أبعاد التنميةمقابلة مع نيكولاس إيبيرستادت وستيف راديليت
| ||
|---|---|---|
سؤال: ما هو تقييمكما للتقدم الذي أحرزه المجتمع الدولي حتى الآن في تحقيق الأهداف المتفق عليها في بيان الألفية للعام 2000؟ راديليت: تم إحراز تقدم متفاوت. فقد حققت منطقتا شرق آسيا وجنوب آسيا تقدما كبيرا نحو إنجاز هذه الأهداف، خاصة في مجال المعايير الصحية، في حين أن الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، بالإضافة إلى هايتي وبورما، تكافح لتحقيق هذه الأهداف. وتشهد بعض الدول – بعض أكبر دول العالم كالصين والهند وإندونيسيا – تقدما سريعا نحو التنمية. إلا أن احتمال تحقيق معايير "الألفية" بحلول الموعد المحدد لها بالعام 2015 أقل بكثير في دول أخرى. وتساعد الأهداف الإنمائية للألفية على تركيز اهتمام المجتمع الدولي على تحديد الأهداف. ومن شأن ذلك أن يساعد الدول النامية والدول الصناعية على حد سواء في صب اهتمامها بصورة أوضح على المشاكل والحلول الممكنة. غير أن هناك قلقا من أن يكون قد تم تحديد مواعيد اعتباطية لتحقيق الأهداف. كما قد تكون بعض الأهداف مفرطة الطموح بالنسبة لبعض الدول. ففي مجال زيادة الالتحاق بالمدارس الابتدائية، مثلا، قد تحقق بعض الدول تقدما، ولكنها قد لا تكون قادرة على تحقيق التحاق جميع التلاميذ بالمدارس الابتدائية ما لم تتوفر لديها الموارد الكافية. وقد احتاجت بعض الدول إلى عدة عقود لرفع نسبة الدراسة في المدارس الابتدائية فيها من 20 أو 25 بالمئة إلى 50 بالمئة. وفي حال عدم تمكنها من تحقيق نسبة 100 بالمئة من الالتحاق بالمدارس الابتدائية بحلول العام 2015، يجب أن لا يعتبر ذلك، بالضرورة، فشلا. إيبيرستادت: إن مدة خمس سنوات ليست كافية للحكم على فعالية برنامج الأهداف الإنمائية للألفية، وذلك جزئيا لأن البيانات المتعلقة بالعديد من الدول ذات الدخل المنخفض ضعيفة جدا. ويجب أن نلقي نظرة على مقاييس أطول مدى للحصول على البيانات التي تستطيع أن تثبت الإنجازات التي يتم تحقيقها. ولننظر إلى التنمية من وجهة نظر تاريخية. لقد حقق القرن العشرون، عند أخذ العوامل المختلفة في الحسبان، نجاحا هائلا في التنمية وقفزة ضخمة في التقدم ضد الفقر. وأصبح متوسط العمر المتوقع أكثر من ضعفي ما كان عليه. وتحققت زيادة هائلة خلال نفس تلك الفترة في معدل دخل الفرد للعالم أجمع. وأعظم استثنائين في هذا النمط من التقدم الكبير هما الانحراف الذي وقع إبان عهد الشيوعية- الذي انتهى الآن بصورة أساسية- والذي أثر في معظم العالم، والسجل الفظيع لمشاكل التنمية التي ظهرت في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في عقدي الستينيات والسبعينيات ولا تزال مستمرة: الركود الاقتصادي طويل الأمد أو التدهور الاقتصادي والأداء الضعيف في التصدير واستمرار الاعتماد على المعونة، والانتكاسات الصحية الكارثية الحديثة التي وقعت في أجزاء كثيرة من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بسبب وباء مرض نقص المناعة المكتسبة/ الإيدز. سؤال: أين تحقق معظم التقدم، وما هي أكبر العراقيلفي طريق النجاح؟ راديليت: لقد شاهدنا تقدماً نحو تحقيق الأهداف حيث تم إنجاز نمو اقتصادي. إلا أن هناك قيودا تُعيق التقدم. وتواجه إفريقيا قيودا جغرافية كبيرة. وهي تعاني من أمراض مستوطنة، أهمها مرض نقص المناعة المكتسبة/ الإيدز، مما سيؤثر على تحقيق بعض أهداف الألفية الإنمائية. فبوتسوانا، مثلا، كانت تسير على النهج الصحيح نحو تحقيق الأهداف، خاصة في مجالي التعليم وتقليص الفقر، إلا أن هذا التقدم انعكس إلى تدهور في بعض المناطق بسبب مرض نقص المناعة/ الإيدز. فقد ازداد متوسط العمر المتوقع في بوتسوانا بشكل مثير، حيث ارتفع من 38 عاماً إلى 61 عاما بين العامين 1975 و1995. إلا أن متوسط العمر المتوقع عاود الانخفاض منذ أواسط التسعينيات إلى حوالي 43 عاما بسبب مرض الإيدز. ومن القيود الأخرى التي تكبل التقدم في إفريقيا هو أن فيها دولا كثيرة محاطة بالبر ولا منفذ لها على البحر ومنعزلة أكثر من المناطق الأخرى في العالم. وكون الدول محاطة باليابسة من جميع الجهات يزيد من صعوبة مشاركتها في الأسواق ويجعل وارداتها أكثر كلفة ويجعل صادراتها أقل قدرة على المنافسة. ومن القيود الجغرافية الأخرى في إفريقيا الصحراء الواسعة (منطقة الساحل) في غربي القارة. ويزيد تناثر السكان قليلي العدد في هذه المنطقة من صعوبة توزيع الخدمات ومتابعة مدى التقدم نحو تحقيق أهداف الألفية الإنمائية. ولكن، ومع أن دولا إفريقية عديدة تواجه مشاكل صعبة جدا في الوقت الحاضر، بما فيها الصومال وساحل العاج وزمبابوي والكونغو، فإن الصورة ليست قاتمة تماما. فعلى سبيل المثال، نرى عددا متزايدا من الديمقراطيات متعددة الأحزاب. ففي العام 1990 كانت هناك أربع ديمقراطيات متعددة الأحزاب في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (أو ما يعرف بإفريقيا السوداء)، ولكن هناك الآن 20 من هذه الديمقراطيات تقريبا. وقد حققت دول مثل غانا وتنزانيا وجنوب إفريقيا ونيجيريا وموزمبيق ومالي وبوركينا فاسو تقدما سياسيا واقتصاديا هاما خلال السنوات الأخيرة. ويمثل ذلك تحولا هائلا لم يفطن إليه معظم العالم حتى الآن. كما أن عدداً من هذه الدول بدأ يحقق مزيداً من الاستقرار الاقتصادي ونمواً اقتصادياً أقوى. إيبيرستادت: فيما يتعلق بالتنمية الإجمالية، فإن التقدم في تقليص الفقر مشجع في معظم أرجاء العالم، فيما عدا الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى التي تسير، إلى حد كبير، في الاتجاه المعاكس. كما حدث تراجع وانعكاس في مؤشرات الرعاية الصحية بسبب كارثة مرض نقص المناعة المكتسبة/ الإيدز. وقد حققت الصين أهم تقدم، كما أن الهند حققت تقدما لا يستهان به أيضا. وقد شهدت الدول ذات الاقتصاديات المتنامية تحولا بصورة عامة من الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى اعتماد أكبر على الموارد الإنسانية. وأصبحت الموارد الطبيعية بشكل عام أقل أهمية بالنسبة للنمو الاقتصادي القومي. سؤال: ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه المعونة الخارجية في تنمية دولة ما؟ راديليت: هناك مجالان رئيسيان. الأول هو دعم البرامج التعليمية وخدمات الرعاية الصحية لمكافحة الأمراض الرئيسية. وقد أدى تدفق المعونات إلى تحسينات هامة في الحد من انتشارأمراض معينة كشلل الأطفال وداء كلابيات الذنب أو العمى النهري وإلى توفير علاج إعادة التميّه عن طريق الفم. والثاني هو دعم الجهود المكرسة لتشجيع النمو الاقتصادي. وفي مجال الرعاية الصحية، تحقق تقدم هائل منذ الحرب العالمية الثانية في جميع أرجاء العالم، بما في ذلك الدول النامية. إلا أننا بدأنا نشاهد بوضوح خلال السنوات الخمس الأخيرة تراجعا في متوسط العمر المتوقع بسبب مرض نقص المناعة المكتسبة/ الإيدز. وقد أدى هذا