متوفّرة في أوقات العسر، أو قد تكون مرتفعة الكلفة. ولذا تعمل بنوك التنمية المتعددة الأطراف بمثابة مصدر إحتياطي للأموال، كما تشير بيردسول، والتي سبق أن شغلت منصب نائب رئيس تنفيذي لبنك التنمية للبلدان الأميركية، وديس. ويقولان إن قيام بنوك التنمية المتعددة الأطراف بإقراض بلد ما يمكن أن يساعد في اجتذاب الاستثمار الخاص إلى ذلك البلد، ويؤدي إلى التزام البلد المعني بالإصلاح، كما القيام بأدوار أخرى بالغة الأهمية. رغم ذلك، ينبغي على تلك البنوك أن تعدّل في سياساتها لكي تتكيف مع المطالب المتغيرة للبلدان الأعضاء فيها.

تأسس البنك الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية كأداة لنقل الرساميل اللازمة للاستثمارات من بلدان غنية بالرساميل إلى أخرى تفتقر إليها. وكانت الفكرة الأولية بسيطة، وذكية، ومتكيّفة تماماً مع الفرص المتوفرة، وكذلك مع المعوقات القائمة في فترة ما بعد الحرب مباشرة. تمثلّت تلك الفكرة بإنشاء مؤسسة يُمكنها الاقتراض بفوائد منخفضة، بدعم من الولايات المتحدة وبلدان أعضاء أخرى غنية بالرساميل لا حاجة لها بالاقتراض. وبحلول أواسط الستينات، كان قد أُنشئ كل من بنك التنمية للبلدان الأميركية، وبنك التنمية الآسيوي، وبنك التنمية الأفريقي، على نفس منوال البنك الدولي. وفي أوائل التسعينات، لدى انتهاء الحرب الباردة واعتماد البلدان الشيوعية سابقاً نظام اقتصاد السوق، تم إنشاء البنك الأوروبي للإعمار والتنمية.

لكن الأزمنة تغيّرت. فعقد التسعينات لم يكن سهلاً على البنك الدولي ولا على أشقائه بنوك التنمية الإقليمية. فقد شددّت قوى العولمة الخناق على تلك البنوك. وأدّت العولمة إلى زيادة ضخمة في تدفقات الرساميل الخاصة إلى معظم البلدان المتوسطة الدخل في أميركا اللاتينية، وشرق آسيا، وأوروبا الشرقية، وإلى البعض من البلدان المنخفضة الدخل، مثل الصين والهند. وأثار ذلك الأمر تساؤلات حول المهمة الأصلية لبنوك التنمية المتعددة الأطراف، وهي نقل الرساميل اللازمة للاستثمارات من البلدان الغنية بالرساميل إلى تلك التي تفتقدها. في غضون ذلك، زادت الحكومات التي تساهم في تلك البنوك، وبقيادة الولايات المتحدة في غالب الأحيان، من مطالبتها بنوك التنمية أن لا تتعامل مع النمو والتنمية الاقتصادية فحسب، بل أن تتعاطى أيضاً بشؤون تقليص الفقر، وإدارة الديون، والأزمات المالية، ومشاريع الإعمار في أعقاب الحروب أو النزاعات، وتنسيق جهود الجهات المانحة، وإدارة البرامج البيئية العالمية. زادت هذه المهام الجديدة من تكاليف هذه البنوك، يضاف إليها ارتفاع كلفة "التدابير الوقائية"، مثل دراسات تأثير مشاريع معينّة على البيئة، والتحول في صورة عامة عن الإستثمارات الضخمة في مشاريع البنية التحتية إلى مشاريع أصغر في المجالات الاجتماعية والبيئية، وكذلك المشاريع المتعلقة بتثبيت حكم القانون. هدد هذا الارتفاع بالكلفة بفقد هذه البنوك للأرباح التي كانت تحققها لها المشاريع الكبيرة الأكثر بساطة. كما أسهم في فقدان تركيزها على نواحٍ محددة مما قوّض الدعم السياسي الذي كانت تحظى به.

ظهرت في التسعينات قضيتان أخريان تسببتا بتوجيه الانتقادات إلى بنوك التنمية المتعددة الأطراف. ففي البلدان الأشد فقراً، أدى تراكم ديون مستحقة يتعذر سدادها لبنوك تنمية (ولجهات دائنة رسمية أخرى) إلى طرح تساؤلات عن فعالية قروض المؤسسات المتعددة الأطراف. كما أن مشاركة هذه البنوك في تدابير الإنقاذ المالي لكل من المكسيك عام 1995، وشرق آسيا عام 1997، وروسيا عام 1998، والبرازيل عام 1999 لقيت إنتقاداً شديداً. واعتبر البعض بأن تدابير الإنقاذ هذه أسهمت في زيادة الخطر المعنوي وفي إنقاذ دائنين من القطاع الخاص؛ فيما رأى آخرون أنها تخدم المصالح الضيقة للولايات المتحدة ولغيرها من كبار الدول المساهمة؛ كما اعتبرتها جهات ثالثة بأنها كانت مناسبات لفرض شروط غير معقولة ولا مبرر لها على منح القروض.

وكما وصف تشرتشل الديمقراطية بأنها لا تُرضي أحداً، فإن أداء بنوك التنمية في العقد الماضي لم ترضِ أحداً. ولكن يبدو أن مالكي هذه البنوك، أي حكومات الدول الأعضاء فيها، لم يجدوا بدائل مؤسساتية أفضل منها للقيام بعدد متزايد من المهام المالية والتنموية على صعيد عالمي.

صدر في شهر آذار/مارس عام 2000، التقرير الذي أعدته في الكونغرس الأميركي اللجنة الاستشارية الخاصة بالمؤسسات المالية الدولية، والمعروفة بلجنة ميلتزر، إذ أن رئيسها كان ألان ميلتزر. أوصى التقرير بانسحاب بنوك التنمية المتعددة الأطراف إنسحاباً كاملاً من البلدان المتوسطة الدخل التي يمكنها الحصول على قروض من القطاع الخاص (حددت اللجنة البلدان المتوسطة الدخل بأنها تلك البلدان يزيد معدل الدخل الفردي فيها عن 4000 دولار، أو تلك المصنّفة بأنها قادرة على الإقتراض من دول أخرى). كما رأى التقرير أن على البنك الدولي التوقف عن إقراض البلدان الشديدة الفقر، ومن ثم التحول إلى "وكالة" تنمية تكتفي بتقديم الهبات للدول الفقيرة. وعكست هذه التوصيات تشكيكاً متزايداً في استمرار انطباق المنطق الأصلي الذي كان وراء إنشاء هذه البنوك، إن لناحية نقل الرساميل إلى بلدان مرتفعة الدخل نسبياً (مثل كوريا وبولندا والأرجنتين والبرازيل) أو لناحية استمرار عملها كبنوك في بلدان منخفضة الدخل. والواقع، أنه أثناء قيام إدارة بوش الجديدة بصياغة نهجها للشؤون المالية الدولية، قد يكون الوقت ملائما للنظر في التساؤلات المتعلقة ببنوك التنمية المتعددة الأطراف. وإذ تتغير البيئة العالمية، نتساءل: ما هو المنطق الداعي إلى وجود بنوك التنمية المتعددة الأطراف؟ هل ينبغي على هذه البنوك أن تفعل أقل أو أكثر مما تفعله الآن؟ وإذا كان هناك من منطق يدعو إلى وجود هذه البنوك، ما هي التغيّرات التي يجب أن تطرأ على سياستها المالية وسياساتها الأخرى كي تصبح أكثر فعالية في هذه البيئة المختلفة؟

لا تلغوا البنوك

هناك أسباب وجيهة للإبقاء على بنوك التنمية المتعددة الأطراف كمؤسسات إقراض في العالم النامي. أولاً، إن فكرة لجنة ميلتزر القاضية بالتوقف عن كل نشاط في البلدان المتوسطة الدخل فكرة مستمدة من فترة الازدهار التي كانت سائدة عند قيام اللجنة بوضع تقريرها. ولكن تدفقات الرساميل الخاصة تتأثر تأثراً شديداً بالدورة الاقتصادية؛ كما أن بلدان الاقتصادات الناشئة تبقى، رغم دخلها المرتفع نسبياً، عرضة لهزّات خارجية وداخلية يمكن أن تتسبب بتوقف سريع لتدفق الرساميل إليها، بل يمكنها عكس اتجاه ذلك التدفق. اليوم، بوسع بلدان مثل البرازيل، والمكسيك، وتايلند، وجنوب أفريقيا، أن تقترض من بنوك خاصة ومن أسواق الرساميل العالمية. لكن عندما تتأزم الأوضاع في الأسواق العالمية، لا تعود إمكانية إقتراضها من هذه الأسواق مضمونة. أما تلك البلدان التي قد تتمكن من مواصلة الإقتراض من تلك الأسواق، فستجد أن كلفة ذلك الاقتراض ارتفعت كثيراً. ولهذا السبب، تحاشت الأرجنتين كلياً الاقتراض من الخارج معظم عام 1998.

يُشبّه بول فوكر، الرئيس السابق لمجلس الاحتياط الفدرالي الأميركي، البلدان الناشئة، التي تعتمد نظام إقتصاد السوق، بقوارب صغيرة في بحر هائج. ومع أن طاقم القارب يكون قديراً، والقارب صالح للملاحة، يمكن لعاصفة قوية عاتية أن تغرق القارب الصغير. ومن الدلائل على كون بلد ما هو أشبه بقارب صغير، أن تأثيره على التصنيف الاستثماري الذي يُعطى له يكون ضعيفاً. فلقد خسرت كولومبيا هذا التصنيف الصيف الماضي. كما فقدت فنزويلا تصنيفها قبل عقد من الزمن، حتى قبل وقوع المشاكل السياسة الأخيرة فيها بفترة.

ثانياً، حتى المقادير القليلة من الأموال التي تُقرضها بنوك التنمية المتعددة الأطراف يمكن أن تكون بالغة الأهمية في اجتذاب الاستثمار الخاص، ما دامت الأوضاع الاقتصادية الجوهرية في بلد يتلّقى القروض سليمة. ويتركز إقراض بنوك التنمية على تعزيز القدرات المؤسساتية وأدوات صنع السياسة في البلدان النامية لإيجاد جو يؤدي إلى زيادة الاستثمار الخاص. وتُساعد إستثمارات التنمية، في المدارس، والطرق، والإشراف على القطاع المصرفي، والإصلاح البلدي، في إيجاد جو إيجابي لزيادة الاستثمار الخاص.

كما يوفّر التمويل الذي تقدّمه بنوك التنمية المتعددة الأطراف إشارة إلى سوق الرساميل الخاصة عن إلتزام البلد المعني التقيّد بسياسته المتوسطة المدى وعن قدراته المؤسساتية. وهذا أمر قد يكون هاماً في بلدان صغيرة حيث تكون الكلفة التي تتكبدها مؤسسات القطاع الخاص لمعرفة شؤون السياسة المحلية وعمل المؤسسات المحلية، مثل قطاع النقل أو القطاع المصرفي، مرتفعة نسبياً. وبالنسبة إلى مثل هذه البلدان يمكن للموافقة الضمنية من بنوك التنمية المتعددة الأطراف على سياساتها، وهي ما يمكن استنتاجه من تقديم تلك البنوك قروضاً لها، أن تساعد في اجتذاب الرساميل الخاصة. وبالطبع، يمكن الفصل بين الإقراض والإشارة التي يرسلها ذلك الإقراض، مثلما تفعل المؤسسات المختصة بالتصنيف مثل مؤسستي "مودي" و"ستاندارد أند بور". ولكن الاشتراك التفصيلي لبنوك التنمية هذه في تحضير المشاريع التي تمولها يجعلها تملك من المعلومات قدراً أكبر مما كانت لتملكه لولا اشتراكها ذاك.

أخيراً، يمكن لبنوك التنمية المتعددة الأطراف أن تدفع بعملية الإصلاح قُدماً داخل البلدان المعنية وذلك عن طريق المساعدة في الحفز على حوار بين مجموعات المصالح المختلفة، أي بين الحكم والمعارضة الديموقراطية، وبين الحكومة المركزية والحكومات المحلية، وبين المجتمع الأهلي والحكومة. فعملية الإقراض تمنح تلك البنوك قدرة على الجمع بين مختلف الأطراف المؤثرة، وتوفّر منبر للتنسيق بينها، وكذلك لحل النزاعات التي قد تُباعد بينها. وهذه القدرة على الجمع بين الأطراف المؤثرة تعكس كون هذه البنوك تعمل كوسطاء لديهم إستقلالية نسبية وخبرة في أفضل سبل معالجة مجموعة كبيرة من القضايا السياسية والتقنية العالمية.

وضع حدّ لاستمرار "العمل كالمعتاد"

لا يعني ما سبق بيانه القول أن لا حاجة للتغيير إذا كان لسياسات بنوك التنمية، من مالية وغيرها، أن تتكيّف مع المتطلبات المتغيّرة. ما هي التغيّرات التي يُمكن أن تجعل بنوك التنمية المتعددة الأطراف أكثر نفعاً، وتجعل نشاطاتها أكثر استدامة وأكثر جدوى من ناحية الكلفة في الاقتصاد العالمي المتغيّر؟ هاكم بعضها.

على بنوك التنمية التفريق في التسعير، مع أخذ الربحية بعين الاعتبار: يستخدم البنك الدولي وبنوك التنمية المتعددة الأطراف التسعير المتماثل في مختلف القروض التي تُمنح للقطاع االعام، إذ تترتب على كل مقترض كلفة الفائدة نفسها، ويُمنح، في معظم الأحيان، الفترة الزمنية نفسها لتسديد القرض (تكون هذه الفترة عادة لدى البنك الدولي، على سبيل المثال ما بين 15 و20 سنة، منها فترة سماح مدتها ما بين أربع وخمس سنوات). أما اعتماد نظام تسعير أكثر مرونة، فسوف يمكن هذه البنوك من التكيّف مع الحاجات المختلفة (والتي تزداد تنوعاً) للبلدان المقترضة. ويمكن لعملية التسعير التي تقوم بها بنوك التنمية المتعددة الأطراف أن تصبح أكثر تطابقاً مع وضع معين، أو بلد معين، أو مُنتج محدد. وفي الأمد المتوسط، يمكن لهذا الأمر أن يعزز مالية المؤسسات ويقلل من حاجاتها إلى زيادة رأس المال. من الأمثلة على ذلك، أسعار الفائدة المرتفعة التي تفرض على قروض ضخمة يتوجب تسليمها بسرعة. (في استثناء غير مسبوق للقاعدة العامة، فرض البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي أسعار فائدة مرتفعة على القروض التي قدماها لكوريا عام 1998).

