Internatinal Information Programs (Arabic)

Economic Perspectives
التصـدي للفقـر في العـالم
مجلة إلكترونية تصدرها وزارة الخارجية الأميركية، أيلول/سبتمبر، 2001


التعليقات:

إنهاء الفقر الجماعي بقلم أيان فاسكويز، مدير، مشروع الحرية الاقتصادية العالمية، معهد كاتو
ان النمو الاقتصادي هو المسار الوحيد لإنهاء الفقر الجماعي. إن توسيع نظام حماية حقوق الملكية الفردية ليشمل أملاك الفقراء سوف يكون أحد أهم استراتيجيات تخفيض مستوى الفقر التي تستطيع أي دولة اتباعها.

هبات لفقراء العالم: مساعدات أكثر بنفس الكلفة بقلم آدم ليريك، مدير، مركز عايوّت للسياسة العامة، واستاذ علم الاقتصاد في جامعة كارنيجي ميلون
ينبغي على مصارف التنمية المتعددة الاطراف تقديم هبات، وليس قروض، الى الدول الفقيرة في العالم. إن مثل هذه الهبات لن تقوم باستنزاف موارد البنك الدولي ولا يتطلب الحصول على تمويل إضافي من الدول المانحة.

شراكة عالمية في التنمية الاقتصادية الافريقية بقلم هورست كوهلر، المدير الإداري لصندوق النقد الدولي
ليس هناك من أدنى شك بوجوب تقديم صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ومانحين آخرين مساعدات فنية متزايدة ومنسقة لدعم استراتيجيات تخفيض مستوى الفقر في أفريقيا.

الديمقراطية ونظام الحكم والأسواق المفتوحة بقلم جون دي. سوليفان، المدير التنفيذي، المركز الدولي للمؤسسات التجارية الخاصة
على المؤسسات الحكومية والمنظمات الذاتية التنظيم ان تلعب أدوراً أساسية في ضمان عدالة القوانين وسريانها على الجميع وضمان تطبيقها وشفافية العملية. على مجتمع الأعمال ان يقوم بدوره أيضاً وذلك من خلال القضاء على الفساد المدمر للنمو الاقتصادي ولجهود تخفيض مستوى الفقر.

الفقر الريفي والفقر المديني: إدراك التباينات بينهما بقلم دافيد ساترثويت، مدير برنامج المستوطنات البشرية، المعهد الدولي للبيئة والتنمية
لا تعكس تعاريف الفقر المستندة على مستويات الدخل العديد من أشكال الحرمان التي تدخل كعامل في الفقر في الأرياف وفي المدن ما أدى الى قيام دول ومنظمات متعددة الأطراف بتقديرات تقل عن الواقع لعدد الناس الذين يعيشون في الفقر وفي أي ظروف.

التحويلات المالية كأداة للتنمية بقلم سوزان اف. مارتن، مديرة، معهد دراسات الهجرة الدولية، جامعة جورجتاون
ان التحويلات المالية بدأت تولّد تأثيراً إيجابياً أكبر على اقتصادات الدول النامية مما كان يعتبر بالسابق، ان تحويل كل دولار ينتج عنه دولارات إضافية في النمو الاقتصادي للأعمال التي تنتج وتزود السلع التي تُشترى بها هذه الموارد.


إنهاء الفقر الجماعي
بقلم أيان فاسكويز، مدير، مشروع الحرية الاقتصادية العالمية، معهد كاتو

يقول عالم الاقتصاد إيان فاسكويز، ان النمو الاقتصادي هو "المسار الوحيد لإنهاء الفقر الجماعي"، ويؤكد ان برامج إعادة توزيع المداخيل أو التخفيض التقليدي لمستوى الفقر لم تفعل سوى الشيء القليل لتخفيض مستوى الفقر. كتب فاسكويز أيضاً قائلا إنه كلما ازدادت درجة الحرية الاقتصادية- التي تتضمن الخيار الشخصي، وحماية الملكية الخاصة، وحرية التبادل- كلما انخفض مستوى الفقر. ويقول ان توسيع نظام حماية حقوق الملكية الفردية ليشمل أملاك الفقراء سوف يكون أحد أهم استراتيجيات تخفيض مستوى الفقر التي تستطيع أي دولة اتباعها.

ان السجل التاريخي واضح: الطريقة الوحيدة الأكثر فعالية لتخفيض مستوى الفقر هي النمو الاقتصادي. بدأت الدول الغربية تكتشف هذه الحقيقة حوالي العام 1820 عندما كسرت قيد قاعدة النمو المنخفض التاريخية وبادرت إلى إطلاق عصر من التقدم لتحقيق الرفاهية المادية. ارتفعت مستويات المعيشة ثلاثة أضعاف في أوروبا وأربعة أضعاف في الولايات المتحدة خلال ذلك القرن، وحققت تحسناً بنسبة أعلى أيضاً خلال السنوات المئة التالية. وبهذا قضى النمو الاقتصادي على الفقر الجماعي في ما يعرف في يومنا الحاضر بالعالم المتقدم. وإذا اعتمدنا نظرة طويلة المدى نجد ان هذا النمو الاقتصادي قد خفض أيضاً مستوى الفقر في أجزاء أخرى من العالم. ففي عام 1820 كانت نسبة 75 بالمئة من سكان المعمورة تعيش على دخل يقل عن دولار واحد في اليوم للفرد الواحد اما اليوم فان نسبة 20 بالمئة فقط تعيش تحت أقل من هذا المبلغ.

حتى ان نظرة قصيرة الأمد تؤكد بأن التسارع الأخير للنمو في عديد من الدول النامية قد خفض من مستوى الفقر فيها إذا ما قيس بنفس الطريقة. خلال السنوات العشر الماضية هبطت نسبة الفقراء في العالم النامي من 29 إلى 24 بالمئة. رغم هذا التقدّم بقي عدد الفقراء مستقراً بعناد عند مستوى مرتفع يبلغ حوالي 1,200 مليون شخص كما أن نسب تخفيض مستوى الفقر جغرافياً لم تكن متساوية.

دفع هذا الاداء المتفاوت العديد من المراقبين إلى التساؤل عن العوامل الأخرى، باستثناء عامل النمو، التي تخفض مستوى الفقر، وما إذا كان عامل النمو كافياً لتحقيق ذلك الهدف. جرى التساؤل عما إذا كانت إصلاحات السوق بالذات تساعد الفقراء، خاصة وان العديد من الدول النامية حررت اقتصادها بدرجات متفاوتة خلال العقد الماضي.

ولكننا سنرتكب خطأً فادحاً إذا فقدنا التركيز على النمو المستند إلى السوق وثم التركيز، بدلاً من ذلك، على برامج إعادة توزيع الدخل أو التخفيض التقليدي لمستوى الفقر، والتي لم تنتج شيئاً يذكر بالمقارنة للحد من الفقر. ان المثابرة في التركيز الصحيح هو أمر مهم لثلاثة أسباب- هناك، في الواقع، علاقة قوية بين النمو وتخفيض مستوى الفقر، والحرية الاقتصادية التي تؤدي إلى النمو، كما أن معظم البلدان النامية يمكنها القيام بالكثير عن طريق تعديل سياساتها وإصلاح مؤسساتها لمساعدة الفقراء.

أهمية النمو
لا يجب ان يدهشنا نمط تخفيض مستوى الفقر الذي نشاهده حول العالم. انه يتبع، بصورة عامة، العلاقة التي اكتشفتها دراسة حديثة قام بها البنك الدولي التي بحثت بمسألة النمو في 65 دولة نامية خلال الثمانينات والتسعينات. ان حصة الفقراء، الذين حددوا على انهم الذين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، هبطت بصورة دائمة تقريباً في البلدان التي شهدت نمواً وزادت في تلك البلدان التي شهدت تقليصاً اقتصادياً. ووجدت الدراسة انه كلما كان النمو أسرع كلما كان تخفيض الفقر أسرع، والعكس بالعكس. فمثلاً، أدى النمو في دخل الفرد الواحد بنسبة 8.2 بالمئة إلى انخفاض في معدل الفقر، بنسبة 6,1 بالمئة، وأدى تقلص الإنتاج بنسبة 1.9 بالمئة إلى زيادة معدل الفقر بنسبة 1.5 بالمئة.

تفسر هذه العلاقة لماذا حققت بعض الدول والمناطق نتائج أفضل من غيرها. لاحظ عالم الاقتصاد مارتن وولف أنه "بين عام 1987 وعام 1998 عرفت منطقة وحيدة في العالم، هي شرق آسيا، هبوطاً مؤثراً في عدد الناس، كما في نسبة السكان، الذين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم." وأضاف، "ولكن كانت هذه المنطقة هي الوحيدة أيضاً التي شهدت نمواً مستمراً وسريعاً في الدخل الحقيقي للفرد الواحد."

سمح معدل النمو المرتفع لشرق آسيا بخفض نسبة الفقراء فيها خلال هذه الفترة من 26 إلى 15 بالمئة، وبخفض عدد الفقراء من 417 مليون إلى 278 مليون فرد. والصين بحالها، والتي سجلت معدلات نمو سنوية تبلغ 9 بالمئة منذ عام 1979عندما اعتمدت إصلاحات السوق، تمكنت من إنقاذ أكثر من 100 مليون شخص من الفقر. ان معدل النمو المتزايد، ولكن الأكثر تواضعاً، في الهند خلال العقد الماضي يعني أن حالة الفقراء في البلدين اللذين يكونان حوالي نصف عدد سكان الدول النامية، تتحسن بصورة ملحوظة.

كان الاداء في مناطق أخرى غير مشجع كثيرا،ً ولكنه سار على نفس النمط. فارتفعت معدلات الفقر في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى حيث تراجع النشاط الاقتصادي بصورة حادة، وبقيت معدلات الفقر على حالها في أميركا اللاتينية وبلدان جنوبي الصحراء الكبرى في أفريقيا حيث كان معدل النمو منخفضاً أو غير ذي أهمية.

هناك اختلافات حتى ضمن هذه المناطق، وهكذا فان معدلات النمو للفرد الواحد في المكسيك التي بلغت 1.5 بالمئة في التسعينات لم تؤثر على نسبة الناس الذين يعيشون في الفقر، بينما أدى متوسط معدل النمو في التشيلي البالغ 7 بالمئة من عام 1987 إلى عام 1998 إلى خفض معدل الفقر من 45 إلى 22 بالمئة استناداً إلى تقرير معهد الحرية والتنمية، ومركزه الرئيسي في سانتياغو عاصمة التشيلي.

كذلك الحال بالنسبة لفيتنام في جنوب شرق آسيا. فبعد تسجيل هذا البلد لارتفاع في متوسط معدل دخل الفرد بحوالي 6 بالمئة في التسعينات، أفاد تقرير البنك الدولي ان نسبة الذين يعيشون دون خط الفقر انخفض من 58 إلى 37 بالمئة بين عام 1993 وعام 1998. كما أن معدل نمو دخل الفرد الواحد في أوغندا الذي تجاوز 4 بالمئة خلال التسعينات خفض نسبة الناس الذين يعيشون دون خط الفقر الأدنى من 56 بالمئة إلى 44 بالمئة بين عام 1992 وعام 1997. استنتج مركز دراسات الاقتصاد الأفريقي في جامعة أوكسفورد "أن النمو العام كان السبب وراء انخفاض معظم مستويات الفقر."

لا يمكن التقليل من أهمية التأثير الدراماتيكي للنمو حتى عندما تكون الاختلافات في معدلات الإنتاجية الفردية صغيرة على ما يبدو. ولتوضيح هذا الأمر، لاحظ عالم الاقتصاد في جامعة هارفارد، روبرت بارو، ان دخل الفرد في الولايات المتحدة ارتفع بمعدل 1.75 بالمئة سنوياً من عام 1870 حتى عام 1990 مما جعل الأميركيين أغنى شعب في العالم. لكن لو كان معدل النمو في هذا البلد أقل من ذلك بنقطة مئوية واحدة خلال تلك الفترة لكانت مستويات دخل الفرد الأميركي تماثل تقريباً مستويات دخل الفرد في المكسيك. ولو ارتفع معدل النمو بمقدار نقطة مئوية واحدة عنه في نفس الفترة لكان متوسط دخل الفرد الأميركي يبلغ في اليوم 60.841 دولاراً، أي ثلاثة أضعاف مستواه الحالي.

أهمية الحرية الاقتصادية
لم يتخلّص الغرب من الفقر بالصدفة. فقد حصل النمو المستدام على امتداد فترات زمنية طويلة في بيئة شجعتها بوجه عام التجارة الحرة، وحماية الملكية الفردية. واليوم تتوفر للدول النامية فرصة مميزة.

فمن خلال تبني سياسات اقتصادية متحررة بإمكان الدول الفقيرة ان تحقق خلال جيل واحد نوع النمو الاقتصادي الذي احتاجت الدول الغنية مئة عام لتحقيقه. ان النمو المرتفع ممكن لان الدول الفقيرة بإمكانها اتباع نفس مسار الدول الغنية بدلاً من تكوين مسار جديد. تؤكد الدراسات التي أجراها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ان دولا كالصين وغيرها التي اختارت تحرير اقتصاداتها بدأت تتقارب من العالم الصناعي.

ان أكثر الدراسات الإختبارية شمولاً حول العلاقة بين السياسات الاقتصادية والرخاء الاقتصادي هي التقرير السنوي لمعهد فرايزر بعنوان: "الحرية الاقتصادية في العالم." درس هذا التقرير أكثر من 20 عنصراً مكوناً للحرية الاقتصادية تتراوح بين حجم الحكومة والسياسة النقدية والتجارية في 123 بلداً على امتداد فترة 25 سنة. وجدت الدراسة علاقة قوية بين الحرية الاقتصادية والرخاء الاقتصادي. إذا تمّ تقسيم البلدان إلى خمس مجموعات متساوية، يتبين بأن الاقتصادات الأكثر تحرراً يبلغ متوسط دخل الفرد فيها 19,800 دولار بالمقارنة مع 2,210 دولارات في المجموعة الخامسة للدول الأقل حرية اقتصادياً. تنمو أيضاً الاقتصادات المتحررة بسرعة أكبر من سرعة نمو تلك الأقل تحرراً. كان معدل نمو دخل الفرد في التسعينات 2.27 بالمئة في مجموعة الدول الأكثر تحرراً في حين انخفض بنسبة 1.45 بالمئة في الدول الأقل تحرراً.

وجدت دراسة فرايزر أيضاً ان الحرية الاقتصادية ترتبط بقوة بتخفيض مستوى الفقر وسواها من مؤشرات التقدّم الأخرى. ارتبط مؤشر الأمم المتحدة للفقر الإنساني بصورة سلبية مع مؤشر فرايزر للحرية الاقتصادية. يميل الناس الذين يسكنون في الدول التي تقع ضمن مجموعة الـ 20% الأولى من حيث الاقتصادية إلى العيش لمدة حوالي عقدين اكثر من الذين يعيشون في مجموعة الـ 20% الأخيرة. تترافق الزيادة في الحرية الاقتصادية أيضاً مع انخفاض في معدل وفيات الأطفال، وارتفاع في معدلات معرفة القراءة والكتابة، وانخفاض في الفساد، وزيادة إمكانية الوصول إلى مياه شرب نظيفة. والواقع أن مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، الذي يقيس مختلف جوانب مستويات المعيشة، يتلازم بشكل إيجابي مع الحرية الاقتصادية الأكبر.

