هناك أكثر من 1200 ملف لشركات أجنبية مُسجلة لدى مفوضية تنظيم التعامل بالأوراق المالية (SEC) الأميركية، وهي تتأثر بالتالي بالتعديلات التي طرأت وتطرأ على القانون الأميركي بما في ذلك قانون ساربينز - أوكسلي لعام 2002. ورغبة منهم في تسهيل سبيل تَقيّد هذه الشركات وغيرها بالقوانين، عكف مراقبو تطبيق القوانين التنظيمية الأميركيون على العمل مع نظرائهم الأجانب ومع الأوساط التجارية والصناعية لإزالة العوائق، والتوفيق بين الفوارق في المعايير والممارسات القومية. إن قانون ساربينز - أوكسلي هو أشمل وأهم تشريع أميركي حول الأوراق المالية من حيث تأثيره على الشركات العامة والمحاسبين المستقلين في أميركا منذ إنشاء مفوضية تنظيم التعامل بالأوراق المالية (SEC) سنة 1934. وتعالج الإصلاحات الواسعة التي تضمنها القانون مسألة الإفصاح وتقديم التقارير المالية من جانب الشركات العامة، والحوكمة الشركاتية، والإشراف على مدققي الحسابات. غير أن اللافت للنظر بنوع خاص هو الاهتمام والهواجس والجدال الذي أثاره هذا القانون خارج الولايات المتحدة. ولم يكن بإمكان أي شخص، لدى إنشاء مفوضية تنظيم التعامل بالأوراق المالية، التصور بأن إعادة النظر بقوانين الأوراق المالية الأميركية وتعديلها سوف يكون لها مثل هذا التأثير في الخارج. واليوم، تُمثل الأكثر من 1200 شركة أجنبية تقوم برفع التقارير إلى المفوضية المذكورة، حوالي 10 بالمئة من إجمالي عدد الشركات التي تقدم تقاريرها للمفوضية الأميركية. كما أن بعضاً من أسهم تلك الشركات الأجنبية هي من بين أكثر الأسهم تداولاً في الأسواق الأميركية. إن أسواق رؤوس الأموال حول العالم أصبحت اليوم متكافلة تعتمد على بعضها بعضاً أكثر من أي وقت مضى، كما أن التغيرات في القوانين القومية لها تداعياتها خارج حدود البلاد. إصلاحات ساربينز - أوكسلي يمكن بوجه عام تصنيف الإصلاحات الرئيسية التي يتضمنها قانون ساربينز - أوكسلي في ثلاث فئات. أولاً، يحتوي القانون على إصلاحات هامة تهدف إلى تحسين أداء مهنة المحاسبة وإعادة الثقة بها. فهو يُنهي التنظيم الذاتي لمهنة المحاسبة في مجال تدقيق البيانات المالية للشركات العامة. وعوضاً عن ذلك، أنشأ القانون هيئة الإشراف على حسابات الشركات العامة، وهي كيان مستقل من القطاع الخاص يخضع بدوره لإشراف مفوضية تنظيم التعامل بالأوراق المالية.