ومن القرارات الأكثر راديكالية (وإثارة للجدل) ربط أسعار الفائدة على القروض التي تمنح لمختلف البلدان بمعدل الدخل الفردي لديها، بحيث تفرض على الدولة ذات الدخل الفردي المرتفع أسعار فائدة أعلى. تجدر الإشارة إلى أن كل أسعار الفائدة تكون مدعومة من خلال ضمانات الجهات غير المقترضة للمطلوبات من المؤسسات المعنية؛ وبهذا يكون مقدار الدعم أقل للبلدان المرتفعة الدخل، التي يتعين عليها دفع أسعار فائدة أعلى ولو مدعومة. ومن شأن أسعار الفائدة المرتفعة التي تدفعها البلدان الأعلى دخلا أن تجعل أسعار الفائدة التي تفرضها بنوك التنمية المتعددة الأطراف أقرب إلى أسعار السوق، ما يقلل احتمالات أن تؤدي قروض هذه البنوك إلى هروب الإستثمارات الخاصة من البلدان المعنية، ويشجع على "تخرج" هذه البلدان (من برامج الإقراض) نظراً لتضاؤل الإفادة المالية من قروض بنوك التنمية. والتخرج التلقائي (للدول التي يبلغ الدخل الفردي فيها 4000 دولار وأكثر) الذي أوصت به لجنة ميلتزر لا يحسب حساباً للفوارق في الاستعداد المؤسساتي، ولا لمنافع الحوار الذي تجريه بنوك التنمية وللمشورة التي تقدمها، وهما مما ترغب حتى البلدان المرتفعة الدخل الإفادة منه، إنما مما ينبغي عليها دفع ثمنه أيضاً. أخيراً، إن أسعار الفائدة المرتفعة يمكن أن يشجع بيروقراطية أكثر كفاءة وتنافسية ومراعاة لحاجات الجهات المقترضة على الحفاظ على طلب كاف على القروض من الجهات التي تتمتع بأهلية أكبر للإقتراض.

وبالمثل، يمكن لآجال استحقاق القروض أن تكون أكثر مرونة. فلماذا يعقد بلد ما اتفاق قرض أجله 15 سنة إذا سمحت الإدارة الجيدة للدين بخفض الأجل الأمثل لهذا القرض إلى 10 سنوات؟

التعامل مع الحالات الطارئة: بدءاً بالمكسيك عام 1995، أخذت بنوك التنمية المتعددة الأطراف تتعاطى بتدابير الإنقاذ من الأزمات في بلدان إقتصاد السوق الناشئة. استنتجت لجنة ميلتزر إلى أنه على بنوك التنمية عدم المشاركة في برامج إقراض لمعالجة أزمة ما، وأن تترك هذه المسؤولية لصندوق النقد الدولي. رغم هذا، فإن تلك البنوك قامت، ويجب أن تواصل القيام، بدور هام لمساعدة بلدان في التعافي من أزماتها الإقتصادية. ولقد كانت القروض الطارئة التي قدمتها بنوك التنمية المتعددة الأطراف مشروطة بإجراء تغيّرات هيكلية داخلية في مجالات الإدارة المالية وشبكات الأمان الإجتماعية، كما استغلت وجود الحالات الطارئة لإنشاء قدرات مراقبة وتقييم، وأنظمة إشراف، هي أقوى مما كان لدى البلدان المعنية في السابق.

ولكن الإقراض في حالات طارئة يُمكن أن يُرهق مصادر الرساميل لدى هذه البنوك. ومن الخيارات لمعالجة هذا الأمر فرض أسعار فوائد أعلى على مثل هذه القروض، كما حصل مع كوريا. وهناك خيار آخر يتمثل في إيجاد أداة للإقراض في الحالات الطارئة. ومن شأن ذلك أن يساعد في اتقاء حصول حالات طارئة عن طريق تطمين الدائنين من القطاع الخاص إلى وجود ما يكفي من السيولة في البلد المعني في حال وقوع صدمة ما. وحيث قد يؤدي ذلك إلى عدم الاضطرار إلى الاقتراض، يصبح على بنوك التنمية أن تتقاضى من البلد المعني ما يشبه رسم تأمين، أو رسم ضمان، لتسديد كلفة قيد هذه البنوك لمقدار قيمة القرض المحتمل في دفاترها.

لا تلغوا المشروطية، بل صحّحوها: يقول المنتقدون إن فَرض الشروط من قبل بنوك التنمية المتعددة الأطراف يضعف الجهة التي تقوم بالإصلاح. ولكن مثل هذا القول يجعل من المشروطية خصماً للجهة القائمة بالإصلاح. وفي الواقع، فإن وجود جهة قائمة بالإصلاح، وهي ضرورية لاستمرار هذا الإصلاح، يسمح للمشروطية أن تكون عنصراً مُكملاً. وإذا كانت الجهة القائمة بالإصلاح موجودة؛ كالحكومات التي تكون مسؤولة عن أعمالها أمام مواطنيها، عند ذلك يمكن للاتفاقات والتفاهمات وللشروط أيضاً، أن تساعد الحكومات في إرسال إشارة إلى المستثمرين المحليين والأجانب عن التزامها، المتوسط الأمد، حيال الحفاظ على برامجها الإصلاحية.

ولكن ما أن يتم الاتفاق على الشروط، ينبغي على بنوك التنمية المتعددة الأطراف أن تَفرض تطبيق تلك الشروط. فلقد أدى عدم تطبيق الشروط في الماضي إلى تقويض فعالية البنوك. وفي أفقر البلدان، ومعظمها يقع جنوب الصحراء الأفريقية، كانت النتيجة الكثير من الإقراض والكثير من الديون دون أي نتائج تنموية تُذكر. ويعني فَرض تطبيق الشروط، في نهاية المطاف، أن الإقراض سيكون أكثر إنتقائية، بالنسبة إلى مختلف البلدان. فبرامج الإقراض الضخمة ستكون محصورة بالبلدان التي لديها التزام سياسي (بالإصلاح) والقدرة المؤسساتية الدنيا المطلوبة، والدعم الشعبي الذي يُمكّن تلك البرامج من النجاح. أما في البلدان الأخرى، فيتعيّن على بنوك التنمية المتعددة الأطراف أن تبقى على تعاطيها معها إنما دون إقراض (ينبغي أن يتم تمويل الكلفة الإدارية وكلفة العناصر البشرية اللازمة لاستمرار هذا التعاطي من "الأرباح" التي تحققها هذه البنوك من القروض التي تمنحها لبلدان أخرى).

إغتنام الفرصة التي توفرها مبادرة تخفيف أعباء الديون - إعتماد "الانتقائية": إن مبادرة تخفيف أعباء الديون عن البلدان الفقيرة المثقلة بالديون هذه هي واحدة من سلسلة طويلة من برامج تقليص أعباء الديون عن البلدان الفقيرة. ولكنها تُشكّل أول برنامج يتضمن تقليصاً لديون مستحقة لمؤسسات متعددة الأطراف كانت قبلاً مما لا يجوز مسّه. هناك دواعي قلق مشروعة في ما خص هذا البرنامج: فهو صغير جداً بالمقارنة مع ما لدى البلدان المعنية به من حاجات ضخمة في مجال التنمية، وقد يتسبب في إنخفاض مساهمات البلدان المانحة لهذه البلدان في المستقبل؛ إنه لا يقدّم أي ضمان بأن يؤدي إلغاء الدين إلى ازدياد الإنفاق الداخلي على حاجات المواطنين، خاصة في مجالي التعليم والصحة.

لكن لهذه المبادرة منفعة واضحة واحدة على الأقل. فهناك أدلة مقنعة على أنه متى تراكمت لدى البلدان المستفيدة ديون كثيرة مستحقة لمؤسسات متعددة الأطراف، فإن كل الجهات المانحة تُقدم على منحها القروض، أيّاً كانت سياسة البلد المعني أو قدراته، لضمان ألا تُصبح تلك البلدان متأخرة عن سداد ديونها المستحقة لهذه المؤسسات. وبذلك، تشكل المبادرة فرصة لتصحيح إتجاه ينذر بالخطر ويتمثّل بانهيار سياسة "الانتقائية" في البلدان التي تستحق عليها ديون كثيرة لمؤسسات متعددة الأطراف. وحتى دون توفر المزيد من الموارد من الجهات المانحة، ودون تخفيف أعباء الديون، فإن إتاحة المجال للجهات المانحة لأن تكون انتقائية يضمن توفر مقادير أكبر من الأموال للبلدان التي تتبع سياسات صالحة ولدى مؤسساتها قدرات كافية، وبالطبع، فهذا يضمن كذلك توفّر مقادير أقل من الأموال للبلدان التي تتبع سياسات غير سليمة ولا تتمتع مؤسساتها بقدرات كافية. إن العودة إلى الإنتقائية لدى الجهات المانحة قد يؤدي إلى حلقة متصلة، بحيث يتواصل جذب الإستثمارات الخاصة إلى البلدان التي تتبع سياسات سليمة وتكون ديونها قليلة.

يبدو أن برنامج مبادرة تخفيف أعباء البلدان الفقيرة المثقلة بالديون ضروري لضمان تحقيق هذه النتيجة. ولكنه غير كاف أبداً. ففي المستقبل، يتعين على كل الجهات المانحة، بما فيها بنوك التنمية، أن تكون أكثر تشدداً، بحيث تربط القروض الجديدة بالانجازات أكثر مما تَربطها بالوعود.

إعادة تنظيم التمثيل في "الأندية" المالية: لقد تبين أن إدارة بنوك التنمية المتعددة الأطراف ناجحة (مقارنة بما يحصل في الأمم المتحدة حيث لكل دولة عضو صوت واحد) لأن صنع القرار فيها متناسب نسبياً مع المسؤولية المالية والأعباء التي تترتب على كل من الدول الأعضاء. فالبلدان التي لا تقترض، خاصة الولايات المتحدة، لديها قدر أكبر من الأصوات والقوة لأن رأس المال المدفوع والممكن طلبه لبنوك التنمية هو الذي يوفر أساس قدرة تلك البنوك على الإقتراض، ومن ثم الإقراض بأسعار فائدة متدنيّة. ولكن مع تغيّر الاقتصاد العالمي برزت قضيتان:

أولاً، هناك تفاوت متزايد فيما بين الكلفة الحقيقية التي تلازم ملكية رأس المال في بنوك التنمية والسلطة التي تملكها البلدان الأعضاء في عملية صنع القرار. إن كلفة الولايات المتحدة الحقيقية للحصة التي تسهم بها في رأسمال البنك الدولي توازي "الكلفة البديلة"، التي يتحملها دافعو الضرائب الأميركيون نسبةً لحصتهم من رأسمال البنك. لكن الكلفة السنوية الفعلية لهذه الإسهامات ضئيلة جداً، لآن دعم عمليات البنك العادية لا تحتاج إلى إعتمادات إضافية، كما أن كفالة دفع ديون البنك في حال توقفه عن الدفع، وهو أمر غير مرجح أبداً، لا تهمّ الناخبين الأميركيين في شيء.

ثانياً، ازدياد ارتباط التنمية المتعددة الأطراف بنظام الحكم العالمي. ففي هذا النظام الأوسع نطاقاً، والذي يتميز بتزايد الاعتماد المتبادل بين مختلف البلدان، أصبح دور البلدان الناشئة التي تعتمد اقتصاد السوق مركزياً، بحيث تؤثّر وتتأثر بالنظام العالمي المالي والاقتصادي. على هذه البلدان أن تتحمل قدراً أكبر من المسؤولية وأن يكون لها قدر أكبر من الرأي في ما خص بنوك التنمية، التي تشكل منابر أساسية في صنع القرارات الاقتصادية على صعيد عالمي. ومن الأفضل لهذه البنوك أن تكون في مركز القيادة لا التابعية بالنسبة لسبل زيادة تمثيل الجهات المقترضة في إدارتها.

باختصار، إن التمثيل وتشاطر المخاطر في هذه الأندية المالية هما من الأمور التي ينبغي تعديلها لتناسب الواقع المتغيّر. ففي حالة البنك الدولي، مثلا، على أكبر مساهم فيه، وهو الولايات المتحدة التي تبلغ حصتها 17 بالمئة، أن يقود، في العقد القادم، جهداً لمجموعة الدول السبع لبيع بعض حصصها كي تتمكن بلدان أخرى، مثل الصين والبرازيل والهند من زيادة حصصها، وبالتالي عدد أصواتها في البنك، وفعليا،ً نسبة ملكيتها فيه.

مستقبل أفضل؟

إن البنك الدولي والبنوك الإقليمية هي في الأساس منظمات مؤلفة من أعضاء، أي "نواد" مالية يعتمد وجودها على مصداقية مجموع أعضائها، وهذا ما يُخفّض تكاليف الاقتراض على جميع الأعضاء إلى أدنى مما كان لأي عضو أن يدفعه لو اقترض منفرداً. ولعل مستقبل بنوك التنمية المتعددة الأطراف سيكون أفضل إذا عملت باتجاه أن تصبح "نواد" ديناميكية. ويستلزم ذلك أن تصبح أكثر مرونة وأكثر استجابة على وجه العموم، وأكثر خضوعاً للمحاسبة من قبل المقترضين منها، وكذلك أكثر تمثيلاً لهم.

(ملاحظة: الآراء التي تم الإعراب عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء وسياسات حكومة الولايات المتحدة).


السلع العامة الإقليمية في المساعدات الدولية

بقلم ليزا كوك، مساعدة بحث، وجيفري ساكس، مدير، مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد

إن النقص الشديد الذي يعتري الأطر القائمة حالياً للمساعدات التي تُمنح للبلدان النامية هو في مجال توفير السلع العامة الإقليمية، والتي يمكن أن تتراوح بين جهود الأبحاث الخاصة بالأمراض الاستوائية والزراعة، وبين حماية البيئة، والصحة العامة، وفرض تطبيق القانون، حسب رأي ليزا كوك وجيفري ساكس، العاملين في مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد. ويقولان إن في وسع بنوك التنمية الإقليمية المساعدة في هذا المجال، إنما ينبغي عمل الكثير لبناء البنى اللازمة لتوفير السلع العامة الإقليمية. تجدر الإشارة إلى أن السيد ساكس هو أيضاً أستاذ لمادة التجارة الدولية في جامعة هارفارد.

من الدروس الأساسية المستقاة من التنمية الاقتصادية الحديثة وجوب تركيز الموارد القليلة للقطاع العام على تلك النشاطات التي يتعذّر على الأسواق الخاصة توفيرها بصورة وافية. ويجب أن يكون محور تركيز مساعدات التنمية الدولية مماثلاً لذلك، بحيث تدعم هذه المساعدات نشاطات مرغوب فيها، تُسمّى بالسلع العامة، يتعذر على الأسواق الخاصة، أو البلدان التي تتلقى المعونات، أن توفّرها بصورة وافية.

خلال عقدي الثمانينات والتسعينات (من القرن العشرين)، أخذت برامج المعونة تصبح، بصورة متزايدة، نوعاً من الحكومات البديلة للبلدان، تحاول من خلالها وكالات خارجية (تكون عادة بقيادة المؤسسات التي أنشأها مؤتمر "بريتون وودز") العمل على توفير سلع عامة على المستوى المحلي كما على مستوى البلاد ككل. والدافع الرئيسي لذلك، ويكون أحياناً واضحاً، لكنه في معظم الأحيان ضمني، هو أنه لا يمكن الوثوق بحكومات البلدان المعنية لتوفير السلع العامة في بلدانها. ووفق هذا التصوّر، يقوم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بقيادة جهود الإصلاح نيابة عن السلطة السياسة في البلد المعني لأن حكومة ذلك البلد تكون ضعيفة، وفاسدة، وتميل إلى التراجع عن قراراتها، أو عديمة الكفاءة، بمقدار يجعلها غير قادرة على أن تقوم هي بتلك المهمة. لقد كان يتم ربط تقديم المعونة بشروط سياسية تضمن قيام حكومة البلد الذي يتلقى تلك المعونة بتطبيق سياسات ملائمة، وتوفير سلع عامة ملائمة. وكانت المعونة تُقطع في حال عدم تطبيق الشروط.

أظهر عدد كبير من الدراسات، كما أظهر تاريخ كثير من مثل هذه الحالات، أن هذا النموذج تعتريه عيوب متعددة. أولاً، يمكن إنفاق هذه الأموال في مجالات متعددة. وحتى لو نجحت وكالات المعونة الخارجية في ضمان تخصيص الأموال لغايات معينة، ليس في وسعها ضمان أن تنفق تلك الموال في دعم تلك الغايات. وقد تكون الوكالة الخارجية ترغب في زيادة الإنفاق على قطاع التربية، مثلاً، لكنها تجد أن أموال المعونة المخصصة للقطاع التربوي تقلّصت بقيام حكومة البلد المعني بتقليص الاعتمادات المخصصة للتربية في موازنتها.

من أجل استخدام المعونة الخارجية لتوفير السلع العامة التي يتعذّر توفيرها دونها، على الجهات المانحة إعادة النظر في استراتيجياتها. لا شك أن هناك نوعاً مهملاً جداً من السلع العامة: أي السلع التي يتعذّر توفيرها بكفاءة إلاّ على مستوى إقليمي (الذي يُعرّف هنا بأنه تجمع لبلدان مجاورة)، أو على نطاق عالمي. هذا مجال ينبغي على بنوك التنمية المتعددة الأطراف أن تلعب فيه دوراً.

الحاجة لتوفير إقليمي لسلع عامة

من السهل تقديم أمثلة عن سلع عامة ينبغي توفيرها على مستوى إقليمي بحيث يعمل عدد من حكومات المنطقة بالتنسيق مع بعضه البعض. تشمل اللائحة التالية قسما من هذه السلع التالي:

  1. البيئة: العديد من قضايا إدارة شؤون البيئة هي مسائل تتخطى بطبيعتها حدود الدول. ومن الأمثلة على ذلك، مساقط المياه، العديد من أنواع التلوث (مثل مكافحة المطر الحمضي، وفيض مياه المجاري الصحية)، والموارد الطبيعية، والأبحاث العلمية الخاصة بمناطق التوازن البيئي.
  2. الصحة العامة: تتناول مكافحة الأمراض المعدية بطبيعتها قضايا تتعلّق بأكثر من بلد لأن العمال المهاجرين، أي الذين ينتقلون من بلدانهم للعمل في بلدان أخرى، يكونون عادة من ينشر العدوى. ويصّح هذا الأمر، في صورة خاصة، على الفيروس الذي يتسبب بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) في أفريقيا، كما على أمراض أخرى أكثر تقليدية مثل الملاريا. ووجود أعداد كبيرة من الناس الذين يتنقلون في مختلف أنحاء العالم النامي طلباً للعمل وغيره يعني أيضاً أن الأنظمة الصحية في بعض البلدان تئن تحت وطأة ما يفرضه عليها أناس من غير مواطنيها يقيمون في أراضيها. وأعمال الأبحاث الأساسية المتعلقة بأمراض تتميز بها مناطق معينة تثير قضايا وجوب التعاون الإقليمي، أيضا بسبب عدم قدرة أي بلد واحد في المنطقة على تحمل تكاليف أعمال الأبحاث والتطوير تلك، وعدم وجود حوافز لدى ذلك البلد للقيام بذلك. كما أن الحوافز التي تتوفر لشركات الأدوية الخاصة لتطوير أدوية ولقاحات فعّالة لمكافحة مرض ما، تعتمد بالمثل على النظام الخاص بالملكية الفكرية الذي يطبق في كامل منطقة تتأثر بذلك المرض.
  3. تنظيم الأسواق المالية واستقرارها: إن الصلات والروابط بين الأسواق المالية عبر حدود البلدان أمر لا مفر منه لأن هذه الأسواق تسعى دائماً إلى زيادة عائدات عملياتها. تثير هذه الروابط مسائل تنظيمية هامة لأن نوعية الإشراف في الأسواق المالية لدى أحد البلدان تؤثر تأثيراً شديداً على الأسواق المالية في البلدان المجاورة. لقد أخذت تجمعات الحكومات في مناطق معينة تتطلع في صورة متزايدة إلى سبل لإرساء الانسجام في أنظمتها المالية، وضمان مزيد من التماثل في الرقابة على سياساتها المالية.
  4. النقل: إن التنسيق بين شبكات النقل عبر حدود البلدان أمر بالغ الأهمية للتنمية الاقتصادية، لكنه شديد الصعوبة من الناحية العملية. فبصورة عامة، إن السياسات المحلية هي التي تقرر مواقع الطرق ومدى صيانتها لا كفاءة شبكة النقل. وبالمثل، فإن وجود ميناء في بلد معين يخدم عدداً من البلدان، قد يثير مطالب لإخضاع إستخدام ذلك الميناء لاعتبارات إقليمية.
  5. الاتصالات البعيدة المدى ونقل المعلومات. إن محطات الأقمار الصناعية وشبكات الكابل المصنوعة من الألياف البصرية تخدم عادة مناطق بكاملها لا دولاً بمفردها. يُحدد مستوى التنافس الإقليمي بين مزودي خدمات الإتصالات نظام التسعير ونوعية الخدمات في أي دولة معينة وينطبق هذا القول أيضاً على مشاريع توليد الطاقة الكهربائية من مساقط المياه، وشبكات الطاقة التي تربط بين بلدان متعددة في منطقة ما، وشبكات أنابيب النفط التي تعبر عدداً من البلدان.
  6. شبكات الطاقة الكهربائية. تحتاج أنظمة الطاقة، في معظم الأحيان، إلى تعاون، وإدارة وتمويل على المستوى الإقليمي.
  7. الأبحاث الزراعية والإرشاد. إن علاقة الأبحاث الزراعية بتزويد السلع العامة عميقة. كما أن طبيعة الأبحاث الزراعية تجعلها تنطبق على نطاق إقليمي أكثر مما تنطبق على بلد بمفرده. وهناك قضايا إقليمية مماثلة تنطبق على مجموعة واسعة النطاق من الاهتمامات الزراعية، ومنها: محطات الأرصاد الجوية، أعمال توقع أحوال الطقس، ضمان المحاصيل، الأبحاث في مجال توفير إستهلاك الموارد وإدارتها، والأبحاث في مجال التكنولوجيا الإحيائية.
  8. تطبيق القوانين: هناك العديد من أنواع الأعمال الجرمية التي تُرتكب على نطاق مناطق تضم عددا من البلدان، بحيث يكون أحد تلك البلدان معبراً أو ملاذاً لأعمال جرمية ترتكب في بلدان أخرى. وفي العديد من أعمال ملاحقة الأعمال الجرمية تقاس فعالية هذه الأعمال بفعالية أضعف مكمن فيها. وعلى سبيل المثال، تكون المراقبة على طريق يصل بين بلد في داخل منطقة معينة وبلد آخر على ساحلها عديمة الجدوى بالنسبة إلى البلد الواقع في الداخل، إذا كانت المراقبة ضعيفة في البلد الواقع على الساحل.

هناك فئة بالغة الأهمية من فئات السلع العامة الإقليمية، هي فئة الأبحاث الأساسية المتعلقة بمسائل تختص بها منطقة معينة مثل الصحة، والزراعة، وإدارة البيئة. فلقد أظهرت أبحاث أُجريت مؤخراً أن معظم البلدان النامية، ولا سيما تلك الواقعة في المناطق الإستوائية، تواجه مشاكل حادة في مجالات الصحة العامة، والزراعة، والبيئة، مما يستوجب نهوجا وأساليب علمية وتكنولوجية جديدة لا تُمكن استعارتها، كما لا يمكن الحصول عليها من بلدان متقدّمة. فالأبحاث العلمية التي تجري في البلدان المتقدمة لا تولي ما يذكر من الاهتمام لمشاكل تعاني منها مناطق استوائية، مثل الملاريا، ومرض الديدان المعوية، والزراعة الاستوائية. إضافة إلى ذلك، فإن التكنولوجيات الصحية والزراعية التي تم تطويرها في البلدان المتقدمة لا تنطبق مباشرة على المناطق الإستوائية. كما أن تمويل الأبحاث العلمية المتعلقة بالصحة والزراعة والبيئة في البلدان الاستوائية ضئيلة جداً إذا ما قورنت بالتمويل المتوفر للأبحاث المتعلقة بالمناطق المعتدلة المناخ.

تزويد السلع العامة الإقليمية - إن توفير السلع العامة الإقليمية هو عامة أقل من المطلوب، وكثيراً ما تكون مهملة. وفي حين تكون كلفة معاملات السلع العامة مرتفعة جداً على مستوى البلدان، فإن كلفتها على المستوى الإقليمي لا تُحتمل. لماذا؟

  1. إن البلدان المجاورة تكون غالب الأحيان في حالة نزاع عسكري بين بعضها البعض، ولهذا تكون منشغلة في تدمير البنى التحتية في المنطقة (الجسور، والطرق، وشبكات توزيع الطاقة التي تعبر الحدود) بدلاً من إنشاء مثل هذه المشاريع، أو أنها تكون في منافسة ديبلوماسية ("حرب باردة") عندما لا تكون في خلاف عسكري مباشر.
  2. تكون الهيئات الإقليمية عادة ضعيفة سياسياً ولا تتلقى تمويلاً كافيا من البلدان الأعضاء فيها.
  3. إن برامج المساعدات الدولية موجهة في معظمها إلى بلدان، لا إلى هيئات مؤلفة من عدة بلدان. ويعود هذا في جزء منه إلى الأنظمة الأساسية للمؤسسات التي تمنح المعونات، إن على المستوى الدولي (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، أو على مستوى البلد الواحد (مثل الوكالات المانحة في البلدان المرتفعة الدخل). وهو أيضاً نتيجة توقعات الضعف السياسي للهيئات الإقليمية مما يجعل وضعها هذا قابل للإستمرار. فالهيئات المانحة لا تقدّم مساعدات للهيئات الإقليمية الضعيفة، ونتيجة لذلك فإن تلك الهيئات الإقليمية لا تكتسب قوة، ولا قدرة، ولا تتحقق لها سبل البقاء من الناحية المالية.

أدلة متواضعة على توفير السلع العامة الإقليمية - رغم شحة المعلومات عن هذا الموضوع، فإن المتوفر منها يشير إلى أن هناك القليل من الأموال المخصصة للسلع العامة الإقليمية، مع أنه سُجلّت حالات نجاح جديرة بالذكر في هذا المجال.

فالمعلومات المتوفرة لدى لجنة "المساعدة الإنمائية" التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي أكثر مصادر المعلومات شمولا في ما خص المعونة الثنائية، تفيد إن صافي معونة التنمية، المقدمة من بلدان مختلفة ومن مؤسسات متعددة الأطراف، المخصصة لبرامج تنمية إقليمية يشكّل نسبة ضئيلة جداً من مجموع هذه المعونة. وفي ما خص أفريقيا، بلغت هذه النسبة 7,6 بالمئة فقط عام 1996.

وفي حين يفرض النظام الأساسي للبنك الدولي عليه إقراض البلدان الأعضاء، فإن بعض قروض البنك في الآونة الأخيرة اتخذ طابع السلع العامة الإقليمية. وقد تم القيام بذلك عن طريق تنسيق البرامج التي تطبق على مستوى البلدان، إذا كان تنفيذها مشتركاً، واعتمد ترتيبات مالية متماثلة، بحيث تم جمع هذه البرامج والموافقة عليها من قبل المجلس التنفيذي للبنك واعتُبرت مشروعاً واحداً. ومن الأمثلة على ذلك، جهود الأبحاث الزراعية التي قامت بها المجموعة الاستشارية الخاصة بالأبحاث الزراعية الدولية؛ ومشاريع المياه مثل برنامج حوض بحر الأورال لإدارة المياه والبيئة؛ وجهود مكافحة الأمراض مثل برنامج مكافحة الأورام، الذي يطبق في عدد من البلدان الصغيرة في غرب أفريقيا، ومشاريع للبنية التحتية مثل إعادة تأهيل خط سكك الحديد الذي يربط بين أبيدجان-اغادوغو-كايا. وفي حين يبدو مثل هذا النوع من الإقراض قليلاً، فقد تم إحراز نجاحات تستحق الذكر، كما تحقق في برنامج مكافحة الأورام.

ومع أن بنوك التنمية الإقليمية، مثل بنك تنمية الدول الأميركية وبنك التنمية الأفريقي، تبدو في وضع مناسب تماماً للمساعدة في تمويل توفير السلع العامة الإقليمية، فإن الأمر ليس كذلك على العموم. فهذه البنوك تتبع في إقراضها النموذج الذي يتبعه البنك الدولي، والمتمثل بإقراض البلدان إفرادياً. ويبدو أن مخصصات بنك التنمية الأفريقي من القروض والهبات لصندوق التنمية الأفريقي، في الفترة بين عامي 1974 و1997، كانت بنسبة 98,1 بالمئة لبلدان منفردة، ونسبة 1,9 بالمئة فقط لمشاريع متعددة الأطراف. وهذا غريب بالفعل بالنسبة إلى منطقة تعاني مشاكل إقليمية كثيرة، منها الأمراض المعدية، والنزاعات بين دولها، والحاجة إلى وسائل نقل تربط أنحاءها ببعضها البعض.

يبدو أن بنك تنمية الدول الأميركية يقدم قروضاً ومعونات لمشاريع إقليمية بصورة متزايدة، مع أن نسبة هذه القروض والمعونات لا تزال ضئيلة مقارنة بمجموع ما يقدمه منها. فمنذ عام 1997، قدم هذا البنك 58 قرضاً لمشاريع إقليمية بلغ مجموعها 2770 مليون دولار، تم دفع 1710 ملايين دولار منها حتى الآن. وحيث أن مجموع ما دفعه البنك من قروض في هذه الفترة بلغ 61400 مليون دولار، تكون نسبة القروض المقدمة للمشاريع الإقليمية من هذا المجموع نسبة 4,5 بالمئة فقط. في عام 1997، قدّم هذا البنك 18 قرضاً لمشاريع إقليمية بلغ مجموعها 833 مليون دولار، في حين بلغ مجموع القروض التي قدمها ذلك العام 6020 مليون دولار. وهكذا بلغت نسبة القروض للمشاريع الإقليمية من مجموع القروض التي قدمها هذا البنك تلك السنة، 13,8 بالمئة، مما يوحي بحصول زيادة في تقديم القروض للمشاريع الإقليمية. ومن المشاريع الإقليمية التي تم تمويلها عام 1997:

  1. مشاريع البنية التحتية الإقليمية (خط أنابيب الغاز الذي يصل بوليفيا بالبرازيل، نظام الوصل الكهربائي لبلدان أميركا الوسطى).
  2. مشاريع الأسواق المالية الإقليمية (برنامج تسليف لبنك التكامل الاقتصادي الخاص ببلدان أميركا الوسطى).
  3. مشاريع أبحاث وتطوير (برنامج تكنولوجي لإدارة الزراعة والموارد الطبيعية، وأنظمة رقمية للمسح الجغرافي والمعلومات الجغرافية).
  4. مشاريع إصلاح سياسي (دعم مبادرة منطقة التجارة الحرة للأميركيتين).
  5. مبادرات تدريب إقليمية (تقديم منح دراسية وسبل دعم أخرى لدعم توفير تدريب متقدم لمسؤولين حكوميين).

