إرساء أسس النمو الاقتصادي | ||||
|---|---|---|---|---|
إن الحوكمة الشركاتية أصبحت اليوم في طور الدخول في مرحلة من التلاقي العالمي، مدفوعة إلى ذلك بفعل الإدراك المتنامي بأن على الدول اجتذاب وحماية جميع المستثمرين، الأجانب والمحليين على حد سواء. والمعادلة واضحة: فرأس المال العالمي سوف يتدفّق بالمعدّلات اللازمة إلى حيث تكون حمايته أفضل، ولن يتدفّق أبداً، أو أنه سيتدفق بمعدلات تلائم ارتفاع المخاطر حيث إجراءات الحماية غير مؤكدة أو لا وجود لها. وفي العديد من البلدان ذات الأنظمة القانونية المؤسسة على قواعد القانون البريطاني العام غير المدوّن، تعطى مصالح حملة الأسهم الأولوية القصوى في معظم قرارات الشركات، لكن الأمر لم يكن كذلك في جميع أنحاء العالم الأخرى، على الأقل حتى الآن. وقد بدأت البلدان التي كانت تتبنى تقليدياً مبادئ الشراكة بين الإدارة والموظفين وغيرهم من أصحاب المصلحة في الشركة، والبلدان التي لديها أولويات اجتماعية أخرى أو ترتيبات ملكية مختلطة بين الحكومة والقطاع الخاص، تدرك الآن أن حماية المستثمر تُشكّل إشارة هامة لمزودي الرساميل المحتملين. وهذا صحيح بنوع خاص بالنسبة للبلدان النامية. وتحتاج هذه البلدان إلى إثبات تبنيّها لمبادئ الحوكمة الشركاتية لتعزيز ثقة المستثمرين واجتذاب رؤوس الأموال، مما سيقود بدوره إلى الاستثمار والنمو الاقتصادي. ويجب بالطبع تكييف وتعديل هذه المبادئ بشكل يتناسب مع الحاجات المحلية، فالقياس الواحد لن يناسب الجميع. إلاّ أن هناك مبادئ أساسية مُعيّنة لا يمكن تجاهلها. إن الحوكمة الشركاتية أو حوكمة الشركات تشتمل على مزيج يجمع بين القواعد التنظيمية والمبادئ التوجيهية التي يدفع إليها القطاع الخاص. وفي البلدان ذات الأسواق المالية الأكثر تقدماً، تكون قواعد وقوانين وهيكليات الحوكمة الشركاتية موجودة ضمن قوانين تحمي حقوق الملكية الخاصة وحقوق أصحاب الأسهم، عبر البنود التشريعية، والقواعد التنظيمية المترافقة معها، والقرارات القضائية، وقواعد التسجيل في أسواق الأوراق المالية (أو البورصة). ويشكل هذا البنية التحتية الحكومية الضرورية الممكّنة. وعلاوة على القواعد الرسمية، تتبنى الشركات مبادئ وتوجيهات أفضل الممارسات، وهي المبادئ والتوجيهات التي يجري وضعها وتطويرها باستمرار من قبل القطاع الخاص والقطاع الأكاديمي استجابة للظروف السائدة في الأسواق ولطلبات المستثمرين. وعلى البلدان النامية أن تأخذ في الحسبان كلا العنصرين، أي البنية التحتية الحكومية وأفضل الممارسات. دور الشركات يتطلب فهم الحوكمة الشركاتية فهم مفهوم الشركة والموقع الذي تحتله في عالم الأعمال. وسوف يُبيّن هذا الفهم سبب كون الحوكمة الشركاتية، كما وصفتُها للتو، ضرورية لإضفاء صبغة الشرعية على دور الشركات في المجتمع ولتوفير وسيلة للنمو الاقتصادي. الشركة كيان يستحدثه القانون. وقد وُجدت بشكل أو بآخر منذ مئات السنين، كما أن سماتها الأساسية لا زالت تقريباً على حالها لم تتغير خلال كل تلك الحقبة. وإحدى أهم سمات الشركات هي مسؤوليتها المحدودة، مما يتيح للناس توظيف الأموال أو الممتلكات الأخرى في الشركات دون أن تتعرض أي من أصولهم الخاصة الأخرى للمخاطر في حال إفلاس الشركة. ويُحفظ المال الموظف في الشركة فلا تصل إليه يد المستثمرين الذين يحرمون من القدرة على أي وصول حقيقي إليه. فليس بوسعهم، مثلاً، مطالبة الشركة بتوزيع أرباح أو إعادة أي جزء من رأس المال. ويكون رأسمالهم في خطر لأنه في حين أن المستثمرين يجنون الربح في حال نجاح الشركة إلا أنه من الممكن أن يخسروا كل ما استثمروه فيها إن هي أفلست. وبعد مساهمة المستثمرين بالمال أو الممتلكات الأخرى في شركة ما، يتم إصدار أسهم لهم تمثل حقهم في الحصول على مكافأة مالية لقاء تحملهم تلك المجازفة. وفي معظم الحالات، تكون الأسهم قابلة للتحويل بحرية، بحيث يستطيع حملة الأسهم بيع أسهمهم إلى مستثمرين آخرين. كما بإمكانهم "الانسحاب" كلياً من شركة مساهمة إذا أرادوا. ومن السمات الأساسية الأخرى التي تتصف بها الشركات دوام وجودها. وتمنح قدرة الشركة على الاستمرار إلى ما لا نهاية الاستقرار لأنشطتها وأشغالها من خلال ضمان استدامة عمل الشركة عقب غياب مؤسسيها. وقد أصبحت الشركات المساهمة النوع المهيمن من منظمات الأعمال التجارية لكونها تلبي حاجة تأمين الرساميل اللازمة للنمو. فهي أكثر الطرق فعالية لجمع كميات كبيرة من الرساميل. وبوسع حملة الأسهم الاستثمار في الشركات المساهمة دون التعرّض لخطر المسؤولية الشخصية، كما أن المساهمين لا يحتاجون إلى الاعتماد على سمعة المستثمرين الآخرين في الشركة وإمكانية الوثوق بهم، كما هي الحال بالنسبة للشركاء في مؤسسات الأعمال. وبإمكانهم أيضاً التخفيف من المجازفة من خلال الاستثمار في شركات مختلفة بهدف الحصول على أقصى ما يمكن من المردود الإجمالي. مجلس الإدارة في مقابل فوائد المسؤولية المحدودة والحياة الدائمة للشركات وإمكانية تحويل الأسهم، يمنح المستثمرون سلطة إدارة الشركات إلى مجموعة من الناس يعهد إليها مهمة صناعة القرارات التي تخدم مصالح الشركة وجميع المستثمرين فيها، وليس فقط فئة خاصة من المستثمرين، على أفضل وجه. وبهذه الطريقة، لا تكون الشركة مُدارة من قبل مستثمرين لهم مصالح خاصة، كما أن حملة الأسهم ينعمون بالحماية من تضارب أهداف بعضهم البعض. وتُدعى هذه المجموعة من الأشخاص المُخّولين إدارة الشركة والذين ينتخبهم حملة الأسهم، مجلس الإدارة. وتتعلق معظم القوانين التي تنظم الشركات بمجلس الإدارة، مع صياغة العديد من القوانين المحددة بهدف تعزيز ثقة المستثمرين بأن أعضاء مجلس الإدارة سوف يتخذون القرارات الصائبة. فالمجلس مسؤول عن إدارة أعمال وشؤون الشركة. ويُفوّض المجلس في الواقع سلطة اتخاذ القرارات اليومية المتعلقة بأعمال الشركة إلى موظفين بدوام كامل، وتعيّن المجالس الإدارية رئيساً تنفيذياً (CEO) لتنسيق الجهود الإدارية والإشراف عليها كما يخوَل الرئيس التنفيذي بدوره صلاحية توظيف كبار المديرين. غير أنه من الممكن أن تتضارب أحياناً مصالح حملة الأسهم وأعضاء مجلس الإدارة والمديرين. فقد يرغب بعض حملة الأسهم، مثلاً، في استلام حصتهم من أرباح الأسهم بينما تفضل الإدارة وآخرون من أصحاب الأسهم إعادة توظيف تلك الأرباح وتشجيع نمو الشركة الداخلي. ويكون مجلس الإدارة مطالباً عندئذ بإدارة هذه المصالح المتضاربة باتخاذ قرارات تؤمن مصالح الشركة وجميع حملة الأسهم فيها على أفضل وجه. النماذج