ان ما يعنيه ذلك بالنسبة للفقراء مهم فعلاً. قام عالما الاقتصاد ستيف هانك وستيفن والترز بتقييم الدراسات الإختبارية الرئيسية حول العلاقة بين الحرية الاقتصادية والرخاء الاقتصادي واستنتجا ان زيادة بنسبة 10 بالمئة في الحرية الاقتصادية تميل إلى زيادة إجمالي الناتج المحلي للفرد الواحد بمقدار 7.4 إلى 13.6 بالمئة. وبما انه لا يزال بإمكان الدول النامية زيادة مستويات حريتها الاقتصادية بدرجة كبيرة، وقد حقق بعضها زيادة نسبتها 100 بالمئة أو أكثر خلال العقدين الماضين، لا يُمكن احتساب التعويض الناتج عن تعزيز الحرية بأنه يزيد النمو فحسب بل كونه يؤثر في مجموعة واسعة من مؤشرات التنمية البشرية.

وجد هانك ووالترز، مثلاً، أن زيادة في دخل الفرد من 500 إلى 1000 دولار تولد زيادة في متوسط العمر المتوقع بنسبة حوالي 6 بالمئة. والواقع، أن معدلات النمو المرتفعة تولّد الثروة التي تمكن الدول من الاستثمار في الصحة، والتعليم، والحاجات الإنسانية الأخرى والتي تشكل جزءاً أساسياً في النمو الاقتصادي المتواصل. ولا يتم تقاسم هذه الفوائد بصورة غير متساوية. إذ وجدت دراسة فرايزر انه لا ترابط بين الحرية الاقتصادية وعدم المساواة، في حين وجدت دراسة للبنك الدولي ان مداخيل نسبة العشرين بالمئة من أفقر الفقراء بين السكان ترتفع بصورة متناسبة مع متوسط الارتفاع في الدخل.

نحو تخفيض أكثر فعالية للفقر
رغم ان انهيار التخطيط المركزي أجبر العديد من الدول على التخلي عن السياسات الاقتصادية الموجهة داخلياً خلال التسعينات فان معظم الدول النامية في العالم لا تزال بعيدة عن تبني مجموعة مترابطة من السياسات التي تتماشى مع الحرية الاقتصادية. قد تكون روسيا قد تخلصت من الشيوعية ولكن وفق مفهوم الحرية الاقتصادية صنف معهد فرايزر هذه الدولة في المركز 117 بين 123 دولة. وحتى دول كالأرجنتين والمكسيك اللتين عملتا الشيء الكثير لتحرير اقتصادهما حافظتا بقوة على مخلفات سياسة الماضي مع ما ولّد ذلك من نتائج مدمرة على الفقراء. فمثلاً، نتجت أزمة البيزو المكسيكي لعام 1994-1995 عن سياسات نقدية وضريبية خلال سنة انتخابات كانت غير متلائمة بالكامل مع اقتصادات السوق.

ان التركيز على سياسات الاقتصاد الكلّي التي تتوجه نحو الأسواق المفتوحة يقوم على أساس متين، خاصة وان من شأنه إفادة الفقراء. وهذا ينطبق بالأخص على سياستين في هذا السياق، هما تخفيض نسبة التضخم ومستوى الإنفاق، واللتين تفيدان الفقراء بنسبة تفوق غيرهم. لكن من ناحية أخرى، لم يتم توجيه الاهتمام الكافي لإصلاح المؤسسات وإلى قيام بيئة الاقتصاد الجزئي. وتبرز ثلاثة أمور: حكم القانون، مستوى التنظيمات البيروقراطية وحقوق الملكية الخاصة للفقراء.

ان نظاماً قانونياً قادراً على فرض تنفيذ العقود، وحماية الأفراد وحقوق ملكياتهم بطريقة غير متحيزة يعتبر أمراً مركزياً بالنسبة للحرية الاقتصادية كما للتقدم. وبالفعل تعتمد استدامة اقتصاد السوق - وإصلاحات السوق نفسها - بدرجة كبيرة على تطبيق حكم القانون. رغم ذلك فإن حكم القانون غائب بوضوح في الكثير من الدول النامية. أخذ هذا الواقع في الحسبان تقرير "الحرية الاقتصادية في العالم" لعام 2001، والذي شمل مؤشراً أكثر شمولاً حول الحرية الاقتصادية في 58 بلداً. يبيّن التقرير ان دول أميركا اللاتينية تحتل مركزاً منخفضاً بشكل خاص في هذا المجال، وأُدرجت في أسفل اللائحة أسماء دول في طور التحول نحو السوق كروسيا وأوكرانيا. ولو توفرت معلومات يعتمد عليها بالنسبة للدول الأفريقية فلا شك انها كانت سوف تحصل على تقديرات متدنية أيضاً.

ان غياب حكم القانون أمر مؤسف بشكل خاص للفقراء، ليس لأنهم لا يملكون سوى القليل من القدرات الخاصة لحماية حقوقهم فحسب بل لأن حكم القانون بحد ذاته يرتبط بالنمو الاقتصادي. طوّر روبرت بارو مؤشراً لقياس حكم القانون على مقياس مدرّج من صفر إلى 6، ووجد أن معدل نمو دولة أي بلد بنسبة نصف نقطة مئوية مع كل درجة زيادة في المؤشر الذي وضعه. وبما ان حكم القانون يضمن وسائل الحماية الأساسية للفقراء، ويحافظ على نظام التبادل في السوق، ويشجع النمو، فلا بد ان يكون أهم جزء مكوّن للرخاء الاقتصادي.

وتشكل القيود التنظيمية مجالاً آخراً مهملاً بدرجة كبيرة يحتاج إلى إصلاح. وهنا وجد مرة أخرى المؤشر الشامل لمعهد فرايزر أن الحرية في تشغيل أعمال حرة وإمكانية المنافسة في السوق هي مقيدة في العديد من الدول النامية. واحتلت نفس الدول التي جاء تصنيفها منخفضاً في مجال حكم القانون مركزاً متدنياً في هذا المجال. بغية تكوين فكرة حول العبء البيروقراطي الذي يتوجب ان يتحمله الناس في الدول النامية نشير إلى حالات كندا وبوليفيا والمجر. استناداً إلى دراسة أجراها المكتب القومي للأبحاث الاقتصادية تستغرق عملية تأسيس شركة تجارية في كندا يومين وتتطلب تنفيذ إجراءين بيروقراطيين ومبلغ 280 دولارا. بالمقارنة على صاحب المشروع في بوليفيا ان يدفع 2,696 دولاراً كرسوم وان ينتظر 82 يوم عمل وان يخضع لعشرين إجراء بيروقراطيا لكي يؤسس شركة. وفي المجر تستغرق نفس هذه العملية 53 يوم عمل وتنفيذ 10 إجراءات بيروقراطية ودفع 3,674 دولاراً. إن مثل هذه القيود المكلفة تكون في صالح الشركات الكبيرة على حساب الأعمال الصغيرة، حيث يتم خلق معظم فرص العمل، وهي تدفع نسبة كبيرة من سكان الدول النامية إلى العمل في مجال الاقتصاد غير الرسمي.

والاقتصاد غير الرسمي في الدول النامية كبير بسبب عامل رئيسي آخر. إذ لا يعترف القانون بحقوق الملكية الفردية للفقراء. وقد بين عالم الاقتصاد من البيرو هرناندو دي سوتو بالوثائق كيف ان الفقراء حول العالم لا يأمنون لما يملكون إذ ليست لديهم وثائق ملكية قانونية لهذه الممتلكات. في المناطق الريفية من البيرو، مثلاً، لا تعترف الدولة بنسبة 70% من ممتلكات الناس الفقراء. ان غياب مثل هذه الحماية القانونية يحدّ بدرجة قاسية من قدرات تكوين الثروة التي قد يملكها الفقراء فيما سُمح لهم بالمشاركة ضمن إطار العمل القانوني للسوق. وبدون حقوق ملكية خاصة مضمونة لا يستطيع الفقراء استعمال ضمانات إضافية للحصول على قروض ولا يمكنهم الحصول على تأمين ويجدون صعوبة في التخطيط للمدى الطويل.

ان إنهاء هذا التمييز القانوني قد يسمح للفقراء بالاستفادة الكاملة من نظام السوق ويمكنهم من استعمال ممتلكاتهم الكبيرة لتكوين الثروة. بالتأكيد وكما أظهر دي سوتو، فان الفقراء أغنياء بممتلكاتهم. واستناداً إليه تساوي ممتلكات الفقراء 40 ضعفاً من قيمة كافة المساعدات الأجنبية التي حصلت عليها البيرو منذ عام 1945. كما ان ثروة الفقراء في هايتي مثلاً تزيد بمقدار 150 ضعفاً عن مجموع الاستثمارات الأجنبية في تلك الدولة منذ ان حصلت على استقلالها عام 1804. هناك مناطق محدودة تم فيها تسجيل ممتلكات الفقراء مما أدى إلى نتائج مؤثرة فيها. وحيث تم التسجيل في البيرو، تأسست شركات جديدة وازداد الإنتاج وارتفعت قيمة الممتلكات 200 بالمئة وأصبح الحصول على القروض متوفراً.

ان توسيع نظام حماية حقوق الملكية الفردية لتشمل ممتلكات الفقراء تعتبر أهم إصلاح اجتماعي يمكن ان تُنفذه الدول النامية. فهو إصلاح أُهمل تماماً تقريباً في السابق في كافة أنحاء العالم، علماً أن من شأن ذلك الإصلاح التأثير الكبير المباشر على الفقراء وتوليد نتائج دراماتيكية لآلاف الملايين من الأشخاص بالفعل.

المثابرة على التركيز الصحيح
هناك دول تمكنت من إنهاء الفقر الجماعي فيها فقط من خلال اتباع سياسات تشجيع النمو الاقتصادي. لكن على هذا النمو ان يكون ذاتي الاستدامة لكي يتحول إلى زيادات ثابتة في الثروة. من المحتمل ان تؤدي سياسات التصنيع الإلزامي أو التنمية التي تقودها الدولة الى حصول معدل نمو مرتفع لبعض الوقت، ولكن التاريخ يظهر أن التقلّص الاقتصادي يتبع هذه الحالات. بالمقابل تُظهر الحرية الاقتصادية علاقة قوية بالرخاء الاقتصادي والنمو الاقتصادي مع مرور الزمن. ولحسن الحظ، تتبع بلدان نامية عديدة هذا المسار وتولد معدلات نمو عالية وسريعة حيث يتبيّن أنها مفيدة للفقراء. من المحتمل ان تكون لتجربة هذه البلدان تأثيراً دليلياً لغالبية الدول التي لا زالت غير متحررة اقتصادياً من أوجه عديدة.

تستطيع كافة الدول النامية ان تفعل اكثر لزيادة النمو. ان تثبيت حكم القانون، وتخفيف القيود التي تعيق العمل التجاري والمنافسة، والاعتراف بحقوق الملكية الخاصة للفقراء، تُشكّل ثلاثة إصلاحات تتجاوز إجراءات تحرير الاقتصاد التي اعتمدتها دول عديدة حتى الآن. تساهم هذه الإصلاحات ليس فقط في النمو الاقتصادي بل تزيد أيضاً فعالية النمو في تخفيض مستوى الفقر. يجب ان لا يفقد صانعو السياسات في الدول الغنية والفقيرة على حد سواء التركيز على أمل النمو. لانه يبقى السبيل الوحيد لوضع حد نهائي للفقر الجماعي.

* ملاحظة: إن الآراء المتضمنة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء وسياسات الحكومة الأميركية.


هبات لفقراء العالم: مساعدات أكثر بنفس الكلفة
بقلم آدم ليريك، مدير، مركز عايوّت للسياسة العامة، واستاذ علم الاقتصاد في جامعة كارنيجي ميلون

ينبغي على مصارف التنمية المتعددة الأطراف تقديم هبات، وهي ليست قروضا، إلى الدول الفقيرة في العالم، كما يقول آدم ليريك، مدير مركزغاليوت للسياسة العامة، وأستاذ علم الاقتصاد في جامعة كارنيغي ميلون.
يرفض ليريك الحجج التي تقول إن هذا الأسلوب سوف يستنزف موارد البنك الدولي. ويضيف أن الهبات لن تكلف أكثر من القروض؛ واحتياجات التمويل ستبقى كما هي إذا بقي مستوى المساعدة مماثلاً. ويقترح أن تقوم أسواق الرساميل بتمويل برامج التنمية بعد التأكد من الحصول على دفعات من البنك مقابل الخدمات.
عمل ليريك في السابق مستشاراً لرئيس اللجنة الاستشارية في مؤسسة التمويل الدولي- لجنة ملتزر - التابعة لحكومة الولايات المتحدة.

تثير رؤية طفل جائع في أي مكان من العالم الانزعاج على موائد عشاء المتخمين إلى درجة أن أي كمية من الأدوية المضادة للحموضة لا يمكنها أن تخفف من ذلك الانزعاج. في العالم الإلكتروني للقرية العالمية، كما تكهّن خبير وسائل الإعلام مارشال ماك لوهان في الخمسينات، "أصبحت غرفة الجلوس حجيرة اقتراع". "فقد نقل التلفزيون النقاش بالنسبة لمساعدات التنمية من طاولات مؤتمرات المؤسسات المتعددة الأطراف إلى المنابر، والشوارع، والى الضمير العام.

إن عدم تقديم العون إلى الدول المحتاجة لم يعد خياراً مقبولاً. بل أن زيادة المساعدات هي على كل لائحة. لكن كيف يمكن توزيعها بحكمة، وبصورة فعالة، ومباشرة لمصلحة الفقير؟ وكيف يمكن الوصول إلى نهاية دائمة للدائرة المفرغة للاقتراض، ببساطة لتسديد المدفوعات السنوية المستحقة لخدمة دين يتعاظم باستمرار للاقتراض؟ كلا هذين السؤالين يبقيان هدفين محيرين. ولكن مبادرة تخفيف ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون توفر بديلاً مؤقتاً فقط.

في جميع الحوارات، تمّ توجيه اهتمام ضئيل إلى السجل التعس للمساعدات السابقة أو إلى الإشراف خلال الخمسين سنة الماضية للبنك الدولي على تدفقات مالية بقيمة 500 ألف مليون دولار من الدول الصناعية. حسب تقدير البنك، فإن أقل من مشروع واحد من كل ثلاثة من مشاريعه التي نفّذها في الدول الأكثر فقراً أعطى نتائج مُرضية وقابلة للاستدامة.

تحمل اثنتان وأربعون دولة محتاجة الآن عبئاً قدره 175 ألف مليون دولار على شكل ديون رسمية التي من الواضح أنها لن تستطيع تسديدها، كما لم تستفد منها بشيء إلاّ الهبوط بنسبة 25 بالمئة في مستوى معيشتها منذ عام 1980.

لماذا الهبات ؟
دفعت مثل هذه الأرقام المذكورة الرئيس جورج دبليو بوش إلى اقتراح إدخال تغيير رئيسي في شكل مساعدات التنمية خلال اجتماع مجموعة الدول السبع الكبرى في تموز/يوليو في جنوى. ويتمثل هذا التغيير في إلغاء القروض التقليدية المتوجبة على الدول الفقيرة التي لا تستطيع تسديدها. وبدلاً منها، تقديم هبات مباشرة لتحقيق تحسينات أساسية في مستويات المعيشة والبنية التحتية التي تعتبر أساس كل صعود من الفقر إلى الإنتاجية.

