eJournal USA: Economic Perspectives

خلق بيئة مستدامة للشركات

بقلم جون سليفان وجورجيا سمبونارس

Promoting Growth Through Corporate Governance

المحتويات
حول هذا العدد
إرساء أسس التنمية الاقتصادية
تعزيز الاجماع الدولي حول القوانين التنظيمية
مقاضاة جرائم الشركات
الحوكمة الشركاتية: التحديات التنموية
خلق بيئة مُستدامة للشركات
تدريب مدراء المستقبل
دواعي وجود حملة أسهم أقوياء
الحوكمة الشركاتية من منظور تجاري
حوكمة الشركات العائلية
مبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) الأساسية لحوكمة الشركات
المراجع
مصادر الإنترنت
 

 

تساعد الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، عاملة مع شريك من القطاع الخاص، البلدان لإرساء أسس الإدارة الأخلاقية في الأعمال التجارية ولتحسين الشفافية في الشركات القائمة. وقد كانت الوكالة، عن طريق جمعها بين الخبرة الدولية والمعارف المحلية، مرشداً موجهاً للمشاركين في السوق خلال عملية وضع أساليب حوكمة للشركات ويسرت التوصل إلى حلول محلية مستندة إلى المبادئ الدولية.

CIPE promotes democratic and market-oriented reform
الصورة أعلاه: مؤتمر حول الأزمة المالية في آسيا رعاه مركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE) الذي يشجع الإصلاحات الديمقراطية والرامية إلى تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد سوق حرة من خلال العمل مباشرة مع القطاع الخاص في الأسواق النامية والناشئة.

تحتل إدارة الشركات أكثر فأكثر موضعاً مركزياً في استراتيجيات التنمية العالمية. فانتشار مبادئ السوق (الحرة) في الاقتصاديات التي كانت مغلقةً قد ولّد جيلاً جديداً من أصحاب المشاريع والمستثمرين في جميع أنحاء العالم، كما ألقى مسؤوليات جديدة على الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وإذا أرادت البلدان استخدام القطاع الخاص بنجاح كمحرك للتنمية الاقتصادية، فإن عليها أن تخلق البيئات التي ترعى قيام شركات أعمال تنافسية مربحة ومدارة بصورة أخلاقية.

بعد مرور فترة قصيرة على الدعوة إلى تطبيق سريع للامركزية الاقتصادية في بلدان مثل روسيا وأوكرانيا كما وفي كل دول أوروبا الوسطى والشرقية، دخلت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في شراكة مع مركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE) حول مسائل تتعلق بالحوكمة الشركاتية أو حوكمة الشركات. ويشجع المركز الدولي المنتسب إلى غرفة التجارة الأميركية، الإصلاحات الاقتصادية الديمقراطية والموجهة للاقتصاد نحو تبني مبدأ السوق الحرة من خلال العمل مباشرة مع القطاع الخاص في الأسواق النامية والناشئة. وتقوم الطريقة المؤسساتية التي ينتهجها مركز المشروعات الدولية الخاصة إزاء الحوكمة الشركاتية على الجمع بين الخبرات الدولية والمعارف المحلية لأجل التوصل إلى وضع الآليات لتحسين الحوكمة الذاتية في الشركات.

وفي حين أنه كان يُنظر إلى الحوكمة الشركاتية الجيدة على أنها مجال يقتصر على الشركات العاملة في الدول الصناعية المتقدمة دون غيرها، إلا أن الوكالات الأميركية الحكومية والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية أصبحت تقر اليوم بأهمية الحوكمة الشركاتية (أو حوكمة الشركات) لنجاح الأسواق في عملها. ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) منظمة أخرى رائدة في وضع المعايير الدولية، وهي تضم 30 بلداً عضواً يشتركون في الالتزام بالحكم الديموقراطي واقتصاد السوق. وتقيم المنظمة علاقات نشطة مع 70 دولة ليست عضواً فيها، ومع منظمات غير حكومية، ومنظمات مجتمع مدني، ولديها برنامج عمل عالمي يشتمل على مبادئ الحوكمة الشركاتية. ويشكل كون المنظمة قد صادقت على مجموعة جديدة من مبادئ الحوكمة الشركاتية سنة 2004 دليلاً على أن شفافية الشركات تشكل قضية بالنسبة لاستمرارية أو استدامة الشركات.