المتقاربة لحوكمة الشركات في العديد من البلدان التي تعتمد القانون العام الإنكليزي غير المدوّن، يشكل حملة الأسهم المجموعة الرئيسية التي يأخذها أعضاء مجلس الإدارة بعين الاعتبار خلال عملية صنع القرارات. أما البلدان الأخرى مثل فرنسا وألمانيا وهولندا، فقد ركزّت تاريخياً على مصالح أصحاب المصلحة الآخرين في الشركات، بما في ذلك الموظفون والدائنون والزبائن والمورّدون والمجتمع الذي تعمل الشركات ضمنه. ويتجه المناخ الحالي للحوكمة الشركاتية إلى نقطة يتلاقى عندها هذان النموذجان. تكتسب مصالح المستثمرين أهمية متزايدة نتيجة للطبيعة العالمية للاستثمارات العصرية، وبروز المستثمر المؤسساتي كلاعب مسيطر، وما يرتبط بذلك من تركيز على حماية الاستثمارات، بغض النظر عن المكان الذي تتواجد فيه مقرات الشركات. وعلاوة على ذلك، تدرك مجالس إدارة الشركات أكثر فأكثر الحاجة إلى معاملة أفراد المجتمع الذي توجد فيه من غير حملة الأسهم بعدل ونزاهة وإلى أخذ مصالحهم بعين الاعتبار كي تتمكن الشركات من النجاح مالياً وكذلك من أن تكون على مستوى متطلبات المسؤوليات الاجتماعية التي فرضها عليها أصحاب المصالح هؤلاء وسواهم. وبالتالي فإن عملية التقارب نحو التلاقي تتم من الجانبين. مثلاًً، عندما قررت شركة جونسون أند جونسون، منتجة المستحضرات الصيدلية، سحب جميع زجاجات التايلنول الممكن أن يكون قد تمّ التلاعب بها على الفور من التداول، أثبتت تحملها لمسؤولية تتعدى الربح المادي. وخضوع الشركة للمساءلة والمحاسبة وتحملها المسؤولية إزاء حملة الأسهم وأصحاب المصلحة الآخرين فيها تضمنها مجموعة من الواجبات - المنصوص عليها بدرجة أو بأخرى في العديد من البلدان المتطورة - التي يتعين على أعضاء مجلس الإدارة أن يتقيدوا بها عند اتخاذ القرارات. وتُعرف هذه الواجبات أو المهمات بالواجبات الإئتمانية أو مسؤوليات العهدة بالأمانة. وهي تشمل واجب توخى الحذر، وواجب الولاء للشركة، وواجب التحلّي بالنزاهة والشفافية، وواجب العمل بنية حسنة. ويمكن أن تؤدي مخالفة إحدى هذه الواجبات إلى تحميل أعضاء مجلس الإدارة المسؤولية إزاء مراقبي تطبيق القوانين التنظيمية الحكوميين أو إزاء حملة الأسهم. ففي الولايات المتحدة، مثلاً، يستطيع حملة الأسهم إقامة الدعاوى على مديري الشركة إما بصفتهم الشخصية أو بالنيابة عن الشركة للحصول على تعويض وتصحيح أي مخالفة مزعومة لواجب العهدة الائتمانية. ومثل هذه الدعاوى كثيرة جداً في الولايات المتحدة كما تشهد على ذلك مجموعة دعاوى حملة الأسهم ضد شركات إنرون وتايكو وورلدكوم وغيرها من الشركات العديدة الأخرى. وفي حين أن بعض الدعاوى مُحِقّة وبعضها غير مُحِقّ، إلا أن إمكانية إقامة مثل تلك الدعاوى يُشكّل حافزاً قوياً لأداء أفضل من قبل أعضاء الإدارة. كما أن بإمكان حملة الأسهم أيضاً "الذهاب إلى وول ستريت" وبيع أسهمهم إذا كانوا غير راضين عما يحصل في الشركة. ويمكن أيضاً أن يقوم مراقبو تطبيق القوانين التنظيمية بالتدخل في حال وقوع مخالفات أسوأ. أما في البلدان الأخرى، فإن وجود وإمكانية فرض تنفيذ هذه الواجبات الملقاة على عاتق مديري الشركات يتباين بدرجة كبيرة. إلا أنه بات من الواضح أيضاً أن الواجبات التي لا تخضع