|
صندوق تحدي الألفية يشجع السياسات الاقتصادية السليمة
بقلم ِي. آنثوني وين،
لقد أعاد الرئيس بوش، عند الإعلان عن مبادرة صندوق تحدي الألفية في شهر آذار/مارس الماضي، تأكيد التزام الولايات المتحدة بجلب الأمل والفرص لأفقر شعوب العالم ودعا إلى ميثاق جديد للتنمية تحدد معالمه محاسبة أكبر للدول الغنية والفقيرة على حد سواء على مسؤوليتها. وستقوم الولايات المتحدة، لتنفيذ ما يترتب علينا بموجب الميثاق، وبموافقة الكونغرس، بزيادة مساعدات التنمية الأساسية التي تقدمها بمقدار خمسة آلاف مليون دولار عن طريق صندوق تحدي الألفية - أي بزيادة قدرها 50 بالمئة - خلال السنوات الثلاث القادمة. وقد قدّم الرئيس هذا البرنامج الجديد للكونغرس لإجازة الأموال اللازمة واعتمادها. وقال إن هذه الأموال "ستكرس لمشاريع في الدول التي تحكم بعدالة، وتستثمر في شعوبها، وتشجع الحرية الاقتصادية". وتتحدى هذه المبادرة، التي أُطلق عليها اسم يليق بها، الدول الصناعية والنامية على العمل معا كشركاء حقيقيين لإقامة نموذج جديد للتنمية الاقتصادية يرتكز إلى تحقيق النتائج. وهي تهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشاكل إرباكاً وتحييراً في عصرنا، أي كيف يمكن دعم التحسينات الدائمة في مستويات المعيشة والتقليل من الفقر في أفقر دول العالم النامي.
توفير الحوافز وطلب النتائج
إننا ندرك أن المعونة وحدها لا تستطيع أن تؤدي إلى نمو اقتصادي مستمر. وتملك معظم دول العالم النامي بالفعل مصادر ثروات كبيرة مهمة يمكن حشدها لتشجيع تنميتها الاقتصادية. غير أنه يتعين بقاء الثروة داخل البلد، كي تتمكن الدولة من البناء على ثروتها وتعزيزها. ويتعين على الدول، لتحقيق ذلك، أن تجذب رأس المال وأن تطبق حوافز اقتصادية تثني رأس المال عن الهروب إلى الخارج. فمثلا، تقدر موجودات الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء (وتعرف أيضاً بدول إفريقيا السوداء) في الخارج بأكثر من مجمل ديونها الخارجية، مما يشكل مؤشراً أكيداً على هروب رؤوس الأموال. وسيشجع صندوق تحدي الألفية على إيجاد مناخ استثمار سليم يمكنه أن يساعد على إعادة بعض هذه الأموال إلى إفريقيا. إن تدفق المال الناجم عن التجارة والاستثمار يفوق بكثير مبلغ الخمسة آلاف مليون دولار الذي يرصده صندوق تحدي الألفية والخمسين ألف مليون دولار التي تقدمها جميع الدول المانحة من مساعدات تنمية حكومية كل عام. فقد صدّرت الدول النامية قرابة 2 تريليون دولار من السلع والخدمات في العام 2001. وتتراوح قيمة الأموال المتدفقة عبر الاستثمار الأجنبي إلى الدول النامية وفيما بينها ما بين 180 و 200 ألف مليون دولار سنويا.أما أكبر مصدر لرؤوس الأموال في الدول النامية فهو، بالطبع، الأشخاص الجادون على العمل في تلك الدول نفسها، الذين ينتجون سلعا وخدمات تقدر قيمتها بأكثر من 6 تريليونات دولار سنوياً وادخارات تزيد قيمتها على تريليون دولار. وسوف يوفر صندوق تحدي الألفية حوافز ودعما عمليا لتشجيع السياسات الاقتصادية السليمة وتعزيز القدرة التي تحتاج إليها الدول النامية لاستغلال موارد تمويل التنمية هذه، الأضخم بكثير (من المساعدات والتجارة)، بشكل مثمر.