قريباً في الأسواق: المعهد الروسي للمديرين

Hairline rule

بعد انهيار القطاع المصرفي الروسي سنة 1998، واجهت الشركات الروسية واقعاً جديداً في ما يخص الأعمال التجارية: إن أيام "الرأسمالية الشرقية غير المقيدة" تشرف على نهايتها. ولم تعد هشاشة المناخ الاستثماري في روسيا تتحمل بعد الآن الإساءة إلى حملة الأسهم وتجريد الشركات من أصولها، وهما الأمران اللذان اتصف بهما سلوك الشركات الروسية خلال النصف الأول من التسعينات من القرن الماضي. كان سعر الأوراق المالية الروسية التي يجري التداول بها دون قيمتها الحقيقية إلى حد كبير، كما كان لدى حَمَلَة الأسهم المشكلين للأغلبية زخم السوق الضروري لتحسين حوكمة وأداء الشركات.

وضمن سعيها لتحسين ثقة المستثمرين وتعزيز قيمة الأسهم، التزمت الشخصيات المرموقة في الأوساط التجارية والصناعية الروسية علناً بمعايير أعلى للحوكمة الشركاتية . وتمّ وضع مجموعة مبادئ وقوانين طوعية للحوكمة الشركاتية بمساعدة البنك الأوروبي لإعادة التعمير والتنمية؛ وساعدت منحة قدمتها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ومركز المشروعات الدولية الخاصة في تأسيس المعهد الروسي الجديد لمديري الشركات.

وقد انبثق المعهد من منحة قدمها مركز المشروعات الدولية الخاصة (سايب) إلى معهد سوق الأوراق المالية والإدارة (ISMM) بغية عقد دورات تدريب لأعضاء مجالس إدارة الشركات الروسية وكبار الموظفين المسؤولين عن إدارتها. ولقيت الأنماط الأولية لوحدات التدريب ترحيباً جيداً من قبل أوساط رجال الأعمال. وأدركت الشركات بسرعة أهمية تشكيل مجموعة مستقلة تقدم التدريب المستمر للشركات ولمجالس إدارتها، وتساعدها في تحديد المعايير والممارسات المقبولة في الحوكمة الشركاتية بشكل أفضل. وقد تحول المعهد، الذي شاركت في رعاية إقامته الشركات الروسية الكبرى (التي تشكل أعضاءه) والمفوضية الفدرالية الروسية للأوراق المالية، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية/مركز المشروعات الدولية الخاصة، إلى معهد يقدم كامل الخدمات لأعضاء مجالس الإدارة.

ويقدم المعهد اليوم لأعضائه تشكيلة منوّعة من خدمات الحوكمة الشركاتية، بما في ذلك تدريب أعضاء مجالس الإدارة وأمناء سر الشركات، والاحتفاظ ببنك معلومات عن أعضاء مجالس الإدارة المؤهلين وقيادة مبادرة حكومية-خاصة جديدة لتحسين الحوكمة الشركاتية.

الحوكمة الشركاتية في الاقتصادات الانتقالية

نشأت برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية الخاصة بالمساعدات التقنية في الحوكمة الشركاتية من تحوّل الاتحاد السوفياتي السابق وبلدان أوروبا الوسطى والشرقية عن النظام الاقتصادي الشيوعي المركزي إلى نظام من الملكية اللامركزية. فقد أطلق انهيار الشيوعية في أوروبا في نهاية الثمانينات من القرن الماضي موجة من جهود الخصخصة الرامية إلى نقل ملكية الصناعات التي تملكها الدولة من يد الحكومات إلى عامة الناس. ورغم أن تأكيد هذه العملية كان على مسألة الملكية، فأن مسألة قضية الإدارة على المدى الطويل تطلبت إرساء قواعد جديدة وتثقيف حملة الأسهم وأصحاب المصالح المحليين، وأعضاء مجالس الإدارة الجدد، وموظفي الإدارة في الشركة وعامة الناس، لتمكين عملية الخصخصة من المساهمة في بناء اقتصاد سليم. وكان من الضروري أن تحل قيم الشفافية والمسؤولية والمساءلة والعدالة في الحوكمة الشركاتية محل الممارسات القديمة التي استندت إلى المعاملة المميزة للأصدقاء والمحاباة (المحسوبية) والصفقات السرية. وفي الأنظمة المعروفة بضعف تطبيق القوانين، أصبح إعطاء الأولوية للتنظيم الذاتي الفعال بالغ الأهمية.

