|
تمهيد الطريق أمام أصحاب المبادرات الفردية لِوُلوج اقتصاد السوق
بقلم غادّي فاسكيز, مدير فيلق السلام الأميركي

يقول المدير غادّي فاسكيز إن فيلق السلام يُركزّ على الشرائح المغبونة في البلدان التي يقدم خدماته فيها، وبنوع خاص النساء والشباب، وذلك من خلال دعم الأعمال والمشاريع الصغيرة جداً القائمة في المجتمعات الأهلية. فمن خلال تأمين التدريب على اتخاذ المبادرة وإدارة الأعمال ومهارات القيادة، وإقامة نواد لأصحاب الأعمال الشباب لمساعدتهم في استخدام مهاراتهم، يساعد متطوعو فيلق السلام البلدان في تطوير روابط جديدة مع الأسواق المحلية والدولية. "فحيث أنشأ المتطوعون في الماضي جسوراً خشبية، يَبني متطوعو فيلق السلام للقرن الواحد والعشرين جسوراً اقتصادية عن طريق تعبيد الطريق أمام أصحاب المبادرات الاقتصادية لِوُلوج اقتصاد السوق"، كما يقول فاسكيز..
يشجع فيلق السلام الأميركي تطوير مشاريع الأعمال التجارية الصغيرة والمشاريع الصغيرة جداً القائمة داخل المجتمعات الأهلية في العديد من أشد بلدان العالم فقراً. فمن خلال الجمع بين التدريب على إدارة الأعمال التقليدية وتكنولوجيا المعلومات المُبتكِرة، يُنشئ متطوعو فيلق السلام أصحاب المبادرات الجدد ويساعدونهم في إقامة روابط بين الموردين في البلدان النامية وبين الأسواق المحلية والدولية.
بدءاً من إفريقيا وأميركا اللاتينية ووصولاً إلى أوروبا الوسطى والشرقية، قدم فيلق السلام المساعدات لمئات الألوف من أصحاب المبادرات الفردية خلال السنوات الثلاثة والأربعين الأخيرة. وما يُميز مقاربة فيلق السلام عن مقاربة وكالات التنمية الأخرى هو كادراتها من المتطوعين الماهرين الذين يفهمون اللغات والثقافات والأسواق المحلية، والذين يعيشون ويعملون في المجتمعات المحلية حيث يندمجون مع أعضاء المجتمعات الأهلية في كل أوجه مشاريعهم.
مع سقوط الحقبة الشيوعية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي ومع صعود اقتصادات السوق في أوروبا الوسطى والشرقية وفي الاتحاد السوفياتي السابق، أطلق فيلق السلام في المنطقة عدداً من المشاريع التنموية للأعمال الصغيرة (SED) الأساسية. وفي نفس الوقت، واصل المتطوعون البناء على الحركة التعاونية في أميركا اللاتينية وتحقيق تقدّم في دعم تقاليد المبادرة الفردية في أفريقيا وآسيا. كان هدف هذه المشاريع نقل مهارات روح المبادرة وفي نفس الوقت تعزيز قدرة المنظمات المحلية ومزودي الخدمات الذين يساعدون كل من المشاريع الصغيرة والصغيرة جداً.
أقام فيلق السلام حتى الآن مشاريع تنموية صغيرة مستقلة في 36 بلداً حول العالم وتم تشجيع نشاطات هذه المشاريع التنموية في أكثر من 65 بلداً آخر يقوم الفيلق بإدارة برامج فيها. في السنة المالية 2002، ساعد ما يقارب 1000 متطوع في المشاريع التنموية الصغيرة أكثر من 80.000 صاحب مبادرة فردية و 8000 مُورد خدمات ومنظمة. ففي حين بنى المتطوعون في الماضي الجسور الخشبية، يبني متطوعو فيلق السلام في القرن الواحد والعشرين الجسور الاقتصادية مُمّهدين بذلك الطريق أمام أصحاب المبادرات الفردية لِوُلوج اقتصاد السوق.
بناء دعم للمجتمعات الأهلية
بعد مرور 12 أسبوعاً من التدريب المكثف في اللغات، والتبادل الثقافي، والصحة، والسلامة، والأمن، وفي تقنيات الأعمال التجارية في أوكرانيا، أُلحِق المتطوع في فيلق السلام، جون دايغل، بقسم الاقتصاد في خملنيتسكي أوبلاست، أو المنطقة الحكومية. وبمعرفته الجديدة باللغة الأوكرانية، والأعمال المحلية، والمعايير الثقافية، وكذلك فهمه لوضع البلد الاقتصادي، عمل دايغل مع الزملاء المحليين لتشجيع "مجمعات التنمية الاقتصادية"، وهي نمط اقتصادي يُشجع الاعتماد المتبادل بين شركات الأعمال المحلية ضمن صناعة مُعيّنة.