المرض إلى تراجع وعكسالمكاسب التي تحققت بعد بذل جهود كبيرة في مجال المؤشرات الصحية الأساسية خلال العشرين سنة الماضية. ولكن هناك بعض الأماكن التي شاهدنا فيها تحسناً في الحد من مرض نقص المناعة/ الإيدز. ففي أوغندا، مثلا، ونتيجة للجهود التربوية في المجتمعات المحلية الممولة بمساعدة من المعونة الدولية، تم تخفيض ظهور إصابات جديدة بالمرض بنسبة 10 بالمئة خلال السنوات الأخيرة. كما يتم التنويه بالنجاح في الحد من انتشار مرض الإيدز في تايلاند والسنغال، حيث أمكن المحافظة على معدلات منخفضة نسبيا لهذا المرض. كما تحقق تقليص مماثل في بعض أنحاء زامبيا في السنوات الأخيرة. وفيما يتعلق بالنمو الاقتصادي، من الواضح أن المعونة فشلت في بعض الحالات في الإسهام في تحقيق ذلك الهدف، وما من شك في أنه تم تبديد بعض المساعدات. إلا أن المعونة ساعدت في دعم النمو في دول مثل كوريا الجنوبية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وفي إندونيسيا، ثم في وقت لاحق في أوغندا وموزمبيق وتنزانيا. ومن الممكن القول إن المعونة قد نجحت في بعض الدول وليس في البعض الآخر، وهناك الكثير الذي يمكن أن نفعله لجعل المعونة أكثر فعالية في المستقبل. وقد غيرت ثلاثة أمور في عالم التنمية تركيز الدول المتبرعة فيما يتعلق بالمعونة خلال السنوات الأخيرة. الأول هو الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 التي تسببت في رؤية الدول المتبرعة العلاقة بين الفقر والإرهاب بشكل أوضح. والثاني هو الوعي المتزايد بخطورة مرض نقص المناعة المكتسبة/ الإيدز. فقبل فترة ليست ببعيدة كان ينظر إلى الإيدز أساسا كقضية "مسؤولية شخصية". إلا أنه أصبح يُنظر إليه الآن، بصواب، كوباء متفش يؤثر في الدول في نصفي الكرة الأرضية. والثالث هو نمو الديمقراطيات متعددة الأحزاب، المذكور سابقا. وفي حين أن جزءا كبيرا من المساعدات أنفق على الحلفاء في الحرب الباردة خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، فإن المزيد من المعونة يستهدف الآن دعم الدول التي تحاول إقامة ديمقراطيات متعددة الأحزاب، وقد أخذ العالم يتجه ببطء نحو هذا الاتجاه. إيبيرستادت: كانت أنواع المساعدات غير مساعدات التنمية الاقتصادية الرسمية التقليدية فعالة في كثير من الأحيان في مساعدة الدول على التطور. ولنأخذ المعونة العسكرية كمثال. إن تايوان وكوريا الجنوبية نموذجان على قصص النجاح بعد الحرب العالمية الثانية استفادا كثيرا من المعونة العسكرية الأميركية. وكانت إحدى نتائج هذه المعونة أنها سمحت لكوريا الجنوبية بالتحرك نحو التحول لأن تصبح اقتصادا مبنيا على التصدير. وبصورة أعم، قد تساعد المعونة العسكرية في خلق بيئة أمنية يكون فيها التقدم المادي أكثر احتمالا. ويلعب الاقتصاد العالمي، عن طريق التجارة والاستثمار ونقل المعرفة، دورا هاما جدا أيضا في النمو الاقتصادي وتحسين الإنتاجية وتقليص الفقر. ومع أن دور مساعدة التنمية الرسمية في تشجيع التقدم المادي محدود بشكل أكبر، إلا أنه يمكن أن يكون إيجابيا في الظروف الملائمة. سؤال: تناولت الأنباء خلال الأسابيع الأخيرة أخبار نقاش حول مستويات المعونة وقدرة الدول على استيعاب المعونة. فهل هناك قانون يثبت تناقص الفوائد بعض وصول المساعدات الخارجية إلى مستويات معينة؟ راديليت: لا يوجد قانون صارمحول ذلك بقدر ما يوجداتجاه قوي. وكما هو الحال بالنسبة للاستثمارات المالية الأخرى، نستطيع رؤية عائدات متناقصة فيما تنمو قيمة الاستثمار. وتظهر الأبحاث أن تأثير المعونة الموجهة نحو النمو الاقتصادي يتضاءل باطراد مع ازديادمقدار المعونة، ولكنه يميل لأن يظل تأثيراً إيجابياً إلى أن تبلغ نسبة المعونة 18 إلى 25 بالمئة تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي للدولة. ويتعلق الأمر بالمجال الذي توجه المعونة إليه. فالمعونة التي تستهدف النمو الاقتصادي الثابت كانت ذات تأثير أكبر على النمو من الأشكال الأخرى للمعونة، كتلك التي تستهدف قضايا إنسانية أو برامج يصعب قياسها كالإصلاح القضائي. فنتائج الإصلاح القضائي لا تثبت حقاً إلا بعد ما بين10 إلى 15 سنة أو أكثر. ومن الأسهل قياس نتائج المعونة المقدّمة لأشياء مثل التنمية الزراعية وبناء الطرق، حيث أن قياس كمية النتائج أسهل كما أن تحقيقها يتطلب وقتاً أقصر. ومن التحديات التي ينبغي علينا معالجتها أثناء مضينا قدماً جعل المعونة أكثر فاعلية، سواء من حيث الجهة التي تقدّم لها ومن حيث كيفية تقديمنا إياها، لضمان تحقيق دولارات المساعدات التي نقدمها أكبر تأثير ممكن. إيبيرستادت: تتوقف فعالية المعونة بصورة أساسية على البيئة الاقتصادية التي تقدم فيها. فحيث توجد سياسات منضبطة ومنتجة، ستولد الموارد المقدمة عائدات أعلى على الأرجح. والسؤال الحاسم هو كيف يمكن للموارد الممنوحة بشروط متساهلة جداً أن تؤثر على البيئة السياسية. وتتوقف نتائج المعونة على مزيج من التوقيت وقيادة الدولة المتلقية للمعونة – نظام حكومتها – وتاريخها. ومن الظواهر المثيرة للقلق منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضياعتماد إفريقيا السوداء (أي الواقعة جنوب الصحراء الكبرى) المتزايد على مساعدات التنمية الرسمية. والواقع هو أن اعتماد الاقتصادات الإفريقية على المساعدات الخارجية كان واضحا، وحتى متزايدا، منذ السبعينيات من القرن الماضي. وهذا يدعونا إلى التساؤل عما إذا كان الإفراط في المعونة لم يترك مجالاً لنمو الصادرات وتوليد رأس المال المحلي في بعض أجزاء إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء خلال الجيل الماضي. وقد يكون ذلك جزءا من تفسير الأداء الاقتصادي الضعيف جدا للمنطقة لفترة طويلة. سؤال: ما هو الدور الذي تلعبه، في رأيكما، برامج مثل صندوق تحدي الألفية الأميركي، وقانون النمو والفرص الإفريقية وبرنامج الدول الفقيرة المثقلة بالديون* في الاستراتيجية الشاملة لتقليص الفقر؟ راديليت: تعد اتفاقية خفض الديون بقيمة 40 مليار (ألف مليون) دولار التي أعلنت خلال اجتماع مجموعة الدول الثماني في شهر تموز/ يوليو 2005 اتفاقية تاريخية من شأنها أن تضع نهاية لعقدين من مشاكل الديون بالنسبة لثماني عشرة دولة فقيرة على الأقل، وربما بالنسبة لعدد أكبر. ويكمن التحدي الآن في مساعدة الدول المتلقية لهذا الخفض في تحقيق نمو اقتصادي مستديم وتقليص للفقر بحيث لا ينتهي بها الأمر وقد أثقلت كاهلها مجدداً ديون لا قدرة لها على تسديدها. وتستثني الاتفاقية، لسوء الحظ، دولا عديدة لم تقترض ما يكفي لكي تعتبر مثقلة بالديون مثل كينيا ونيجيريا وسري لانكا. وينبغي عرض صفقة مشابهة على هذه الدول. ويجب أن تقدم المساعدات لأفقر الدول وليس للدول التي تنوء تحت أثقل حمل من الديون. وصندوق تحدي الألفية برنامج مهم جدا من حيث المفهوم. والفكرة العامة الكامنة وراءه هي توفير آلية أفضل وأكثر مرونة