والهبات ليست أمرا جديدا، ولكن يعاد تصميمها لكي تكون ناجحة:

  • التركيز على مشاريع لها أهداف يمكن تقييم نتائجها بسهولة كالتلقيح ضد الأمراض، ومكافحة الأمية، ومعالجة المياه والكهرباء.
  • التنفيذ بموجب عروض تنافسية مع اعتماد كبير على المهارات المتخصصة للمجهزين السريعي التحرك من القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية.
  • تقاسم التكاليف بين الدولة المانحة والدولة المستفيدة على أساس مقياس تدريجي حسب الحاجة.
  • تسديد دفعات الهبات تبعاً للأداء فقط، وحسب قياسه من قبل مدققين مستقلين. لا نتائج: لا أموال تدفع. لا أموال تحوّل إلى حسابات مصرفية خارجية (أوف شور)، والى مشاريع تافهة أو لشراء طائرات نفاثة.
  • مثال: دولة يبلغ الدخل السنوي للفرد فيها 250 دولاراً أميركياً تتأهل للحصول على نسبة 90 بالمئة من مصادر الهبة تقرر أن تلقيح أطفالها ضد الحصبة هو هدف مرغوب فيه. إذا وافق البنك الدولي على هذه الضرورة تتقدم حكومة الدولة بطلب الحصول على عروض أسعار تنافسية من ممثلي القطاع الخاص، ومن هيئات غير حكومية كالمؤسسات الخيرية، ومن هيئات القطاع العام كوزارة الصحة. إذا كان العرض الأدنى المقبول يبلغ 5 دولارات لكل لقاح، يوافق البنك الدولي على دفع مبلغ 4.50 دولار (نسبة 90%) لكل طفل يلقح مباشرة من قبل المجهّز، وتكون الحكومة مسؤولة عن تسديد الثمن المتبقي البالغ 0.50 دولار (10%). تُسدد الدفعات فقط بعد تقديم شهادات من قبل وكيل مستقل عن كافة المشاركين- الحكومة، والبنك الدولي، ومجهز اللقاحات- تثبت بأنه تمّ بالفعل إعطاء اللقاحات للأطفال.

    تأتي مساعدة البنك الدولي المقدمة إلى الدول ذات الاقتصاد الأكثر فقراً من المؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، التي تقدم في كل عام حوالي 6 آلاف مليون دولار على شكل قروض بدون فائدة تقريباً إلى 72 دولة ذات دخل فردي سنوي يقل عن 1,500 دولار. من بين هذه الدول هناك 59 دولة محرومة أكثر من غيرها، حيث يعيش السكان على دخل يومي فردي يقل عن دولارين. تمثل هذه القروض نسبة 33% من مجموع قروض البنك الدولي. وكلما زاد فقر الدولة، كلما زادت حاجتها للهبات. حالياً، وبموجب شروط المؤسسة الدولية للتنمية، يستفيد جميع مستلمي الهبات من نفس الإعانات في التمويل، رغم أن بعضهم أقل فقراً بوضوح من الآخرين وأن بعضهم يستطيعون إيجاد موارد مالية محلية ومن أسواق الرساميل في الخارج. إذا تمّ تحويل كافة تدفقات المساعدات التي تقدمها المؤسسة الدولية للتنمية إلى شكل هبات، وإذا تحوّل عنصر المساعدة ليصبح على أساس مقياس تدرجي يستند إلى الحاجة - من هبات بنسبة 90 بالمئة للدول الأكثر فقراً إلى 50 بالمئة للدول التي تقترب من وسط المقياس- يكون المعدل ما بين 70 و75 بالمئة، وهذا مماثل للمعدل الإجمالي الحالي لإعانات القروض ولكن توزيع المساعدات يصبح أكثر إنصافاً.

    لن تقف الدول الفقيرة متفرجة في عملية منح الهبات. فهي تُشكّل الصوت المقرر في اختيار البرامج، ويترافق ذلك مع التزام التسديد المشترك المباشر حتى لا ينمو الدين ليصبح غير قابل للتحمل، فتصبح بذلك محمية ضد المخاطر. وبموجب مبدأ الهبات التي تسدد حسب القدرة، لا يمكن أن يوجد إنفاق دون فوائد، ولا التزام مالي مستمر في حال فشل المشروع. فأخطار الاداء تقع عند ذلك على عاتق القطاع الخاص.

    مواجهة المعارضة
    تدور معارضة التحول إلى الهبات حول الحجة الخاطئة القائلة إأن الهبات سوف تستنزف موارد البنك الدولي سوية مع قدرته على مساعدة الدول الفقيرة، ما لم ترافق الهبات موارد تمويل جديدة واسعة - تصل إلى 800 مليون دولار سنوياً من الولايات المتحدة بمفردها.

    قد يبدو منطقياً أن المال عندما يمنح بدلاً من أن يُقرض سوف يؤدي إلى اختفاء المخزون من الأموال في نهاية المطاف لكن الأمر ليس كذلك. إذ أن الهبات تمنح نفس المساعدة، لكن يكون لكل دولار تأثير أكبر، ولكي توفّر مخرجاً دائماً من الدين بالنسبة للدول الأكثر فقراً، وتحمي مساهمات المانحين من أخطار الضياع - وكل ذلك دون تقليل مبالغ الأموال المجمعة وبدون طلب مبالغ أكبر من دافعي الضرائب في العالم الصناعي أكثر مما تحتاجه البرامج الجاري تنفيذها.

    لن تكلف الهبات أكثر مما تكلفه القروض، فمطلب التمويل يكون مماثلاً عندما يكون مستوى المساعدة مماثلاً. لا يتوجب على المانحين أن يعطوا أكثر مما يرغبون في تقديمه.

    تمنح الآن المؤسسة الدولية للتنمية قروضاً لمدة 40 سنة بفائدة 0.75 بالمئة. يُخفِّض معدل الفائدة هذا، القريب من الصفر، القيمة الحالية لتسديد هذه القروض إلى 27 سنتاً من كل دولار حيث أنه يتحول إلى هبة تعادل نسبة 73 بالمئة من قيمة القرض. لا يمكن أن يكلف قرض يتكون من هبة نسبتها 73 بالمئة أكثر من هبة مباشرة تبلغ نسبة تغطيتها 73 بالمئة من كلفة المشروع. في كلا الحالتين، تدفع الدول نسبة الـ 27 بالمئة المتبقية. فكيف يمكن أن يختلف إقراض مبلغ 100 دولار وطلب تسديد 27 دولارا فقط من قيمته عن وهب 73 دولاراً؟ وهناك كلفة إضافية مخفية للإقراض: إذ نادراً ما تسدد الدول الأكثر فقراً القروض الممنوحة لها.

    يتخذ تقلص الموارد، من جراء النقص في تسديد القروض إلى مجموع الأموال المتداولة المخصصة للمساعدات، كذريعة لوقف التحول إلى الهبات. لكن الممارسات الواقعية تنفي هذا الادعاء بالنسبة لإعادة التدفق لأن الكثير من القروض لا تسدد فعلاً. يعاد تدوير معظم الديون إلى نفس المقترضين مع إضافة مبالغ لتغطية تسديد الفوائد. وفي نهاية المطاف، يجب إعفاء الكثير من الديون كما هي الحال في المبادرة الحالية لمساعدات الدول الفقيرة المثقلة بالديون، والتي تغطي 41 دولة من أفقر الدول في العالم. لا فرق بين إعادة تدوير القروض أو الإعفاء منها فهي ببساطة هبات مُقّنعة.

    ليس هناك أي عذر للدفاع المستمر عن أسلوب مرَّ عليه الزمن لتقديم مساعدات كانت مصممة لزمن كانت فيه القروض المباشرة هي الخيار الوحيد المتاح. أما الآن، فتستطيع أسواق الرساميل المتطورة تزويد التمويل، وهي راغبة في تحمّل المخاطر التي كانت تمنع في السابق تنفيذ المشاريع في الدول النامية.

    لن يمس رأس مال البنك؛ إذ بموجب نظام الهبات، سوف ينفق فقط الدخل الذي يولده رأس المال. من المحتمل تحويل الأموال المجمعة من المانحين التي تستعمل الآن للإقراض، إضافة إلى دورات المساهمات المستقبلية إلى حساب موقوف للاستثمار في أسواق الرساميل ليولّد مداخيل تغذي دفق من المدفوعات لتسديد الخدمات. هناك حتى الآن مساهمات بقيمة 108 آلاف مليون دولار من مساهمات الدول الغنية في رصيد حساب المؤسسة الدولية للتنمية، مكونة جزئياً من قروض وجزئياً من أموال نقدية. إن هذه الأرصدة النقدية، والتي يضاف إليها تسديدات القروض في المستقبل يمكن أن تستثمر بفائدة معتدلة تبلغ 8.25 بالمئة سنوياً بحيث تصل في النهاية إلى 8,400 مليون دولار يمكن منحها كهبات كل سنة بعد حسم النفقات الإدارية.

    لن تضطر الدول الفقيرة الاقتراض لتمويل تنفيذ المشاريع. بدلاً من ذلك، سوف يتضاعف الدفق السنوي البالغ 8,400 مليون دولار عن طريق استثماره في أسواق الرساميل. أما تمويل المشاريع فسوف تجذبه عقود الخدمات العائدة لها إذ أن مسؤولية البنك المباشرة عن حصة الأسد من كل دفعة على المشاريع سوف تقلل المخاطر للمقرضين. وبهذا، تستمر المحافظة على مبلغ يماثل 108 آلاف مليون دولار لبرامج التنمية الجارية. إن انتقال المؤسسة الدولية للتنمية من منح القروض إلى منح الهبات على امتداد فترة انتقالية تصل إلى 40 سنة، سوف يجعل حجم برامج التنمية وتدفق الموارد المالية إلى الدول الفقيرة يتماثل مع ما يكون قد تمّ تقديمه بواسطة قروض تقليدية. إن التخلّف عن تسديد القروض القديمة سوف يقلص الموارد المتوفرة ولكن ليس أكثر مما يجري الآن بموجب الاقتراض.

    سوف يسعى البنك الدولي تقريباً إلى الحصول على تمويلات لإعادة تغذية صندوق المؤسسة الدولية للتنمية كما يحصل كل ثلاث سنوات. والمبالغ اللازمة كبيرة. وقد بلغت في المرة الأخيرة 11,500 مليون دولار. إن تقديم المساعدات إلى الدول المحتاجة هو التزام متواصل ولكن الاستخدام المسؤول لأموال دافع الضرائب هو أيضاً التزام متواصل.

    إذا أضاف وزراء المالية والمشرّعون شرطاً لاستعمال الهبات عند تسديد مساهماتهم الجديدة فان الفعالية المتزايدة للمساعدات قد تشجعهم على تقديم مبالغ أكبر وبضمير مرتاح.

    ملاحظة: إن الآراء المتضمنة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء وسياسات الحكومة الأميركية.


    شراكة عالمية في التنمية الاقتصادية الأفريقية
    بقلم هورست كوهلر، المدير الإداري لصندوق النقد الدولي

    يقول هورست كوهلر، المدير الإداري لصندوق النقد الدولي، "ليس هناك أدنى شك بوجوب تقديم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومانحين آخرين مساعدات فنية متزايدة ومُنسّقة بشكل أفضل لدعم استراتيجيات تخفيض مستوى الفقر في أفريقيا."
    ويضيف كوهلر بأن إحدى المبادرات الواعدة هي الأبحاث الاستراتيجية لتخفيض مستوى الفقر التي تسمح للدول النامية بتصميم استراتيجيات خاصة بتطورها، مع توجيهها من المؤسسات المالية الدولية. يؤكد كوهلر انه لكي تكون ناجحة يجب ان تستند هذه الاستراتيجيات إلى تشجيع الحكم الصالح وتطوير الخدمات الصحية، والتعليم، والزراعة، والبنية التحتية، وتوسيع التكامل الاقتصادي الإقليمي والعالمي، وبناء شراكات بين أفريقيا ومؤسساتها الإنمائية الثنائية والمتعددة الأطراف مع قطاعها الخاص.

    (تمّ تقديم البحث التالي في الأصل إلى اجتماع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة الذي عقد في جنيف، بسويسرا، في 16 تموز/يوليو 2001).

    يُعقد الاجتماع هذا اليوم في أجواء اقتصادية صعبة. فمعدل النمو الاقتصادي يتباطأ في العالم. وقد يسبب ذلك مصدر عدم ارتياح للاقتصادات المتقدمة لكنه بالنسبة للعديد من الأسواق الناشئة والدول النامية يشكل مصدراً إضافياً للمتاعب الاقتصادية ونكسة حقيقية في الحرب ضد الفقر في العالم. وبالطبع فإن الدورة الاقتصادية لم تتوقف وربما كان من الضروري حصول بعض هذا التصحيح الاقتصادي لتخفيف التوقعات المفرطة في التفاؤل. أما الآن فتقع على الاقتصادات المتقدمة، بشكل خاص، مسؤولية التفاعل النشط لتقوية إمكانيات النمو المستدام في دولها، وبالتالي استعادة الزخم في الاقتصاد العالمي. كما على الأسواق الناشئة والدول النامية من جهتها ان تثبّت مسار الإصلاح البنيوي والسياسات السليمة في الاقتصاد الكلّي.

    أظهر التباطؤ في النشاط الاقتصادي العالمي بوضوح أكبر من أي وقت مضى ان الدول مترابطة فيما بينها. يحذر هذا الترابط من أن رخاء الاقتصادات المتقدمة لا يمكن استدامته مع وجود فقر منتشر. لقد حقق التكامل في الاقتصاد العالمي مكاسب لم يسبق لها مثيل في الدخل وتحسينات في رفاهية الإنسان في معظم أنحاء العالم. لكن موجة ارتفاع الرخاء تجاوزت الكثيرين جداً، وبالأخص، جميع سكان منطقة جنوب الصحراء الكبرى في افريقيا تقريباً. وكما بالنسبة لكل الناس فلن يكون للكلام عن الاستقرار الاقتصادي وتخفيض الفقر الصدى اللازم في غياب استراتيجية لمكافحة وباء الايدز، وهو ما انعكس أمره في الجلسة الخاصة للأمم المتحدة الشهر الماضي في نيويورك.

    تؤكد كافة هذه التطورات حاجة تطوير مفهوم متكامل للإجابة عن الأسئلة الحاسمة حول العولمة. على هذا المفهوم أن يستجيب إلى واقع ان الإنسانية جمعاء تتقاسم عالماً واحداً، وعليها أن تضع أسس الرخاء على قاعدة أوسع. وقبل كل شيء فإن النجاح في الحرب ضد الفقر هو مفتاح الاستقرار والسلام في القرن الواحد والعشرين.

    خلال السنة الأولى من عملي في صندوق النقد الدولي، سافرت مرتين إلى أفريقيا لإجراء مباحثات مع رؤساء دول ومع القطاع الخاص ومع المجتمع المدني، وقابلت في أحيان كثيرة قادة أفريقيين في واشنطن. لم يبقَ لدي أدنى شك بأن أفريقيا قارة ذات تنوع غير اعتيادي - لديها مشاكل هائلة ولكنها تملك أيضا قدرات ضخمة. وقد أدهشني بشكل خاص تصميم الشعب الأفريقي، وبالأخص النساء الأفريقيات، على العمل الشاق والمثابرة في العمل بوجه عوائق عديدة. وعلينا ألاّ نتخلّى عنهن. إني أعارض بقوة عدم الثقة والتشاؤم بالنسبة لأفريقيا. وأعرف تماماً انه هناك طريق تقودنا إلى الأمام.

