مبادئ الحكم الرشيد

بقلم بولا دوبريانسكي،
وكيلة وزارة الخارجية للشؤون العالمية

thin blue rule

تقول بولا دوبريانسكي، وكيلة وزارة الخارجية للشؤون العالمية، " لا يمكن للتنمية أن تزدهر حيث لا يستطيع الناس التعبير عن آرائهم وإسماع أصواتهم، وحيث لا تحترم حقوق الإنسان، ولا تتدفق المعلومات، وحيث يكون المجتمع المدني والسلطة القضائية ضعيفين". وتحدد دوبريانسكي خمسة مبادئ أساسية للحكم الرشيد ستعتمدها حكومة الرئيس بوش لتحديد الدول التي ستعتبر مستوفية لشروط تلقي مساعدات التنمية وفقاً لصندوق تحدي الألفية: انتخابات حرة ونزيهة؛ وسلطة قضائية مستقلة وحكم القانون؛ وحرية الصحافة والتعبير عن الرأي؛ وانعدام الفساد؛ واستثمار الحكومة المال في الخدمات الاجتماعية الأساسية. وهي ترى أن هذه المبادئ تشكل أسس الديمقراطية الحديثة وتخلق الدعامة الأساسية لإقامة أسواق لرؤوس الأموال وحفز الاستثمار الأجنبي والمحلي.

لقد أعلن الرئيس جورج دبليو. بوش، في مونتيري بالمكسيك في شهرآذار/مارس 2002، هدفه بزيادة مساعدات التنمية الأميركية للدول الأجنبية بنسبة 50 بالمئة خلال السنوات الثلاث القادمة، وهي زيادة سنوية قدرها خمسة آلاف مليون دولار على مستويات التمويل الحالية، وتحسين فعالية هذه المساعدات. ولما كانت السياسات السليمة شرطا أساسيا من شروط التنمية، فإن الأموال الجديدة ستحفظ في صندوق تحدي الألفية وستوزع على الدول التي، حسب تعبير الرئيس بوش،" تحكم بعدالة وتستثمر في شعوبها وتشجع الحرية الاقتصادية". وستقوم شركة جديدة هي شركة تحدي الألفية باستخدام مؤشرات أداء معينة لتحديد الدول التي تنطبق عليها هذه المعايير. ومن المؤشرات الحاسمة وجود دليل على أن الدولة تمارس الحكم الرشيد والعادل.

لقد دأبت السياسة الخارجية الأميركية على الدوام على تشجيع مبادئ الحكم الرشيد، وتعزز مبادرة الرئيس بوش الجديدة هذا النهج. وقد دعمت الولايات المتحدة وشجعت الدول، عن طريق المساعدات المالية والمشاريع التعاونية والحوار الدولي، على تطبيق سياساتها وتشكيل حكوماتها بحيث يسمح بازدهار الكرامة الإنسانية والحرية. وتعود بعض مبادئ الحكم الرشيد التي تدعمها الولايات المتحدة إلى عهود اليونان القديمة. في حين أن بعضها الآخر مبادئ طورت في عصور أقرب عهدا، أو أنها دروس استخلصت من تاريخ الولايات المتحدة نفسها ومن تاريخ غيرها من الدول.

ويمكن القول بشكل عام إن الحكم الرشيد يشجع حقوق الإنسان الأساسية والعالمية الشمولية. وبما أن الولايات المتحدة تؤمن بأن السلطة السياسية تكمن في يد الشعب فإن صندوق تحدي الألفية موجه نحو دعم مبادئ الحكم التي تسمح لأفراد الشعب بممارسة حياتهم في مجتمع عادل ومنصف وديمقراطي. إننا نريد أن نوفر للدول النامية الأدوات التي تحتاج إليها لتعليم مواطنيها وللمشاركة في الفرص التي يتيحها الاقتصاد العالمي. إننا نعمل على استئصال الفساد وخلق احترام متجدد لحقوق الإنسان ولحقوق الملكية.

ولعل المبدأ الأكثر أساسية وأهمية بين مبادئ الحكم الرشيد هو كون مؤسسات الدولة السياسية ديمقراطية. وكما قال إيبراهام لنكولن، أحد أعظم الرؤساء الأميركيين، إن الديمقراطية نظام حكومة " من الشعب وبالشعب وللشعب". وهذا يعني أنه يمكن تطبيق حقوق ومبادئ الحكومة الديمقراطية على الجميع بشكل شمولي، ويجب القيام بذلك. فهي ليست اختراعا مقتصرا على الولايات المتحدة. بل إن حق كل شخص في أن يعبر بحرية عن رأيه في حكومته حق إنساني أساسي، وهو حق ينشأ من قيمة كل فرد كإنسان، كما اعترفت بذلك الدول في جميع أنحاء العالم.

انتخابات حرة ونزيهة
يقتضي الحكم الرشيد وجود حقوق وإجراءات حماية قانونية كشرط للديمقراطية الناجحة في تأدية مهمتها. ومن مؤشرات التأهل لصندوق تحدي الألفية التزام دولة ما بحقوق مواطنيها السياسية. ومن الأمور الحاسمة بهذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر، أن تكون انتخابات الدولة حرة ونزيهة. وهذا يعني أن يكون لدى الناخبين خيار بين المرشحين وأن يكون لديهم الحق في الحصول على المعلومات المتعلقة بالبرامج السياسية لأولئك المرشحين.

