في الولايات المتحدة، وعلى مدى 80 سنة تقريباً، كان المحامون والحقوقيون، وعلى الأخص قاضي المحكمة العليا السابق لويس د. براندايس، في طليعة من أعربوا عن قلقهم من الهوة المتنامية التي تفصل بين حملة الأسهم وإدارة الشركات وما ينجم عنها من إساءة استخدام قوة الشركات. وقد أعرب عن نفس الهواجس كل من أدولف بيرل وغاردينر مينز سنة 1932 في كتابهما "الشركة الحديثة والملكية الخاصة". وقد أوجز عالم القانون جيمز ويلارد هورست هذه الهواجس المصيبة في تكهنها المستقبلي جيداً في العام 1970، إذ قال:
التنازل عن السلطة لصالح مؤسسات الاستثمار
تخلى حملة الأسهم بشكل لا إرادي، بل وإلى حد كبير عن غير وعي أو قصد، عن سلطاتهم إلى إدارات الشركات. وقد نتج هذا الاتجاه عن الارتفاع الملحوظ للاستثمارات المؤسساتية التي تستفيد من الحوافز الضريبية، وترك فراغاً بالنسبة للملكية في صميم رأسمالية حملة الأسهم. وهذا هو ما أدى إلى إساءة استخدام السلطات الإدارية والحركة الارتدادية الحتمية ضد شركات الأعمال. إن مؤسسات الاستثمار، التي تفتقر إلى القدرة على ضبط إدارات الشركات، تلجأ إلى استراتيجية امتلاك تشكيلة متباينة جداً من الأسهم ذات مستوى الدوران المرتفع. وينظر في هذه المؤسسات إلى الأسهم وكأنها أوراق رهان في سباقات لا يمكن التّنبؤ بنتائجها. وهكذا، كان حملة الأسهم يعتَبرون لفترة طويلة "مقامرين" أو "مراهنين" بدلاً من "ملاّكين". إن الأساس الجوهري لكل نظام إداري هو وجوب خضوع الذين خُولوا السلطات الرئيسية لمساءلة ومحاسبة الذين يخدمونهم؛ وإلا تغلبت المصلحة الذاتية بدرجة ما. إن رأسمالية حملة الأسهم الأميركية تُخفق في هذا الاختبار. فالمساءلة القائمة حالياً عادة ما تكون محدودة ومؤجلة، والإدارات ليست مسؤولة بصورة فعّالة لا أمام أصحاب الأسهم الأفراد ولا أمام المؤسسات الاستثمارية ومدراء صناديق الأموال الذين هم العملاء الوسطاء للمساهمين. كذلك، فإن هؤلاء الوسطاء، بدورهم، ليسوا مسؤولين بشكل فعال أمام المساهمين النهائيين - أي الأفراد الأعضاء في صناديق التقاعد وحملة بوالص التأمين. وهناك بالتالي عجز مزدوج في المساءلة والمحاسبة وتحمل المسؤولية، لا مفر من وجوده نتيجة ملكية سلبية غائبة. هذه هي نقطة الضعف الأساسية لرأسمالية حملة الأسهم ويجب معالجتها بصورة فعّالة لكي يصبح بالإمكان إيجاد حلول لجميع مواطن الضعف الأخرى. من المبادئ الأساسية في رأسمالية السوق الحرة المبدأ القائل إن النظام يرتكز إلى أساس الملكية الفعّالة للممتلكات الخاصة، أي أن المالكين يختارون كيفية استخدام أصولهم للحصول على أفضل النتائج. وبالتالي، فإن كون أكبر فئة فردية من الممتلكات الشخصية- أسهم وحصص (بما في ذلك فائدة ومنفعة الأسهم والحصص المملوكة جماعياً عبر مؤسسات الاستثمار، وبنوع خاص لتأمين دخل للمتقاعدين)- تفتقر إلى ملكية مؤثرة يبعث على الشعور بعدم الرضى بشكل خاص. والمساهمون المباشرون أي الذين يحملون الأسهم مباشرة - في أميركا، 