    المبادرة الأفريقية الجديدة
    إننا اليوم أمام نافذة حقيقية مفتوحة على الفرص. فقد عمل القادة الأفريقيون معاً في تصميم استراتيجيات لتسريع النمو الاقتصادي والتنمية ولإخراج القارة من دائرة الفقر المنتشر. يسعدني جداً ان تكون هذه الأساليب - الشراكة الألفية لبرنامج استرداد العافية الأفريقية (MAP) وخطة أوميغا (OMEGA)- قد تم توحيدها الآن في مبادرة أفريقية جديدة واحدة. ان هذه المبادرة متثبتة بإحكام في المبادئ الأساسية الأفريقية المتعلقة باستقلالية العمل والقيادة والمسؤولية في إزالة العوائق المحلية أمام التنمية المستدامة. وأعتقد ان ذلك يشكل أهم عامل في هذه المبادرة.

    تُركّز المبادرة الأفريقية الجديدة على أربعة عناصر أساسية.

  • أولاً، وقبل أي شيء آخر، هناك إدراك لا لبس فيه بأن السلام والديموقراطية والحكم الصالح هي شروط مسبقة للاستثمار والنمو وتخفيض مستوى الفقر.
  • ثانياً، تدعو المبادرة إلى خطط عمل لتطوير العناية الصحية وأنظمة التعليم والبنية التحتية والزراعة.
  • ثالثاً، تعتمد المبادرة بحق على القطاع الخاص، كما على التكامل الاقتصادي على المستويين الإقليمي والعالمي.
  • رابعاً، تحدد المبادرة خطوات ملموسة لتطوير شراكات أكثر إنتاجاً بين أفريقيا وشركائها في التطوير المبني على اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف، كما على القطاع الخاص.

    أرى ان هذه العناصر تُشكّل بمجموعها أساس أسلوب عمل شامل لمكافحة الفقر في أفريقيا. أعتقد ان من المهم بصورة خاصة ان تُرسم المبادرة الأفريقية الجديدة على شكل بنية تنظيمية ملموسة لتسهيل تطبيقها. ونصيحتي هي التحرك إلى الأمام بطموح في تطبيق هذه المبادرة، لكن مع الحذر من البيروقراطية والصراع الداخلي بين المؤسسات، لأن على هذه المبادرة ان تقدّم في نهاية الأمر فوائدها إلى الشعب وليس إلى المنظمات والمؤسسات. يمكنني أن أو أكد لكم بأن صندوق النقد الدولي يقف على أتم الاستعداد بخبراته وموارده للتعاون الفعال في هذه العملية، ولتزويد الدعم القوي لهذه الرؤيا الأفريقية وبرنامج العمل الأفريقي.

    إنني أشعر بالرضى عن كون المبادرة الأفريقية الجديدة تلحظ عملية الدراسات الاستراتيجية لتخفيض مستوى الفقر، كونها وسيلة أساسية لبناء الأولويات لمجمل القارة الأفريقية، وذلك ضمن البرامج الوطنية لتخفيض مستوى الفقر ولتنسيق الدعم الدولي. يسمح لنا هذا الأمر الاستناد إلى الخبرة التي اكتسبناها معاً حتى الآن.

    الواقع، حسب رأيي، أن دراسات استراتيجية تخفيض مستوى الفقر رغم تشديدها على استقلالية عمل الدولة، والمشاركة العريضة، والتعامل مع المبادئ الأساسية الاقتصادية والاجتماعية، يجب ان تستمر في البقاء ضمن إطار العمل التوجيهي لشراكتنا مع الدول الأفريقية. ما زالت عملية دراسات استراتيجية تخفيض مستوى الفقر عملاً في طور الاكتمال - فخلال الأشهر القليلة الماضية فقط استلمنا أول خمسة دراسات كاملة لاستراتيجية تخفيض مستوى الفقر -لكن هناك إشارات تدل على ان هذه العملية سوف تنتج ثمارها. إن اداء النمو يتواصل، بل انه يتحسن في عدد من الدول، رغم البيئة العالمية الصعبة. من المتوقع ان يزداد الإنفاق على الشؤون الصحية والتعليم بنسبة واحد بالمئة من إجمالي الناتج المحلي هذه السنة.

    واستجابة منهما لطلبات الدول الأفريقية ولمجموعة الدول المانحة، فقد بدأ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بإعداد دراسات تحليلية بعناية للأثر الاجتماعي عند دمج هذه الدراسات في الاستراتيجيات الوطنية لتخفيض مستوى الفقر. لقد التزمنا (رئيس البنك الدولي) جيم وولفنسون وانا بالعمل مع شركائنا في أفريقيا ومجموعة الدول المانحة لتحقيق القدرة الكاملة لدراسات استراتيجية تخفيض مستوى الفقر.

    قدرة دراسات استراتيجية تخفيض مستوى الفقر
    وبالطبع، فإن القادة الأفريقيون يشيرون إلى الشروط القاسية التي تضعها هذه العملية على القدرات الإدارية المحدودة لبلادهم. وليس هناك من أدنى شك بأنه يجب على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمانحين الآخرين تقديم مساعدات فنية متزايدة منسقة بشكل أفضل لدعم استراتيجيات تخفيض مستوى الفقر في القارة الأفريقية. يخطط صندوق النقد الدولي لتقديم جهد إضافي ذي أهداف محددة بدقة لبناء القدرات في النواحي الأساسية من مسؤولياته، وسوف يكون على اتصال بالدول المانحة الرئيسية خلال الأسابيع القادمة للتباحث بشأن الطرق التي تستطيع من خلالها هذه الدول دعم هذا الجهد. أعتقد ان تركيز مساعدة الصندوق بصورة دقيقة أكثر على مجالات خبرته أمر ضروري، ويسعدني ان البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، وبنك التنمية الأفريقي يعملون في نفس الاتجاه. لذلك سوف تكون جهودنا مكملة لبعضها البعض. ومع تقدم المبادرة الأفريقية الجديدة قُدماً سوف يصبح صندوق النقد الدولي جاهزاً لتوفير ما يلزم من المدخلات والمساعدات إلى الهيئات التي سوف تُنشأ لاحقاً لمراقبة تطبيقها.

    قريباً من نهاية هذه السنة سوف يقوم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بمراجعة معمقة لعملية الدراسات الاستراتيجية لتخفيض مستوى الفقر بالاعتماد على آراء أعضائهما، ومؤسسات دولية أخرى، ودول مانحة، والمجتمع المدني. اني على يقين بأن هذه المراجعة سوف تحدد مجالات إضافية للتحسين. وليس أقل من ذلك كون عملية أبحاث استراتيجية تخفيض مستوى الفقر هي طريقة طبيعية لتقوية التنسيق بين الدول المانحة، كما تثمن بدرجة كبيرة الجهود التي بذلتها في هذا الاتجاه حتى الآن بعض الدول المانحة. على الدول المانحة المهتمة فعلاً باستقلالية عمل الدول وبفعالية المساعدة أن ترغب أيضاً بالعمل اكثر لضمان ان مساعدتها سوف تخدم فعلاً المصالح الأفريقية، وأقلها تخفيف القيود المفروضة على المساعدات، ومقاومة إغراء القيام بإدراتها الجزئية لهذه المساعدات من وجهة نظر مجتمعات الدول المانحة نفسها.

    إن احترام ملكية الدولة وأولوياتها يدعم أيضاً جهودنا في تبسيط مجموعة شروط صندوق النقد الدولي لمنح المساعدات. تبقى هذه المشروط أساسية، وبالأخص للمحافظة على الموارد الدوارة لصندوق النقد الدولي. ولكننا نحتاج إلى تركيزها على الإجراءات التي تكون حاسمة حقاً للاقتصاد الكلي ضمن أهداف برامج كل دولة وترك مجال حقيقي للدول بأن تختار ما يتناسب مع تقاليدها السياسية والثقافية.

    لقد سرني اختيار القادة الأفريقيون جعل نظام الحكم الصالح عنصراً مركزياً في المبادرة الأفريقية الجديدة، حيث أن ذلك هو أمر أساسي لجذب الاستثمارات الخاصة وللإستخدام الفعال للموارد العامة النادرة. يقف صندوق النقد الدولي على أتم الاستعداد للبحث بشأن اكلاف وفوائد التدخلات ووسائل المراقبة الحكومية وللعمل مع الهيئات الوطنية لتحديد أساليب تخفيض مخاطر الإدارة السيئة والفساد. وسوف نستمر أيضاً في مساعدة الدول الأفريقية على تحسين الشفافية والمسؤولية عن الأعمال وذلك في سياسات الاقتصاد الكلي والسياسات المالية، كما في الإحصائيات الاقتصادية، من خلال نشاطاتنا الواسعة في موضوع المواصفات والمعايير وقواعد الممارسة الجيدة المتفق بشأنها دولياً.

    يقوم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي باستخدام عملية دراسات إستراتيجية تخفيض مستوى الفقر، إضافة إلى المساعدة المالية والفنية التي توفرها العملية، لمساعدة الدول الأفريقية على تأمين الظروف الضرورية لقيام قطاع خاص ديناميكي - مؤسسات سليمة، وبيئة قانونية واقتصادية موثوقة، مع مساواة في التنافس للجميع. علاوة على ذلك، ندعم بشدة إنشاء مجالس للمستثمرين كوسيلة للحوار البناء بين القادة الأفريقيين وكبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات الوطنية والدولية. سوف يوفر ذلك صوتاً أقوى لرجال الأعمال وفرصة أكبر لتحديد فرص الاستثمار والعوائق الرئيسية أمام الاستثمار الخاص والخيارات المتاحة لإزالتها.

    إعداد المسرح لزيادة التجارة
    تحتاج أفريقيا أكثر من أي شيء آخر إلى فرص أفضل للتجارة، والى أفضل المساعدات لتمكينها من مساعدة نفسها بنفسها. لقد حان الوقت، أخيراً، لتزويد الدول الأفريقية بإمكانيات الوصول الحر إلى أسواق الدول الصناعية، وبالأخص تلك القطاعات التي تهم الدول الفقيرة أكثر، كالمنتجات الزراعية وصناعة النسيج والملابس. يجب ان تكون هذه القطاعات موضوع تركيز مهم لأي دورة مفاوضات جديدة حول التجارة المتعددة الأطراف وذلك ضمن مفاوضات منظمة التجارة العالمية. اني أوافق الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان بأن سياسة الحماية للمنتجات المحلية تُشكّل عائقاً في الحرب ضد الفقر، وان الدورة الجديدة من المفاوضات يجب ان تبدأ بأسرع وقت ممكن.

    ومن المهم بصورة مماثلة أن تقوم الدول النامية بإزالة العوائق التي وضعتها أمام التجارة. قد يكون ذلك أيضاً، في أفريقيا، جزءاً من مفهوم التعاون والتكامل والاقتصادي الإقليمي كوسيلة لتحسين المنافسة والجاذبية للمستثمرين. كان صندوق النقد الدولي نصيراً رئيسياً للتكامل التجاري والمالي الإقليمي - مثلاً، في الاتحاد النقدي والاقتصادي لغرب أفريقيا، وفي الاتحاد الجمركي لأفريقيا الشرقية والجنوبية. وهو يشجع إنسجام (توافق) وتبسيط الاتفاقيات التجارية الإقليمية الفرعية المعقدة والمتراكبة. وسوف نستمر في تزويد المشورة والمساعدة الفنية حول الضرائب والرسوم الجمركية والممارسات التجارية. وسوف نزود المساعدة أيضاً في تطوير وسائل الإشراف الإقليمي وانسجام وتقارب سياسات الاقتصاد الكلي وذلك للمساعدة في دعم عملية التكامل الإقليمي الأعمق - وهو الهدف النهائي للاتحاد الأفريقي الجديد.

    أن تطبيق هدف الدول الصناعية في تزويد 0.7 بالمئة من إجمالي الناتج الوطني على شكل مساعدات رسمية للتنمية يجب ان يُنظر إليه كاستثمار في السلام والرخاء الاقتصادي عبر العالم. ان الالتزام بتحقيق هذا الهدف خلال العقد الحالي، رفع المساعدة من المعدل الحالي البالغ 0.24 بالمئة من إجمالي الناتج الوطني، قد يؤدي إلى زيادة قيمة المساعدة خلال السنة الأولى فقط إلى أكثر من 10 آلاف مليون دولار - وهي القيمة التي حددها كوفي انان على أنها ضرورية لبدء تنفيذ برنامج شامل لمنع انتشار وباء الايدز وعلاجه. إضافةً إلى ذلك، يجب توفر مجال لتقديم إعانة متزايدة مباشرة أكبر للدول الفقيرة. من المنذر بالخطر ان خمس مجموع تدفقات المساعدات الرسمية للتنمية تصل إلى الدول الأقل نمواً في الوقت الحاضر.

    تخفيف عبء الديون
    يُشكّل تخفيف عبء الديون أيضاً جزءاً متكاملاً من المفهوم الشامل لتخفيض مستوى الفقر. لقد بادر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في قيادة هذا المجهود بموجب المبادرة المعززة لمساعدة الدول الفقيرة المثقلة بالديون وقد أمّن ذلك حتى الآن تخفيف مبلغ 25 ألف مليون دولار من الديون المستحقة على تسع عشرة دولة أفريقية ما أدى إلى خفض نسبة خدمة الدين مقابل الصادرات بحوالي النصف (من 18 بالمئة في 1998 - 2000 إلى حوالي 9 بالمئة في 2001-2005). يؤمن تخفيف عبء الديون بموجب هذه المبادرة وفراً في الميزانيات السنوية لهذه الدول تتراوح نسبته بين 1 و2.5 بالمئة من إجمالي الناتج الوطني، مما يسمح بزيادات مهمة في الإنفاق لصالح الفقراء.

    أني اعتقد بالفعل انه من مصلحة الدول المستفيدة من مبادرة مساعدة الدول الفقيرة المثقلة بالديون بالذات المتابعة الفعالة لاستعمال الموارد التي حررتها هذه المبادرة لكي تُظهر لشعوبها - كما لمجموعة الدول المانحة - بأنها تستعمل هذه الموارد بصورة جيدة لتخفيض مستوى الفقر. أننا نقوم بأقصى ما نستطيع لتوسيع فوائد هذه المبادرة بحيث تشمل بقية الدول المؤهلة للاستفادة منها. خلال هذه العملية سوف نعزز جهودنا لتلبية الاحتياجات الخاصة للدول الخارجة من النزاعات ومن ضمن ذلك إعانات لتسديد الفوائد المستحقة على مساعدات صندوق النقد الدولي الطارئة بعد انتهاء النزاع. كما أرحب بقرار الدول السبعة الكبار وغيرهم من الدول المانحة بتقديم إعفاءات لاحقة بنسبة 100 بالمئة من مطالباتها بموجب الاتفاقيات الثنائية الجوانب من خلال هذه المبادرة.

    لكن علينا ان نكون واضحين أيضاً بأن تخفيف عبء الديون لا يُشكّل دواءاً لجميع الأمراض. كان الإقراض وسيظل عنصراً لا غنى عنه للتنمية الاقتصادية، ولهذا السبب، على المدى الطويل، سوف يكون من الأمور الحاسمة للدول الفقيرة كسب ثقة المستثمرين في قدراتها وتصميمها على تسديد ما اقترضته. ولهذا السبب سوف يستمر صندوق النقد الدولي بالعمل عن كثب مع البنك الدولي وشركاء آخرين على مساعدة الدول الأفريقية من أجل إنشاء قطاعات مالية وطنية سليمة ودمجها لاحقاً بالأسواق المالية الدولية.