ثانياً، يوفر القانون أدوات جديدة لفرض تطبيق قوانين الأوراق المالية. وقد أصبحت مفوضية تنظيم التعامل بالأوراق المالية تستخدم تلك الأدوات لتوسيع مجال برنامجها في تطبيق القوانين. وخلال السنتين الماليتين الأخيرتين، تقدمت الوكالة بشكاوى قضائية ضد أكثر من 1300 حالة لفرض تطبيق القوانين، بينها أكثر من 370 عملية احتيال في التقارير المالية والحسابات. وقد حصلنا على أحكام بدفع غرامات واسترجاع أرباح غير شريفة يبلغ مجموعها خمسة مليارات دولار، وسعينا إلى منع أكثر من 330 مديراً تنفيذياً من الخدمة مجدّداً كمسؤولين أو كأعضاء في مجالس إدارة الشركات العامة. ثالثاً، يفرض القانون متطلبات جديدة تهدف إلى تحسين ممارسات الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالشركات العامة وممارساتها في إعداد التقارير المالية. فالأحكام التي تتعلق بتصديق الرئيس التنفيذي (CEO) والموظف المالي الرئيسي (CFO) على التقارير التي تحتوي بيانات مالية، بما فيها كفاية المراقبة وإجراءات الكشف، تهدف إلى عدم ترك أي شك حول مسؤولية كبار الإداريين عما تحتوي عليه التقارير المالية. وتدخل في عداد هذه الفئة أيضاً الأحكام التي تلقى حالياً أكبر قدر من اهتمام الشركات ومدققي الحسابات، أي الفرض على الإدارة تقديم تقرير سنوي حول رقابة الشركة الداخلية وضوابطها الخاصة بالتقارير المالية، والتدقيق في ذلك. الحدود القومية والهواجس المتعلقة بالسيادة في الوقت الذي كان فيه قانون ساربينز - أوكسلي يمثل رداً تشريعياً على الإخفاقات المالية للشركات الأميركية مثل إنرون وورلدكوم، أكدّت المشاكل المالية التي برزت إلى العلن في الشركات غير الأميركية مثل آهولد وبارمالات ورويال داتش شل وفيفندي، أن القضايا التي هدف القانون إلى معالجتها تتعدى الحدود القومية. ويعكف اليوم المشرعون ومراقبو تطبيق القوانين التنظيمية حول العالم على العمل بنشاط لتحسين الحوكمة الشركاتية أو حوكمة الشركات، والرقابة على مدققي الحسابات، وجوانب أخرى في عملية إعداد التقارير المالية. وهناك إجماع دولي يتنامى بسرعة حول العديد من الأهداف الحاسمة الأهمية، كما يبدو في البيانات الصادرة عن المنظمة الدولية لوكالات تنظيم التعامل بالأوراق المالية، حول تقديم المعلومات الحساسة عن الأسعار، ومناقشة وتحليل الإدارة للبيانات المالية، واستقلالية مدققي الحسابات، والرقابة على مدققي الحسابات. ويبذل العديد من السلطات القضائية، بما فيها بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، جهوداً لإصلاح أنظمته الخاصة بمراقبة مدققي الحسابات، كما أعلن الاتحاد الأوروبي أولويات تحسين نوعية التدقيق المحاسبي القانوني في الدول الأعضاء. وعلاوة على ذلك، فإن التعديلات التي أدخلت عام 2004 على مبادئ الحوكمة الشركاتية التي تنص عليها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية شددت التأكيد على دور مجالس الإدارة ولجان تدقيق الحسابات المستقلة في عملية إعداد التقارير المالية. ومع أن المفوضية الأميركية لتنظيم التعامل بالأوراق المالية (SEC) تشارك نظراءنا الأجانب الأهداف التنظيمية المذكورة أعلاه، فقد أدركنا منذ البداية أن بعض بنود قانون ساربينز - أوكسلي تثير تضارباً محتملاً في القوانين وهواجس تتعلق بالسيادة بالنسبة لبعض مراقبي تطبيق القوانين التنظيمية والمشاركين في السوق غير الأميركيين. وقد كان الكونغرس الأميركي واضحاً بأنه لا يجوز للقانون أن يُميّز بين الشركات المحلية والأجنبية. فلا شك في أن من حق المستثمرين الأميركيين الذي يجرون الصفقات في الأسواق الأميركية الحصول على نفس إجراءات الحماية بصرف النظر عما إذا كان مُصدر الأوراق المالية أجنبياً أو محلياً. وفي الوقت نفسه، تسلم المفوضية (SEC) بأنه ينبغي تنفيذ قوانينها التي تنطبق على غير الأميركيين المشاركين في السوق بطريقة معقولة ومتّزنة تعزز التعاون وتشجع الإجماع. وأحد أعظم التحديات التي واجهتها المفوضية في تطبيق قانون ساربينز - أوكسلي هو القيام بما كلفها الكونغرس القيام به مع مراعاة التضارب المحتمل مع القوانين والقواعد التنظيمية الأجنبية. ويشكل استعدادنا لمعالجة الهواجس الأجنبية شهادة على الأهمية التي نُعلقها على الحوار المنفتح وعلى العلاقات القوية التي تربطنا بنظرائنا غير الأميركيين.