ساعد دايغل زملاءه في تصميم وعقد حلقة دراسية تشجع الاستثمارات الاقتصادية في المنطقة وفي البورصة الأوكرانية في كييف. وساعد أيضاً زملاءه في تطوير برنامج لتشجيع الاستثمارات لاجتذاب الأموال من الولايات المتحدة وأوروبا. كان من نتائج هذه الجهود أن المصرف القومي لتمويل المشاريع الصغيرة فتح له فرعاً في خملنيتسكي لتزويد المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم في المنطقة بالقروض الأساسية. كانت الخطوة الثانية بالنسبة لإدارة هذه المنطقة فتح مركز تدريب على الأعمال للزبائن المحتملين لمصرف تمويل المشاريع الصغيرة.
وفي مجتمع أصغر بكثير في جزء آخر من العالم، أي داغانا، في السنغال، وهي عاصمة دائرة (هناك ثلاث عواصم دائرة في كل منطقة، تُشكّل معاً "أوبلاست") يبلغ عدد سكانها 25 ألف نسمة وتقع على مسافة 80 ميلاً من العاصمة الإقليمية سانت لويس. داغانا مركز تقاطع ثقافي غني بالفن التقليدي للمجموعات الإثنية ولوف، وبولْه، ومور. من المؤسف أن عدد السُّواح الذين يزورون هذا المجتمع الأهلي قليل، كما أيضاً عدد المهرجانات والمناسبات الثقافية الأخرى التي تنظم هناك. هذا يجعل من الصعب على الحرفيين التقليديين بيع منتجاتهم أو إقامة صلات تتيح لهم الوصول إلى أسواق أوسع.
بعد سماعها ما فعله متطوعو فيلق سلام آخر، من خلال معرض الفنون والحرف في مهرجان موسيقى الجاز السنوي الذي يقام في مدينة سانت لويس بالسنغال، وجدت المتطوعة إريكا ميللر في ذلك فرصة لتشجيع فناني داغانا، والترويج للمدينة كمقصد سياحي خلال المهرجان القادم. وافق رئيس بلدية داغانا، بإرشاد من ميللر، على رعاية مشروع تشجيعي بمبلغ متواضع قدره 320 دولاراً.
استُخدم قسم من المبلغ الذي قدّمه رئيس البلدية لاستئجار كِشك في معرض سانت لويس وكذلك لنقل وجبات غداء للفنانين. أقنعت ميللر ستة فنانين بالافتراق عن عائلاتهم، وهو عمل بطولي صعب في هذه الناحية الريفية، وبنقل أعمالهم إلى المهرجان.كما ساعدت كل فنان في إنتاج كُتيّب دعائي، فعلمتهم مبدأً تسويقياً هاماً. بعد وصولهم، جال الفنانون على صالات العرض لتسويق منتجاتهم. استُخدم جزء آخر من منحة رئيس البلدية لإنشاء لجنة الترويج السياحي لداغانا التي انتجت كُرّاساً لترويج السياحة، بإرشاد من ميللر. لدى عودتها من داغانا بعد المهرجان، أشاد المجتمع بجهود ميللر لمساعدتها داغانا في "الظهور على الخريطة".
نجح كل من دايغل في أوكرانيا وميللر في السنغال في تعريف مجتمعاتهما على أسواق أوسع وفي اجتذاب الرساميل. إنهما يمثلان المتطوعين في كل البلدان تقريباً التي يعمل فيها فيلق السلام، الذين يسخّرون فهمهم لبيئات الأعمال التجارية المحلية ومهاراتهم في معرفة الثقافات المختلفة لكسب ثقة زملائهم المحليين، وتحديد فرص جديدة وتسهيل التنمية الاقتصادية.
نموذج لتنمية مشاريع الأعمال الصغيرة جداً
تُشرك مقاربة فيلق السلام شركاء البلد المضيف في كامل عملياتها - ابتداءً من تخطيط المشروع وتصميم التدريب وصولاً إلى المساهمة في التدريب ما قبل وخلال الخدمة، وفي عملية تنفيذ المشاريع. كانت مساهمة وامتلاك ما حققه فيلق السلام، من جانب إدارة خملنيتسكي أوبلاست في أوكرانيا وداغانا في السنغال، أمراً ضرورياً لتحقيق نتائج ذات شأن تُلّبي الحاجات المحلية.