تشجيع الحرية الاقتصادية
وسيتعين على كل دولة مرشحة للاستفادة من صندوق تحدي الألفية أن تشجع الحرية الاقتصادية عن طريق توجيه رشيد للاقتصاد الشامل وجهاز تنظيمي فعال ونظام تجاري منفتح ومناخ سليم يلائم الاستثمار في المشاريع التجارية والاقتصادية. وسوف يقوم صندوق تحدي الألفية عندئذ بمساعدة الدول المؤهلة على زيادة نموها الاقتصادي عن طريق تقديم المنح المالية في المجالات المشجعة للإنتاجية كالتنمية الزراعية والمشاريع الخاصة وبناء القدرة التجارية والاستثمارية والاستثمار في قطاعي الصحة والتعليم. التوجيه الرشيد للاقتصاد الشامل: تساعد الحكومات في تهيئة الأوضاع للتنمية الاقتصادية الدائمة عن طريق السياسات الاقتصادية الشاملة. ويدرك صندوق تحدي الألفية ذلك وسيقيم الدول المحتملة للاستفادة من الصندوق على أساس مؤشرين لسلامة الاقتصاد ككل. وسيقدم اعتمادات للدول التي يقل معدل التضخم فيها، استنادا إلى بيانات صندوق النقد الدولي، عن 20 بالمئة، والتي يقل العجز في ميزانياتها على مدى ثلاث سنوات عن العجز في ميزانيات معظم الدول المماثلة لها. وتوفر الدول المتلقية لمساعدات صندوق تحدي الألفية بيئة اقتصادية مساندة لقطاعاتها الخاصة عبر سياسات نقدية ومالية حكيمة. ويقلل التبصر والحذر في هذين المجالين من المجازفة النقدية (مخاطر تقلب قيمة العملات) ويساعد على جذب الاستثمار الأجنبي ويسمح للمشاريع التجارية المحلية بالقيام باستثمارات طويلة الأمد. وتكاد لا توجد أي أمثلة على تحقيق دول تعاني من التضخم المرتفع المتواصل لتنمية اقتصادية طويلة الأمد، في حين أن هناك أمثلة كثيرة على اقتصادات وقعت ضحية للتضخم المفرط. ويلحق التضخم الضرر بنسبة أكبر بين الفقراء الأقل قدرة على حماية موجوداتهم. يضاف إلى ذلك أن عدم اليقين الناتج عن التضخم يعوق إبرام العقود المالية الطويلة الأمد. وتؤكد هذه المخاطر على زيادة الحذر الواجب على السلطات النقدية اعتماده في مجالات فتح الاعتمادات المحلية وطبع الأوراق النقدية لتجنب معدلات الفائدة المرتفعة جدا وهروب رؤوس الأموال الضرورية جداً للتنمية. كما أن إدارة السياسة المالية السليمة جزء أساسي من بيئة مواتية تعزز الدخل وجميع أنواع النشاط الاقتصادي المولّد للوظائف وفرص العمل. وتعكس العناصر الأساسية للتوجيه المالي الرشيد الشفافية والمساءلة والمحاسبة. وهي تبدأ بالإدارة النزيهة للأموال العامة عن طريق عملية ميزانية شفافة - إذ لا بد للنفقات أن تكون خاضعة للتدقيق العام وللمساءلة والمحاسبة. ذلك أنه يمكن للعجز في الميزانية الحكومية أن يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفائدة مما "يضيّق الفرص" أمام مشاريع الاستثمار في القطاع الخاص. كما أن العجز المرتفع كثيرا ما يدفع حكومات الدول النامية إلى الضغط على المؤسسات المالية لشراء الدين الحكومي، مما قد يضعف استقرار النظام المالي. وتكون سياسات الحكومة مواتية للنمو حين يكون تحكمها في الاقتصاد محدوداً وحين تدع السوق الحرة تزدهر بقيامها بدورها الأساسي، وهو الإشارة إلى الكيفية التي ينبغي أن يتم فيها توزيع الموارد. نظام تنظيم عادل وشفاف: سيقوم صندوق تحدي الألفية بمقارنة البيئة التنظيمية للمشاريع التجارية في الدول المرشحة للصندوق بمعاينة مؤشر