كان من أهم أسباب إنشاء منظمة الأمم المتحدة حل مشاكل التنسيق الدولي وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي. والمؤسسات الـ81 التابعة للأمم المتحدة هي الموفرة الأساسية للسلع العامة الإقليمية والدولية. ومن الأمثلة الممتازة على هذه المؤسسات: منظمة الصحة العالمية؛ المفوضية العليا للاجئين؛ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)؛ برنامج الأمم المتحدة للتنمية، وجهود أخرى لحل النزاعات وحفظ السلام، وما إلى ذلك. ومع هذا، يستحيل حتى مع الأمم المتحدة، استناداً إلى المعلومات المنشورة، التأكد من مقدار الأموال التي تخصص لبرامج تطبق على مستوى البلدان، وتلك التي تخصص لبرامج هي حقاً إقليمية أو دولية.

خطوات تشغيلية للمدى القريب - يُلقي هذا المقال نظرة أولية جداً على هذه القضية، ويُقصد إلى الحفز على مزيد من التحليل والعمل. إننا نوصي باتخاذ الخطوات التشغيلية الخمس التالية في الأمد القريب:

  1. التنسيق بين برنامج الأمم المتحدة للتنمية، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وبنوك التنمية الإقليمية بغية وضع نظام أكثر دقة لحساب توزيع المخصصات ما بين مشاريع تطبق على مستوى البلدان ومشاريع تطبق على مستوى إقليمي.
  2. تطوير أساليب تحليلية داخل برنامج الأمم المتحدة للتنمية، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتوزيع مخصصات المعونة بين السلع العامة، والسلع الخاصة، وتحويلات الدخل.
  3. إعادة النظر في المبادئ التي تحكم أعمال البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ووكالات الأمم المتحدة، وبنوك التنمية الإقليمية، والوكالات الرئيسية المانحة للمساعدات الثنائية من أجل البحث في التحيّزات أو الموانع القانونية في ما خص توفير المعونات لمشاريع إقليمية ولهيئات إقليمية.
  4. دراسة برنامج الأمم المتحدة للتنمية لأوضاع هيئات إقليمية (مثل، أسرة التنمية لجنوب أفريقيا، والأسرة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، ومجموعة بلدان الأنديز، وجمعية دول جنوب شرق آسيا، وغيرها) لمعرفة موازاناتها، والمشاريع الإقليمية التي تجري بإشرافها، والدعم الذي تتلقاه من وكالات دولية وأخرى تابعة لبلدان منفردة.
  5. قيام برنامج الأمم المتحدة للتنمية بعقد سلسلة من الحلقات الدراسية والندوات للنظر في الخيارات السياسة لزيادة توفير السلع العامة الإقليمية في مجالات أساسية مثل البنية التحتية، والصحة العامة، وأعمال الأبحاث والتطوير.

يشير المشككون بجدوى توفير السلع العامة الإقليمية إلى ما تعانيه حالياً الهيئات الإقليمية من ضعف في قيامها بما ينبغي عليها من توفير السلع العامة. ولكن الهيئات الإقليمية ستبقى ضعيفة بطبيعتها إلى أن تُعطى ما يلزم من تفويض وتمويل لعمل المزيد في هذا المجال. فلقد بدأت أصول الاتحاد الأوروبي عندما قررت الولايات المتحدة تحويل مساعدات إعادة البناء، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، من خلال هيئة إقليمية (هي منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي)، وذلك في إطار مشروع مارشال. أوجد مشروع مارشال، مع مجموعة من الأوروبيين بعيدي النظر، تعاونا إقليمياً أوروبياً ووفروا السلع العامة عن طريق الضغط على القارة التي مزقتها الحرب كي تعمل بلدانها بتعاون إذا كانت لتتلقى المعونة الأميركية.

إن هدفنا المشترك الأبعد أمدا يجب أن يكون العمل باتجاه إعادة تقويم وإعادة تصميم استراتيجية المعونة الدولية عموماً، والتأكد من أن تلبي المعونة الدولية أهم حاجات العالم النامي وذلك بتركيزها على النشاطات التي تتعذر تلبيتها من قبل حكومات البلد المعني أو الحكومات المحلية فيه أو من قبل القطاع الخاص.

(ملاحظة: الآراء التي تم الإعراب عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات حكومة الولايات المتحدة).


برنامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتقييم القطاع المالي

بقلم بول هيلبرز، نائب رئيس قسم مراقبة الأنظمة المالية دائرة شؤون النقد وصرف العملات صندوق النقد الدولي

أبرزت الأزمة المالية التي وقعت في أواخر التسعينات من القرن الماضي أهمية القطاعات المالية السليمة لاستقرار الاقتصاد الكلي في مختلف البلدان، وللنظام المالي الدولي الأوسع نطاقاً، خاصة في عالم متزايد التكامل والاندماج.

يدرس "برنامج تقييم القطاع المالي" الذي اشترك في وضعه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عام 1999، أوضاع القطاعات المالية لدى البلدان المعنية بصورة خاصة، كما يقوم بتقويم مكامن قوتها وضعفها، من أجل تقليل إحتمالات وقوعها في أزمة، كما يقول بول هيلبرز، نائب رئيس قسم مراقبة الأنظمة المالية في صندوق النقد الدولي.

الأزمات المالية ليست نادرة. فمنذ عام 1980 وقعت مثل هذه الأزمات في حوالي ثلاثة أرباع بلدان العالم، بما في ذلك العديد من البلدان الصناعية. ولكن الأزمة المالية التي وقعت في آسيا عام 1997 أبرزت مدى أهمية القطاع المالي في بلد ما لاستقراره الاقتصادي العام، وفي عالم متزايد التكامل والاندماج، مدى أهمية الأنظمة المالية السليمة للحفاظ على انتظام الأوضاع المالية الدولية.

في أعقاب الأزمات المالية التي وقعت في أواخر التسعينات، أطلق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مبادرة، عُرفت باسم "برنامج تقييم القطاع المالي"، وذلك لدراسة الأنظمة المالية لدى الدول الأعضاء وتقييمها. تشمل الأنظمة المالية مجموعة واسعة النطاق من المؤسسات المالية مثل البنوك، وصناديق الاستثمار المشتركة، وشركات التأمين، كما الأسواق المالية نفسها (مثل أسواق الأسهم والسندات، وأسواق صرف العملات، وأسواق النقد). وتشمل أيضاً نظام المدفوعات، والإطار التنظيمي والرقابي والقانوني الذي تستند إليه عمليات المؤسسات والأسواق المالية. يسعى برنامج التقييم إلى كشف مكامن القوة والضعف في النظام المالي، وإلى التقليل من احتمال وقوع أزمات، ما يسهم في تعزيز الجهود الرامية إلى تشجيع وتعزيز الإستقرار المالي والنمو على صعيد كل بلد على حدة، كما على الصعيد الدولي.

يعتمد البرنامج في الكثير من عمله على ما سبق أن بذله صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من جهود في القطاع المالي. كان الصندوق يُركّز تقليدياً على الارتباط ذي الاتجاهين بين سلامة القطاع المالي وأداء الإقتصاد الكلّي، من جهة، وعلى دعم السياسات التي تقلل من إحتمال وقوع أزمات مالية وتخفف من وطأة الأزمات التي تقع، من جهة أخرى. وتتضمن هذه سياسات ترمي إلى تحسين الإشراف التي تمارسه سلطات البلدان المعنية على المؤسسات والأسواق المالية بغية تقليص المخاطرالزائدة، وتحسين معالجة هذه المؤسسات للمخاطر، وتعزيز التعامل السليم في إنتقال الأموال. وتتناول أيضاً تحسينات في السياسات المتعلقة بالاقتصاد الكلّي، مثل السياسة النقدية والمالية، بهدف تحسين إستقرار المناخ الاقتصادي الكليّ، وبالتالي، تكون أكثر دعماً لاستقرار القطاع المالي.

يُركّز البنك على أهمية القطاع المالي للتنمية وتقليص الفقر. وقد ثَبت أن للنظام المالي الذي يعمل بصورة جيدة أهمية بالنسبة إلى النمو الاقتصادي، وهذا يُشكّل عنصراً أساسياً لتقليص الفقر. وفي هذا النطاق، يدعم البنك الدولي، تقليدياً، تطوير وتعزيز القطاعات المالية في البلدان المعنية.

يسعى برنامج تقييم القطاع المالي إلى تنبيه البلدان المعنية إلى مكامن الضعف المحتملة في قطاعها المالي، وإلى مساعدة البنك والصندوق، والأسرة الدولية عموماً، في تصميم المعونات الملائمة. وتعتمد نوعية التقييم على القدرة التحليلية والرأي التحليلي لفريق مشترك من البنك والصندوق الذي يُجري هذا التقييم. ويعتمد أعضاء الفريق على خبرتهم، كما على معرفة خبراء آخرين من عدد من البنوك المركزية المتعاونة معهم، ومن أجهزة رقابية في مختلف البلدان، وهيئات تقوم بوضع معايير دولية (مثل لجنة بازل للرقابة المصرفية، والجمعية الدولية لمشرفي التأمين، والمنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية)، ومؤسسات أخرى. ويوفر هؤلاء الخبراء الخارجيون عنصراً قيّما جداً إذ يراجعون التحليلات بوصفهم أقرانا لفريق خبراء البرنامج، خاصة لناحية التقيّد بمعايير وأنظمة القطاع المالي.

تم الشروع بالبرنامج في أيار/مايو 1999 على أساس تجريبي. وتناول في بادئ الأمر عدداً من البلدان كانت متباينة جداً في درجة تطور أنظمتها المالية، منها بلدان صناعية (مثل كندا، وإرلندا)، وبلدان ذات اقتصادات ناشئة (مثل جنوب أفريفيا)، وبلدان نامية (مثل الكاميرون، والسلفادور). لَقي البرنامج دعماً قوياً من البلدان المشتركة فيه ومن الأسرة الدولية، كما من المرجح له أن يصبح الآن عنصراً دائما في عمل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

مكوّنات برنامج تقييم القطاع المالي

إن دراسة فريق خبراء البرنامج لمكامن القوة والضعف، وللمخاطر في النظام المالي لبلد ما يتضمن ثلاث مكوّنات رئيسية، هي: 1- تقييم إستقرار النظام المالي، بما في ذلك عناصر الاقتصاد الكلّي التي يُمكن أن تؤثر في أداء النظام، وأوضاع النظام التي يُمكن أن تؤثر في الاقتصاد الكلّي؛ 2- تقييم مدى التقيّد بالمعايير، والأنظمة، والممارسات الصالحة ذات الصلـة بالقطاع المالي؛ و3- تقييم حاجات القطاع المالي من الإصلاح والتطوير. ويُحدّد الفريق إجراءات ينبغي القيام بها لتعزيز النظام المالي، كما يُحدّد الخطط الطارئة اللازمة، ويوفّر تقديراً مفصلاً للمفاعيل النقدية والمالية لهذه الإجراءات.

على سبيل المثال، يُمكن لظهور تبدّل ذي شأن في أسعار سلعة أساسية في بلد ما (في سوق العقارات، أو ربما في سوق الأسهم) أن يجعل البنوك أو غيرها من مؤسسات الإقراض مُعرّضة لخسائر كبيرة إذا كانت تلك السلع تشكل الضامن الأساسي لجزء كبير من القروض. وفي مثل هذه الحالة، يعمد فريق البرنامج، أولاً، إلى محاولة معرفة ما إذا كان هناك حقاً تبدّل في الأسعار، وما هو سبب هذا التبدل، وما إذا كان على سلطات ذلك البلد العمل على معالجة الأمر، وما إذا كان في وسعها ذلك. في الوقت نفسه، ينبغي على الفريق أن يتحقق مما إذا كانت مؤسسات الإقراض قد اعتمدت دون مبرر على الضمانات التي تُشكلّها تلك السلع الأساسية كي تمنح القروض، وما إذا كانت قد أخذت بعين الاعتبار هبوط أسعار السلعة عندما قامت بتقدير الضمانات، وما إذا كانت لديها مستويات كافية من رأس المال. ويتحقق الفريق أيضاً مما إذا كان المشرفون الرسميون على القطاع المالي يراقبون هذه المخاطر بصورة كافية، ويقدّمون النصح لمؤسسات الإقراض في ما خص ممارساتها. وإذا تبيّن للفريق وجود أي ضعف في أي من هذه المجالات، فإنه يقوم بتقديم التوصيات اللازمة لمعالجة مكامن هذا الضعف.

إن المحافظة على عافية النظام المالي يعتمد، إلى حد كبير، على وجود جو رقابي كاف، وعلى وجود هيكلية توفّر الحوافز. والتقييم الذي يقوم به البرنامج يتفحّص الركائز التشريعية للقطاع المالي من أجل تقدير قدرة السلطات التنظيمية وأسلوب ممارساتها. ويتضمن هذا تقييماً منهجياً للتقيد بمبادئ بازل الآساسية الخاصة بالإشراف الفعّال على العمل المصرفي، وممارسة الشفافية في السياسات المالية والنقدية، ومعايير أسواق الأوراق المالية، والتأمين، وأنظمة المدفوعات، إذا كانت لهذه صلة بالوضع. كما أن قضايا قانونية ومؤسساتية أخرى لها تأثير على القطاع المالي يمكن أن تُدرس أيضاً.

إضافة إلى الحكم على الأداء الاقتصادي الحالي للنظام، قد يكون من الضروري النظر في التصور الاستراتيجي لسلطات البلد بالنسبة لتطوير ذلك النظام. وفي البلدان النامية التي تقوم فيها أسواق مالية غير متطورة، قد يكون من الضروري توجيه إهتمام خاص لاحتمالات تطوير أسواق الرساميل والإدخارات التعاقدية (بما في ذلك صناديق التأمين والتقاعد). فهذه الأجزاء من النظام المالي تسهم في دوام عافية النظام بأكمله، كما تدعم النمو الاقتصادي.

إن هذه المكوّنات المختلفة لعملية التقييم التي يجريها البرنامج تستلزم تفحُّصاً لعدد كبير من المجالات. وفي كل من هذه المجالات، ينبغي على عملية التقييم أن تأخذ في الحسبان بنية القطاع المالي في البلد المعني، وأن تستعين بالمعايير الدولية، وبأفضل الممارسات، وتستعين بالخبرة المتراكمة لدى البنك، وكذلك بالمعلومات المتوفرة في السوق. ورغم كثرة هذه المجالات فلدى العاملين في الصندوق والبنك معرفة واسعة اكتسبوها من العمل لدى الحكومات أو مؤسسات القطاع الخاص، وكذلك من الأعمال التي قامت بها هاتان المؤسستان الدوليتان سابقاً. يسمح هذه الأمر بتحديد القضايا التي تُعتبر الأهم في أي بلد معين، بحيث يتم تركيز عمل البرنامج كما يجب.