إن المساهمة في المشاريع لا يمكن تحقيقها ما لم ترى المجتمعات الأهلية علاقة لهذه المشاريع بالحاجات المحلية، خاصة بالنسبة للشرائح المغبونة مثل الشباب والنساء. يحاول فيلق السلام تأمين هذه العلاقة عن طريق إدارة المشاريع ليس من واشنطن، بل من خلال مراكزها الرئيسية في كل بلد من هذه البلدان. المكاتب القائمة في كل بلد هي التي تُعيّن المتطوعين للعمل إلى جانب نظرائهم من البلدان المضيفة. الفريقان مسؤولان عن التأكد من أن للعمل علاقة بحاجات التنمية المحلية، وأن تدريب العاملين المحليين كاف لاستدامة نشاطات المشاريع بعد مغادرة المتطوعين. هذه النشاطات تضم أحياناً كثيرة نظراء يؤمّنون التدريب على الإدارة التنظيمية وممارسات الأعمال التجارية لأعضاء في المنظمات غير الحكومية الدولية أو المحلية، أو في المنظمات القائمة لدى المجتمعات الأهلية مثل تعاونيات المزارعين، أو جمعيات الحرفيين، وكذلك المقاولين الفرديين الصغار والصغار جداً.
في العالم النامي، تزرع النساء 80 بالمئة من مجموع المواد الغذائية المُنتجة، وتشكل ثلث القوة العاملة العالمية. وتنتج وتبيع النساء في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، بصفتها مديرات مشاريع صغيرة جداً، مواد غذائية مُصنّعة وأشغال يدوية. يعمل المتطوعون في أحيان كثيرة مباشرة مع التعاونيات النسائية وكذلك مع مؤسسات تمويل المشاريع الصغيرة لمساعدة النساء في الحصول على التدريب المناسب، والمشورة الخاصة بالأعمال التجارية والموارد المالية للبدء بأعمالهن التجارية وتوسيعها.
مثلاً، في بداية جولتها سنة 2000 في توغو، أطلقت إحدى المتطوعات في فيلق السلام، تونتاين تاتشوييم، مجموعة للقروض الدوارة المخصصة للنساء. بعد ثلاث سنوات من العمل، استمرت تونتاين في النمو والنجاح. لدى المجموعة الآن ما يكفي من المال لفتح حسابات مصرفية، ولإعادة الاستثمار في الأعمال التجارية، ودفع الأقساط المدرسية لأطفال أعضاءها. يسمح هذا النظام لأعضاء المجموعة بالاحتفاظ بأموالهن بمنأى عن الضغوط الاجتماعية (مثل مطالبة أفراد العائلة أو المجتمع بحصة في الأرباح)، والتي تقع المشاريع الصغيرة أحياناً كثيرة فريستها. تونتاين تاتشوييم التي بدأت بلا أموال، لديها الآن دخلاً سنوياً قدره 400.000 فرنك أفريقي، وهي العملة المشتركة لأربعة عشر بلداً أفريقياً، أو ما يوازي 800 دولار.
في العالم حوالي 1.2 مليار فتى وفتاة تتراوح أعمارهم بين 10 و 19 سنة، ويعيش 87 بالمئة منهم في البلدان النامية. وعلى الرغم من تدهور مستوى الرواتب الحكومية في العديد من البلدان النامية، يتوقع الشُبّان أحياناً كثيرة أن توظفهم الدولة بعد إكمالهم المدرسة الثانوية. ففي العديد من البلدان التي تعمل فيها فيالق السلام، أدى الافتقار إلى الوظائف بالنسبة لهذه المجموعة الديمغرافية النامية إلى ازدياد جرائم الشباب، وعلى الأخص في المدن. لأجل تغيير المواقف وتأمين الفرص للمستقبل، عمل متطوعو فيالق السلام على تدريب الشُبّان خارج وداخل المدارس في المهارات الخاصة بأخذ المبادرات الفردية، وبإدارة الأعمال التجارية، والمهارات القيادية، كما أسسوا نوادٍ للأعمال لمساعدة الشُبّان في استخدام مهاراتهم.