    يتعاون صندوق النقد بنشاط في إعداد الترتيبات لعقد مؤتمر التمويل للتنمية في المكسيك في آذار/مارس 2002 ونتطلع بأمل لنجاحه. يُشكّل تقرير الأمين العام للمؤتمر المقدم إلى اللجنة التحضيرية وتقرير زيديليو (حول التمويل من أجل التنمية) مدخلات جيدة في سبيل الحصول على نتيجة منتجة. اني واثق من ان مؤتمر التمويل للتنمية يستطيع تحقيق تأثير حقيقي على تخفيض مستوى الفقر في أفريقيا وفي العالم ككل، وذلك بالتركيز على مجالين: الأول، تحديد الثغرات في إطار العمل المؤسساتي لمكافحة الفقر في العالم مع الاستفادة القصوى من الآليات الموجودة، والثاني، المساعدة في بناء مجال عام أوسع، بالأخص لدى الاقتصادات المتقدمة، لما يجب عمله بالنسبة للتجارة والمساعدات.

    كما أني استمر في قناعتي بضرورة قيام نظام صلب، بناء، وشفاف لمراقبة التقدم وتنسيق نشاطاتنا الهادفة إلى تحقيق أغراض التنمية الدولية. نبحث في الوقت الحاضر، جيم وولفنسون وانا، اسلوباً عاماً يسير على نفس هذه الخطوط مع كوفي أنان. ولكن الوقت يمر ونحتاج إلى تحقيق تقدم أسرع. إن عملية دراسات استراتيجية تخفيض مستوى الفقر تقوم بتوليد قوة دافعة مهمة وعلينا استعمالها كأساس لمراقبة جهود تخفيض مستوى الفقر في كل دولة فقيرة.

    تدرس المنظمة الدولية للتعاون الاقتصادي والتنمية عملية مراقبة وصول الدعم المقدم من الدول الصناعية الكبرى - في مجالات مثل الوصول إلى الأسواق، والمساعدات، وتخفيف عبء الديون، وبناء القدرات. وأبعد من ذلك تبقى هناك حاجة لإطار عمل عام ولتوزيع المسؤوليات، إضافة إلى الآليات لمراقبة الأبعاد الأخرى للمساعدة الدولية، كمراقبة تجارة الأسلحة والمخدرات، وبالطبع فان الأمم المتحدة تشكل المنتدى الطبيعي لإجراء التقييم العام.

    لا أريد ان أقلل من المقدار الكبير للتحدي الذي نواجهه جميعاً في تشجيع التنمية المستدامة وتخفيض مستوى الفقر في أفريقيا. ولكن الرؤية الأفريقية الناشئة وبرامج العمل توفر لنا فرصة القيام بخطوة حاسمة إلى الأمام، ولا يمكننا إغفال هذه الفرصة. ان صندوق النقد الدولي هو جزء من عائلة الأمم المتحدة ونحن ملتزمون - استناداً إلى تكليفنا وخبرتنا - العمل عن كثب معكم جميعاً لجعل هذه الرؤية حقيقة ملموسة.

    ملاحظة: إن الآراء المتضمنة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء وسياسات الحكومة الأميركية.


    الديمقراطية ونظام الحكم والأسواق المفتوحة
    بقلم جون دي. سوليفان، المدير التنفيذي - المركز الدولي للمؤسسات التجارية الخاصة

    ليست هناك حقيقة تؤكد الاعتقاد بأن الأسواق الحرة سوف تظهر تلقائياً إذا توقفت الحكومة عن التدخل في مسار الاقتصاد، كما يقول جون دي. سوليفان- رئيس المركز الدولي للمؤسسات التجارية الخاصة. ويضيف، بأن على المؤسسات الحكومية والمنظمات الذاتية التنظيم ان تلعب أدوراً أساسية في ضمان عدالة القوانين وسريانها على الجميع وضمان تطبيقها وشفافية العملية. على مجتمع الأعمال بدوره أيضاً وذلك من خلال القضاء على الفساد المدمّر للنمو الاقتصادي ولجهود تخفيض مستوى الفقر.

    منذ أوائل الثمانينات ظهر توجه لا سابق له نحو الديمقراطية والاقتصاديات المستندة إلى السوق. رغم ذلك يبقى الكثير مما يجب عمله بغية تعزيز هذا التقدم واعداد الدول لقبول الواقع السياسي والاقتصادي للقرن الواحد والعشرين المشمول بالعولمة. حتى الديمقراطيات التي نشأت منذ وقت طويل مثل كولومبيا والبيرو وفنزويلا لاحظت ان استقرارها السياسي والاقتصادي بات مهدداً. وتواجه دول أخرى، منها تركيا وإندونيسيا وأوكرانيا، ضغوطاً هائلة إذ تحاول إنشاء مجتمعات ديمقراطية يسودها حكم القانون.

    لقد أظهر التاريخ المعاصر أن الدول التي تتمتع بأنظمة ديمقراطية مستندة إلى السوق مجهزة تماماً للاستجابة لتحديات العولمة. وقد أثبتت ثلاث مظاهر للديمقراطية بأنها حاسمة للتطور الاقتصادي والاجتماعي الطويل الأمد، وهي:

  • أن نظاما ديمقراطيا مستقرا هو أفضل ضامن للاستقرار السياسي الضروري للنمو الاقتصادي الطويل الأجل.

  • ان الممارسات الديمقراطية كالشفافية والمحاسبة هي ضرورية لإقامة حكم فعال وسريع الاستجابة، كما للنشاط الاقتصادي الكفؤ والمزدهر.

  • يجب وجود مجموعات قانونية تنظيمية يدعمها حكم القانون لتمكين المؤسسات التجارية من الازدهار في اقتصاد السوق.
  • تعزيز نظام الحكم الديمقراطي
    أظهرت تجارب الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ان عدم دمج الحكم الديمقراطي كجزء من الإصلاح الاقتصادي يعيق بدرجة خطيرة برنامج العمل الإصلاحي. كان من الشائع خلال معظم السنوات العشرين الماضية التحدث عن "إجماع واشنطن"، وهو برنامج إصلاحي يستند إلى استقرار الاقتصاد الكلي والإصلاح الضريبي، وغير ذلك من التعديلات في السياسة الاقتصادية. أظهرت التطورات الحديثة وبالأخص في أوروبا الشرقية والوسطى كما في إندونيسيا والأرجنتين حدود استخدام هذه النهوج إذ من اللازم توجيه اهتمام مماثل نحو المؤسسات الأساسية في المجتمع والى العملية التي يتم عبرها اتخاذ القرارات. وعلى عملية بناء الديمقراطية واقتصاد السوق ان تبدأ بالتأكد من ان قواعد النظام منفتحة ومنصفة للجميع.

    ان الأسس الفكرية لجهود بناء برنامج يهدف لإصلاح ديمقراطي أوسع واشمل ينبثق من نظرية "الاقتصاد المؤسساتي الجديد" الذي طوره رونالد كوز ودوغلاس نورث اللذان نالا جائزة نوبل لأبحاثهما. يؤكد الأسلوب المؤسساتي ببساطة ان القواعد مهمة في تكييف النتائج. وبطريقة أنيقة أكثر، فإن نجاح أو فشل أي جهد لتحقيق تحول يدوم طويلاً إلى أنظمة ديمقراطية موجهة إلى السوق يعتمد على تصميم وتشغيل إطار العمل المؤسساتي.

    ومن أجل التركيز على أهمية المؤسسات اسمحوا لي ان أشير إلى ثلاث خرافات شائعة حول العلاقة بين الدولة والسوق.

    الخرافة الأولى هي الاعتقاد بأنه عندما تشكل الأعمال الخاصة جزءاً مهماً من اقتصاد ما فإن ذلك الاقتصاد يصبح اقتصاد السوق. ان التاريخ مليء بأمثلة لم يحدث فيها هذا الأمر. تعتبر الفليبين تحت حكم فرديناند ماركوس وإندونيسيا تحت حكم سوهارتو مثالين كلاسيكيين لاقتصادين كانا رأسماليين يستندان على الأعمال التجارية الخاصة ودون أن يكونا نظامي سوق مفتوحة أو حرة. يسمي علماء الاقتصاد هذا النوع من السلوك بأنه "السعي للأجار"، أما معظمنا فنسميه الفساد ومحاباة ذوي القربى. فكلما ازدادت درجة الفساد المنظم في مجتمع ما، كلما قلّ عمل مبادئ السوق المفتوحة في النشاط الاقتصادي.

    هناك أنواع عديدة مختلفة من اقتصاديات السوق ممكنة، كما توجد اختلافات حقيقية بين الهيكليات المؤسساتية لمختلف الدول. لكن هناك مزيّة تتشارك فيها جميع اقتصاديات السوق هي وجود نظام تنافسي تطبق فيه القوانين على جميع المشاركين. ولا يمكن تأمين استدامة مثل هذا النظام على مر الزمان إلاّ في نظام ديمقراطي يعمل بكامل وظائفه.

    والخرافة الثانية تستند إلى سوء فهم يقول إن مجتمع الأعمال أو القطاع الخاص بصورة عامة هو كتلة صلبة متجانسة تدعم أو تعارض سياسات معينة أو زعماء معينين. ليس الأمر على هذا الشكل. ان معظم الدول عدة مجتمعات أعمال مختلفة لكل منها مصالحها وأهدافها. فمن الممكن أن يكون هناك قطاع حكومي وقطاع خاص وقطاع غير رسمي ضمن اقتصاد نفس الدولة. ويمكن ان يوجد ضمن القطاع الخاص شركات وتجار تعمل بالأخص في التجارة الدولية بينما تنتج شركات وتجار أخرى سلع لتلبية احتياجات السوق المحلية فقط. من الواضح ان هاتين المجموعتين لن تدعما دائماً نفس السياسات كما لن تؤيدا دائماً الإصلاح الموجه إلى السوق.

    إن الشركات التي نشأت خلف حواجز تجارية لحماية الإنتاج الوطني، ولها ارتباطات قوية بالحكومة وبالفوائد التي تقدمها الحكومة سوف تنحى إلى دعم الوضع القائم. وغالباً ما تكون هذه الشركات مناهضة للديمقراطية. وبصورة معاكسة، في أحيان كثيرة، تقوم الشركات التي حُرمت من الدعم الحكومي، وصغار أصحاب الأعمال والذين يعملون في التجارة الدولية بقيادة المطالبة بالتغيير. وحيث أن يكون مجتمع الأعمال كثير التنّوع، يصبح من الحكمة إنشاء مشاركات بين هذه الشركات والتجار وبين جمعيات الأعمال وهيئات الأبحاث الاستشارية، والمؤسسات المختلفة وغير ذلك من المنظمات التي لها مصلحة راسخة في قيام اقتصاد مفتوح ونظام سياسي ديمقراطي.

    والخرافة الثالثة هي الأخطر. انها الاعتقاد بأن الأسواق سوف تظهر تلقائياً إذا توقفت الحكومة عن التدخل في مسار الاقتصاد وهذا بعيد جداً عن الحقيقة. على الحكومة أن تضع قواعد وقوانين ثابتة وعادلة كي يتمكن اقتصاد السوق القوي من الظهور. ان على المؤسسات الحكومية والمؤسسات الذاتية التنظيم ان تلعب أدواراً رئيسية في ضمان تطبيق القواعد. وأحد الأمثلة على ذلك وجود إشراف مصرفي عادل يمكن الوثوق به (أو موثوق).

    سوف تعم الفوضى في غياب قواعد ملزمة وهيكليات تتحكم بسلوك جميع اللاعبين. عندئذٍ يصبح نظام الأعمال ببساطة "رأسمالية الكازينو" بحيث تكون جميع الاستثمارات فيه رهانات على ان الناس سوف تحافظ على وعودها وعلى أن الشركات سوف تقول الحقيقة وعلى ان سوف تدفع أجورهم وعلى ان اتفاقيات تسديد الديون.

    المساعدات الأجنبية والتنمية
    ان وضع العلاقات بين الدوائر الحكومية والمؤسسات التجارية والمجتمع المدني ومؤسسات السوق في مسارها الصحيح أمر حيوي. يجب ان تسعى برامج المساعدات الأجنبية التي تديرها الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية إلى تحقيق أهداف ملموسة مثل:

  • تشجيع تطور القوانين والمؤسسات الضرورية لاقتصاديات مفتوحة موجهة إلى السوق بضمنها القوانين التي تُغطي حقوق الملكية، ومنع الاحتكارات والمنافسة، والمؤسسات المصرفية ومعايير المحاسبة.

  • زيادة مساهمة المواطنين في العملية الديمقراطية من خلال السماح لمجموعات الأعمال وفئات أخرى من المجتمع المدني بالمساهمة في عملية صنع القرار يوماً بيوم.

  • إنشاء أنظمة مفتوحة لتزويد الآراء للحكومة بما في ذلك جلسات استماع حول قوانين، وهيئات لمراجعة التنظيمات، وهيئات استشارية من قبل المواطنين وأقنية اتصال أخرى بين المجتمع والدولة.

  • دعم منظمات التطوع الخاصة وضمان حرية إنشاء الجمعيات.

  • بناء الدعم والتفهم للحقوق، والحريات، والواجبات الضرورية لإقامة نظام ديمقراطي يقوم على المبادرة الاقتصادية الخاصة.

  • تعزيز ثقافة المبادرة الاقتصادية من خلال حوافز للابتكار والتوفير، والاستثمار، وإطلاق مؤسسات جديدة للأعمال.

  • تسهيل أنظمة الالتزام بالقوانين لتمكين مشاريع الأعمال الكبرى والصغرى من الانضمام إلى الاتجاه العام القانوني أو الرسمي، والاقتصادي في المجتمع.

  • توسيع إمكانيات الحصول على المعلومات التجارية والاقتصادية الضرورية لتمكين جميع فئات المجتمع المدني اتخاذ القرارات القائمة على معلومات صحيحة.
  • تقوية دور جمعيات الأعمال
    تلعب جمعيات الأعمال التجارية في الدول الصناعية، بصفتها كمدافعة عن القطاع الخاص، دوراً حيوياً في تشجيع نظام الحكم الجيد وصنع السياسة السليمة. رغم ذلك، فان مثل هذه الجمعيات في معظم اقتصاديات السوق البارزة، ما هي إلاّ البداية من أجل الاستفادة من تأثير "قوة العدد"، ولإظهار أنه من مصلحة المجتمع دعم العملية الديمقراطية. ان تنظيم مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم يكون أمراً هاماً على وجه الخصوص لتكوين كتلة حاسمة دافعة نحو الإصلاح.

    ان إحدى الأدوات للتأثير على السياسة العامة تتمثل في برنامج عمل قومي يحدد الإصلاحات في السياسة كأعلى أولويات مجتمع الأعمال في المدى القريب. يُحدد برنامج العمل هذا الإصلاحات وفقاً للقوانين والأنظمة ويقدم اقتراحات ملموسة (أو واقعية) للتغيير. ان المساهمة في برنامج العمل هذا هي الأساس. فقد قامت برامج تمّ تنفيذها بخطوات مماثلة في دول متباينة مثل مصر، والباراغوي، وهايتي ونيجيريا.

  • الاجتماع مع الأعضاء في ندوات مفتوحة لتحديد الحواجز القائمة أمام نمو الأعمال التجارية وتكوين الوظائف.

  • تحليل السياسات ووضع التوصيات.

  • النشر في وسائل الإعلام للحصول على آراء الأطراف المعنية.

  • تشكيل برامج إصلاح السياسات.

  • الإعلان عن برنامج العمل.

  • تقديم برنامج العمل الى رئيس البلاد والى الوزراء الرئيسيين خلال اجتماع قومي.