أساليب وأدوات العمل

تم تطوير بعض أساليب وأدوات عمل فريق برنامج التقييم خصيصاً لهذا البرنامج. وتتضمن هذه الأساليب، على الأخص، التحليل العقلاني الكلّي، بما في ذلك إختبارات الإجهاد وتحليل السيناريوهات، إضافة الى أساليب محسّنة للحكم على التقيّد بالمعايير والأنظمة، وهذه كلها تدعم وتعزّز إنسجام ونوعية التحليلات التي يجريها هذا البرنامج.

إن التحليل العقلاني الكلّي يهدف إلى إبراز الترابطات بين أداء الاقتصاد الكلي وسلامة القطاع المالي. وتشمل مؤشرات العقلانية الكلية إجمالي المؤشرات الكلية لعافية البنوك التجارية الإفرادية والمؤسسات المالية الأخرى (مثل، كفاية رأس المال، والأرباح، والقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية)، علاوة على مؤشرات الاقتصاد الكلّي (مثل، أسعار الفائدّة، وشدة تقلّب أسعار صرف العملة). ولقد ثبت أن مؤشرات االعقلانية الكلية تشير، إمّا بشكل متلازم أو لاحق، الى سلامة النظام المالي. أما المتغيرات المتعلقة بالاقتصاد الكلي فيمكن لها، من ناحية أخرى، أن تشير إلى اختلالات تؤثر في الأنظمة المالية، وتميل إلى أن تكون مؤشرات دالّة على ما سيحصل مستقبلاً. ولقد أظهرت التجارب أن الأزمات المالية تحصل عادة عندما يشير هذان النوعان من المؤشرات إلى مكامن ضعف، أي عندما تكون المؤسسات المالية نفسها ضعيفة وتواجه أيضاً صدمات من الاقتصاد الكلّي.

تساعد إختبارات الإجهاد وتحليل السيناريوهات في معرفة تأثير الصدمات التي تحصل في الاقتصاد الكلّي، والتغييرات الهيكلية، والابتكارات في القطاع المالي، على ربحية المؤسسات المالية وقدرة وفائها بإلتزاماتها. وهذه توفر إطاراً مفيداً ومرِناً لتحليل ومعرفة مكامن ضعف القطاع المالي. تتباين أنواع الاختبارات والنماذج التي تُستخدم في إطار البرنامج، وذلك حسب هيكلية ومميزات النظام المالي في البلد الذي يجري دراسة أوضاعه، وحسب توافر المعلومات اللازمة. على سبيل المثال، إن بلداً تكون معظم صادراته من السلع الأساسية قد يكون أكثر تعرضاً للأذى بسبب تقلّب أسعار الصادرات وتقلّب المداخيل. قد يكون من المناسب في وضع كهذا، التركيز على احتمال حصول صدمات خارجية أكثر من التركيز على احتمال حصول صدمات داخلية. إضافة إلى ذلك، إن مقياس احتمال وقوع صدمات خارجية، والذي يستخدم كأساس للإجهاد، قد يكون أكبر لبلد كهذا. كما تَبيّن أن إجراء إختبارات الإجهاد وتحليل السيناريوهات، بالتعاون مع سلطات البلد المعني، أمر يساعد كثيراً في بناء القدرة على إدارة المخاطر في البلدان الأعضاء، كما يشجع المسؤولين في تلك البلدان على إجراء إختبارات إجهاد روتينية لنظامهم المالي.

إن تقييم التقيّد بالمعايير والأنظمة الخاصة بالنظام المالي وتطبيقها، يسمح بكشف الثغرات في أنظمة القطاع المالي وممارسات الشفافية فيه، وبالتالي، ُيتيح تحديد حاجات الإصلاح والتنمية في المجال الذي يشمله المعيار. إضافة إلى ذلك، يوفر تقييم المعايير معلومات قيّمة تُستخدم في التقييم العام لاستقرار النظام المالي، ويساعد البلدان المعنية في تقويم نظامها بمقارنته بالمعايير الدولية.

تؤكد الخبرة حتى الآن أن تقييم المعايير يُشكّل جزءاً هاماً من برنامج تقييم القطاع المالي. فأعمال الرقابة والإشراف الجيدة على المؤسسات والأسواق المالية تكون بالغة الأهمية لاستقرار الأنظمة المالية، خاصة وأنها أصبحت مندمجة في الأسواق العالمية وتواجه العديد من الابتكارات والصدمات. كما أن تقييم المعايير يفيد أيضاً في تحديد وتطبيق إصلاحات تشغيلية لازمة لتطوير الأنظمة المالية للبلدان المعنية، كما لتكاملها واندماجها في الأسواق المالية العالمية. ومن ناحية أخرى، يلعب تقييم المعايير دوراً أكثر محدودية في تحديد مكامن ضعف الأنظمة المالية في الوقت الحاضر، لأن هذه تتأثر بعدد كبير من العوامل المتعلقة بالاقتصاد الكلّي وتلك المتعلقة بالناحية الهيكلية. وينبغي أن يتم جمع أنواع التقييم مع مجموعة أوسع من المعلومات والتحاليل للحصول على صورة كاملة للمخاطر، ولمكامن الضعف. وهذه الصورة مطلوبة لإجراء تحليل شامل لموضوع الاستقرار، كما هي الحال بموجب برنامج التقييم المالي.

إن عمليات التقييم التي تتم بموجب هذا البرنامج ليست غاية بحد ذاتها. فنتائج التشخيص يجب أن تدخل في صلب عمل البنك والصندوق.

من ناحية الصندوق، سوف يتم تحضير تقييم لاستقرار النظام المالي استناداً إلى ما يتم تبنّيه من تقرير التقييم الصادر عن البرنامج. ويركّز تقييم استقرار النظام المالي هذا على مكامن قوة وضعف ومخاطر النظام المالي في إطار اقتصاد كلّي وعقلانية كليّة، وهو أوسع نطاقاً من السابق، الأمر الذي يؤدي إلى تقييم عام شامل للاستقرار. يُحال مثل هذا التقييم إلى المجلس التنفيذي للصندوق كجزء من الوثائق الواجب تقديمها للمشاورات التي تجري وفق المادة الرابعة، وهي المناقشات السنوية التي يعقدها الصندوق مع البلدان الأعضاء في صدد سياسات الاقتصاد الكلّي لديها. وهكذا فإن تقييم الاستقرار المالي يربط بين برنامج البنك والصندوق، وبين الأنظمة الرقابية والمالية التي يشرف عليها الصندوق. وتركّز التحليلات التي تجري في إطار تقييم الاستقرار المالي على النتائج المحتملة لمزيج من السياسات البديلة بالنسبة للإقتصاد الكلّي، وللصدمات الخارجية، ولمفاعيل إصلاح القطاع المالي على ربحية القطاع المالي، وقدرته على الوفاء بالتزاماته، وتوفر السيولة لديه.

من ناحية البنك، يعتبر البرنامج جزءاً من الحوار الأساسي بين مسؤولين في البنك وسلطات البلدان الأعضاء. والعمل التشخيصي الذي يقوم به البرنامج يوفّر تقويماً شاملاً للقطاع المالي في البلد المعني، يصبح بمثابة الأساس الذي يرتكز إليه البنك لرسم استراتيجية مساعدة البلدان المعنية وتوفير المعونة الفنية لها. ويقوم موظفو البنك بإعداد تقرير تقييم القطاع المالي للبلد المعني. وهذا يلخّص النقاط الأساسية المحددة في التقييم العام للبرنامج، ويُشدّد على العناصر التي تتعلق بتطوير وتعزيز بناء المؤسسات للنظام المالي في ذلك البلد. يُمكن لسلطات ذلك البلد ان تقرّر نشر كل من هذين التقريرين، كما يمكن لها أن تقرر نشر ملخصات عن التقييم بالنسبة للتقيد بمعايير القطاع المالي، كجزء مما يُدعى "تقارير التقيّد بالمعايير والأنظمة."

التطلع قُدُماً

تُعتبر النتائج التي حققها برنامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتقييم القطاع المالي حتى الآن نتائج إيجابية. ساعد البرنامج على أن يصبح تحليل القطاع المالي جزءاً من صلب مناقشات السياسة المالية، ووفّر لسلطات البلدان المعنية إطار عمل استراتيجي لتعزيز وزيادة تطوير أنظمتها المالية.

على سبيل المثال، تم في بعض الحالات إبراز الترابطات بين ارتفاع أسعار الفائدة والقروض غير المسددة، الأمر الذي أتاح القيام بتحليل أكثر عمقاً لإمكانية إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة. وفي حالات أخرى، أبرز البرنامج ضرورة تعزيز الرقابة على الأعمال المصرفية، وتحسين التشريعات الخاصة بالقطاع المالي، وتقليص المخاطر الكامنة في أنظمة المقاصة للمدفوعات والأوراق المالية، وتحسين إدارة الدين السيادي. ولقد تم، مثلاً، توفير المساعدة بالنسبة لتصميم نظام لضمان الودائع ولإنشاء سجلات للتسليفات.

من المُهم الإدراك أن برنامج البنك والصندوق لن يحمي البلدان المعنية من جميع الأزمات الاقتصادية. فمؤشرات العقلانية الكلّية، وإختبارات الإجهاد، وتقييم المعايير، يمكنها أن تكشف مكامن الضعف، ولكنها قابلة للخطأ. ورغم ذلك، يمكن لهذا البرنامج، مع الوقت، أن يُقلّص من وقوع الأزمات بحيث يوفّر للسلطات عرضاً وافياً وموضوعياً لأوضاع القطاعات الاقتصادية، ويُمكّن من تحديد مكامن ضعفها في وقت مبكّر، كما اقتراح سُبل معالجات سياسية فعّالة وفي الوقت المناسب.

(ملاحظة: الآراء التي تم الإعراب عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء وسياسات حكومة الولايات المتحدة).


وقائع وأرقام

المؤسسات المالية الدولية

صندوق النقد الدولي

أُنشئ صندوق النقد الدولي، الذي يبلغ عدد أعضائه اليوم 183 بلداً، في الاتفاقات الأصلية التي أسفر عنها مؤتمر بريتون وودز الذي عقد في تموز/يوليو 1944، وكانت ترمي إلى تشكيل البيئة المالية العالمية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

الهدف: تم إنشاء صندوق النقد الدولي للعمل على استقرار أسعار صرف العملات، وتحقيق نمو متوازن في التجارة الدولية، وإقامة نظام متعدد الأطراف للمدفوعات، وتوفير معونة مالية مؤقتة للبلدان الأعضاء في الصندوق من تلك التي تعاني مشاكل في ميزان المدفوعات، بغية تقليص الخطر على النظام الدولي. تحقيقاً لهذه الغاية، يضطلع الصندوق بثلاث مهام رئيسية، هي: مراقبة الأوضاع الاقتصادية في البلدان أعضاء الصندوق، مع توكيد خاص على سياسات أسعار الصرف؛ توفير معونة مالية، بشكل تسليفات وقروض، لبلدان أعضاء تعاني مشاكل في ميزان المدفوعات وذلك لدعم برامج التعديل والإصلاح؛ وتوفير مساعدة تقنية لتطبيق السياستين المالية والنقدية.

ويشكل الصندوق أيضاً مركزاً عالمياً للأبحاث المتعلقة بالقضايا الاقتصادية الدولية، وينشر سنوياً مئات الدراسات والتقارير. ومن هذه تقارير "مستقبل الإقتصاد العالمي" التي تُنشر في الإجتماعات التي يعقدها الصندوق والبنك الدولي مرتين كل سنة. وقد نشرت هذه التقارير لأول مرة عام 1980. وفي الآونة الأخيرة، اصبح الصندوق يوفّر، بشكل مطبوعات أو في الصفحة الخاصة به على شبكة الإنترنت، معلومات إقتصادية بالغة الأهمية عن أوضاعه المالية والعمليات التي يقوم بها وعن البلدان الأعضاء. وتتضمن هذه وثائق عن التقويم السنوي العام للأوضاع الإقتصادية لدى كل من البلدان الأعضاء في الصندوق، وتُعرف هذه بالمشاورات وفق المادة الرابعة. ويرعى الصندوق أيضاً عقد مؤتمرات وندوات وحلقات دراسية ونشاطات أخرى تتعلق بالقضايا الإقتصادية الدولية.

لكل البلدان الأعضاء في الصندوق الحق في طلب المساعدة من موارد الصندوق، بما في ذلك البلدان الصناعية الكبرى، التي توفر القدر الأكبر من تمويله. ولكن أيّاً من هذه البلدان الصناعية الكبرى لم يطلب مساعدة من الصندوق منذ عقد السبعينات.

لم يُكلَّف الصندوق في الأساس مهمة المساعدة في تحسين أوضاع الدول الأقل نمواً. ولكن في أواسط الثمانينات، بدأ الصندوق يقدم مساعدات ميسّرة للبلدان الأشد فقراً، لدى إنشاء مرفق التعديل الهيكلي، ومن بعده مرفق التعديل الهيكلي المعزز. في عام 1999، تم توسيع نطاق مرفق التعديل الهيكلي المعزز وتغيير إسمه، بحيث أصبح "مرفق تقليص الفقر وتحقيق النمو". ويساعد الصندوق البلدان الأشد فقراً من خلال مبادرة تخفيف أعباء الديون عن البلدان الفقيرة المثقلة بالديون.

التمويل: يُحدَّد لكل بلد عضو في الصندوق مبلغ من المال يشكل حصة (كوتا) عليه دفعها لتمويل أعمال الصندوق. وبلغ مجموع هذه الحصص في آخر عام 2000 حوالى 300 ألف مليون دولار، أي ما يشكل زيادة بنسبة 45 بالمئة في مقدار الحصص أصبحت نافذة في كانون الثاني/يناير عام 1999. وبقدر ما يكون اقتصاد البلد كبيراً، بقدر ما تكون الحصة التي يعود عليه دفعها لتمويل أعمال الصندوق كبيرة، وبقدر ما يكون عدد الأصوات الذي يتحكم بها لدى التصويت على قرارات الصندوق كبيراً. والحصة التي يتعيّن على الولايات المتحدة دفعها هي الأكبر بين البلدان الأعضاء. فقد بلغت حصة الولايات المتحدة في شباط/فبراير 2001 نسبة 17.63 بالمئة من مجموع حصص كل البلدان الأعضاء. وهذا يمنح الولايات المتحدة حقوق تصويت في المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي تمكّنها من الحؤول دون صدور بعض القرارات الهامة التي لا تحظى بموافقتها، مثل قرارات زيادة حصص البلدان الأعضاء أو تعديل النظام الأساسي للصندوق. وتأتي اليابان في المرتبة الثانية لناحية حجم الكوتا، ونسبة حصتها 6.32 بالمئة، ثم ألمانيا وتبلغ نسبة حصتها 6.17 بالمئة، ثم فرنسا والمملكة المتحدة ونسبة حصة كل منهما 5.1 بالمئة.