ونظراً لتوقف استقرار الأنظمة الديمقراطية الجديدة على قدرتها على تأمين نتائج اقتصادية، جدّدت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية دعمها لتطوير الحوكمة الشركاتية كجزء من برامج المساعدة الاقتصادية التي تقدمها لبلدان أوروبا الوسطى والشرقية ولبلدان الاتحاد السوفياتي السابق.

مواجهة التحديات العالمية

إن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية على استعداد لزيادة نشاطاتها الخاصة بالحوكمة الشركاتية (أو حوكمة الشركات) في الدول التي يمر اقتصادها بمرحلة انتقالية وفي الدول النامية في جميع أنحاء العالم. فالتحديات الجديدة التي تواجه التنمية والتي لها علاقة بالقدرة على التنافس عالمياً، ومبادرة مجموعة الدول الثماني الكبرى (G8) الخاصة بمناخ الأعمال، وتشجيع التجارة، ستستفيد جميعا من المعايير الأخلاقية الرفيعة في إعداد التقارير المالية والإشراف الائتماني على حقوق حملة الأسهم.

وتقر المقاربة المشتركة التي يعتمدها مركز المشروعات الدولية الخاصة (سايب) والوكالة الأميركية للتنمية الدولية بشأن إصلاح الحوكمة الشركاتية، بأن لكل منطقة مشاكلها الفريدة. وقد أرجأت دول إفريقية كثيرة تنفيذ إصلاحات اقتصادية مهمة لمعالجة الأزمات السياسية، ولم تعالج مسألة الحوكمة الشركاتية إلا خلال السنوات العشر الأخيرة. ولا يزال تحقيق التوعية الشعبية بالقضايا وضرورة خلق الثقة بين القطاعين العام والخاص يشكلان تحديات عظيمة بالنسبة لأي مبادرة تتعلق بالحوكمة الشركاتية في أفريقيا. ونأمل أن ننتقل في المستقبل من الحوار إلى برامج الحوكمة الشركاتية الممكنة التطبيق في مختلف أنحاء إفريقيا.

وفي أميركا اللاتينية، يشكل التركيز على فرض تطبيق القوانين وعلى الشركات التجارية التي تديرها العائلات، عنصراً رئيسياً في برامج الحوكمة الشركاتية. وتوجد هناك طبقة قوية من رجال الأعمال وهيكلية من المؤسسات التجارية الصغيرة والمتوسطة الحجم تحدان أحياناً كثيرة من الدور التنسيقي للوكالة الأميركية للتنمية الدولية. ففي أميركا اللاتينية، يعتمد صانعو السياسة نهجاً مباشراً في التعامل مع الحوكمة الشركاتية مما يتيح لبرامج المساعدة التركيز إلى حدّ كبير على التوعية الشعبية والتواصل مع الشعب.

أما في الشرق الأوسط، فإن زيادة وتعزيز الدعم للتحولات الديموقراطية نشاط متعدد الأوجه، وبإمكان الحوكمة الشركاتية أن تلعب دوراً أساسياً في الفصل بين الدولة والقطاع الخاص. وازدياد الوعي بالحوكمة الشركاتية ودورها في مساعدة الدول في اجتذاب الاستثمارات واكتساب القدرة التنافسية واضح في الكثير من بلدان المنطقة.

وفي آسيا، كثيراً ما يمتص الإصلاح التجاري وتنمية المشاريع التجارية معظم الموارد القليلة التي تقدمها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وفي الهند، التي تحتل مركز الصدارة في هذا الميدان، نجحت الجهود المحلية الرامية إلى تحسين الحوكمة الشركاتية والتي بذلت إثر الأزمة المالية سنة 1997، نجحت أيضاً في توفير حلول، كما يتبيّن من أعمال جمعية تطوير المؤسسات المالية في آسيا والمحيط الهادئ، التي تعمل حالياً مع مؤسسات التسليف لتعليمها كيف تؤثر ممارسات الحوكمة الجيدة، أو الافتقار إليها، على مخاطر الإقراض.

أما بالنسبة لمنطقة أوروبا وآسيا الأوروبية (أوراسيا)، فقد سعى مركز المشروعات الدولية الخاصة والوكالة الأميركية للتنمية الدولية إلى تحويل المسؤولية عن الشركات من الدولة إلى طبقة أصحاب المشاريع، وحيث لا وجود لتلك الطبقة، إلى خلق وعي عام وجمعيات للمستثمرين تمثل مصالح حملة الأسهم.