  • استمرار الدفاع عن برنامج العمل أمام الحكومة بضمنها الفرعين التنفيذي والتشريعي.
  • وقد اعتمدت الجمعية الوطنية لغرف التجارة والصناعة والمناجم والزراعة في نيجيريا برنامج عمل تنفذه على عدة سنوات لتنسيق عملية الإصلاح الاقتصادي. وفي عام 1999 اتخذ هذا العمل أهمية حاسمة بسبب كفاح البلاد لإنشاء نظام ديمقراطي حقيقي بعد سنوات من الحكم العسكري. ونظراً للضغط على هذه الجمعية بالنسبة للتحول السياسي القائم في نيجيريا والأزمة الاقتصادية المستمرة، فإن القيام بتطوير البرنامج الوطني للأعمال والإعلان عنه تظهر القدرة الاستثنائية للجمعية القومية لغرف التجارة والصناعة والمناجم والزراعة في نيجيريا على العمل بمواجهة صعوبات كبيرة.

    أطلقت الجمعية الوطنية لنساء الأعمال في مالاوي دعوة قومية لتصحيح المظالم التي تتعرض لها النساء العاملات في الأعمال التجارية. عقدت الجمعية منتديات إقليمية عبر البلاد لتحديد المسائل الرئيسية التي تواجه النساء، منها غياب المعلومات وصعوبة الوصول إلى القروض. طورت الجمعية انطلاقاً من هذه المؤثرات برنامج عمل وطني ودافعت أمام الحكومة تأييدا لاعتماد تغييرات تشريعية قد تعزز نمو الشركات التجارية التي تملكها النساء في مالاوي.

    إزالة العوائق المؤسساتية أمام المشاركة
    يُنتج أعضاء القطاع غير الرسمي منتجات شرعية بدون تراخيص صحيحة دون وضع قانوني بسبب عدم امتلاكها للموارد التي تمكنها من تطبيق القواعد والأنظمة المرهقة والمفرطة الضرورية للمساهمة في الاقتصاد الرسمي. في العديد من الدول يمكن ان تصل مساهمة القطاع غير الرسمي حتى 50 بالمئة من الاقتصاد الرسمي. يُحرم أصحاب الأعمال من المشاركة في الاقتصاد الرسمي والعملية السياسية بما انهم يعملون في نشاطات تجارية ذات دخل منخفض ونمو منخفض. وينتج القطاع غير الرسمي الكبير والمتنامي بسبب وجود عيوب أساسية في العمليات الحكومية، وهو برهان على انه لم يتم إنشاء نظام سوق.

    كان هرناندو دي سوتو من معهد الحرية والديمقراطية في بيرو أول من لحظ التحديات التي يشكلها القطاع الاقتصادي غير الرسمي الإصلاح الاقتصادي والسياسي. ويشكل عدم وجود حقوق ملكية آمنة مسألة مركزية لنظريته القائلة إن ملايين الأشخاص محكوم عليهم بالفقر ومهمشون في الخطاب السياسي لبلادهم. أدى بحث دي سوتو الريادي إلى تغيير حقيقي في طبيعة النقاش الدائر حول الأسواق والديمقراطية. ويقوم دي سوتو وفريقه من معهد الحرية والديمقراطية ببناء مؤسسات للأسواق في دول متنوعة كمصر والمكسيك والفيليبين، وقريباً سوف يوجّه دي ستوتو اهتمامه الى روسيا.

    محاربة الفساد لدعم القيم الديمقراطية
    بدأت المجتمعات الأعمال في الدول النامية تدرك ان الفساد يكلفها أموالا طائلة وأن عليها أن تقوم بعمل ما للقضاء عليه. ان الفساد لا يضر اقتصادياً فقط مجتمع الأعمال التجارية ومواطني الدول النامية بل يترك تأثيراً يزعزع استقرار الديمقراطية ورفاهية الدول. إن محاربة الفساد قد تؤدي إلى إصلاحات واسعة وتحسّن وظائف نظام الحكم.

    أنشأت الجمعية الوطنية لأصحاب الأعمال في الإكوادور برنامج للأبحاث والعمل النشط للقضاء على فرص الفساد. لم تركز الجمعية اهتمامها على الفساد السابق او على أي مجموعة معينة فحسب بل على الحاجة لاعتماد إصلاحات تغيّر توجهات الأعمال وتنشئ ممارسات حكم نظيف.

    أظهرت دراسات الجمعية الوطنية لأصحاب الأعمال أنه منذ تأسيس جمهورية الإكوادور قبل اكثر من 160 سنة تمّ تشريع 92,250 قاعدة قانونية – لا تزال 52,774 منها سارية المفعول في عام 1997. ان عدد القوانين والأنظمة المتشابكة مع بعضها وغير الواضحة والمتناقضة أوجد بيئة من الفوضى القانونية وترك أمر تطبيق وتنفيذ القوانين الى حرية تصرف البيروقراطيين. وبما ان الإكوادور دولة يحكمها القانون المدني لم تتمكن محاكمها من التوفيق بين القوانين أو إنشاء سوابق قانونية. أوصت الجمعية الوطنية لأصحاب الأعمال بتشكيل لجنة قضائية من سبعة أعضاء لها سلطة إعادة التوثيق والمطابقة للقوانين القائمة. نجحت الحملة التي قادتها الجمعية الوطنية لرجال الأعمال بدرجة كبيرة مما أدى إلى اعتماد توصية وضعتها لتشكيل لجنة قضائية وإدخال هذه اللجنة في الدستور الجديد للاكوادور.

    يتمثل أسلوب آخر في محاربة الفساد بمساعدة وسائل الإعلام على أن تقوم بدور المراقب في المجتمع. أطلق المركز الدولي للأعمال الخاصة شبكة من 500 صحافي منتشرين في أميركا اللاتينية يُعرفون باسم "صحافيون ضد الفساد". يدعم المركز الدولي للأعمال الخاصة الصحافيين الذين يخصصون أوقاتهم في التحقيق وفضح هدر الأموال العامة والسلوك غير الأخلاقي في الحكومة والفساد في جميع قطاعات المجتمع. ان مجموعة الصحافيين ضد الفساد هي شبكة، ومركز تبادل معلومات ومزوّدة خدمات لأولئك الصحافيين وللمؤسسات التي تدعمهم. تشجع هذه الشبكة إجراء التحقيقات واعداد التقارير حول الفساد، وتقدم مساعدات في التحقيق وتدافع عن الصحافيين في حال تعرضهم لعمليات انتقامية. في عام 2000، نتج عن الاحتجاجات التي قدمتها شبكة الصحافيين ضد الفساد إطلاق سريع من السجن لصحافيين مكسيكيين كانا قد أعدا تقارير حول ممارسات الفساد والمتاجرة بالمخدرات التي يقوم بها رجال الشرطة.

    تشجيع الحكم السليم للشركات المساهمة
    هناك نقطة مركزية أخرى تتعلق بتشجيع مبادئ الحكم في الشركات المساهمة، والتي تعنى بمكافحة ناحية العرض من عمليات الفساد وحيث أن الفضائح التي طالت مستويات عالية خلال الأزمات المالية في روسيا وآسيا أبرزت قضايا إدارة الشركات المساهمة كمسائل تحتاج لإصلاحات أساسية في دول نامية وفي اقتصاديات في طريق التحول. وأحد الدروس التي تم تعلمها من هذه الأزمات هو ان إجراءات الإدارة الضعيفة أو غير الفعالة للشركات المساهمة قد تخلق التزامات محتملة هائلة على الشركات نفسها وبصورة جماعية على المجتمع. يمكن لإخفاقات إدارة الشركات المساهمة أن تكون مدمرة كأي صدمة اقتصادية كبرى أخرى. وكما لاحظه أم. ار. شاتو مونفول سوناكول، الحاكم السابق للمصرف المركزي في تايلندا: "لقد أظهرت الأزمة المالية الآسيوية ان من الممكن ان تنهار بسرعة حتى الاقتصاديات القوية التي تنقصها شفافية التحكم، ومجالس إدارة مسؤولة للشركات المساهمة، وحقوق للمساهمين عندما تضعف ثقة المستثمر بها".

    قد ترغب حتى الدول التي تضم عدداً قليلاً من الشركات الكبيرة بأن تبدأ النظر بمسألة أنظمة الحكم أو الإدارة في الشركات المساهمة، إذ أنه يجري في الوقت الحاضر تكيفها لتلبية حاجات الشركات التي تملكها عائلات. والأكثر أهمية هي الشركات التي جرت خصخصتها، وتلك التي لا تزال تابعة للقطاع العام. ان تأمين مواصفات جيدة لنظام حكم الشركات المساهمة في هذه المجالات يعزز بدرجة كبيرة ثقة عامة الناس بسلامة عملية الخصخصة، ويساعد في تحقيق البلاد لافضل مردود من الاستثمار الوطني.

    الخلاصة
    إن محاربة الفساد، ودعم الحكم السلبي للشركات المساهمة، وتقوية مؤسسات الأعمال التي تملكها النساء، وتخفيف العوائق أمام المعاملات الرسمية أوجدت فرصاً جديدة. ان كل نشاط يفيد للدفع كنقطة قدماً بإصلاحات السوق وبتبني الممارسات الديمقراطية. يتطلب الحكم السليم للشركات المساهمة إطار عمل مكون من مؤسسات السوق كما ممارسات تجارية سليمة تستند على مبادئ ديمقراطية. بصورة مماثلة، فان تأمين وصول النساء وأصحاب الأعمال من ذوي الإمكانيات المتواضعة الى نظام الأعمال التجارية بصفتهم مشاركين وقياديين يساعد في تأمين قيام اقتصاد سوق مفتوحة للجميع وليس فقط للقلة من المحظوظين.

    وكما قال في إحدى المناسبات روكيه فرنانديز، وزير مالية سابق لامع في الأرجنتين: "ان الحرب الباردة انتهت وربحتها جامعة شيكاغو". كان يشير بذلك الى برامج الإصلاح التي تعتمد السوق المفتوحة التي تم دفعها عبر أميركا اللاتينية ومعظم دول العالم. وأنا آمل بأن نتمكن من إضافة أبعاد جديدة حاسمة الى هذا الرأي من خلال اعتماد برنامج عمل ديمقراطي أوسع وأعمق، يستند على الشفافية، وتحمل المسؤولية، وحقوق الملكية الفردية، والقواعد الأساسية الأخرى تستطيع المجتمعات والاقتصاديات استخدامها لحكم نفسها بنفسها.

    ملاحظة: ان الآراء المتضمنة في المقال لا تعكس بالضرورة آراء وسياسات وزارة الخارجية الأميركية.


    الفقر الريفي والفقر المديني: إدراك التباينات بينهما
    بقلم ديفيد ساترثويت، مدير برنامج المستوطنات البشرية، المعهد الدولي للبيئة والتنمية

    لا تعكس تعاريف الفقر المستندة على مستويات الدخل الأشكال العديدة للحرمان التي تدخل كعامل في الفقر في الأرياف وفي المدن ما أدى إلى قيام دول ومنظمات متعددة الأطراف بتقديرات تقل عن الواقع لعدد الناس الذين يعيشون في الفقر وفي أي ظروف. علاوةً على ذلك، كما يقول ديفيد ساترثويت من المعهد الدولي للبيئة والتنمية ومركزه لندن، فان خطوط حدود الفقر المستندة على الدخل وحده لا تكفي لتكوين أساس متين لبرامج تخفيض مستوى الفقر.
    ويقول ساترثويت إن تعدد القوانين والقواعد والأنظمة حول استعمال الأراضي، والأعمال التجارية، والمباني، والمنتجات يجعل في كثير من الأحيان من معظم طرق بناء المنازل وكسب المعيشة التي يجدها الفقراء غير قانونية. إن البرامج المخصصة للمساعدة في خفض مستوى الفقر التي تستهدف السكان في المدن أو في الأرياف عليها أن تعكس التباينات والتعقيدات الموجودة ضمن الأوضاع المحلية وفيما بينها.

    إن القياسات التقليدية للفقر تنظر فيما إذا كان لدى الأفراد أو العائلات الغذاء الملائم أو المدخول الكافي لشراء هذا الغذاء الملائم. رغم ذلك، فان هذه القياسات في أفضل الحالات قد تؤدي إلى فهم جزئي للفقر فقط، وفي أحيان كثيرة، إلى برامج غير مركّزة أو غير مؤثرة لتخفيض مستوى الفقر. كما تفشل هذه القياسات في لحظ العديد من مظاهر الحرمان بضمنها عدم إمكانية وصول الفقراء إلى الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم وغياب صوتهم السياسي أو الحماية القانونية لهم. كما تفشل أيضاً في لحظ العبء الصحي الهائل الذي يواجهه الفقراء بسبب نوعية السكن السيئة وغياب الخدمات الأساسية.

    وفي حين تكون النتيجة النهائية لفقر العائلات التي تعيش في المدن والأرياف – غذاء غير كاف يهدد صحة وحياة أفراد العائلة – متشابهة فان أسباب الفقر تختلف. فمثلاً، لا يشابه سبب الفقر بالنسبة للعائلة الريفية التي تعتمد على ملكية قطعة ارض صغيرة وتعاني من محصول زراعي منخفض نفس سبب الفقر بالنسبة لعائلة تعيش في مدينة ضمن مجمع من الأكواخ يكون معيلها الرئيسي قد فقد عمله بسبب الركود الاقتصادي، أو سوء الصحة، أو تعاني من هبوط في دخلها الحقيقي. يجب أن تعترف البرامج الهادفة إلى تخفيض مستوى الفقر في المدن والأرياف بهذه الاختلافات. ورغم ذلك عليها أن تلحظ أيضاً الروابط بين المناطق المدينية والريفية. فقد تكون استجابة عائلة ريفية لقلة المحاصيل الزراعية إرسال أحد أفرادها إلى المدينة للبحث عن عمل، بينما قد تستجيب عائلة تسكن في مدينة لانخفاض دخلها بإرسال أطفالها الصغار إلى أقارب لهم في الريف للعيش معهم.

    الخطأ في قياسات مستوى الفقر المستندة الى الدخل
    خلال السنوات العشر الماضية اتسعت الفجوة بين كيفية فهم الفقر وكيفية قياسه. فمن جهة أولى، تزداد الأبحاث التي تستند في معظم الأحيان على الاختبارات التجريبية بحيث تُبيّن الأبعاد المتعددة للفقر – بضمنها غياب الممتلكات، والحقوق، وإمكانيات الوصول إلى الخدمات، والصوت السياسي – كما تبحث في أي من مجموعات السكان تكون أكثر تعرضاً للفقر. وقد أظهرت هذه الدراسات كيف أن التمييز يسبب الفقر في أحيان كثيرة، أو يزيد تفاقمه، ويشمل ذلك التمييز ضد النساء والأطفال، ومجوعات إثنية معينة. ومن جهة أخرى، هناك المنشورات الرسمية التي يتركّز معظمها على اتجاهات الفقر وتستخرج بياناتها من عمليات مسح تقوم بها الحكومة أو وكالة دولية تستعمل حدود قياس مستوى الفقر التقليدية المستندة إلى الدخل.

    تستند معظم تعاريف الفقر المطبقة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية على التعاريف التي تم تطويرها منذ عقود في أوروبا وأميركا الشمالية، حيث كان السكان آنذاك يعيشون في المدن بشكل رئيسي وكانت نسب السكان الناشطين اقتصادياً العاملين في الزراعة صغيرة نسبياً وتتناقص. وقد وضعت حدود قياس مستوى الفقر المستخدمة في الوقت الحاضر على أساس تحديد مستوى الدخل اللازم لتسديد ثمن الغذاء الأساسي والضروريات الحياتية الأخرى. ولكن في الدول ذات الدخل الفردي المنخفض والمتوسط والتي يغلب فيها السكان الريفيون فلا تحدث معظم أشكال الفقر بسبب عدم وجود الدخل، بل بسبب عدم إمكانية الوصول إلى أراض كافية لزراعة المحاصيل وتربية المواشي كما بسبب عدم وجود ممتلكات أخرى غير نقدية.