ينقسم إقراض صندوق النقد الدولي إلى أنواع ثلاثة من الترتيبات، أي، مرافق الصندوق العادية، والمعونات الميسرة، ومرافق خاصة أخرى. تتولى القدر الأكبر من الإقراض المرافق العادية. ويأتي هذا من حساب الموارد العامة لدى الصندوق، الذي يحق لجميع البلدان الأعضاء في الصندوق، وعددها 183 بلداً، أن تسحب منه.

والمرافق التابعة لهذا الحساب هي مرفق الترتيبات الاحتياطية الذي يقّدم مساعدات تتعلق بميزان المدفوعات، وتكون عادة لفترة ما بين 12 و18 شهراً، على أن يتم سداد القرض في غضون أربع سنوات؛ ومرفق الصندوق الإضافي، الذي يقدم قروضاً لبرامج طويلة الأمد، تكون عادة لفترة ثلاث سنوات، على أن يتم سدادها في غضون ما بين أربع سنوات ونصف السنة وسبع سنوات. في التاسع من شباط/فبراير عام 2001، كان هناك 15 قرضاً من قروض الترتيبات الاحتياطية بقيمة حوالي 17320 مليون دولار لم تُسدّد بعد. وأكبر قروض الترتيبات الاحتياطية منحت للأرجتنين، وبلغ قدرها 7766 مليون دولار، ولتركيا، ويبلغ قدرها 5545 مليون دولار.

وحتى ذلك التاريخ كانت هناك تسعة بلدان مقترضة من مرفق الصندوق الإضافي ما مجموعه 14850 مليون دولار. وتجدر الإشارة إلى أن إندونيسيا هي متلقية القرض الأكبر من هذه القروض، وهو بقيمة 10383 مليون دولار، تليها أوكرانيا التي تبلغ قيمة قرضها 2032 مليون دولار. أما حسابات المساعدات الميسرة فتشكل الفئة التي تحتل المرتبة الثانية بين مرافق الصندوق لناحية ضخامة القروض الممنوحة. والمقدار الأكبر من القروض هو ما تم منحه بواسطة مرفق تقليص الفقر وتحقيق النمو. وهناك 83 بلداً متدني الدخل مؤهلا للإقتراض من هذا المرفق. وفي 9 شباط/فبراير 2001، كانت لدى الصندوق ترتيبات مع 34 بلداً بواسطة مرفق تقليص الفقر بلغ مجموعها حوالي 5797 مليون دولار. وأكبر هذه القروض منح إلى ساحل العاج، وقدره حوالي 545 مليون دولار، وإلى زامبيا، وقدره حوالي 1127 مليون دولار.

كان المقصود بإنشاء مرفق تقليص الفقر هذا عام 1999 جعل تقليص الفقر عنصراً أساسياً في برامج صندوق النقد الدولي. وفي حين أن محور تركيز هذا المرفق هو دعم وضع البلد المعني في ما خص ميزان المدفوعات، فإن الإقراض يتم في إطار برنامج أوسع مدى يرمي إلى دعم تحقيق نمو قادر على الإستمرار من شأنه المساعدة في رفع مستويات المعيشة وتقليص الفقر. وتُمنح القروض بموجب ترتيبات مدتها ثلاث سنوات تكون خاضعة لمستلزمات معينة لناحية الأداء وحسن سير البرنامج.

تُفرض على قروض مرفق تقليص الفقر فائدة سنوية قدرها نصف واحد بالمئة، وتُعطى فترة سماح مدتها خمس سنوات ونصف السنة، ويصار إلى سدادها في غضون عشر سنوات.

وهناك برنامج آخر للدول الشديدة الفقر هو مبادرة تخفيف أعباء الديون عن الدول المثقلة بالديون. في 9 شباط/فبراير، كان الصندوق قد خصص حوالي1706 ملايين دولار لمساعدة 22 بلداً بموجب هذا البرنامج الذي يشترك في إدارته البنك الدولي.

الفئة الثالثة من المرافق التي يتم بواسطتها إقراض البلدان الأعضاء في الصندوق هي فئة المرافق الخاصة، والغاية منها كلها توفير مساعدة قصيرة الأجل في ظل ظروف خاصة. هذه المرافق هي:

  1. مرفق التمويل التعويضي، الذي يساعد البلدان الأعضاء التي تتضرر من نقص مؤقت في عائدات التصدير أو زيادات مفرطة في تكاليف استيراد الحبوب. ويصار إلى سداد هذه القروض في غضون أربع سنوات من تلقيها. وكان هذا المرفق قد أنشئ عام 1963.
  2. مرفق الإحتياط الإضافي، الذي يقدم مساعدات قصيرة الأمد إلى بلدان تتأذى من "فقدان مفاجئ للثقة في الأسواق يتسبب بعرقلة النشاط الاقتصادي". وينبغي أن تسدد القروض التي تمنح بواسطة هذا المرفق في غضون سنة ونصف السنة، إنما يمكن تمديد أجلها ليصبح سنتين ونصف السنة. وتُفرض زيادة على أسعار الفائدة للتشجيع على تسديد القروض في وقت مبكّر. وقد تم إنشاء هذا المرفق عام 1997.
  3. مرفق حساب التسليف الطارئ. يمكن للبلدان التي تكون أوضاعها الاقتصادية سليمة أن تسحب من هذا الحساب كتدبير مالي احتياطي. ولم يُستخدم هذا المرفق حتى الآن. وينبغي تسديد القروض التي يتم الحصول عليها منه في غضون سنة ونصف السنة، إنما يمكن تمديد أجلها ليصبح سنتين ونصف السنة. وقد تم إنشاء هذا المرفق عام 1999.

خلال فترة الأربعين سنة الماضية، أنشأ الصندوق عدداً من المرافق الخاصة الأخرى، كردّ فعل على حصول مخاطر أو أوضاع اقتصادية معيّنة، تم إلغاؤها بعد مراجعات دورية، أو سُمح لها بأن ينتهي أجلها لأنها كانت قد حققت الغاية من إنشائها، أو لأنها نادراً ما تم اللجوء إليها، أو أنها لم يتم اللجوء إليها أبداً.

مجموعة البنك الدولي

تم إنشاء البنك الدولي، الذي يضم 182 بلداً عضواً، عام 1944 في مؤتمر بريتون وودز باسم البنك الدولي للتعمير والتنمية، وتطور ليصبح مجموعة البنك الدولي، وهي مؤلفة من خمس مؤسسات، هي: مؤسسة التنمية الدولية (التابعة للبنك الدولي)، وهيئة التمويل الدولية، ووكالة ضمان الإستثمارات المتعددة الأطراف، والمركز الدولي لحل نزاعات الاستثمار. ويعمل البنك أيضاً بمثابة مركز عالمي للأبحاث الخاصة بالقضايا الاقتصادية، لا سيما ما يتعلق منها بالتنمية في البلدان الفقيرة. وينشر البنك الدولي عدة تقارير سنوية، منها تقرير التنمية في العالم ومؤشرات التنمية في العالم ومئات الأوراق والدراسات والتقارير الأخرى. ويرعى البنك أيضاً عقد مؤتمرات وندوات وحلقات دراسية وإقامة نشاطات أخرى تتعلق بشؤون التنمية والاقتصاد.

البنك الدولي للتعمير والتنمية

يوفر البنك الدولي للتعمير والتنمية قروضاً ومساعدات تنمية لبلدان نامية متوسطة الدخل قادرة على الاقتراض. والبنك ليس مؤسسة تسعى إلى تحقيق أقصى قدر من الأرباح، ولكنه حقّق دخلاً صافياً في كل عام منذ عام 1948.

في السنة المالية 2000، منح البنك قروضاً بقيمة 109186 مليون دولار، خُصص القسم الأكبر منها، حوالي الخمس، لإدارة القطاع العام. وكان مجموع القروض التي مُنحت عام 2000 أقل من نصف مجموع القروض التي مُنحت في السنتين السابقتين لذلك، عندما ارتفع إقراض البنك إلى مستويات قياسية لمساعدة البلدان في معالجة آثار الأزمات المالية التي وقعت في عامي 1997 و1998، كما جاء في بيان للبنك الدولي.

أما مقدار إسهام البلدان الأعضاء في تمويل البنك فيقرره حجم اقتصاد البلد المعني كنسبة من الإقتصاد العالمي. وتتحمل الولايات المتحدة الحصة الأكبر، وهي 17 بالمئة، ما يمنحها القدرة على استخدام حق النقض (الفيتو) للحؤول دون إجراء أي تعديلات في رأسمال البنك أو في نظامه الأساسي، إذ أن مثل هذه التعديلات تستلزم غالبية 80 بالمئة من الأصوات. ولكن كل المسائل الأخرى تقريباً، بما في ذلك الموافقة على القروض، تقررها غالبية أصوات ممثلي الدول الأعضاء في البنك.

مؤسسة التنمية الدولية

أُنشئت هذه المؤسسة عام 1960، وهي متخصصة، ضمن المجموعة، بتقديم القروض الميسرة. وتوفر هذه المؤسسة قروضاً طويلة الأجل دون فائدة للبلدان النامية الأشد فقراً. ولا توفر المؤسسة قروضاً إلا للبلدان التي يقل معدل الدخل الفردي السنوي فيها (عام 1999) عن 885 دولارا. وفي الوقت الحاضر، هناك 78 بلداً يحق له الحصول على قروض من المؤسسة. ويبلغ مجموع سكان هذه البلدان 2300 مليون نسمة، أي ما يشكل نسبة 53 بالمئة من مجموع سكان البلدان النامية. واليوم، يعيش حوالي 1500 مليون من هؤلاء الناس على دخل يبلغ دولارين أو أقل يوميا، كما جاء في بيان للمؤسسة.

بعض البلدان، مثل الهند وإندونيسيا، مؤهل للحصول على قروض من المؤسسة نظراً لمستوى الدخل الفردي السنوي فيها، ولكن أوضاعها الاقتصادية تسمح لها بالاقتراض من البنك. وهناك ما مجموعه 23 بلداً من البلدان التي كانت تتلقى مساعدات من مؤسسة التنمية الدولية وحققت من الإزدهار ما يكفي لجعلها تستغني عن هذه المساعدات، أو "تتخرج" من برامجها. ومن هذه البلدان التشيلي، والصين، وكوستا ريكا، ومصر.

يبلغ أجل قروض المؤسسة ما بين 35 و40 سنة، مع فترة سماح مدتها عشر سنوات. ولا تُفرض على هذه القروض أي فوائد، إنما يُفرض عليها رسم خدمة ضئيل، يبلغ حالياً نسبة 0.75 بالمئة على الرصيد المتبقي من القرض.

منذ عام 1960، قدمت المؤسسة قروضاً بلغت قيمتها 120 ألف مليون دولار لـ 196 بلدا. وهي تقدم قروضاً يبلغ معدلها ما بين 5000 و6000 مليون دولار سنوياً لمختلف أنواع مشاريع التنمية، خاصة تلك التي تلبي الحاجات الأساسية مثل التعليم الابتدائي والخدمات الصحية الأساسية، ومشاريع النظافة وتوفير المياه الصالحة للشرب. وتموّل المؤسسة أيضاً مشاريع لحماية البيئة، وتحسين الظروف لمشاريع قطاع الأعمال الخاص، وبناء ما يلزم من البنى التحتية، ودعم الإصلاحات الرامية إلى تحرير إقتصادات البلدان المعنية.

وهناك قسم ضئيل من مساعدات مؤسسة التنمية يُقدّم كهبات.

يتم تمويل المؤسسة من خلال عملية "إعادة ملء" دورية لصندوقها. وفي العملية الـ 12 لإعادة ملء الصندوق هذه، وهي آخر ما تم من هذه العمليات حتى الآن، بلغت حصة الولايات حوالي 21 بالمئة من المجموع.

هيئة التمويل الدولية

تم إنشاء هيئة التمويل الدولية في عام 1956 لتشجيع نشاطات القطاع الخاص في البلدان النامية. وتقوم الهيئة بذلك عن طريق توفير تمويل طويل الأمد لمشاريع يقوم بها القطاع، إما بشكل قروض أو مشاركة في المشاريع، أو مساعدة شركات في البلدان النامية على تأمين رساميل لها من الأسواق المالية الدولية، وتوفير مشورة ومساعدة فنية للشركات والحكومات.

تفرض الهيئة فوائد بأسعار السوق على قروضها، ولا تقبل ضمانات حكومية. وتساعد أيضاً في برامج الخصخصة. وللحصول على تمويل من الهيئة، ينبغي للمشروع الذي تقوم به الشركة المعنية أن يكون مربحاً للمستثمرين، ومفيداً لاقتصاد البلد الذي ينفذ فيه، ويفي بمعايير بيئية معينة.

والهيئة، التي تضم 174 بلداً عضواً، منهم 26 بلداً من البلدان المانحة، هي أكبر مصدر متعدد الأطراف في العالم للقروض، وعمليات التمويل عن طريق المساهمة، التي تمنح لمشاريع يقوم بها القطاع الخاص في البلدان النامية. وهي لا تساهم في الإستثمار إلا إذا كان في وسعها تقديم إسهام خاص يكمّل دور القطاع الخاص.

في السنة المالية 2000، وافقت الهيئة على عمليات تمويل بقيمة 5800 مليون دولار، منها ضمان 259 مشروعاً في 81 دولة. ومن أصل هذا المجموع كانت هناك ما نسبته 45,9 بالمئة لمؤسسات في قطاع الخدمات المالية، وما نسبته 23,3 بالمئة من مشاريع البنية التحتية. وكان نصف مجموع القروض تقريباً، أي ما قيمته 2720 مليون دولار لمشاريع في أميركا اللاتينية وبلدان حوض الكاريبي، وما قيمته 1060 مليون دولار لمشاريع في منطقة آسيا/المحيط الهادئ. وكان مجموع المبالغ التي صُرفت فعلا في السنة المالية 2000 حوالي 3900 مليون دولار لـ 198 مشروعاً.

وكالة ضمان الاستثمارات المتعددة الأطراف

أٌنشئت هذه الوكالة عام 1988، وتضم 154 بلداً عضواً. تهدف الوكالة إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي في البلدان النامية عن طريق توفير ضمانات للاستثمار ضد مخاطر غير تجارية. وتوفر الوكالة أيضاً معونات لمساعدة البلدان المعنية في تحسين قدرتها على إجتذاب الاستثمارات الأجنبية، وتنشر معلومات عن فرص الاستثمار على شبكة الإنترنت.

تقصد الوكالة إلى مساعدة الوكالات الوطنية والخاصة التي تدعم الاستثمار الخارجي المباشر.

جاء في بيان للوكالة أنها أصدرت حتى الأول من كانون الثاني/يناير 2000 أكثر من 420 عقداً لمستثمرين من القطاع الخاص لمشاريع في حوالي 71 بلداً نامياً، ما سهّل القيام بما تزيد قيمته عن 30 ألف مليون دولار من الاستثمارات الخاصة. وتبلغ نسبة ما تقدمه الوكالة لمؤسسات في بلدان شديدة الفقر، ليست مؤهلة للإقتراض إلا من مؤسسة التنمية الدولية، حوالي ربع مجموع تقديماتها.