خلق أبجدية الإصلاح:
المركز المصري للدراسات الاقتصادية

Hairline rule

أدرك قادة القطاع الخاص المصري، منذ عام 1999، ضرورة معالجة الحوكمة الشركاتية كمفتاح لتحديث الشركات المصرية. وقام المركز المصري للدراسات الاقتصادية (ECES) واتحاد الصناعات المصرية، بمساعدة من مركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE)، بإدخال هذا المفهوم إلى العالم العربي، ووضعا مجموعة مفردات خاصة بالحوكمة الشركاتية (أو حوكمة الشركات) وشجعا على تبنيها.

وقد أجرى المركز المصري للدراسات الاقتصادية، على امتداد عدة سنوات، سلسلة من الدراسات حول الحوكمة الشركاتية في مصر. وفي سنة 2001، كثفت الهيئة المصرية العامة لسوق المال (ECMA) وبورصتا القاهرة والإسكندرية، بمساعدة مركز المشروعات الدولية الخاصة، النقاش حول الحوكمة الشركاتية، ونظمت مؤتمراً رئيسياً ضم أكثر من 500 من المتعاملين في السوق المصرية. ولاحظ المشاركون، بمن فيهم الوزير المصري للتجارة الخارجية، يوسف بطرس غالي، أن الحوكمة الشركاتية أو حوكمة الشركات (Corporate Governance) كمفهوم أمر جديد لدى العالم العربي ودعوا إلى تعريبه. ".(http://www.cipe.org/ publications/fs/articles/article2728.htm).

ونظم المركز المصري للدراسات الاقتصادية، بمساعدة مركز المشروعات الدولية الخاصة وبالتعاون مع كبريات جمعيات الشركات التجارية والمالية المصرية، سلسلة من ورش العمل لشرح المفاهيم الرئيسية في الحوكمة الشركاتية وكيفية تأثير التوجهات الدولية على أوساط الشركات التجارية في مصر. وأثارت ورش العمل نقاشاَ واسع المدى داخل وسائل الإعلام وبين أوساط العاملين في الشركات التجارية. وأعلن المجمع اللغوي العربي، بتشجيع من الوزير بطرس غالي، أن عبارة "الحوكمة الشركاتية" هي العبارة العربية الأفضل للمصطلح.

وفي سنة 2002، دعم مركز المشروعات الدولية الخاصة، المسح الذي قام به المركز المصري للدراسات الاقتصادية على مستوى شركات الأعمال، لبيئة الحوكمة الشركاتية. وتم الكشف عن نتائج الدراسة خلال مؤتمر دعا إلى إنشاء معهد لأعضاء مجالس الإدارة في مصر للتعجيل في إصلاح الحوكمة الشركاتية ولتدريب مجتمع الشركات التجارية على الممارسات والمبادئ المعتمدة حالياً. ويعكف اليوم المعهد المصري للمديرين، الذي يديره مجلس يمثل في معظمه جمعيات القطاع الخاص، على وضع برنامج تدريب شامل لأعضاء مجالس الإدارة.

بروز الفوائد، لكن بصورة تدريجية

على الرغم من أهمية ممارسات الحوكمة الشركاتية بالنسبة لاستقرار السوق المالية، وتشجيع الاستثمارات، والقدرة التنافسية، والنمو الاقتصادي في الأسواق الناشئة، يتم الحصول على الفوائد المتأتية عن الحوكمة الشركاتية تدريجياً. ففي روسيا وأوكرانيا، أسفرت عشر سنوات من نشاطات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في مشاريع تتعلق بتطوير المؤسسات، وتدريب مدراء الشركات والموظفين وصانعي السياسة، والمساعدات التقنية، أسفرت عن إجراءات ملموسة اتخذتها مؤسسات السوق المالية وواضعو السياسات لتحقيق تساوق الممارسات المحلية مع المعايير الدولية في المحاسبة والنشاطات المصرفية وسوق المال.