وتكون الانتخابات الحرة والنزيهة شفافة مفتوحة أمام مشاركة جميع الناس دون تمييز على أساس الجنس أو العرق أو الإثنية وغير مقيدة بالإكراه أو التدخل الحكومي. كما أنها تخلق الأساس لمزيد من الاستثمار المحلي وتحد من هروب رأس المال إلى الخارج. ويجب ضمان حق الانتخابات الحرة والنزيهة بوسائل حماية دستورية أو قانونية مناسبة، إذ لا يمكن اعتبار الحكومات مسؤولة أمام مواطنيها إلا بانتخابات لا غش فيها. ويجب أن يكون الناخبون قادرين على المشاركة بحرية في العملية السياسية، سواء عن طريق الأحزاب السياسية أو المنظمات المدنية. غير أن الانتخابات ليست حجر الزاوية أو الأساس الوحيد للديمقراطية. فالقيادات الخاضعة للمساءلة والمحاسبة وتحقيق إرادة الشعب من الأمور الأساسية لضمان كون الانتخابات وسيلة للوصول إلى مجتمع ديمقراطي لا غاية بحد ذاتها.

سلطة قضائية مستقلة وحكم القانون
من مبادئ الحكم الديمقراطي العادل الأخرى وجود قيود دستورية تحد من نطاق سلطة الحكومة. وتشتمل مثل هذه القيود على انتخابات دورية وضمانات لحقوق الإنسان وسلطة قضائية مستقلة تسمح للمواطنين بالسعي لصيانة حقوقهم وإنصافهم من إجراءات حكومية. وتساعد هذه الحدود أو القيود الدستورية على جعل السلطات الحكومية المختلفة (من تنفيذية وتشريعية وقضائية) مسؤولة تجاه بعضها البعض وتجاه الشعب. ويعد الخضوع للمساءلة والمحاسبة عاملا آخر سيؤخذ بعين الاعتبار ضمن تقرير ما إذا كانت دولة ما تمارس الحكم الرشيد لتحديد ما إذا كانت مؤهلة لصندوق تحدي الألفية.

إن السلطة القضائية المستقلة مهمة للحفاظ على حكم القانون، وهي مبدأ آخر للحكم الرشيد وأحد معايير صندوق تحدي الألفية. ويتطلب ضمان تطبيق القوانين في الدولة بصورة مستمرة وعادلة أكثر من مجرد وجود محاكم قوية. ويجب على جميع السلطات في الحكومة أن تكون مقيدة بالقانون بملء إرادتها. كما أن حكم القانون هو الأساس لتأسيس الأعمال التجارية وإقامة أسواق رؤوس الأموال التي تدعم التنمية الاقتصادية. ويجب أن يشترك المواطنون أو ممثلوهم المنتخبون في جميع مستويات عملية سن القوانين. فالمشاركة في هذه العملية تعطي الناس مصلحة في القانون وثقة في أن القانون سيحفظ حقوقهم الشخصية والملكية.

ولا يكفي مجرد تطبيق القانون، بل يجب أيضاً أن يطبق بعدل وبدون تمييز. ويعني الحكم الرشيد حصانات للنساء والأقليات مماثلة لحصانات الآخرين والوصول بحرية وإنصاف إلى الأنظمة القضائية والإدارية. ويجب عدم حرمان المواطنين من الحقوق السياسية والمدنية بسبب جنسهم أو عرقهم أو إثنيتهم. ويجب عدم فتح محاكم الدولة أمام فئة مختارة فقط. كما يجب أن تسمح الوكالات الحكومية باستئناف القوانين وبمشاركة المواطنين في عملياتها الخاصة بصنع القرارات، ويجب أن يمنح المواطنون حق الوصول إلى هذه الوكالات بطريقة سهلة ومواتية زمنيا.

حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة
لا بد للمجتمع العادل والديمقراطي، لكي يعمل بالشكل الصحيح، أن يتمتع بالتبادل الحر للمعلومات والأفكار. ويتحقق ذلك على خير وجه عن طريق إقامة صحافة حرة ومفتوحة والسماح بحرية الكلام والتعبير عن الرأي التي تشكل جزءا من معايير التأهيل لصندوق تحدي الألفية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات المدنية. فالصحافة الحرة تزود الناخبين بالمعلومات التي يحتاجون إليها لاتخاذ قرارات مستنيرة.كما أنها تسهّل تبادل الخطاب السياسي، خالقة "سوقاً للأفكار" لا يقيد فيها أي رأي ويتم اختيار الأفضل. ويمكن للصحافة الحرة أيضا أن تكون بمثابة ضابط لسلطة الحكومة ضامنة بقاء المسؤولين الحكوميين والمؤسسات خاضعين لمساءلة ومحاسبة الناخبين. كما أن قدرة وسائل الإعلام على نشر المعلومات عن النشاطات التجارية والاقتصاد مهمة للحفاظ على ثقة الشعب في الأسواق ولاجتذاب الاستثمار الأجنبي والمحلي. ويعد حق الصحافة في حرية النشر والتعليق والانتقاد وإطلاع الناس على المعلومات مبدأ أساسيا من مبادئ الديمقراطية.