طوّر جوران لاورنس، بالتنسيق مع وزارة التربية والرياضة والثقافة في نيكاراغوا، المهارات الخاصة بالمبادرات الفردية، وبالأعمال التجارية لدى الفتيان في المدارس الثانوية المحلية، وفي مراكز الفتيان وملاجئ الفتيان المشردين. شارك أكثر من 300 شاب من نيكاراغوا بهذه النشاطات التدريبية، وكان من نتائج ذلك أن مجموعة من الشُبّان باشرت أعمال طباعة على قمصان "التي شيرت" واستخدمت الأرباح لتمويل حملة توعية لمحاربة انتشار فيروس نقص المناعة المكتسبة/الإيدز.
الابتكار في تنفيذ المشاريع
يستجيب متطوعو فيالق السلام للحاجة المتنامية إلى الخبرات في قطاعات الأعمال الثانوية مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) ، وتمويل المشاريع الصغيرة، والسياحة البيئة، وهي ميادين متنامية تؤمن الفرص للاستثمارات المحلية والإقليمية والدولية.
يجد المتطوعون الحلول للأعمال التي تهم المشاريع الصغيرة جداً، وذلك من خلال إدخال أنظمة محاسبية على الكومبيوتر، وقواعد بيانات مُفصّلة، وتأمين الوصول إلى الإنترنت. ويستخدمون محطات الإذاعة المحلية لنقل المعلومات حول الممارسات الناجحة في إدارة الأعمال التجارية في أنحاء البلاد، ويوزّعون أسعار السوق الحالية على المزارعين. ان تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تساعد المُقرِضين في تعقّب قروض الزبائن، وتستخدم الأنظمة العالمية لتحديد المواقع (GPS) من أجل تزويد العناوين الحقيقية حيث لا وجود لأسماء الشوارع.
يساعد متطوعو فيالق السلام أيضاً في زيادة معدلات تسديد الديون لمؤسسات تمويل المشاريع الصغيرة عن طريق تزويد التدريب الضروري على الأعمال لكل من زبائنها المحتملين والمستفيدين من القروض، وفي زيادة معدلات التسديد في المواعيد المُحدّدة، وتحسين أرباح الأعمال التجارية. يشجع المتطوعون أيضاً المشاركة المنصفة للمجتمعات في إدارة وتشغيل مواقع السياحة البيئية لتصبح مشاريع أعمال تخدم كل من حاجات المجتمعات والسُوّاح. تستفيد المشاريع الصغيرة المتعلقة بهذه المواقع من التدريب الذي يؤمنه المتطوعون في أربعة قواعد تسويقية، أي السعر، والمنتج، والترويج، والوضع في المكان المناسب، وكذلك التدريب في مراقبة النوعية، وأصول الضيافة والمحاسبة.
ممارسات واعدة
خلال السنتين التي يمضيانها عادة في مجتمعات البلد الضيف، يسير متطوعو فيلق السلام العاملون في المشاريع التنموية الصغيرة (SED) على مبدأ القول القديم المأثور إن تعليم الإنسان صيد السمك أفضل من إعطائه سمكة ليأكلها. غير أن هؤلاء المتطوعين يذهبون إلى أبعد من تعليم قاعدة "الصيد" هذه، فيدرّبون النساء والرجال والشُبّان على إقامة روابط بين الموردين، والمنتجين، والشارين؛ وعلى استكشاف فُرص الوصول إلى اعتمادات القروض؛ وتسويق منتجاتهم، وتعزيز المنظمات التي تساند جهودهم هذه في المدى الطويل.
فسواء ساعد متطوعو فيلق السلام العاملين المحليين في تحويل مركز الموارد لمدرسة ما إلى مشروع تجاري صغير يتمتع بكفاية ذاتية لانتاج قمصان "التي شيرت" في باناما، أو درّبوا أعضاء جمعية نسائية في نيبال على بيع أشغالها اليدوية على الإنترنت، فأنهم قد ساهموا في التنمية الإجمالية لمئات الألوف من المجتمعات الأهلية. كان أساس نجاحهم قدرة ورغبة المتطوعين في أن يتحولوا إلى أعضاء كاملين في مجتمعاتهم المُضيفة. فمن خلال تحدثهم باللغات المحلية، وفهمهم للمعايير الثقافية، وعيشهم تقريباً على طريقة عيش جيرانهم، أرسى المتطوعون الأسس للتنمية المستدامة والازدهار. في هذا الوقت، يكتسب مواطنو البلدان المُضيفة إلى جانب اكتسابهم لموطئ قدم في الاقتصاد العالمي، تفهماً أكثر للأميركيين. فالاتصالات المنفتحة، والاحترام المتبادل، والتعاون هي الأدوات التي تُمهّد الطريق.
|