ويتطلب الجيل الأخير من نشاطات التنمية في مجالات مثل القدرة التنافسية وإصلاح أنظمة التقاعد والتجارة وتقليص الفقر وممارسات مكافحة الفساد، المساعدة في حوكمة الشركات للتأكد من أن الشركات تعمل بمسؤولية في سعيها إلى تحقيق الربح. كما أن وجود قطاعات كبيرة غير رسمية في (اقتصاد) الدول النامية يجعل أيضاً تطبيق ممارسات الإدارة الجيدة للشركات أو الحوكمة الشركاتية أمراً صعباً. وهكذا، تشير التجربة التنموية التي قامت بها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أنه لا يجوز العمل على تنمية قطاع واحد بمعزل عن القطاعات الأخرى، وأن حوكمة الشركات هي، على العكس من ذلك، واحدة من عدة أشكال من المساعدات الرامية إلى التخصيب التهجيني (إدخال ممارسات جديدة) وإلى الاستخدام الأفضل للموارد من أجل التنمية الاقتصادية وخفض مستوى الفقر.

المراحل الخمس للمبادرة المحلية

أثبتت تجربة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ومركز المشروعات الدولية الخاصة أن مجتمعات الشركات التجارية تمرّ عبر خمس مراحل في تبنّي ممارسات أكثر تشدداً في الحوكمة الشركاتية.

  • رفع مستوى الوعي: إن أحد التحديات التي واجهها المركز الدولي (CIPE) والوكالة الأميركية للتنمية الدولية في العديد من البلدان، وبنوع خاص في الشرق الأوسط، هو أن مفهوم الحوكمة الشركاتية أو حوكمة الشركات لم يكن موجوداً في اللغة المحلية. ولذا، تركزت المناقشات في الفترة الأولى على تحديد معنى التعبير وعلى محاولة تطبيقه في السياق المحلي.

    وتركزت الجهود الأولية أيضاً على جعل الأوساط التجارية والحكومات تدرك فوائد الحوكمة الشركاتية. وقد بدأت جمعية تطوير المؤسسات المالية في آسيا والمحيط الهادئ جهودها لرفع مستوى الحوكمة الشر كاتية بين المصارف الأعضاء فيها. وهي تعمل الآن مع أعضائها لتثقيفهم حول كيفية تقييم ممارسات الحوكمة الشركاتية عندما تتخذ القرارات بشأن القروض لأن تلك الممارسات تؤثر بصورة مباشرة على مستوى المجازفة بالتسليف. وكان من نتيجة تلك الجهود أن العديد من الشركات الآسيوية باتت تعي الآن كيف تؤثر عوامل حوكمة الشركات على أرباحها.

  • وضع القوانين القومية: ما أن يبرز الوعي في الأوساط التجارية في بلد ما، حتى يصبح بالإمكان بدء عملية تحديد مبادئ السلوك المحلية التي تشكل قضية في ما يتعلق بالامتثال. وغالباً ما يبدأ وضع القوانين القومية بالاعتماد على مبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية للحوكمة الشركاتية كقاعدة يتم الانطلاق منها. ومن خلال الانطلاق من مثل هذه القاعدة، تستطيع الدول تطوير مجموعات مبادئها وقوانينها الخاصة التي تعالج الواقع المحلي في ما يتعلق بالتعامل التجاري والالتزام بالمعايير الدولية، من خلال الجمع بين المدافعين عن الإصلاحات في البلدان المُضيفة الذين يمثلون المنظمات غير الحكومية، ومعاهد تعليم حوكمة الشركات والقطاع الأكاديمي ووسائل الإعلام ومؤسسات الأعمال.

    وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يعمل مركز المشروعات الدولية الخاصة، بدعم من مبادرة الشراكة (الأميركية) الشرق أوسطية (MEPI) ،مع مجموعات لتطوير معاييرها الخاصة - المعايير التي تعكس واقع هيمنة مؤسسات الأعمال التي تملكها الدولة، وانتشار الشركات العائلية، والنظام المصرفي الفريد.

    أما روسيا فقد وضعت قانونها الخاص بالحوكمة الشركاتية قبل عدة سنوات بعد أن حددت جماعات القطاع الخاص مجموعة مشتركة من المعايير وعرضتها على الحكومة. وتركز روسيا الآن على المراحل الأخيرة لعملية تطبيق الحوكمة الشركاتية-الامتثال والتدريب.