لتقديم المساعدات للدول التي أظهرت أقوى التزام بسياسات التنمية السليمة. وما زال نجاحها من الناحية العملية غير مثبت. أما قانون النمو والفرص الإفريقية فقد كان مفيداً بشكل خاص، لأنه يقوم على أساس فتح الولايات المتحدة أسواقها للدول الإفريقية، وإفساح المجال أمامها للانخراط في الأسواق العالمية وإنتاج سلع تساعد في دعم نموها في الأمد الطويل. إيبيرستادت: صندوق تحدي الألفية مفهوم نبيل، ولكن البرنامج يواجه صعوبة في التطبيق عملياً حتى الآن. فالبرنامج صغير جدا بحيث أنه ليس له تأثير يذكر عن طريق "عدم الإقراض". أي أن الصندوق ليس "عاملاً" كبيرا بما فيه الكفاية لكي يكون له تأثير يذكر على سلوك الدول المتلقية للمعونة أو على ممارسات المانحين الآخرين الذين يقدّمون معظم منح وقروض التنمية. والغرض من صندوق تحدي الألفية هوتجسيد المفهوم التجريبي للبنك الدولي المتمثل في "الانتقائية" في توزيع الموارد على الأماكن التي ستحدث فيها أكبر الأثر. إلا أن جزءا من سبب صعوبة تبني المانحين للانتقائية يكمن في أنهم لا يستطيعون رفض تقديم المعونة لدول كثيرة. فعلاقات الجهات المانحة السياسية بالحكومات المتلقية للمعونة تكون في كثير جداً من الأحيان أهم بكثير من نتائج التنمية الفعلية التي تتحقق عن طريق نقل تلك الموارد. وفي ظل هذه الظروف تكون الانتقائية شبه مستحيلة. سؤال: ما هو مدى أهمية الشفافية والمساءلة لفعالية المعونة؟ وما الذي يمكن عمله لتحسين أنظمة الحكم؟ راديليت: للسياسات والمؤسسات الحكومية الأفضل تأثير شديد على النمو الاقتصادي في أي بلد. ويمكن للدول ذات المؤسسات المتينة والسكان الأصحاء استيعاب كميات أكبر من المعونة مقارنة بالدول التي ينتشر فيها الفساد ولا يتمتع سكانها بنفس المستوى الصحي. وقد وقعت حالات في الماضي،خاصة خلال الحرب الباردة، كان المانحون مستعدين أكثر مما ينبغي أثناءها لتقديم المعونة لدول كانت تعاني من الفساد. وقد أثر هذا على نظرة الشعب نحو الفاعلية الإجمالية للمعونة. إيبيرستادت: إن وعي الجهات المانحة السياسي من العوامل المرتبطة بالفساد أو اختلاس أموال المعونة. وهناك علاقة إيجابية بين التنمية الاقتصادية وحكم القانون. وحكم القانون هدف مهم. فحيث توجد شفافية أكثر ترافق حكم القانون يكون هناك قدر أقل من الشك في فوائد الاستثمار وتكلفة أقل للصفقات، ويكون تقدم النشاط الاقتصادي أكثر سهولة. والثروة موزعة بشكل غير متكافيء في مجتمعات كثيرة. ولكن إذا كان شخص فقير يدرك أنه يتمتع بحمايات قانونية فذلك يعني وجود تحرك ثوري تقريبا نحو المساواة. سؤال: إذا تم اكتشاف عمليات احتيال، فهل يعني ذلك ضرورة قطع مساعدات التنمية عن مثل هذه الدول؟ راديليت: الجواب هو نعم في كثير من الحالات، ولكن ليس دائما. وحقيقة كون الفساد متفش في المؤسسات في بعض الدول تعزى جزئيا على الأقل إلى الفقر نفسه. ويحتاج الأمر إلى التزام محلي قوي وإلى المال للمساعدة في بناء مؤسسات قوية يمكنها العمل لمنع الفساد في القطاعات المختلفة. وليس الأمر مجرد إرادة سياسية داخلية. ويتعين على المانحين أن يكونوا أكثر تحديدا بالنسبة لما يتوقعونه نتيجة لتقديم المعونة. إيبيرستادت: ذلك يتوقف كليا على أهداف المعونة، كأن تكون المعونة مخصصة لأغراض عسكرية أو أمنية سياسية. فعندما يتعرض اعتماد الأموال للتلاعب تظهر مطالبة ملحة أقوى بكثير بإنهاء برامج الإغاثة الإنسانية. سؤال: ما هي المشاكل المتعلقة بالشروط السياسية؟ فقد جادل البعض بأنه في حين أن الانضباط المالي وتحرير التجارة وإلغاء القيود والخصخصة أمور أو سياسات جيدة، فإن سرعة وعمق مثل هذه الإجراءات حاسما الأهمية بالنسبة لنجاح سياسة التنمية. راديليت: لقد تعلمنا أن المانحين لا يستطيعون فرض الإصلاحات من الخارج، كما لا يستطيعون "شراء" الإصلاحات بالوعود بتقديم مزيد من المعونة. بل يتعين أن تكون الدول ملتزمة بالإصلاحات القوية في المقام الأول. ويمكن استخدام المعونة لتوفير الدعم للسياسات الجيدة، ولكنها لا تستطيع فرض تنفيذ هذه السياسات. إيبيرستادت: فرض الشروط أمر مرغوب فيه. ولكن سجل المانحين في إنجاز الاشتراط ضعيف. ولا يمكن حدوث فرض الشروط حيث لا يمكن "قطع" المعونة، ولكن كم من الأمثلة يمكننا أن نجد عبر الأجيال الماضية على معاناة الحكومات المتلقية للمعونة من قطعها عنها نتيجة الأداء السيء في برامج تنميتها؟ سؤال: لقد تم اقتراح عدد من الخطط لتمويل التنمية، كالتسهيلات المالية الدولية والضريبة العالمية وحقوق السحب الخاص لأغراض التنمية. وفي ضوء المطالب الضخمة للدول، ما هي في اعتقادكما أفضل الطرق لتمويل التنمية؟ راديليت: من المفيد دوماً التفكير بأنظمة جديدة مبتكرة لمساعدة الدول على تحقيق التنمية الاقتصادية وتخفيض ديونها. إلا أنه لا يوجد نظام واحد يشتمل على "حل مثالي". ولن يحل أي من هذه الأفكار الجديدة كليا محل التدفق التقليدي للمعونة أو تدفق المساعدات من القطاع الخاص التي أصبحت مهمة على وجه الخصوص في الدول المتوسطة الدخل. ويتعين على البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي تقديم مزيد من المال كمنح بدلا من القروض، خاصة للدول الأكثر فقرا. ويجب أن تحصل الدول التي يقل متوسط دخل الفرد فيها عن مستوى معين على منح لأنها تواجه أكبر تحديات التنمية وهي الأكثر تعرضا لأضرار الصدمات الاقتصادية. ولكن يجب ألا تكون المنح مجرد هدايا مجانية، بل يجب أن تستند إلى فعالية الأداء. ويجب أن تهدف بوضوح إلى تحقيق إنجازات محددة، كبناء طرق معينة أو إقامة أعداد معينة من العيادات الطبية. ويجب على الجهات المانحة أن تكافئ النجاح في تحقيق الأهداف بتقديم المزيد من المعونة، وأن تعاقب الدول التي لا تحقق أهدافا محددة. إيبيرستادت: يجب علينا أن نتذكر فيما يتعلق بالدول ذات الدخل المحدود المثقلة بالديون والتي تواجه مشاكل في دفع فوائد القروض أن القروض التي تلقتها كانت في العادة بشروط متساهلة جدا، ولكن العائدات الناجمة عن هذه القروض كانت في أحيان كثيرة جداًسيئة للغاية. ولن يتم حل المشاكل الاقتصادية في الكثير من الدول المثقلة بالديون والمحدودة الدخل بمجرد شطب ديونها. فالمشكلة المتعلقة بسداد الديون الممنوحة بشروط متساهلة جداً تشير إلى وجود مشكلة في الأداء الاقتصادي الإجمالي. ومن الأهم التحقيق أولا في سبب انخفاض معدلات العائدات إلى هذا الحد، بدلا من التوجه مباشرة نحو فكرة شطب الديون. فأنا غير مقتنع بأن خفض الديون أداة على هذا القدر من الأهمية في التنمية.
(1)T مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون هي نهج شامل لتخفيض ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون التي تتبع برامج التكيف والإصلاح التي يدعمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تمثلبالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.
|
||