لإلزامية التنفيذ لا معنى لها. المجازفة والمساءلة من المنطقي التساؤل عما إذا كان أعضاء مجلس الإدارة يشعرون بالارتياح لدى اتخاذ قرارات قد تؤدّي إلى مردود جيّد للشركة ولكنها في الوقت نفسه قرارات تتضمن مجازفة أو هي غير موثوقة النتائج. ويساعد القانون أعضاء مجلس إدارة الشركات في هذا السياق بتحريرهم من التعرض لمسؤولية قانونية نتيجة لقراراتهم، شرط أن يعملوا بنية حسنة وبعناية واجتهاد. وفي الولايات المتحدة، مثلاً، يتم ذلك بواسطة قوانين تسّنها المحاكم. وعلاوة على ذلك، بوسع الشركات أن تتحمل نفقات الدفاع عن أعضاء مجلس الإدارة الذين يعملون بنية حسنة، وبإمكانها أيضاً أن تشتري عقود تأمين لتغطية تلك النفقات. ويعمل كل ذلك مع الواجبات المذكورة أعلاه بغية الحدّ من مخاطر الأخطاء دون التضحية بالكفاية الاقتصادية عند اتخاذ القرارات. ولإيضاح ذلك، لنتصور هذا السيناريو: يدرس أعضاء مجلس إدارة شركة تُنقّب عن الذهب ما إذا كانت الشركة ستشتري رخصة مُكلفة للتنقيب عن الذهب في منطقة تبلغ فيها نسبة حظوظ العثور على الذهب 20 بالمئة. وقد ترفض مجموعة من أعضاء مجلس الإدارة الذين لا يحبون المجازفة هذه الفرصة إذا كانت هناك إمكانية بأن يقوم حملة الأسهم برفع دعاوى ضدهم إذا تبيّن عدم وجود ذهب في تلك المنطقة. ومثل هذه القرارات، إذا ما تكرّرت، ستكون بمثابة كارثة بالنسبة للشركات لأن أعضاء مجلس الإدارة الذين يشعرون بالخوف قد يتخذون العديد من القرارات غير المجدية من الناحية الاقتصادية. أما عندما يُزاح شبح المسؤولية القانونية الشخصية، فان أعضاء مجلس الإدارة هؤلاء سيكونون على استعداد أكبر لاتخاذ قرارات أكثر فعالية. ويحمي هذا النظام الإجمالي أعضاء مجلس الإدارة بموجب ما يُسّمى قانون الاجتهاد أو الرأي التجاري. وتحمي المحاكم أعضاء مجلس الإدارة الذين يتخذون القرارات بناء على اجتهادهم ورأيهم التجاري بنية حسنة وبعناية واجتهاد. تشجيع ثقة المستثمرين تشكل المتطلبات القانونية المُتعلقة بأعضاء مجلس الإدارة جزءاً من إطار أوسع يهدف إلى تشجيع ثقة المستثمرين في الشركات. والكثير من هذه المتطلبات هيكلي في طبيعته، بما في ذلك المتطلبات التي أدخلتها إصلاحات الحوكمة الشركاتية خلال السنوات الأخيرة، مثل استقلالية أعضاء مجلس الإدارة الإلزامية، وهيكليات اللجان التي تشترط وجود أعضاء مجلس إدارة مستقلين يجتمعون وحدهم دون حضور مسؤولي الإدارة للتناقش بصراحة حول أي موضوع يريدون، ولجنة نشطة للتدقيق في الحسابات. وقد بدأت حركة الحوكمة الشركاتية أخيراً التركيز على طرق أخرى لتعزيز نزاهة المسؤولين عن إدارة الشركة وأعضاء مجالس الإدارة. فمثلاً، شدّد وليام دونالدسون، رئيس مفوضية تنظيم التعامل بالأوراق المالية (SEC) (الأميركية) على أهمية تشكيل أعضاء مجلس الإدارة وكبار موظفي الإدارة نموذجاً رفيع المستوى من ناحية المعايير الأخلاقية على رأس الشركة. ومع تقدمها، ستبذل حركة حوكمة الشركات جهداً كبيراً للعثور على أعضاء مجالس إدارة ممتازين أخلاقياً ويتحلّون بصفات كان يجلها اقتصادي القرن الثامن عشر، آدم سميث، مثل الحصافة والعدالة والإحسان وضبط النفس والحشمة والاعتدال. فالمجالس الإدارية التي تضم أشخاصاً يملكون على الأقل بعضاً