50 بالمئة من مجموع الأسهم مملوكة مباشرة - لا قيمة كبيرة لهم بصفتهم الفردية بحيث يمكن اعتبارهم بلا سلطات. أما الذين يتمتعون بحق الاستفادة أو الانتفاع من الملكية فسلطاتهم حتى أقل. (صاحب حق الانتفاع هو الشخص الذي ينعم بفوائد امتلاك سند أو ممتلكات، بصرف النظر عن الشخص المذكور اسمه على السند). ولن يكون بالإمكان إخضاع إدارات الشركات للمساءلة والمحاسبة ما لم يتمكن المساهمون من الاتحاد بشكل فعال، وينطبق هذا عملياً فقط على المساهمين من المؤسسات. وقليلاً ما يحدث ذلك إلا عندما تنشب أزمة نادرة في شركة ما، أي بعد أن يكون الضرر قد حصل. صناديق التقاعد غير الناشطة لا يزال تقليد الاستثمار الفردي قوي في أميركا، حيث يملك الأفراد نصف مجموع أسهم الشركات، أما معظم الأسهم المتبقية فتملكه شركات التأمين، وصناديق الاستثمار المشتركة، وصناديق التقاعد ذات الفوائد المباشرة، حيث تستثمر الشركات لتوفير معاشات التقاعد للموظفين. ونتيجة لاستحداث حوافز ضريبية قوية بدأ العمل بها سنة 1970- تعرف ببرنامج 401 (K)، وهو خطة لادخار معاشات التقاعد مُمولة من مساهمات الموظفين وأحياناً كثيرة من مساهمات مساوية من قبل أرباب العمل - بدأ أرباب العمل بالتحول إلى برامج مساهمة مباشرة. ويمكن أن تدفع مساهمات أرباب العمل الأميركيين، وكثيراً ما يتم ذلك، على شكل أسهم في الشركة الخاصة. مثلاً، كان أكثر من خمسين بالمئة من حصص الكثير من موظفي شركة إنرون في صندوق التقاعد على شكل أسهم في الشركة. وفي العديد من الشركات الضخمة مثل جنرال إلكتريك وكوكا كولا، تصل النسبة إلى 75 بالمئة، وهي تبلغ في شركة بروكتر أند غامبل أكثر من 90 بالمئة. وعندما تكون الشركة مستقرة وفي نمو مطرد، يبدو هذا الأمر مقبولاً، لكن هناك مجازفة كبيرة خطرة في ربط وظائف العاملين في الشركة ومعاشات تقاعدهم بارتفاع سعر أسهمها. وقد أصبحت معظم مساهمات الموظفين في برامج 401(K) تذهب بصورة متزايدة إلى تشكيلة واسعة من الأسهم، وكذلك الأمر في بعض الأحيان أيضاً بالنسبة لمساهمات أرباب العمل. وتتنافس شركات صناديق الاستثمار المشترك بقوة على هذه الأعمال التجارية الهائلة. وعليه فسيكون لنشاطات حوكمتها، في حال وجودها، تأثير حاسم الأهمية على كلٍ من مستوى معاشات التقاعد والحوكمة الشركاتية الأميركية. وليس هناك حتى اليوم تاريخ لنشاط حوكمة شركاتية بالنسبة لصناديق تقاعد الشركات أو شركات صناديق الاستثمار المشترك. والاستثناءات العرضية الوحيدة هي بعض صناديق تقاعد القطاع العام الأوسع التي لا تدين بالفضل لإدارة هذه الشركات. (من الأمثلة المشرفة في هذا المجال صندوق كوليدج رتايرمنت إيكويتي فند - (CREF. ونتيجة لهذا، فإن معارضة التعويضات العالية جداً لكبار المدراء أو إعادة تسعير خيارات الأسهم بشكل روتيني يكاد يكون غير معروف إطلاقاً في أميركا، كما أن الضغط على المدراء التنفيذيين الفاشلين لحملهم على الاستقالة يكاد يكون غير موجود هو أيضاً. هناك امتعاض