معهد البنك الدولي للنوعية التنظيمية. ويمكن لنظام تنظيمي مفرط الإرهاق، وخاصة نظام يطبق بشكل استبدادي اعتباطي، أن يشجع على الفساد. كما أنه يمكن أن يشجع الشركات على المحافظة على حجمها الصغير لتجنب التنظيم، مما يقلص قدرتها على الاستفادة من اقتصاد الإنتاج الكبير ويضعف قاعدة البلاد الضريبية. وفي حين أن وجود نظام تنظيمي فعال وعادل أمر أساسي لا غنى عنه فإن صندوق تحدي الألفية يشجع الدول على الحد من التنظيم والتدخل الحكومي الذي قد يلحق الضرر بفرص النمو الاقتصادي. فالمشاريع التجارية الجديدة تزدهر حين لا يحتاج الحصول على الموافقة اللازمة من الوكالات الحكومية التنظيمية إلا إلى أيام، لا إلى أشهر. وسيقوم صندوق تحدي الألفية، لهذا السبب بالذات، بمعاينة المؤشر البسيط من البنك الدولي الذي يحمل عنوان "أيام لبدء المشاريع التجارية"، وهو أيضا مؤشر لفاعلية التنظيم والالتزام بالحريات الاقتصادية. نظام تجاري حر: تظهر الخبرة أن فتح الأسواق وتوسيع التجارة والاستثمار يمكن أن يعجلا وتيرة النمو. وتطلق الأسواق الحرة وحرية ممارسة التجارة عنان الإبداع والبراعات، وتضاعف الفرص الاقتصادية، وتولد دورات استثمار ونمواً مستديماً بقدراته الذاتية. وقد ساعدت التجارة دولا متباينة بتباين سنغافورة وتشيلي على إيجاد فرص اقتصادية للملاين من مواطنيها. ويتطلع صندوق تحدي الألفية إلى دليل السياسة التجارية الخاص بمؤسسة هيريتيج للأبحاث لقياس الانفتاح التجاري لدولة ما. ولا تقيد الحدود الجغرافية روح المغامرة التجارية عند اكتشافها السوق الحرة واشتراكها فيها، بل هي تنطلق مبدعة ، ممهدة الطريق للنمو الاقتصادي ولتخفيف حدة الفقر. وقد رأينا أن الدول الفقيرة جدا يمكن أن تستعمل التجارة كمنطلق نحو التقدم. إلا أن دولا كثيرة لم تحصد بعد الفوائد الكاملة للتجارة الحرة. ومع أن الدول المحدودة والمتوسطة الدخل صدّرت ما بلغت قيمته حوالى 2 تريليون دولار في العام الماضي، فإن من شأن زيادة تحرير تجارتها أن تزيد صادراتها بشكل كبير، فتزيد بالتالي إمكانيات نموها. وتهدف دورة التنمية في الدوحة، التي تعقد تحت إشراف منظمة التجارة العالمية، إلى إزالة أو تقليص الحواجز التجارية في جميع أنحاء العالم وسوف تتيح للدول النامية فرصا جديدة ضخمة للتبادل التجاري مع بعضها البعض ومع الدول الصناعية المتقدمة. ومن المجالات التي سينصب التركيز عليها في دورة الدوحة العمل مع دول العالم النامي للتأكد من أنها قادرة على المشاركة مشاركة كاملة في نظام التجارة العالمي لتوسيع تجارتها في السلع الزراعية من أجل تحقيق تكامل نظامها الغذائي والتخفيف من المجاعات. وتبرز الولايات المتحدة كزعيم تجاري قوي، إذ تصّدر وتستورد ما قيمته أكثر من 450 ألف مليون دولار من المنتجات من الدول النامية كل عام. ويشكل ذلك أكثر من ثمانية أضعاف القيمة التي تتلقاها هذه الدول من المعونة من جميع المصادر. وسوف نعمل مع الحكومات المتلقية لمساعدات صندوق تحدي الألفية على تحقيق زيادة انفتاحها على التجارة واغتنام فرص تجارية إضافية وجني مكاسب النمو. مناخ سليم للاستثمار في المشاريع التجارية: إن الاستثمار المثمر عنصر أساسي للتنمية. وسوف تتدفق أموال التنمية من صندوق تحدي الألفية نحو الدول التي توجد بيئة