من تلك الصفات سوف تعزز ثقة المستثمرين بالمجلس وبالشركة. زِد على ذلك أن أعضاء مجالس الإدارة الذين أثبتوا تحليهم بحس أخلاقي سيكونون أكثر ميلاً إلى اتخاذ قرارات فيها مجازفة ولكنها فعّالة، لأن المحاكم ستكون أقل ميلاً إلى فرض مسؤولية قانونية على مثل هؤلاء الأشخاص. إن وجود نظام حوكمة متين للشركة سيكون مهماً بالنسبة لقرار المستثمر الفردي لجهة شراء أسهم في الشركة أم لا. ذلك أنه من غير المحتمل أن يرغب المستثمرون في تسليم أموالهم إلى شركات لا يمكن الوثوق بمجالس إدارتها أو بمدرائها لاتخاذ القرارات الصائبة التي تخدم مصلحة جميع حملة الأسهم. ويمكن أن يتجمع قرار كل مستثمر فرد مُحتمل بالنسبة للاستثمار أو عدمه في شركة ما مع قرارات المستثمرين المحتملين الآخرين على المستوى القومي ليصّور أهمية الحوكمة الشركاتية على نطاق واسع. فإذا كانت لدى بلد ما أو منطقة ما بنية تحتية ظاهرة للحوكمة، عامة وخاصة، فأن مجمل اقتصادها سوف يستفيد من الاستثمارات المحلية والداخلية المتزايدة. تجربة البرازيل تقدم الإصلاحات الأخيرة في البرازيل صورة مفيدة حول إمكانية تشكيل ثقة المستثمرين بنزاهة الشركات كمؤسسات إلى مُقّوم أساسي في نمو أسواق الرساميل. وقد بدأ تطبيق برنامج إصلاحات في سوق الأوراق المالية في البرازيل في أكتوبر سنة 2000 بعد سنوات من الجمود. وفي أقل من سنة، تم إطلاق سوق ثانية تدعى النوفو مِركادو (السوق الجديدة). وتفرض السوق الجديدة معايير صارمة لحوكمة الشركات كشرط مُسبق لإدراجها فيها، وقد نجحت في اجتذاب الاستثمارات. فقد عزّزت إجراءات الحوكمة الشركاتية التي استحدثتها وطبقتها نوفو مِركادو ثقة المستثمرين في نزاهة مؤسسات الشركات وفي الذين يشرفون على استثماراتهم. وعلى سبيل المثال، عززت القوانين التي تُنظم الصفقات التي تنطوي على تضارب في المصالح وجود بيئة شفافة ومشاركين على اطلاع جيد بأمور السوق. وعلاوة على ذلك، ضمنت إجراءات الحوكمة الشركاتية التي تحمي حقوق حملة الأسهم كون أعضاء مجالس الإدارة والمديرين مسؤولين أمام المستثمرين وخاضعين لمساءلتهم ومحاسبتهم. برهنت نوفو مِركادو أهمية الانفتاح والشفافية ووجود الحوكمة الجيدة للشركات بالنسبة للمستثمرين. ولا ينحصر هذا الدرس في البلدان التي لديها سوق للأوراق المالية، بل ينطبق على أي شركة وأي بلد يسعى للحصول على رساميل جديدة لأجل النمو من الأسواق المالية العالمية المتطورة باستمرار. كما أنه يصدق أيضاً على مُزودّي الرساميل الآخرين، مثل المصارف التي تستطيع تحسين اقتصاداتها المحلية عن طريق تحسين حوكمة نفسها، فتجتذب بالتالي الودائع، وتحسين حوكمة المستدينين، عن طريق منح القروض للمستدينين الذين يبرهنون عن حسن إدارة أو حوكمة. وبوسع البلدان النامية أن تنظر إلى نماذج الحوكمة الشركاتية المطبقة في أماكن أخرى من العالم للاسترشاد بها عند صياغة وتشريع قواعد ومبادئ محلية لحوكمة الشركات. وهذه القواعد والمبادئ قادرة، في السوق المالية العالمية، على تعزيز ثقة المستثمرين في أشكال الشركات المحلية التي ستقود في نهاية المطاف إلى النمو الاقتصادي والازدهار.
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر الحكومة الأميركية أو سياستها.
|
||||