لكن هناك أيضاً تسليم واقعي بأن حملة الأسهم يفتقرون إلى السلطة التي تمكنهم من فعل أي شيء إزاء ذلك. وفي حين أن الرؤساء التنفيذيين الأميركيين كثيراً ما يخسرون وظائفهم بسبب إخفاقات تتعلق بالأداء على المدى القصير، إلا أن ذلك يعود إلى ضغط السوق وليس إلى نشاط حملة الأسهم. وسيكشف المستقبل عما إذا كانت فضائح الشركات الأخيرة ستؤدي إلى أي تغيير دائم. وصناديق تقاعد الشركات التي تسيطر عليها الهيئات الإدارية للشركات لم تكن أبداً تقريباً نشطة. وهناك تفاهم ضمني على أن كل صندوق تقاعد في شركة سوف يمتنع عن اتخاذ أي موقف ناشط مقابل موقف مماثل من قبل جميع صناديق التقاعد الأخرى، لأن الهيئات الإدارية للشركات تفضل عدم تشجيع أي شكل من تدخل الحوكمة الشركاتية لمصلحتها المشتركة. أما بالنسبة لشركات التأمين على الحياة والمصارف وصناديق الاستثمار المشتركة، فأنها، على التوالي، تتنافس مع نظرائها ولذلك يكون التعاون بينها نادراً بالمقارنة. والكثير منها جزء من مجموعات أكبر تسعى إلى الحصول على أعمال مصرفية أو تأمينية. و يملك العديد منها مدراء صناديق وهي بالتالي تحذر إثارة غضب إدارات الشركات. ويقع على عاتق جميع تلك المؤسسات واجب واضح في أن تكون ناشطة وتأخذ المبادرة وتستثمر بالنيابة عن أصحاب المصالح المستفادة من حق الملكية - والحقيقة أنه قانون الائتمان في الولايات المتحدة، وأن كان نادراً ما يُفرض بالقوة. لكن ذلك العمل الجماعي، وهو الوحيد القادر على أن يكون مؤثراً، نادر الحصول وينحصر إلى حد كبير في حالات التقصير الفادح في الأداء التي تستمر عادةً على امتداد عدة سنوات، أو بعد سوء تصرف خطير جداً من قبل إدارة الشركات، عندما يكون الوقت قد فات.
مدراء الصناديق: التضارب والتوقعات على المدى القصير تنطبق نفس القيود التي تجعل من المؤسسات الاستثمارية مالكين غير ناشطين أيضاً على الأفراد المعروفين بمدراء الصناديق. ويقوم اختصاصيو الاستثمار هؤلاء بإدارة صناديق وسطاء الاستثمار، وعلى الأخص صناديق التقاعد، التي يُدار عدد قليل منها فقط داخلياً. وتقوم معظم صناديق الاستثمار المشتركة بإدارة أموالها الخاصة. وأكثر من 75 بالمئة من مدراء الصناديق تملكهم بصورة عامة وبالتساوي، صناديق الاستثمار وشركات التأمين. وتستثمر معظم شركات التأمين عادة ليس فقط أموالها الخاصة الضخمة جداً (وهي في المقام الأول أموال حملة بوالص التأمين) بل أيضاً أموال صناديق تقاعد الشركات والقطاع العام، مما يجعل منها مستثمرين مؤسساتيين مباشرين ومدراء صناديق. ويتم الاتفاق على شروط الاستثمار دائماً مع الزبائن، لكن المسؤولية الأولى تقع على عاتق مدراء الصناديق لاختيار أفضل الاستراتيجيات التي تناسب حاجات الزبائن. ولا شك في أنهم يمارسون سلطات قوية في اتخاذ قرارات الاستثمار. وكبار مدراء الصناديق والاختصاصيون هم بين الذين يتلقون أعلى الرواتب في أميركا، بحيث تتعادل مرتباتهم على الأقل مع مرتبات معظم كبار مدراء الشركات. وإدارة