الترتيبات الخاصة بالشركات غير الأميركية من بين أهم الإصلاحات التي يتضّمنها قانون ساربينز - أوكسلي، تلك التي تعالج دور لجنة التدقيق التابعة لمجلس الإدارة في الإشراف على المحاسبة، وتدقيق الحسابات وإعداد البيانات المالية. وتشكل المقاربة التي تعتمدها مفوضية تنظيم التعامل بالأوراق المالية في تطبيق المتطلب الخاص بلجنة تدقيق الحسابات بالنسبة للشركات المسجلة مثالاً على جهودنا الرامية إلى معالجة التضارب المحتمل وإلى التكيّف مع المتطلبات الرقابية التنظيمية المختلفة غير الأميركية. فرض القانون على المفوضية تبني قاعدة تأمر المفوضية الأميركية للتعامل بالأوراق المالية والاتحاد الأميركي للمتعاملين بالأوراق المالية بحظر تسجيل أي سندات صادرة عن أي فريق لا يمتثل لمتطلبات لجنة التدقيق التي ينص عليها القانون. وعلى جميع أعضاء لجان التدقيق في الشركات المسجلة أن يكونوا مدراء مستقلين، كما يتعين أن تكون لجان التدقيق مسؤولة مباشرة عن تعيين، ودفع أجور، والإشراف على المحاسبين المستقلين لدى الجهة التي تُصدر السندات. تشمل قوانين مفوضية تنظيم التعامل بالأوراق المالية الأميركية، التي تراعي المتطلبات القانونية غير الأميركية المتضاربة التي يثيرها المعلقون الأجانب، بعض الترتيبات المكيّفة لصالح المؤسسات الأجنبية الخاصة التي تُصدر سندات. وهذه الحلول تأخذ بعين الاعتبار برامج الحوكمة الشركاتية الأجنبية، وتحافظ في نفس الوقت على هدف القانون في ضمان كون المسؤولين عن الإشراف على مدققي حسابات شركة ما مدققين مستقلين عن الإدارة. هذه الترتيبات هي:
ولا يعتقد بعض المراقبين أن المفوضية (SEC) قد اتخذت خطوات كافية لمراعاة أوضاع المشاركين في الأسواق غير الأميركية، وقد دعوا إلى منح بعض الإعفاءات التي تقوم على مبادئ الاعتراف المتبادل. ونحن نحترم طبعاً وجهات النظر هذه لكننا نعتقد أن لدى المفوضية، مثلها مثل أي مراقب تنظيمي قومي آخر لتطبيق القوانين التنظيمية، الحق الكامل في تحديد الأحكام والشروط التي تستطيع بموجبها الشركات وممثلوها الوصول إلى المستثمرين الخاضعين لسلطانها القضائي. ويكمن التحدي الحقيقي في القيام بذلك بطريقة معقولة وعلى أساس عادل يعزز التقبل الدولي. التحديات التي تواجه الشركات الأجنبية رغم أن قانون ساربينز - أوكسلي لا ينص على استثناء المؤسسات الأجنبية الخاصة التي تصدر الأسهم، ستبقى مفوضية (SEC) واعية للحاجة إلى التكيّف مع الهيكليات والمتطلبات الأجنبية الفريدة. فالعديد من الشركات غير الأميركية ومدققي حساباتها يعملون جاهدين في الوقت الحاضر وهم في طريقهم إلى استكمال الإجراءات الشكلية الضرورية لتقديم التقارير عن نشاطات المراقبة الداخلية. ونحن نقر بأن أحكام الكشف عن إجراءات المراقبة الداخلية التي تضمنها القانون هي الأصعب والأكثر كلفة في التطبيق. غير أن هذه الإجراءات الشكلية، إذا ما تم النجاح في وضعها كما يجب، هي التي قد يكون لها تأثير يفوق على المدى البعيد تأثير جميع الإصلاحات الأخرى التي تضمنها القانون في مجال تحسين دقة وموثوقية البيانات المالية. لكن هذه الإصلاحات تتطلب في بعض الحالات، بالنسبة للشركات غير الأميركية، إعادة تفكير جديّة ببيئة المراقبة. وهذا هو أحد