    لحدود قياس مستوى الفقر المستندة إلى الدخل حدان آخران. أولاً، أن مستويات الدخل التي تستند إليها منخفضة جداً ولا تترك سوى هامش قليل أو لا هامش على الإطلاق لتسديد كلفة الضروريات غير الغذائية، كالنقل، وتعليم الأطفال في المدارس، وتسديد ثمن المياه، ونفقات العناية الصحية، علماً أن هذه الخدمات تمثل أكلافاً مرتفعة لمعظم العائلات ذات الدخل المنخفض. وثانيا،ً لم تأخذ هذه الحدود في حسابها بعض مظاهر الفقر كالسكن الرديء، وصعوبة الوصول للخدمات المستعجلة، وللحماية القانونية، وغياب الصوت ضمن الأنظمة السياسية.

    مقياس الفقر في المدن والأرياف
    هناك دراسة أكثر حداثة يعود تاريخها إلى حوالي عام 1992 حول الفقر في الأرياف شملت 114 دولة نامية بيّنت أن حوالي ألف مليون من سكان الأرياف يحصلون على مستويات دخل واستهلاك أدنى من حدود قياس مستوى الفقر المحددة قومياً. يعيش ثلثا مجموع السكان الريفيين في آسيا ويعيش اكثر من خمسهم في جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا. وقد تم تصنيف اكثر من ثلثي السكان الريفيين في 42 دولة من أفقر دول العالم بأنهم "فقراء". تسلّط البيانات الضوء فقط على مستويات الدخل والاستهلاك، ولا تأخذ في الحسبان التفاوتات في تزويد الخدمات الصحية وخدمات الطوارئ، والمياه، والمجاري الصحية، والمدارس.

    يقدّر البنك الدولي انه كان هناك حوالي 500 مليون من سكان المدن فقراء عام 2000 استناداً إلى حد قياس مستوى الفقر المستند إلى دخل "دولار واحد في اليوم" الذي حدده البنك . رغم ان الفقر في الدول النامية كان يتواجد بشكل واسع في المناطق الريفية، فان ذلك بدأ يتغيّر مع انتقال المجتمعات إلى حياة المدن وانتقال الفقراء في الأرياف إلى المناطق المدينية بحثاً عن فرص اقتصادية أفضل أو بسبب فقدهم للأرض أو لموارد معيشتهم. إن مقياس الفقر في المدن يقدر في أغلب الأحيان بأقل من مستواه الحقيقي. يعيش الآن حوالي ثلاثة أرباع سكان المدن في العالم في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. وفي أميركا اللاتينية ينتشر معظم الفقر في المدن. أما في أفريقيا فما زال هناك عدد من الفقراء في المناطق الريفية اكبر منهم في المناطق المدينية، كما ان سكان المدن في القارة أكبر عدداً من سكان المدن في أميركا الشمالية وتعيش نسبة عالية منهم في الفقر.

    الفقراء في المدن
    تستند معظم الإحصائيات الحكومية حول الفقر في المدن إلى حد قياس مستوى الفقر الذي يعتبر منخفضاً جداً بالنسبة لكلفة المعيشة في المدن. يقل تقدير البنك الدولي لمقياس الفقر في المدن عن واقعه الحقيقي لان حدّ قياس مستوى الفقر في العديد من المدن البالغ دولاراً واحداً في اليوم للشخص الواحد لا يُغطي أثمان الاحتياجات الأساسية غير الغذائية.

    في المدن الكبيرة تسود أثمان مرتفعة بشكل خاص للضروريات غير الغذائية مثل:

  • النقل العام.

  • التعليم. حتى عندما يكون التعليم مجانياً فان النفقات المرتبطة به كالزي الموحد، والكتب المدرسية، والنقل، ورسوم الامتحانات تجعله مكلفاً بالنسبة للعائلات الفقيرة، فلا تتمكن بسبب ذلك من إبقاء أطفالها في المدارس.

  • الإسكان. يُنفق العديد من العائلات التي تستأجر مساكنها في المدن أكثر من ثلث دخلها على الإيجار. كما أن العائلات التي تستأجر مساكنها في مستوطنات غير شرعية يتوجب عليها أن تدفع أثمانا مرتفعة مقابل الحصول على خدمات المياه وغيرها من الخدمات.

  • المياه والمجاري الصحية وجمع النفايات. تشكل المدفوعات إلى بائعي المياه في غالب الأحيان نسبة ما بين 10 إلى 20 بالمئة من دخل العائلة. لا يملك عشرات الملايين من ساكني المدن مراحيض خاصة بهم في منازلهم ويستعملون مراحيض تعتمد على الدفع عند الاستعمال، أو يقضون حاجاتهم في الأماكن المكشوفة أو في أكياس بلاستيكية.

  • وسائل العناية الصحية والأدوية، وبالأخص عند عدم توافر جهة حكومية أو منظمة غير حكومية تزود هذه الخدمات ويصبح من اللازم شراء الخدمات الخاصة، كما ينفق العديد من العائلات ذات الدخل المنخفض أيضا موارد كبيرة على وسائل منع الأمراض – مثلاً لشراء ناموسيات لحماية أفراد العائلة من الملاريا وغير ذلك من الأمراض التي ينقلها البعوض.

  • العناية بالأطفال، خاصة عندما يكون كافة الراشدين في العائلة منهمكين في نشاطات لكسب معيشتهم.

  • المدفوعات لمنظمات اجتماعية محلية، وغيرها مثل الرشاوى لرجال الشرطة، تسديد غرامات الباعة المتجولين غير المرخص لهم، وأكلاف عَرَضية أخرى.
  • بالإضافة إلى كل ذلك، فان تعدد القوانين والقواعد والأنظمة المتعلقة باستعمال الأراضي، والنشاطات التجارية، والمباني، والمنتجات، يجعل في أحيان كثيرة من معظم الطرق التي يحتاجها الفقراء في المدن لبناء منازلهم وكسب معيشتهم غير قانونية. فمن المحتمل أن يجرم قانون الوسيلة الوحيدة التي يلجأ إليها نصف عدد السكان في مدينة لكسب معيشتهم أو لإيجاد مسكن لهم. فإذا طبقت هذه الأنظمة بصورة غير عادلة فإنها قد تترك تأثيرا سلبياً رئيسياً على الفقراء يتخذ شكل عمليات إخلاء واسعة النطاق، وملاحقة الباعة المتجولين ووجود علاقات استغلالية بين صاحب العمل والزبون مما يقيد إمكانات الوصول إلى الموارد، والفساد، والحرمان من الحقوق المدنية والسياسية.

    هناك روابط مهمة بين مدى الحرمان الذي تواجهه العائلات ذات الدخل المنخفض ونوعية حكوماتها. في الحالات حيث تكون البنية التحتية والخدمات – كالمياه، والمجاري الصحية، والعناية الصحية، والتعليم، والنقل العام – كافية، ينخفض بدرجة كبيرة مبلغ الدخل الضروري لتجنب الفقر. وعندما تكون الحكومة فعالة، تستفيد المجموعات المدينية الفقيرة من اقتصاديات الوفرالتي تزودها المجمعات المدينية لمعظم أشكال البنية التحتية. ولكن حيث تكون الحكومة غير فعالة وغير ممثلة للشعب، فقد يعاني سكان المدن الفقراء ظروفاً حياتية سيئة، وحتى أسوأ من ظروف حياة الفقراء في المناطق الريفية. تعيش مجموعات كثيفة من سكان المدن محرومة من المياه أو المجاري الصحية، وتكون معرضة بدرجة عالية جداً لأخطار الحريق العرضي في بعض أسوأ البيئات غير الآمنة في العالم.

    الفقراء في الأرياف
    في المناطق الريفية تعتمد وسائل العيش على الأرض و/أو على الماء لزراعة المحاصيل وتربية المواشي، أو للغابات، ومزارع الأسماك.

    يتنوع الفقر في الأرياف. حددت دراسة العام 1992 حول الفقر في الأرياف ست فئات من السكان الريفيين الأكثر تعرضاً لخطر الفقر: المزارعون الذين يملكون قطعاً صغيرة من الأرض، والذين لا يملكون أي قطعة ارض، والرحل/الرعاة، والمجموعات الاثنية/ الأهلية، والذين يعتمدون على مسامك صغيرة، واللاجئون/المهجرون داخل البلاد. يُصنّف العديد من سكان الأرياف الفقراء ضمن اكثر من فئة واحدة. تختلف أسباب الفقر أيضاً بين الفئات. بالإضافة إلى ما ورد أعلاه يختلف أيضاً بدرجة كبيرة مدى تأثّر الفقر في الأرياف بأسعار المحاصيل الزراعية، بدءاً من مناطق تسود فيها الكفاية الذاتية إلى مناطق يخصص فيها معظم الإنتاج الزراعي للتصدير إلى الأسواق الدولية وحيث يتأثر مدى الفقر كثيراً بالأسعار الدولية وبالسياسات التجارية.

    إن اكثر من نصف عدد الفقراء في الأرياف وثلاثة أرباع عدد الفقراء في "الدول الأقل نمواً" هم من المزارعين الذين يملكون قطعاً صغيرة من الأرض. يشكل العمال الذين لا يملكون أي قطعة ارض النسبة الأعلى من السكان الفقراء في الأرياف في الدول حيث تخضع الزراعة أكثر إلى القواعد التجارية وترتبط بالأسواق العالمية. فمثلاً يشكل العمال الذين لا يملكون أي قطعة ارض نسبة 31% من الفقراء في الأرياف في دول أميركا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي، بالمقارنة مع نسبة 11% في جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا.

    وكما هو الحال بالنسبة للفقر في المدن يعود جزء مهم للفقر في الأرياف إلى عدم وجود خدمات كالمدارس، والعناية الصحية، وإمكانيات الحصول على قروض. إن الروابط بين الصحة الرديئة والفقر قوية لان معظم الفقراء في الأرياف لا يستطيعون الوصول بسهولة إلى الخدمات الصحية بينما يواجهون مخاطر صحية متعددة في منازلهم وفي بيئات عملهم. والسبب الذي يحرم معظم سكان الأرياف من الخدمات هو بعدهم عن المرافق التي تزودها. أما بالنسبة لمعظم العائلات الفقيرة في المدن فان السبب هو عدم قدرتهم الوصول إلى الخدمات القريبة منهم. إذ يمكن إن تُحرم بصورة فعلية عائلة تقيم على ارض بصورة غير مشروعة تقع على بعد 200 متر من مستشفى أو مدرسة ثانوية أو مصرف، أو على بعد 40 إلى 50 متراً من شبكة مياه أو مجرور صحي من هذه الخدمات، تماماً كما يُحرم ساكن ريفي يبعد 30 كيلومتراً عن هذه المرافق.

    إعادة البحث في قياسات الفقر
    بغية إدراك حالات الحرمان التي يواجهها الناس الفقراء ولتنفيذ أفضل الوسائل لمعالجتها علينا أن نفهم البيئات المحلية وكيف تؤثر القوى الخارجية عليها. يمثّل التمييز بين المناطق المدينية والريفية إحدى الطرق المفيدة لتحديد الاختلافات في البيئات المحلية وفي أشكال الفقر التي تتخذها وفي تصميم البرامج لتخفيض مستوى الفقر. يجب أن يكون لدينا مفهوم للفقر:

  • يلحظ الاختلافات بين سكان المدن والأرياف.

  • يلحظ بأن مكان عيش وعمل الناس والأوجه الأخرى لبيئاتهم تؤثر على مدى وطبيعة حرمانهم.

  • يلحظ وجود خصائص مدينية وريفية مشتركة تسبب أو تؤثر على الفقر، بينما تخفف من التعميمات نظراً لتنوع المواقع في المدن والأرياف.
  • هناك أيضا مناطق ريفية عديدة لها بعض الخصائص المدينية، ومناطق مدينية لها بعض الخصائص الريفية. فمثلاً، يملك العديد من المناطق الريفية المحيطة بالمدن المزدهرة، أو القائمة في المسارات التي تربط بين مدينتين، الكثير من المؤسسات التجارية غير الزراعية وراشدين ينتقلون إلى منطقة مدينية للعمل أو يقيمون مؤقتاً فيها. هناك في مناطق ريفية عديدة صناعات سياحية تقدّم فرص عمل غير زراعية. كما يمكن لمدن سريعة التوسع أن تحيط بمجموعة قرى حيث تسود الخصائص الريفية رغم فقد هذه الخصائص الريفية بصورة عامة مع مرور الزمن. والزراعة هي جزء مهم في معيشة الكثير من العائلات المدينية ذات الدخل المنخفض. فالعمال الذين لا يملكون أي قطعة أرض، إن كانوا في محيط ريفي أو مديني على حد سواء، هم من بين أفقر الفقراء.

    يجب أن تستجيب برامج تخفيض مستوى الفقر لتنوعات وتعقيدات البيئات المحلية. وعلى التدخلات من قبل المنظمات الخارجية أن تتأثر بمعرفة وأوليات من يواجهون الحرمان. يجب تأمين العمل الفعال للمؤسسات التي تحمي الحقوق المدنية والسياسية للفقير، وتزود إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية.

    دلالات للوكالات الدولية
    بإمكان الوكالات الدولية العاملة على تخفيض مستوى الفقر ان تنفذ عدة أمور.

    أولاً، يجب أن تطور قدرة أكبر للدعم والعمل مع المؤسسات المحلية التي تستطيع تصميم مبادرات تخفيض مستوى الفقر حسب الحاجة بحيث تتلاءم مع البيئات المحلية بطرق تستجيب لحاجات الفقير وتكون مسؤولة أمامه. يشمل ذلك العمل مع الحكومات المحلية كما مع الهيئات غير الحكومية والمؤسسات المحلية التي يشكلها الفقراء أنفسهم. في دول كالهند، وجنوب أفريقيا، وزيمبابوي، وتايلاند، وكمبوديا، والفليبين، تعمل اتحادات شكّلتها مجموعات الفقراء في المدن مع الحكومات المحلية لإيجاد طرق أكثر فعالية لخفض مستوى الفقر.

    ثانياً، يجب أن تُعيد البحث في كيفية تحديد مستوى الفقر وقياسه مع المكاتب الوطنية للإحصاءات كي تكون آراء مجموعات الفقراء ممثلة بالكامل، وكي يتم توسيع مقاييس الفقر إلى أبعد من مؤشرات تستند إلى الدخل أو مؤشرات تستند إلى الاستهلاك، بحيث تشمل إمكانية الوصول إلى الخدمات واحترام الحقوق المدنية والسياسية. إن إعادة البحث في هذه المقاييس يجب أن تلحظ أيضاً التغييرات الحاصلة ضمن وبين الدول في مستويات الدخل الضرورية لتجنب الفقر.

    وأخيراً، يجب أن تؤكد أن هيكلياتها المؤسساتية واستجاباتها السياسية للفقر تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد المتعددة للفقر التباينات أو بضمنها الفروقات والترابطات بين الفقر في الأرياف والفقر في المدن.

    ملاحظة: ان الآراء المتضمنة في المقال لا تعكس بالضرورة آراء وسياسات الحكومة الأميركية.