المركز الدولي لحل نزاعات الاستثمار

أُنشئ المركز عام 1966 للمساعدة في التوسط لحل النزاعات بين الحكومات والمستثمرين الأجانب. ولا يقدم المركز أي قروض أو هبات. وهناك 149 بلداً وقع الاتفاقية الخاصة بالمركز.

بنوك التنمية المتعددة الأطراف

بنك التنمية للدول الأميركية- تم إنشاء هذا البنك عام 1959، ولديه 29 بلداً عضوا مقترضاً في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي؛ أما مجموع أعضائه فهو 46 بلداً.

تتألف مجموعة بنك التنمية للدول الأميركية من البنك، ومن هيئة الاستثمار للدول الأميركية، وصندوق الاستثمار المتعدد الأطراف.

تشمل أعمال البنك الرئيسية إقراض مشاريع إستثمار يقوم بها القطاعان العام والخاص في المنطقة، والمساعدة في تأمين الأموال لمشاريع اقتصادية واجتماعية تعتبر في مقدمة الأولويات، وتشجيع ودعم استثمارات يقوم بها القطاع الخاص وتسهم في التنمية الاقتصادية. ويقدّم البنك أيضاً مساعدة فنية، ويعمل بمثابة مركز للأبحاث الخاصة بقضايا التنمية الإقتصادية في بلدان نصف الكرة الغربي.

وقد جاء في بيان للبنك أن مجموع ما قدمه من قروض ومساعدات في مجال التعاون الفني منذ إنشائه وحتى آخر عام 1998 يزيد عن 95000 مليون دولار.

الولايات المتحدة هي المساهم الأكبر في البنك، وتتحمل نسبة 31 بالمئة من موازنته كما تتمتع بنسبة 31 بالمئة من مجموع أصوات الأعضاء. وفي آخر عام 1998، كانت قوة التصويت في البنك موزعة على النحو التالي: بلدان أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، 50.913 بالمئة من الأصوات؛ الولايات المتحدة، 080.31 بالمئة؛ كندا، 4.088 بالمئة، أعضاء من خارج المنطقة، 13.852 بالمئة.

هيئة الاستثمار للدول الأميركية- هيئة الاستثمار للدول الأميركية هيمؤسسة مستقلة تابعة لبنك التنمية للدول الأميركية أُنشئت عام 1986 لتعزيز التنمية الإقليمية في المنطقة عن طريق تمويل مشاريع خاصة صغيرة ومتوسطة. في عام 1999، قدّمت الهيئة 192 مليون دولار للمساعدة في تمويل 22 مشروعاً في 12 بلداً. ومن أصل هذا المجموع، أنفقت نسبة 11 بالمئة للإسهام في مشاريع، ونسبة 89 الباقية في منح قروض.

صندوق التنمية المتعدد الأطراف- أُنشئ هذا الصندوق عام 1993 كعنصر أساسي في مبادرة تنمية الأميركيتين، وذلك بهدف تعزيز ودعم الإصلاح في مجال الإستثمار، وتشجيع تنمية القطاع الخاص في بلدان أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي. ويوفر الصندوق هبات في مجال المعونة الفنية لدعم إصلاحات السوق؛ وبناء قدرات ومهارات القوة العاملة؛ ومساعدة مشاريع الأعمال الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة. ويعمل الصندوق أيضاً كمحفّز لاجتذاب الرساميل إلى قطاعات الأعمال الصغيرة، ومؤسسات التمويل الصغيرة وذلك بالاستثمار في مشاريع تعمل في مجال تنمية المجتمع واستثمار الرساميل والمشاركة في مشاريع الأعمال.

بنك التنمية الآسيوي - أُنشئ هذا البنك عام 1966، كمؤسسة تمويل متعددة الأطراف، يشترك في ملكيته 59 بلداً عضواً، معظمها من آسيا ومنطقة المحيط الهادئ.

هدف البنك الرئيسي المعلن هو تقليص الفقر. وتتناول نشاطاته في هذا المجال تعزيز النمو الاقتصادي، ودعم تنمية الموارد البشرية، وتحسين أوضاع المرأة، وحماية البيئة.

والأدوات الرئيسية التي يستخدمها هذا البنك هي توفير المعونة الفنية، التي تقدّم إلى الحكومات المعنية لاستخدامها في مشاريع وبرامج معيّنة. وبلغ حجم القروض التي قدمها هذا البنك عام 1999 حوالي 5000 مليون دولار. أما الهبات في مجال المعونة الفنية، وبلغ مجموعها 173 مليون دولار عام 1999، فقد تم توفيرها لغرض تهيئة المشاريع ودعم الأعمال الاستشارية.

مقرّ هذا البنك هو مانيلا. ولديه أكثر من عشرة مكاتب دائمة في مختلف أنحاء آسيا، ومكتب إقليمي خاص بمنطقة المحيط الهادئ في فانواتو، ومكاتب تمثيل في فرانكفورت، وطوكيو، وواشنطن. وتوفر كل من الولايات المتحدة واليابان نسبة 16 بالمئة من تمويل البنك، وهما أكبر الدول المساهمة فيه. أما صندوق التنمية الآسيوي فهو المؤسسة التي تقدّم القروض الميسرة من بنك التنمية الآسيوي، بحيث يوفّر القروض لأفقر بلدان المنطقة.

مجموعة بنك التنمية الأفريقي - تأسس هذا البنك عام 1964، ومهمته تعزيز وتشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال القروض، والمساهمة في المشاريع، وتقديم المعونة الفنية. مقر البنك مدينة أبيدجان في ساحل العاج، وتتألف مجموعة البنك من ثلاث مؤسسات هي: بنك التنمية الأفريقي، وصندوق التنمية الأفريقي، وصندوق الإئتمان الخاص بنيجيريا.

الولايات المتحدة هي عضو في البنك منذ عام 1983، وهي أكبر مساهم غير أفريقي فيه، وتبلغ حصتها فيه 5.6 بالمئة. بلغ رأسمال البنك المصرّح به 23290 مليون دولار عام 1997.

أما صندوق التنمية الأفريقي، وهو تابع للبنك وبدأ عمله عام 1974، فيوفر تمويلاً لمشاريع تنمية بشروط ميسرة لأفقر بلدان المنطقة. والولايات المتحدة هي ثاني أكبر مساهم في الصندوق، وتلي في ذلك الترتيب اليابان، والتي توفر نسبة 11 بالمئة من ماليته.

أما صندوق الإئتمان الخاص بنيجيريا فأنشأته حكومة نيجيريا عام 1991 لمساعدة جهود التنمية في الدول الأشد فقراً بين أعضاء البنك.

البنك الأوروبي للتعمير والتنمية- بدأ هذا البنك عمله رسمياً في نيسان/أبريل 1991، وتم إنشاؤه لمساعدة البلدان الشيوعية سابقاً في أوروبا الشرقية، والاتحاد السوفياتي سابقاً، وبلدان يوغوسلافيا سابقاً على الانتقال إلى أنظمة اقتصاد السوق. ويعمل البنك حالياً في 27 بلداً.

يوفّر البنك تمويلاً مباشراً لنشاطات القطاع الخاص، ومشاريع التعديل الهيكلي، والخصخصة، ولتمويل مشاريع البنية التحتية التي تدعم هذه النشاطات. وتساعد استثماراته أيضاً في بناء وتعزيز المؤسسات. والأشكال الرئيسية التي تتخذها عمليات التمويل هذه هي القروض، والمساهمة في الاستثمار، وتقديم الإئتمانية.

في آخر عام 1999، بلغت نسبة القروض التي قدمها البنك دعما لنشاطات القطاع الخاص حوالي 70 بالمئة من مجموع قروضه. والاتفاقية التي تم بموجبها إنشاء هذا البنك تمنع أن تزيد القروض التي تُمنح للقطاع العام عن نسبة 40 بالمئة من مجموع قروضه. وتبلغ نسبة القروض التي تساعد البلدان الأعضاء في تحسين وتوسيع قطاعاتها المالية حوالي ثلث مجموع قروض البنك.

والولايات المتحدة هي المساهم الأكبر فيه، وتبلغ حصتها 10.4 بالمئة من مجموع الحصص.


تسلسل الأحداث المتعلقة بالمؤسسات المالية الدولية

من 1 إلى 22 أيلول/يوليو، 1944- تمت صياغة مواد النظام الأساسي لكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في المؤتمر النقدي والمالي للأمم المتحدة الذي عقد في "بريتون وودز"، في ولاية نيوهامبشير، بالولايات المتحدة، وحضره ممثلون عن حكومات 44 دولة. تقرر أن تكون مهمة صندوق النقد الدولي مساعدة البلدان المعنية في حل مشاكلها القصيرة الأمد المتعلقة بميزان المدفوعات، وذلك بهدف الحفاظ على إستقرار أسعار صرف العملات. نصت مواد النظام على أن يعمل الصندوق ضمن نطاق نظام أسعار ثابتة لصرف العملات وسعر ثابت للذهب. سُمي البنك الدولي باسم "البنك الدولي للتعمير والتنمية". في الأصل، أقيم البنك ليوفر قروضاً لمشاريع إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن سرعان ما أخذ يَمنح قروض تنمية لبلدان في آسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط، وأميركا اللاتينية.

من 8 إلى 18 آذار/مارس، 1946- عُقد الاجتماع الأول لمجلسي محافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مدينة "سافانا"، بولاية جورجيا في الولايات المتحدة. تم وضع النظام الداخلي لكل من المؤسستين، كما تم الاتفاق على أن يكون مقر الصندوق والبنك في واشنطن، وتمّ اختيار أول مجموعة من المديرين التنفيذيين للمؤسستين. يتولّى المديرون التنفيذيون إدارة أعمال المؤسستين اليومية.

25 حزيران/يونيو، 1946- بدأ البنك الدولي أعماله رسمياً.

من 27 أيلول/سبتمبر إلى 5 تشرين الأول/أكتوبر، 1946- عُقدت في واشنطن أول اجتماعات سنوية لمجلسي محافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

الأول من آذار/مارس، 1947- بدأ صندوق النقد الدولي أعماله.

8 أيار/مايو، 1947- تم أول سحب من صندوق النقد الدولي، من قِبل فرنسا بقيمة 25 مليون دولار.

9 أيار/مايو، 1947- قدّم البنك الدولي أول قروضه، وكان لفرنسا. يبقى هذا القرض البالغ قدره 250 مليون دولار، والذي تم توفيره لغاية إعادة البناء، أكبر قرض (بالقيمة الحقيقية) قدّمه البنك حتى الآن.

25 آذار/مارس، 1948- وافق المديرون التنفيذيون للبنك الدولي على أول قرض يقدمه البنك إلى بلد نام، وتم تقديمه إلى التشيلي لتنفيذ مشروع لتوليد الطاقة الكهربائية من مساقط المياه.

من تموز/يوليو إلى تشرين الثاني/نوفمبر 1949- قام البنك بأول مسح إقتصادي شامل تناول الموارد الاقتصادية لكولومبيا واحتياجاتها.

13 أيلول/سبتمبر، 1950- قدّم البنك الدولي قرضين، بلغ مجموعهما 7 ملايين دولار، إلى إثيوبيا. كان هذان أول قرضين يقدمان إلى دولة أفريقية.

13 - 14 آب/أغسطس، 1952- أصبحت كل من ألمانيا الغربية واليابان عضواً في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

الأول من تشرين الأول/أكتوبر، 1952- وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على مقترحات خاصة بـ"ترتيبات الاحتياط الجاهز". وترتيبات الاحتياط هي الوسيلة الأساسية لدى الصندوق لمساعدة البلدان التي تعاني مشاكل في ميزان المدفوعات.

20 تموز/يوليو، 1956- تم إنشاء "هيئة التمويل الدولي" التابعة للبنك الدولي. ومهمة هذه الهيئة مساعدة القطاع الخاص في البلدان النامية.

كانون الأول/ديسمبر، 1959- تم إنشاء بنك التنمية للدول الأميركية، وجُعل مقره في مدينة واشنطن. يختص هذا البنك بتقديم قروض لمشاريع تنمية في بلدان أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

24 أيلول/سبتمبر، 1960- تم إنشاء جمعية التنمية الدولية التابعة للبنك الدولي. تُقدمّ هذه المؤسسة قروضاً ميسّرة للبلدان الأشد فقراً.

11 أيار/مايو، 1961- قدّمت جمعية التنمية الدولية أول قروضها، وهو قرض بقيمة 9 ملايين دولار لبناء وصيانة طريق سريع في هندوراس.

5 كانون الثاني/يناير، 1961- وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على أحكام وشروط "الترتيبات العامة للاقتراض"، وهي مصدر إضافي للتمويل اتفقت 11 دولة صناعية على توفيره في ظروف مُعيّنة لدول أعضاء في الصندوق تكون في حاجة إلى مساعدة قصيرة الأمد.

17 أيلول/سبتمبر، 1962- تم تقديم أول قرض من البنك الدولي لتمويل قطاع التعليم، وكان قرضاً بقيمة 5 ملايين دولار قدمته جمعية التنمية الدولية إلى تونس لتنفيذ مشروع بناء مدارس.

27 شباط/فبراير، 1962- تم إنشاء "مرفق التمويل التعويضي"، الغاية من هذا المرفق مساعدة بلدان تتضرر من التأثير الاقتصادي لنقص مؤقت في عائدات التصدير.

الأول من تموز/يوليو، 1966- باشر بنك التنمية الأفريقي أعماله. مقر هذا البنك مدينة أبيدجان في ساحل العاج، وهو يوفر قروضاً لمشاريع تنمية في البلدان الأفريقية.

22 آب/أغسطس، 1966- تم إنشاء بنك التنمية الآسيوي، ومقره مدينة مانيلا في الفيليبين. يوفر هذا البنك قروضاً لمشاريع تنمية.

14 تشرين الأول/أكتوبر، 1966- تم إنشاء المركز الدولي لحل نزاعات الاستثمار التابع للبنك الدولي. يساعد المركز في التوسط لحل النزاعات التي تقع بين الحكومات والمستثمرين.

16 حزيران/يونيو، 1970- قدّم البنك الدولي أول قرض لمشاريع التخطيط السكاني. كان القرض بقيمة مليوني دولار وحصلت عليه جامايكا.

18 أيار/مايو، 1971- وقّع البنك الدولي أول اتفاق قرض لمكافحة التلوّث. كان هذا القرض بقيمة 15 مليون دولار وخُصص لمشروع مكافحة تلوث الأنهار في ساو باولو بالبرازيل.

15 آب/أغسطس، 1971- كجزء من مجموعة تدابير لمكافحة التضخم، أبلغت الولايات المتحدة صندوق النقد الدولي أنها ستتوقف عن شراء الذهب وبيعه لغرض تسديد حسابات عمليات تجارية دولية. وبهذا لم يعد معمولاً باثنتين من أهم ميزات نظام بريتون وودز، وهما إعتماد قيم إسمية للعملات وإمكانية تحويل الدولار إلى ذهب.