تحسين القدرة التنافسية: كونفك ماراس في كولومبيا

Hairline rule

تكون معرفة أفضل الممارسات في حوكمة الشركات محدودة أحياناً كثيرة في البلدان النامية. وفي أميركا اللاتينية، يحول انعدام هذه المعرفة دون تمكن البلدان من التنافس على المستوى العالمي أو التمكن من الاستفادة بصورة كاملة من مبادرات التجارة الحرة التي يجري التفاوض بشأنها في المنطقة. وقد بدأ مركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE) العمل مع الاتحاد الكولومبي لغرف التجارة (كونفك ماراس) سنة 2002 لأجل تعزيز الحوكمة الشركاتية، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين في البلاد وبناء أسواق مالية أقوى.

وقد استهلت كونفك ماراس برنامجها للحوكمة الشركاتية بعملية مسح للممارسات الراهنة في القطاع الخاص ومعرفة أوساطه بأفضل الممارسات. وتمّ نشر نتائج الدراسة في صحيفة اقتصادية بارزة، دينيرو، مما خلق فوراً وعياً لدى الشعب حول حجم ما يجب أن تفعله كولومبيا للحاق بالمعايير الدولية. بعدها، وضع البرنامج استراتيجية ثلاثية الشعب: تطوير معيار قومي لأفضل الممارسات ضمن القطاع الخاص، الدعوة إلى تغيير القوانين والأنظمة لتحسين حوكمة الشركات، وتدريب الصحفيين على كتابة التقارير بصورة فعالة عن تلك العملية.

وقد شاركت كونفك ماراس في مناقشات حول طاولة مستديرة نظمتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في المنطقة لوضع معيار إقليمي لأفضل الممارسات، وعملت في الوقت نفسه مع الأوساط التجارية في كولومبيا عبر نشر سلسلة من الأوراق البيضاء وعقد منتديات عامة. وكانت النتيجة زيادة ملحوظة في عدد الشركات الساعية للحصول على نصائح وتطبيق تلك المعايير الجديدة في عملياتها التجارية. ويستخدم مركز المشروعات الدولية الخاصة وكونفك ماراس نجاح هذا البرنامج لتوليد الاهتمام بتعزيز الحوكمة الشركاتية في القطاعات الخاصة في البلدان المجاورة.

ويدرك برنامج تدريب الصحافيين الذي تديره كونفك ماراس أهمية مسؤولية وسائل الإعلام كمراقب للقطاعات الأخرى. والطابع المعقد للحوكمة الشركاتية يجعل منها موضوعاً تصعب الكتابة عنه حتى قبل الأخذ بعين الاعتبار صعوبة الحصول على المعلومات الجديرة بالثقة. لذلك، يقدم برنامج كونفك ماراس تدريباً متخصصاً للصحافيين حول كيفية كتابة التقارير المرتكزة إلى حسن الاطلاع حول المواضيع الاقتصادية بشكل عام وحوكمة الشركات بشكل خاص.

  • مراقبة التطبيق: عندما يتم رسمياً تبني قانون قومي ما للحوكمة، يجب توضيح مدى تقيّد الشركات به.

    في الغرب، كانت أسواق الأوراق المالية (البورصات) تقليدياً ضامنة التقيد بالحوكمة الشركاتية من خلال متطلبات الإدراج فيها. ولكن هذه الطريقة كثيراً ما تكون غير كافية خارج الدول الغربية الصناعية. ففي الأماكن الأخرى، لا تحظى أسواق الأوراق المالية (البورصات)، حيث توجد، بحصة كبيرة مهمة من النشاطات الاقتصادية. وبموازاة إنشاء وتطوير أسواق الأوراق المالية (البورصات)، يجب إنشاء وتطوير المؤسسات الحكومية لمراقبة صناعة التعامل بالأوراق المالية.

    ويمكن لجمعيات الشركات التجارية أن تلعب دوراً هاماً في مراقبة وضبط سلوك أعضائها. كما أن لمن هم خارج الوسط التجاري مصلحة أيضاً وحصة في الفوائد المتأتية عن الحوكمة الشركاتية. ولذا، يجب أيضاً أن تنخرط مجموعات أخرى في مراقبة العملية. وعلى الصحافة هي أيضاً أن تتحمل مسؤولية رقابية.

  • التدريب على المسؤوليات الجديدة: بعد أن يتم وضع إطار للحوكمة الشركاتية،تقع مسؤوليات جديدة على عاتق المديرين التنفيذيين في الشركات التجارية، وأعضاء مجالس الإدارة، وأمناء سر الشركات، وأمثالهم. ويتعين أن يقوم قطاع الشركات التجارية بتعليم هؤلاء اللاعبين كيفية أداء أدوارهم.