الأسباب التي دفعت الوكالة إلى تمديد مهلة التقيد بالقانون، بالنسبة للشركات غير الأميركية، إلى سنوات مالية تنتهي بحلول الخامس عشر من تموز/يوليو 2005 أو ما بعد ذلك. وقد اتخذت المفوضية في ما بعد خطوات لمنح مزيد من الوقت لبعض الشركات الأميركية التي لديها رأس مال من السوق غير مرتبط بأي مؤسسة أخرى يقل عن 700 مليون دولار لكي تتقيد بالقانون. وننوي أن نكون مُتفهمّين عند معالجة متطلبات المؤسسات غير الأميركية. ولعل الأهم من أي أمر آخر هو أن العديد من الشركات في الخارج، وعلى الأخص في أوروبا، ستواجه تحديات إضافية في المدى القريب تتعدى التحديات التي تواجهها الشركات الأميركية وهي تتبنى معايير دولية خاصة بتقديم البيانات المالية لأول مرة سنة 2005. وقد اقترحت المفوضية، لمعالجة تلك الأعباء، إدخال بعض التعديلات على متطلباتنا الخاصة بتقديم البيانات المالية من شأنها أن تسهّل تحوّل مؤسسات إصدار الأسهم الخاصة الأجنبية إلى المعايير الدولية للتقارير المالية (IFRS). وسوف نواصل رصد التقدم في هذه الميادين. ونحن على استعداد للتواصل والمشاركة في حوار مفتوح لمعالجة الهواجس المتعلقة بكل من المراقبة الداخلية وتطبيق المعايير الدولية للتقارير المالية. توسيع مجتمع حملة الأسهم تُشكّل قوانيننا التنظيمية للأسواق الأميركية والقوانين التنظيمية لأسواق نظرائنا جزءاً لا يتجزأ من قضية أوسع: انضمام الملايين من الناس في جميع أرجاء العالم إلى ما يُسمّى "مجتمع حملة الأسهم". وهناك اليوم أكثر من 13 مليون أسرة في الهند مستثمرة مباشرة في أسهم دين وأسهم عادية، ويعتقد أن هناك حوالي 60 مليون مستثمر في أسهم عادية في الصين. ويخلق امتلاك الأسهم فرصاً جديدة لجمع المدخرات والثروة ولاستخدام الرساميل في المشاريع التجارية التي تُشكّل عصب النمو الاقتصادي. ويجب أن تكون القضية الأساسية بالنسبة لأي فرد متعامل في الأسواق المالية، بصرف النظر عن الشركات أو البلدان، الحفاظ على معايير رفيعة تعزز الثقة. فالمستثمرون قادرون على نقل الرساميل - وينقلونها - حول الكرة الأرضية بضربات قليلة على الكومبيوتر. ورؤوس الأموال تهرب من البيئات غير المستقرة أو التي لا يمكن التكهن بما سيحدث فيها، سواء كان ذلك نتيجة إهمال في الحوكمة الشركاتية أو معايير محاسبة غير مجدية أو انعدام الشفافية. يجب أن يكون المستثمرون قادرين على أن يروا بأنفسهم أن الشركات تقوم بواجباتها وأنها تتبنى روح جميع المتطلبات الخاصة بالأوراق المالية والحوكمة. إن إحدى أقصى الأولويات بالنسبة للولايات المتحدة وبالنسبة لمفوضية (SEC) هي المساعدة في تعزيز نمو أسواق رؤوس الأموال والمكاسب المتعددة التي تنجم عن وجود الأسواق الديناميكية والحوكمة المستنيرة للشركات. وتساعد هذه المكاسب في خفض كلفة الرساميل وتؤمن قاعدة انطلاق أكثر استقراراً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل. وتولد هذه الظروف بدورها الازدهار وتخلق الفرص أمام المستثمرين للحصول على مردود أعلى. والتقبل الواسع النطاق لهذه القيم هو وحده القادر على تمكين أسواق رؤوس الأموال الأميركية من المحافظة على مكانتها الملائمة كمولّد للازدهار في الولايات المتحدة وفي أنحاء العالم أجمع.
|
||||||