تجارية إيجابية للاستثمار المحلي والأجنبي. وبما أن الاستثمار الأجنبي المباشر لا يجلب رؤوس الأموال فحسب، بل ويمكن أن يجلب أيضا الإدارة الماهرة والتكنولوجيا الجديدة والممارسات البيئية الجيدة ومعرفة الأسواق الأجنبية، فهو يعد وسيلة قيمة على نحو استثنائي للتنمية. وتثبت البراهين التي أفرزتها الأبحاث أن كل دولار من المعونة الخارجية يستقطب دولارين من الاستثمار الخاص في الأماكن التي يوجد فيها حكم رشيد وسياسات اقتصادية سليمة. ولكي تكون المشاريع التجارية قابلة للتطبيق والاستمرار - سواء كانت أجنبية أو محلية أو مشاريع مشتركة الأصل - يجب أن تكون البيئة التنظيمية التي تضعها الحكومة المضيفة مشجعة على عملها بشكل مربح. وهناك حوافز كثيرة لقيام المشاريع التجارية الأجنبية والمحلية بالاستثمار في الدول النامية. فأسواق العالم النامي تنمو بشكل مطرد كما أن قوتها العاملة ليست مستخدمة بما فيه الكفاية وهي رخيصة. وفي حين أن الاستثمار ينطوي بطبيعته على المجازفة والمخاطرة فإن المستثمرين يفضلون أن تكون المخاطر التي يتعرضون لها مقتصرة على المجازفة التجارية العادية. وهم يفضلون لذلك الاستثمار في الدول التي تقدم حكوماتها حماية من المصادرة وتضمن إمكانية إعادة الأرباح الاقتصادية المتأتية عن الاستثمارات بحرية إلى بلادهم. وسوف يتفحص صندوق تحدي الألفية تصنيف وتقييم مجلة إنستتيوشنال إنفستر لمستوى مصداقية الدول التسليفي لتقييم جاذبية الدول التي يحتمل تعامل صندوق تحدي الألفية معها بالنسبة للمستثمرين.
حكم القانون وتشجيع النمو الاقتصادي
إن تشجيع توجيه الشركات وإنشاء المؤسسات القانونية الداعمة لذلك أمران حيويان لكسب ثقة المواطنين في حكومتهم وفي مستقبلهم الاقتصادي. فمثلا، حين يضمن المواطنون الاعتراف الرسمي بالشركات التجارية وبالملكية القانونية للممتلكات تصبح لديهم حوافز لتوسيع الأمرين. ويمكن للتكنولوجيات والممارسات التجارية المتقدمة، إن هي أُدخلت على عملية الإنتاج في العالم النامي، أن تحفز التوظيف وتقضي على الفقر وتجلب حوافز ربحية كبيرة لجميع الشركاء في المشاريع المشتركة. غير أن هذه التكنولوجيات والممارسات خاصة بالشركات التجارية التي تجلبها، ويجب أن تقوم حكومات الدول النامية بضمان حقوق ملكيتها الفكرية وصيانتها قانونيا. والهدف هو تشجيع الأنظمة التي تحمي جميع أصحاب الملكية، كباراً كانوا أم صغارا، محليين أم أجانب.
أحد المجالات المحتملة للحصول على تمويل من صندوق تحدي الألفية
إلا أنه يتعين على حكومات الدول النامية أن تكون متقبلة ومؤيدة للتكنولوجيا الجديدة. وبالعمل المتعاون مع حكومات الدول المتلقية لمساعدات صندوق تحدي الألفية، يمكن استخدام أموال هذا الصندوق لتطوير برامج زراعية متكاملة يمكنها تعليم المجتمعات الزراعية المحلية وتدريبها على كيفية زيادة الإنتاجية الزراعية وتقديم الحوافز لتطوير قنوات التوزيع، وتطوير البنية التحتية الضرورية. وما بنغلادش سوى مثال واحد على قصص النجاح، إذ أنها قامت بزيادة إنتاجها من الأرز بنسبة 70 بالمئة تقريبا منذ فترة السبعينات من القرن الماضي باستخدام وسائل وتكنولوجيا زراعية متقدمة.
تحقيق التنمية
المجلات الإلكترونية: باللغة الإنجليزية | باللغة العربية | الصفحة الرئيسية العربية
|