صناديق التقاعد الرئيسية لأكبر 500 شركة في أميركا (أكثر من 75 بالمئة من سوق الأسهم) مركزة بدرجة كبيرة بين أيدي مدراء الصناديق العشرة الرئيسيين. وهم بالتالي يتنافسون بقوة لاجتذاب شركات الأعمال الكبرى والاحتفاظ بها كزبائن، مُقلصين بالتالي وبشكل محتم مجالهم في إخضاع الهيئات الإدارية للشركات للمساءلة. إن عدم قدرة مدراء الصناديق على إخضاع الهيئات الإدارية للشركات للمساءلة، نظراً لكون الهيئات هي التي تدفع رواتبهم الأساسية مباشرةً أو غير مباشرة، تدفعهم لا محال إلى السعي وراء تنويع المجازفة عن طريق امتلاك سندات وأسهم وأوراق تجارية متنوعة بشكل كبير، وهي ردة فعل مقامر أكثر مما هي رد فعل مالك. ومما يضاعف من هذه العملية، كما ذكر سابقاً، كون زبائن مدراء الصناديق يتوقعون أن تعطي الصناديق مردوداً جيداً خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً فقط. ويبرز هذا إحدى أهم نقاط ضعف رأسمالية حملة الأسهم: عدم التناسق الخطير بين الفترات الزمنية التي يتم خلالها الحكم على مدراء الصناديق والفترات الزمنية الأطول، لِنَقلُ بعد خمس أو ست سنوات، التي قد تكون أكثر ملاءمة لمعظم المستفيدين . ومن المحتم أن تدفع الضغوط التي يمارسها الزبائن مدراء الصناديق إلى تفضيل الأسهم المتوقع أن تقدم مردوداً جيداً على المدى القصير، وهي ظاهرة دفعت الكثير من المُعلّقين إلى اعتبار مدراء الصناديق مسؤولين عما شهدته السنوات الأربع الأخيرة من ارتفاع كبير غير قائم على أساس سليم في أسعار الأسهم ثم انهيارات الأسعار. كسر الحلقة ثمة عملية مؤذية ومُدّمرة بشكل يزداد حدة هنا يصاب أداء الشركات الأفضل على المدى الطويل نتيجة لها بالأذى وتتضرر معه مصالح معظم المستثمرين. وهكذا، تكاد لا توجد أي حوافز تدفع مدراء الصناديق إلى اعتماد نظرة طويلة المدى تتناغم مع مهاراتهم المهنية، أو تدفع مدراء الشركات إلى اعتماد نظرة طويلة الأمد تتناغم مع مهارات إدارتهم الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، تنحو الهيئات الإدارية للصناديق باللوم على الهيئات الإدارية للشركات كمجموعة لوضعها تحت وطأة ضغوطات غير مرغوب فيها تتعلق بالمدى القصير، والعكس بالعكس. ويشكل كسر هذه الحلقة المفرغة أحد أهم التحديات بالنسبة لإصلاح حوكمة الشركات. يجب على الحكومات أن تؤكد، دعماً للمبدأ الأساسي القائل بأنه لا يجوز وجود سلطة بدون مساءلة، أن خلق حضور فعّال لحملة الأسهم في جميع الشركات يصب في المصلحة القومية، وأن سياسة الدولة هي مساعدة انخراط فعال للمساهمين في حوكمة الشركات المساهمة التي يملكها الناس. ويجب إنشاء مجلس على المستوى القومي لضمان تطبيق هذه السياسة من قبل جميع الوكالات والدوائر الحكومية في السلطتين التنفيذية والقضائية، وسلطات المنافسة، وأسواق الأوراق المالية، والكيانات المشابهة الأخرى المعنية بالأمر.
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر وسياسة الحكومة الأميركية.
|
|||||