18 كانون الأول/ديسمبر، 1971- بعد مفاوضات استمرت أربعة أشهر، تم التوصل إلى إتفاقية سميثسونيان التي نصّت على إعادة تحديد أسعار صرف عملات الدول الصناعية وزيادة أسعار الذهب. أقام صندوق النقد الدولي نظاماً مؤقتاً قضى بتحديد أسعار مركزية للصرف وزيادة هوامش أسعار صرف العملات.

19 آذار/مارس، 1973- بدأ نظام "التعويم العمومي" لدى قيام بلدان "المجموعة الأوروبية" بتعويم عملاتها مقابل الدولار.

تموز/يوليو، 1973- باشر صندوق التنمية الأفريقي أعماله، وهو تابع لبنك التنمية الأفريقي.

13 أيلول/سبتمبر، 1974- أنشأ صندوق النقد الدولي "مرفق صندوق التمويل الممدّد" ليقوم بتوفير معونة متوسطة الأجل للدول الأعضاء التي تعاني مشاكل في ميزان المدفوعات تسببت بها تغييرات هيكلية في اقتصاداتها.

تشرين الأول/أكتوبر، 1974- تم إنشاء كل من "اللجنة المؤقتة" في صندوق النقد الدولي، وهي التي ترسم سياسة صندوق النقد الدولي، و"لجنة التنمية" في البنك الدولي؛ وعقدتا إجتماعهما الأول.

آب/أغسطس، 1978- نشر البنك الدولي العدد الأول من "تقرير التنمية في العالم" الذي أصبح أهم مطبوعة سنوية ينشرها البنك.

24 تموز/يوليو، 1979- وافق البنك الدولي على خطط لبدء عمليات إقراض لنشاطات تتعلق بالشؤون الصحية.

25 آذار/مارس، 1980- وافق البنك الدولي على أول قرض تعديل بنيوي، وذلك لتركيا بقيمته 200 مليون دولار. وقروض التعديل البنيوي هي قروض يتم صرفها بسرعة لدعم الإصلاحات البنيوية في قطاع معيّن أو في إقتصاد البلد ككل. وتبلغ مجموع قروض التعديل البنيوي حاليا نسبة رُبع مجموع قروض البنك الدولي.

25 نيسان/أبريل، 1981- وافقت "اللجنة المؤقتة" على وجوب إستعداد الصندوق للقيام بدور أكبر في معالجة إختلالات ميزان المدفوعات للبلدان المعنية، وذلك بتوفير مساعدات لفترات زمنية أطول وتوفير قروض أكبر حجماً.

21 أيار/مايو، 1981- قدّم صندوق النقد الدولي تمويلاً لدول أعضاء تواجه صعوبات في ميزان المدفوعات سببها ازدياد كلفة المستوردات من الحبوب. كانت هذه المساعدة ضمن عمليات "مرفق التمويل التعويضي".

13 آب/أغسطس، 1982- أعلنت المكسيك أنها تواجه صعوبات خطيرة في خدمة ديونها الخارجية، الأمر الذي شكّل بداية أزمة الديون في أميركا اللاتينية. وفي الأشهر التالية، دعم صندوق النقد الدولي برامج تعديل كبرى في المكسيك وعدد من البلدان الأخرى التي تواجه صعوبات شديدة في خدمة ديونها الخارجية.

2 كانون الأول/ديسمبر، 1985- أعربت إدارة كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عن تأييدهما لمبادرة معالجة أزمة الديون التي اقترحها وزير المالية الأميركي (آنذاك) جيمس بيكر. والمبادرة، التي عُرفت باسم "مشروع بيكر"، تدعو إلى تدابير تعديل شاملة تتخذها الجهات المدينة، وقيام بنوك التنمية المتعددة الاطراف بزيادة الإقراض البنيوي وجعله أكثر فعالية، وكذلك قيام البنوك التجارية بزيادة قروضها.

23 آذار/مارس، 1986- تم إنشاء الهيئة الاستثمارية للبلدان الأميركية التابعة لبنك التنمية للبلدان الأميركية. تتمتع هذه الهيئة بالاستقلالية، ومهمتها المساعدة في تمويل المشاريع الخاصة الصغيرة والمتوسطة.

27 آذار/مارس، 1986- أنشأ صندوق النقد الدولي "مرفق التعديل البنيوي" بهدف توفير مساعدات بشروط ميسّرة لمعالجة مشاكل ميزان المدفوعات لدى البلدان النامية المنخفضة الدخل.

29 كانون الأول/ديسمبر، 1987- أنشأ صندوق النقد الدولي "مرفق التعديل البنيوي المعزّز" ليحل محل "مرفق التعديل البنيوي". ويهدف المرفق الجديد إلى توفير موارد مالية للدول الأعضاء المنخفضة الدخل التي تنفذ برامج مدتها ثلاث سنوات تتعلق بتحسين أداء الاقتصاد الكلي، وأخرى تتعلق بالتعديل البنيوي هدفها تحسين موازين مدفوعاتها وتشجيع النمو.

12 نيسان/أبريل، 1988- تم رسمياً إنشاء "وكالة ضمان الاستثمار المتعددة الأطراف"، وهي وكالة تابعة للبنك الدولي. وقد أنشئت هذه الوكالة كي تكون عنصراً مكملاً للمؤسسات الوطنية والخاصة التي تدعم الاستثمار الأجنبي المباشر في البلدان المعنية.

23 أيار/مايو، 1989- قرر المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي تعزيز استراتيجية الصندوق الخاصة بمعالجة مشاكل الديون لدى البلدان النامية. وقد استندت الإستراتيجية جزئياً إلى مقترحات وزير المالية الأميركي (آنذاك) نيكولاس بريدي، عُرفت بـ"خطة بريدي". وبموجب هذه التدابير، أصبح في وسع البلدان التي تنفذ برامج تعديل بنيوية قوية أن تحصل من صندوق النقد الدولي على موارد لتخفيف أعباء الديون أو تخفيف أعباء خدمة الديون.

30 كانون الثاني/يناير، 1990- تمت الموافقة على منح المكسيك قرضاً بقيمة 1260 مليون دولار، هو أكبر قرض (بالقيمة الإسمية) يمنحه البنك الدولي، دعماً لبرنامج تقليص الديون الذي تُنفذه تلك الدولة.

تشرين الثاني/نوفمبر، 1990- وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على توسيع مرافق الصندوق دعماً للبلدان التي تأثّرت بأزمة الشرق الأوسط نتيجة لاحتلال العراق للكويت.

نيسان/أبريل، 1991- باشر البنك الأوروبي للتعمير والإنماء أعماله. تم إنشاء هذا البنك لمساعدة دول أوروبا الشرقية التي كانت تتبع نظام الاقتصاد الموجّه، وبلدان الاتحاد السوفياتي سابقاً (بما في ذلك روسيا)، ويوغوسلافيا السابقة، كي تنتقل إلى نظام إقتصاد السوق.

نيسان/أبريل - أيار/مايو، 1992- وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على انضمام بلدان الاتحاد السوفياتي سابقاً إلى عضوية الصندوق.

الأول من حزيران/يونيو، 1992- أصبح الاتحاد الروسي عضواً في صندوق النقد الدولي.

16 حزيران/يونيو، 1992- أصبح الاتحاد الروسي عضواً في البنك الدولي وفي جمعية التنمية الدولية.

5 آب/أغسطس، 1992- وافق صندوق النقد الدولي على أول "ترتيب احتياطي جاهز" بقيمة حوالي 1040 مليون دولار لروسيا.

كانون الثاني/يناير، 1993- تم إنشاء صندوق الاستثمار المتعدد الأطراف التابع لبنك التنمية للدول الأميركية. دور هذا الصندوق، وهو عنصر رئيسي في مبادرة الولايات المتحدة الخاصة بالبلدان الأميركية، هو تعزيز الإصلاحات المتعلقة بالاستثمار وتشجيع تطوير القطاع الخاص.

الأول من شباط/فبراير، 1995- وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على "ترتيب احتياطي جاهز" بقيمة 17800 مليون دولار للمكسيك، وهو أكبر التزام مالي لصندوق النقد الدولي حتى اليوم، لمساعدة ذلك البلد على التعافي من أزمته النقدية.

3 آذار/مارس، 1995- اصبحت كوريا البلد السادس والعشرين الذي "يتخرج" من برامج البنك الدولي، والبلد الأول الذي يتحول من مجرد بلد مقترض بشروط ميسرة من جمعية التنمية الدولية إلى بلد مانح.

26 آذار/مارس، 1996- وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على قرض من مرفق صندوق التمويل المحدد لروسيا بقيمة 10087 مليون دولار، وهو أكبر قرض يقدمه هذا المرفق في تاريخ صندوق النقد الدولي.

16 نيسان/أبريل، 1996- أنشأ صندوق النقد الدولي "المعيار الخاص لنشر المعطيات" للبلدان الأعضاء التي تصل، أو تسعى للوصول إلى الأسواق الدولية للرساميل. توافق الدول التي تتبع هذا المعيار على توفير معلومات حديثة قيّمة عن أوضاعها المالية ليتم بيانها على "لوحة الإعلانات" لمعايير نشر المعلومات الإلكترونية صندوق النقد الدولي في هذا الصدد، وعلى إقامة موقع على شبكة الإنترنت يتضمن المعلومات الفعلية التي يتم نشرها في "لوحة الإعلانات".

أيلول/سبتمبر، 1996- تبنّت اللجنة الموقتة لصندوق النقد الدولي، ولجنة التنمية للبنك الدولي، مبادرة مشتركة خاصة بالدول الفقيرة المثقلة بالديون. تتيح هذه المبادرة للدول الأشد فقراً التفاوض في صدد تخفيض الديون المستحقة عليها للمؤسسات المالية الدولية مقابل قيامها بإصلاحات اقتصادية.

27 كانون الثاني/يناير، 1997- وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على أن تكون "الترتيبات الجديدة للإقتراض" المصدر الأول والأساسي الذي يتم اللجوء عند الاضطرار إلى توفير موارد إضافية لصندوق النقد الدولي. توافق 25 دولة عضو في الصندوق بموجب هذه الترتيبات، على إقراض الصندوق، في ظروف معيّنة، لتمكينه من توفير المزيد من المساعدة إذا دعت الحاجة لذلك.

25 نيسان/أبريل، 1997- وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على إصدار "بيانات عامة رسمية"، بناء على طلب الدولة العضو، وفي أعقاب مشاورات تجريها تلك الدولة مع الصندوق بموجب المادة الرابعة من النظام الأساسي، وذلك من أجل إعلام الجمهور بآراء الصندوق.

2 تموز/يوليو، 1997- توقّفت حكومة تايلند، بسبب التأثيرات المشتركة لسياساتها الاقتصادية غير الحكيمة، عن دعم عملة البلاد فأخذت قيمتها تنخفض ما أدّى إلى أزمة مالية طاولت دولاً أخرى في آسيا. ووصل تأثير هذه الأزمة في نهاية المطاف إلى هونغ كونغ وكوريا، وسائر أنحاء العالم.

4 كانون الأول/ديسمبر، 1997- وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على ترتيب إحتياطي جاهز بقيمة حوالى 21 ألف مليون دولار لكوريا، وهو أكبر التزام مالي للصندوق في تاريخه.

17 كانون الأول/ديسمبر، 1997- في أعقاب الأزمة المالية في آسيا، أنشأ صندوق النقد الدولي "مرفق الإحتياط الإضافي" لمساعدة الدول الأعضاء على تحمّل تأثير فقدان ثقة الأسواق الفجائي والضارّ. تم تفعيل المرفق في اليوم التالي لدعم قرض لكوريا مُنح بموجب "ترتيب إحتياطي جاهز"، بحيث تم تقديم قرض بمقدار حوالي 3500 مليون دولار لكوريا من "مرفق الإحتياط الإضافي" هذا.

23 كانون الأول/ديسمبر، 1997- استأنف البنك الدولي إقراض كوريا لمساعدة ذلك البلد في معالجة أزمته المالية. وكانت كوريا قد "تخرجت" من برامج صندوق النقد الدولي في آذار/مارس 1995. وافق البنك على منح كوريا قرضاً بقيمة 3000 مليون دولار للمساعدة في برامج إعادة بناء اقتصادها. وفي وقت لاحق تم منحها مزيداً من القروض.

كانون الأول/ديسمبر، 1997- تم رسمياً الشروع في "النظام العام لنشر المعلومات" المعطيات لصندوق النقد الدولي. محور التركيز الأول لهذا النظام هو مساعدة البلدان المعنية في تحسين نوعية معلوماتها الاقتصادية.

8 نيسان/أبريل، 1998- أصبحت أوغندا أول دولة عضو في صندوق النقد الدولي تتلقى إعانة لتخفيف أعباء الديون (بلغت حوالي 350 مليون دولار بالقيمة الصافية الحالية)، بموجب مبادرة تخفيف أعباء الديون للبلدان الفقيرة المثقلة بالديون.

20 تموز/يوليو، 1998- عمد صندوق النقد الدولي، لأول مرة منذ عشرين سنة، إلى تفعيل "الترتيبات العامة للإقتراض" من أجل تمويل مبلغ 8300 مليون دولار إضافية للقرض الذي كان قد قدمه "مرفق الصندوق الإضافي" لروسيا.

6 تشرين الأول/أكتوبر، 1998- خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدولي، تبنّى محافظو المؤسستين مفهوم اعتماد بنية مالية جديدة، لمعالجة مشاكل بعيدة الأثر تواجه الاقتصاد العالمي. المبادئ الأساسية التي تستند إليها هذه البنية هي زيادة الشفافية؛ وتوطيد الرقابة على الأعمال المصرفية؛ وإحراز تقدم منتظم ومحترس لتحرير تحركات الرساميل؛ وقيام شراكة مع القطاع الخاص.

2 كانون الأول/ديسمبر، 1998- عمد صندوق النقد الدولي إلى تفعيل "الترتيبات الجديدة للإقتراض" لأول مرة من أجل المساعدة في تمويل قرض للبرازيل مقداره 18100 مليون دولار، حصلت عليه بموجب ترتيبات "مرفق صندوق التمويل المحدد".

الأول من كانون الثاني/يناير، 1999- تبّنت 11 دولة عضو في صندوق النقد الدولي عملة مشتركة جديدة هي اليورو. ومُنِح المصرف المركزي الأوروبي، الذي يُدير السياسة النقدية الأوروبية في عصر اليورو، وضع المراقب في صندوق النقد الدولي.

22 كانون الثاني/يناير، 1999- زادت الحصص المحددة للدول الأعضاء في تمويل صندوق النقد الدولي لدى دخول القرارات الصادرة عن المراجعة العامة الحادية عشرة للصندوق حيز التنفيذ، بحيث أصبح مجموع هذه الحصص 212 ألف مليون وحدة من حقوق السحب الخاص، أو حوالي 297000 مليون دولار.

23 نيسان/أبريل، 1999- عَمد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي إلى توسيع نطاق صندوق الاحتياط الإضافي كي يوفّر تسليفات طارئة لدول أعضاء تعتمد سياسات اقتصادية حازمة ولكنها قد تكون تأثرت مالياً بصورة سلبية بفعل سياسات بلدان أخرى.

30 أيلول/سبتمبر، 1999- وافق مجلس محافظ