    مثلاً، بعد أن تم إصدار قانون حوكمة الشركات في روسيا، نظم معهد المديرين الروسي(RID) سلسلة مُكثفة من الدورات التدريبية لكبار موظفي الشركات في مختلف أنحاء البلد. وقد تطلب هذا الأمر وضع مواد دراسية مُبتكرة وكذلك ترجمة المواد المناسبة من البلدان الأخرى، كما انطوى على تحد بـأن يتم ليس فقط غرس المعلومات في عقول المتدربين وإنما أيضاً غرس إحساس بالمسؤولية قواعد سلوك مهنية جديدة في نفوسهم.

  • إضفاء الطابع المؤسساتي على الحوكمة الشركاتية: تأتي المرحلة الأخيرة في تطور حوكمة الشركات في دولة ما عندما يتقبل الوسط التجاري تلك الحوكمة كجزء طبيعي ومفيد من القيام بالأعمال التجارية وعندما تكون المؤسسات التي تدعم التطبيق والامتثال لمبادئ الحوكمة قد أصبحت ثابتة في مكانها. وتشمل هذه المؤسسات مبادرات القطاع الخاص مثل المعاهد القومية للمديرين لتأمين الإثراء مهني مستمر، وكذلك المؤسسات الحكومية كالنظام القضائي الذي يحكم في النزاعات بالعدل.

    في روسيا، ساعدت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، في إنشاء معهد المديرين الروسي برئاسة إيغور بليكوف، وهو شخصية رائدة في حشد قطاع شركات الأعمال الروسية لوضع قانون حوكمة شركاته. وبشكل مماثل، أظهر معهد تدريب مديرين تركي بداية جيدة.

    نظرة إلى المستقبل

    من المرجح أن تصبح الصلة بين الحوكمة الشركاتية والتنمية الاقتصادية أقوى أثناء معالجة الحكومات والشركات التجارية لنتائج فضائح إنرون وورلدكوم وبارملات. وبالرغم من أن إصلاح الحوكمة الشركاتية مُكلف بالنسبة لكل من الشركات المحلية والدولية، إلا إنه يؤمن الاستدامة الطويلة الأمد ويُشّرع الباب أمام التنمية الاقتصادية الضرورية للقضاء على الفقر. وعلاوة على ذلك، يقلص المناخ السليم للشركات التجارية المخاطر ويمكن الدول من الانضمام إلى مجموعات مثل منظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي. ومن جهة أخرى، قد تسفر حوكمة الشركات عن تصنيف أعلى للاستثمار.

    وتقوم حالياً الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ومركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE) بتصميم نشاطات حوكمة شركاتية لمعالجة الطيف الواسع من القضايا المتعلقة بحوكمة الشركات. وهذه النشاطات ضرورية لقدرة الشركات على البقاء والاستمرار على المدى الطويل، ولربحيتها، واستدامتها في الدول النامية. كما تشكل الحوكمة الشركاتية أيضاً خطوة أولى في تعزيز قدرات القطاع الخاص القيادية ليس في المسائل الاقتصادية وحسب، بل وفي التطور الاجتماعي والسياسي أيضا. فالعملية التي تنتهجها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ومركز المشروعات الدولية الخاصة تعلم مهارات التوصل إلى التوافق، والاتصالات، والدفاع عن القضايا، وهي مهارات يستطيع الوسط التجاري استخدامها في مجالات أخرى. ومع مواجهة الشركات دعوات متزايدة باستمرار لتحمل "المسؤولية الاجتماعية للشركات"، يصبح البديل الأكثر قدرة على الاستدامة هو نمط من المواطنية الشركاتية يعمل فيه القطاع الخاص بشكل تفاعلي استباقي للعثور على حلول للمشاكل العامة.

    وفي حين أنه صحيح أنه قد يكون من الضروري أن تقوم الشركات بتقليص نفقاتها لزيادة قدرتها التنافسية عالميا، فأن الاستثمار في الحوكمة الشركاتية آخذ في إثبات كونه الأساس الضروري الذي يبعث على الثقة في الشركات بين المستثمرين والموظفين والمديرين، والأساس الضروري للممارسات التي تقود إلى النمو الاقتصادي المستديم.

    Promoting Growth Through Corporate Governance

    جون سليفان هو المدير التنفيذي لمركز المشروعات الدولية الخاصة. وجورجيا سمبوناريس هي اختصاصية في الأسواق المالية تعمل مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.