محاربة الفساد
كما يعني الحكم الرشيد انعدام الفساد، ولن تكون الدول مؤهلة للحصول على مساعدات صندوق تحدي الألفية إن كانت تتصف بالفساد. وللحفاظ على استقامة الديمقراطية، يتعين على الحكومات أن تناضل لتخليص نفسها من الرشاوى وابتزاز المال. فالفساد يلحق الضرر بالتنمية الاقتصادية والإصلاح ويعرقل قدرة الدول النامية على جذب الاستثمارات الأجنبية ويعيق نمو المؤسسات الديمقراطية ويركز السلطة في أيدي القلة. وأفضل وسيلة لمحاربة الفساد هي أن تكون الحكومات منفتحة وشفافة. ورغم أنه تقع على كاهل الحكومات في حالات معينة مسؤولية الحفاظ على السرية والخصوصية، فإن على الحكومات الديمقراطية أن تكون متحسسة لحق المواطن في المعرفة. وتثبت القوانين الصارمة ضد الفساد ووجود وكالات لتطبيق القانون تعمل ضد الفساد التزام الحكومة بهذا المبدأ.

الاستثمار في الشعب
وأخيرا فإن الحكم الرشيد يقتضي من الحكومات أن تستثمر في شعوبها وأن تعمل على المحافظة على رفاهة وخير مواطنيها دون أي اعتبار للجنس أو العرق أو الانتماء الإثني. وعلى الحكومات أن تكرس مواردها للرعاية الصحية والتعليم ومحاربة الفقر. وعليها أن تناضل لخلق بيئة اقتصادية يمكن للناس أن يعثروا على الأعمال فيها وأن ينشئوا المؤسسات التجارية والصناعية. ويأخذ صندوق تحدي الألفية بعين الاعتبار، قدرة الحكومة على توفير أسباب العيش لشعبها، علاوة على معايير أخرى، عند تحديد مدى فعالية الحكومة. وتتحمل الحكومات أيضا واجب حماية مواطنيها من العنف الإجرامي، وخاصة ممارسة الاتجار بالأشخاص. وتتعرض النساء والفتيات الصغيرات السن أكثر من غيرهن لهذه التجارة غير الشرعية التي لا يمكن وقفها إلا عن طريق الكد في تطبيق القانون باجتهاد.

خاتمة
إن ممارسة مبادئ الحكم الرشيد العادل هذه تؤدي إلى مجتمع حر ومنفتح يستطيع الناس أن يسعوا فيه لتحقيق آمالهم وأحلامهم. وسيسهّل هذا خلق اقتصادات قوية ومنفتحة يثق فيها المستثمرون والمؤسسات المالية. ولا يمكن للتنمية أن تزدهر حيث لا يستطيع الناس إسماع أصواتهم والتعبير عن آرائهم وحيث لا تحترم حقوق الإنسان ولا تتدفق المعلومات وحيث يكون المجتمع المدني والسلطة القضائية ضعيفين. وقد أدرك برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة والبنك الدولي، من بين مؤسسات أخرى، أن مساعدات التنمية التي تركز على الحكم الاقتصادي على حساب الحكم الديمقراطي تمنى بالفشل. والأرقام دليل على ذلك: إن 42 من بين أعلى 49 دولة في قائمة التنمية الإنسانية في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية هي دول ديمقراطية. وتتمتع جميع أغنى دول العالم، باستثناء دولتين فقط، بأكثر الأنظمة ديمقراطية في العالم.

وتأمل أميركا في أن يؤدي تشجيع الحكم الرشيد في سياستنا الخارجية، وخاصة عن طريق صندوق تحدي الألفية،إلى تحسين ظروف حياة المواطنين في سائر أنحاء العالم عن طريق إقامة دول ديمقراطية قوية ذات اقتصادات مزدهرة ومستويات معيشة أفضل.

إن الأميركيين يقدرون الحريات والفرص التي يتمتعون بها حق قدرها ويؤمنون بأن المبادئ التي تشكل الأساس الذي ترتكز إليه مؤسساتنا الديمقراطية ومجتمعنا المدني النابض بالحياة هي أفضل وسيلة لتحقيق النمو الاقتصادي المستديم. وتجمع مبادرة الرئيس الخاصة بصندوق تحدي الألفية بين التزام الدول النامية ذات الحكم الرشيد والتزام الولايات المتحدة بدعم جهودها الإصلاحية والمساعدة في تحقيق أحلام الشعوب المحبة للحرية في جميع أنحاء العالم.

thin blue rule

الى أعلى الصفحة | المحتويات  |   مواقف اقتصادية - آذار/مارس، 2003

المجلات الإلكترونية:   باللغة الإنجليزية  |   باللغة العربية    |    الصفحة الرئيسية العربية