    التحويلات المالية كأداة للتنمية
    بقلم سوزان أف. مارتن، مديرة معهد دراسات الهجرة الدولية، جامعة جورجتاون

    تقول الأستاذة سوزان مارتن في جامعة جورجتاون إن التحويلات المالية -تدفقات الأموال من العمال الذين يعيشون في الخارج- بدأت تولّد تأثيراً إيجابياً على اقتصادات الدول النامية أكبر بكثير مما كان يُعتبر بالسابق، وتضيف "أن تأثيرات العامل المُضاعف للتحويلات يمكن أن تكون مهمة حيث ينتج عن كل دولار دولارات إضافية في النمو الاقتصادي للأعمال التي تُنتج وتزوّد السلع التي تُشترى بواسطة هذه الموارد."
    تؤكد مارتن بأنه على الرغم من أن التحويلات مطلوبة ومفيدة بوضوح فإن السكان الأكثر فقراً في الولايات المتحدة، وفي غيرها من الدول الغنية، هم الذين يتحملون العبء الأكبر في مساعدة سكان الدول النامية. وتضيف، كثيراً ما يمتنع الأشخاص الذين يقومون بتحويل الأموال عن الاستثمار في التعليم والمهارات الفنية الضرورية للتنافس في بلدهم الجديد.
    قُدّمت هذه المقالة بالأساس خلال "المؤتمر الإقليمي: التحويلات كأداة تنمية" الذي نظمه صندوق الاستثمار المتعدد الأطراف لبنك التنمية للدول الاميركية في واشنطن العاصمة في أيار/مايو 2001.

    ارتفعت مبالغ التحويلات المالية خلال العقود الماضية بدرجة كبيرة من ناحية حجمها وأثرها. أظهر تقرير صندوق النقد الدولي لميزان المدفوعات عام 2000 أن دول نصف الكرة الغربي استلمت ما يزيد عن 16 ألف مليون دولار عام 1999 من العمال المقيمين في الخارج. يتجاوز تدفق التحويلات المالية على مستوى العالم مبلغ 100 ألف مليون دولار في السنة ويتجه نسبة 60% من هذا المبلغ إلى الدول النامية.

    بعد تقديم هذه الإحصائيات، تُجدر الإشارة إلى قلّة البيانات المتوفرة حول التحويلات. فمن المحتمل أن تقل الأرقام المتوافرة عن التحويلات المالية بآلاف ملايين الدولارات عما هي في الواقع، حيث أن العديد من الدول لا تتبع أساليب كفيلة بتقدير أو تحديد الأموال التي يحولها العمال الأجانب. وعند تعديل أرقام هذه التقارير، بحيث تُعبّر عن الواقع، يقدّر بنك التنمية للدول الاميركية أن من المحتمل الآن أن يتجاوز إجمالي التحويلات في نصف الكرة الغربي مقدار 20 ألف مليون دولار سنوياً.

    نمو الهجرة الدولية
    من المتوقع أن يستمر ازدياد حجم التحويلات المالية مع استمرار ازدياد الهجرة الدولية. خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية تضاعف عدد المهاجرين الدوليين من 76 مليون شخص إلى أكثر من 150 مليون شخص على مستوى العالم. شهد نصف الكرة الغربي زيادة مشابهة في عدد المهاجرين الدوليين الذين يعيشون ويعملون في الخارج وصلت إلى حوالي 40 مليون شخص عبر كامل نصف الكرة. يعيش حوالي ثلاثة أرباع هؤلاء في الولايات المتحدة ويأتي أكثر من نصف عددهم من دول أخرى في الأميركيتين.

    أما الدول الأخرى الرئيسية التي تستقبل هؤلاء المهاجرين الدوليين فهي كندا، وفنزويلا، وكوستاريكا، إضافةً لدول أخرى كالمكسيك، التي تجري هجرة منها ومهاجرة إليها، ومرور مؤقت للبشر في نفس الوقت.

    هناك عدد من الأسباب تُشير إلى احتمال استمرار زيادة الهجرة الدولية في المستقبل، رغم إمكانية تغيير مصادرها ووجهاتها. استناداً إلى النظرية الكلاسيكية، تحدث الهجرة عندما يتواجد معاً عاملا العرض/الدفع والطلب/الجذب إضافةً إلى وجود شبكات تربط بين المعروض من المهاجرين وبين المطلوب منهم لأصحاب الأعمال والعائلات في الدول المستقبلة لهم. تعزز العولمة الاقتصادية والاندماج الاقتصادي كافة أجزاء هذه المعادلة. فمن ناحية الطلب تسعى بقوة الشركات التجارية، وبشكل خاص الشركات المتعددة الجنسيات، دون أن يكون ذلك محصوراً بها، للوصول إلى سوق العمل العالمي لاجتذاب الموظفين إليها. ويشمل ذلك الأيدي العاملة الماهرة وغير الماهرة. ومن ناحية العرض، فإن عدم تحقيق التوقعات في التقدّم الاقتصادي بالسرعة الكافية، تصبح الهجرة مغرية للعمال الذين يستطيعون تحقيق مدخول أكبر في الدول الغنية. وبصورة عامة، فإن الذين من المحتمل أن يهاجروا يكون لديهم بعض الموارد لاستثمارها في انتقالهم.

    تعني الهجرة المتزايدة، بصورة عامة، زيادة مقدار التحويلات المالية. كان الباحثون والاقتصاديون ووكالات التنمية حتى وقت قريب نسبياً يميلون إلى إهمال أهمية هدف التحويلات أو يشددون فقط على مظاهرها السلبية. أو أنهم رأوا وفي أحيان كثيرة، إن الأموال التي يرسلها العمال الأجانب إلى الخارج كانت تنفق إلى حد كبير على شراء السلع الاستهلاكية، وأشاروا إلى أنه نادراً ما كانت هذه الأموال تُستثمر في نشاطات إنتاجية قد تُنمّي اقتصادات الدول النامية. وقد عبّروا أيضاً عن خشيتهم بأن يعتمد الذين يستلمون التحويلات عليها بصورة حصرية، مما يُضعف دوافع الاستثمار في نشاطاتهم المولدة للمداخيل.

    علاوة على ذلك، رأوا أن ما كانوا يعتبرونه استهلاكاً مفرطاً، قد يؤدي إلى عدم الانصاف بسبب تجاوز العائلات التي تعتمد على تحويلات خارجية لمستوى المعيشة المتوفر للعائلات التي ليس أحد يعمل في الخارج. وفي أحيان كثيرة، كانت المحاولات الحكومية لتشجيع أو فرض استثمار هذه التحويلات شديدة أكثر مما يجب ولم تؤدِ إلى تحسينات اقتصادية مهمة. كما أشار منتقدو هذه التحويلات إلى أنه، مع مرور الزمن، سوف تقل مبالغ التحويلات نظراً لاستقرار العمال الأجانب في مجتمعاتهم الجديدة وانقطاع اتصالهم بمجتمعات بلادهم الأصلية. وفي بعض الأحيان، تُترك الزوجات والأولاد في البلد الأصلي دون أن تساهم هذه التحويلات المهمة للغاية في تأمين معيشتهم.

    تأشيرات التحويلات المالية
    لا زال العديد من المشاكل الآنفة الذكر قائماً، ولكن الدراسات الحديثة حول التحويلات المالية تُظهر صورة أكثر تعقيداً بكثير. فربما لأن مقدار التحويلات قد ازداد بدرجة كبيرة خلال السنوات الأخيرة- تضاعف هذا المقدار أربع مرات تقريباً في نصف الكرة الغربي خلال العقد الماضي- بات الخبراء يعترفون الآن بأن للتحويلات تأثيراً إيجابياً أكبر على مجتمعات الدول النامية مما كانوا يعترفون به في السابق. أكد خبراء مثل إدوارد تايلر من جامعة كاليفورنيا في دفيس، بأن استعمال مبالغ التحويلات لشراء السلع الاستهلاكية يحفز النمو الاقتصادي، وبالأخص عندما تُنفق العائلات هذه التحويلات محلياً. ومن المحتمل أن تكون تأثيرات العامل المضاعف للتحويلات كبيراً عندما يولد كل دولار ينفق دولارات إضافية من النمو الاقتصادي للأعمال التي تنتج وتزود السلع التي تُشترى بهذه الموارد.

    من المحتمل أيضاً أن تكون تأثيرات التحويلات على الاقتصاد الجزئي هامة. إذ أن الجمعيات الوطنية للمهاجرين في الخارج تقوم بإرسال موارد مهمة إلى مجتمعات القرى التي هاجروا منها، بعد أن تكون قد جمعتها بمختلف الوسائل، وقد ساعد ذلك القرى في تحسين أنظمة الطرق، والمياه ومعالجتها، وإنشاء المستوصفات الصحية، والمدارس، والبنى التحتية. تبدأ هذه الجمعيات عملها عادةً انطلاقاً من موارد قليلة ولكنها تملك القدرة على النمو إلى حجم كبير. استناداً إلى أحد الدراسات "هناك مثل الجمعية الموحدة السلفادورية في شيناميكا: كانت قيمة أول مبلغ كبير أرسلته الجمعية هو خمسة آلاف دولار لبناء مدرسة، ثم قامت ببناء خزان لمعالجة مياه المجاري بقيمة 10 آلاف دولار. وفي وقت لاحق بنت مستوصفاً للصليب الأحمر بقيمة 43 ألف دولار واشترت سيارة إسعاف بمبلغ 32 ألف دولار. تقوم بعض الولايات والحكومات المحلية بمماثلة الموارد من الجمعيات الوطنية للمهاجرين بغية تضخيم أثرها. وهناك اتجاه حديث نحو تشجيع الجمعيات الوطنية للمهاجرين للاستثمار في مؤسسات أعمال صغيرة، ونشاطات تصنيع بغية توليد فرص عمل جديدة لسكان القرى. إن هذه هي فعلاً مبادرات شعبية تؤدي إلى تنمية مجتمع – من - مجتمع.

    كما أنه في أحيان كثيرة تستعمل التحويلات لمساعدة العائلات لتلبية احتياجات طارئة، والتي قد يكون من الأفضل معالجتها بواسطة أساليب أخرى أو منع حصولها تماماً. فمثلاً تستخدم العديد من العائلات جزءاً من التحويلات لتلبية احتياجات العناية الصحية الطارئة نظراً لعدم قدرتها الحصول على العناية الصحية الروتينية وعدم وجود تأمين صحي لها.

    يسأل مشروع الهجرة المكسيكية المستجيبين كيف يستخدم أفراد عائلاتهم مبالغ التحويلات. استناداً إلى أحد الأبحاث، "كان أكبر استخدام فردي تمّ الإبلاغ عنه للأموال المحولة أو الموفرة، هو تسديد نفقات العناية الصحية لأفراد العائلات. من بين الذين أرسلوا التحويلات (حوالي 60 بالمئة من المستجيبين)، فان ثلاثة أرباعهم أفادوا بأنه تم استعمال حصة معينة من الأموال لتسديد نفقات العناية الصحية". في نفس الوقت، لا يستفيد العديد من المهاجرين من مبادرة قامت بها الحكومة المكسيكية تمكنهم من شراء تأمين صحي لعائلاتهم في المكسيك مقابل قسط شهري منخفض جداً. من الممكن أن يشكل مثل هذا التأمين الصحي العابر للحدود والذي يمكن شراؤه في الولايات المتحدة لصالح الأقارب في الوطن أسلوباً أكثر فعالية لاستخدام التحويلات من تمويل نفقات العناية الصحية الطارئة. وحيث أن العديد من المهاجرين يعودون بصورة دورية إلى أوطانهم الأصلية فإن هذه التأمينات الصحية العابرة للحدود قد تؤمن أيضاً للمقيمين في الولايات المتحدة غير المؤمنين مصدراً للرعاية الصحية أيضاً.

    أُستُخدم جزء كبير من مبالغ التحويلات المتدفقة إلى دول أميركا الوسطى لإعادة إعمار هذه الدول بعد سنوات من الحروب الأهلية، وفي فترة لاحقة، على أثر الزوابع والأعاصير والزلازل التي ضربت تلك البلاد. وقد أصبحت التحويلات جزءاً مهماً من عملية إعادة الاعمار بحيث احتلت مركزاً بارزاً في برامج عمل السياسة الخارجية، واستغل رئيس السلفادور فرنسيسكو فلورنس بيريز مؤخراً مقابلة مع الرئيس جورج دبليو بوش لطلب رخص عمل للمواطنين السلفادوريين في الولايات المتحدة. أن الأموال التي يكسبها العمال المرخص لهم قانونياً والتي يستطيعون تحويلها قد تتجاوز قيمة المساعدات الأجنبية المحتملة التي قد تمنح إلى بلادهم.

    كلفة التحويلات المالية
    إن تحويلات المساعدات ضرورية ومفيدة بصورة واضحة للعائلات التي تستلم هذه المساعدات، ولكن عند استخدام التحويلات لدعم التنمية أو معالجة احتياجات إعادة الاعمار يعني ذلك ان المقيمين الأكثر فقراً في الولايات المتحدة وفي الدول الغنية الأخرى هم الذين يتحمّلون العبء الأكبر في مساعدة الناس في الدول النامية. غالباً ما يكسب المهاجرون من دول أميركا اللاتينية مداخيل منخفضة ويعيشون في أحيان كثيرة في حالة فقر، ورغم ذلك فإنهم يحوّلون آلاف الملايين من الدولارات الى أوطانهم كل عام.

    وفي حين تكون التحويلات مفيدة للعائلات والمجتمعات في الوطن الأصلي، من الطبيعي أن نسأل عن كلفة هذه التحويلات بالنسبة للذين استوطنوا في الخارج . ما هي الأمور التي يتخلون عنها كي يتمكنوا من توفير موارد كافية لتحويلها؟ هل يمنعهم ذلك من الاستثمار في التعليم وتحسين المهارات، مثلاً، من أجل إرسال أموال إلى ذويهم في الوطن؟ هل من وسائل، ربما من خلال برامج استثمارية جماعية تدعمها شركات تحويل الأموال، لاستثمار بعض هذا الدخل في نشاطات تنمية في أماكن إقامتهم الجديدة؟

    باختصار، إن مسألة التحويلات المالية كمورد للتنمية تتطلب إجابات افضل عن بعض الأسئلة الأساسية. فمثلاً، كيف تستطيع الحكومات أن تقدر التدفق الفعلي للتحويلات بشكل أفضل، كيف تستخدم هذه التحويلات بالتحديد، وهل هناك آليات بديلة لتحقيق "كسب أكبر من كل دولار"؟ إلى أي مدى يمكن زيادة تأثير العامل المُضاعف للتحويلات من خلال مبادرات لتشجيع الشراء المحلي للسلع المنتجة محلياً، كيف يمكن خفض نفقات التحويل بشكل أفضل لتأمين وصول القيمة القصوى من هذه التحويلات إلى المجتمعات المحلية، كيف تستطيع الحكومات والمؤسسات الدولية أن تساعد بشكل أفضل الجمعيات الوطنية للمهاجرين والقرى في الوطن في مسألة الاستخدام الأكثر فعالية للتحويلات الجماعية التي تخصص للتنمية دون إعاقة من المبادرات المحلية؟ وبعد أخذ مقدار التحويلات الحالي بعين الاعتبار وإمكانية استخدامها كأداة للتنمية فان هذه المسائل تستحق الاهتمام بوضوح.

    ملاحظة: ان الآراء المتضمنة في المقال لا تعكس بالضرورة آراء وسياسات الحكومة الأميركية.


    Economic Perspectives
    التصدي للفقر في العالم