![]()
الفسـاد والتنمـية
من سلسة المجلات الالكترونية الصادرة عن وكالة الاعلام الاميركية
تشرين الثاني/نوفمبر، 1998
(الرجوع إلى صفحة المجلات)
تعزيز حكم القانون ومكافحة الفساد في اقتصاد عالمي الطابع
بقلم ستيوارت آيزنستات، وكيل وزارة الخارجية للشؤون الاقتصادية، والتجارية والزراعية
إن تطوير حكم القانون ووضع استراتيجيات فعالة لمكافحة الفساد على الساحة الدولية، خصوصاً في الاقتصاديات النامية والمتحولة، هو إلى حد كبير في مصلحتنا القومية وقد أصبح الآن عنصراً أساسياً من عناصر سياستنا الخارجية. وان تحول الدول الناشئة إلى مجتمعات ترتكز على حكم القانون ومتحررة من الفساد يساعد على دعم تنمية مؤسسات ديمقراطية مسؤولة واقتصاديات السوق وترويج تحرر التجارة والنمو الاقتصادي الذي يمكن للشركات الأميركية والعمال الأميركيين أن يستفيدوا منه.
إن حكومة كلينتون تشعر بتفاؤل حقيقي بشأن حكم القانون وجهود مكافحة الفساد. وقد كان هناك تغير واسع النطاق في هذا المجال، حيث اعترفت حكومات حول العالم بأهمية أن تكون لديها أنظمة ترتكز على القانون وراغبة في أن تبحث وتعالج في طرق ذات معنى قضايا الفساد.
إن تنمية وتنفيذ إطار عمل قانوني مناسب -- مثل دساتير حديثة تشتمل على ضمان الحريات وحقوق الإنسان الأساسية وقضاء مستقل لتطبيق تلك الحقوق -- هو أمر حيوي لرعاية المثل الديمقراطية. وقدرة المواطنين على الالتجاء إلى المحاكم لحماية حقوقهم هي أمر أساسي. وفي حين أن هذه المفاهيم أخذت تترسخ حول العالم، فإن عملية التعليم والتغيير هي معقدة وطويلة.
والحاجة إلى التغيير ليست مجرد مسألة قوانين جديدة أو حتى بناء مؤسسات، ولكنها أمر نظامي في طبيعتها. إنها تتطلب ما هو ليس أقل من بناء مجتمع مدني في ثقافات سيطرت عليها لأمد طويل تقاليد مستبدة وغير ديمقراطية. وهذا يشمل رعاية روح حكم القانون والحاجة إلى استبدال التشكيك بشأن حكم القانون بالتفاؤل. إن الشعور بأن الحكومة مقيدة بأنظمة وقواعد وأن للأفراد الحق بأن يتحدوا حكوماتهم لم تكن قواعد مرسخة في كثير من المجتمعات. ومع ذلك، يصح القول إن الحركة تسير في الاتجاه الصحيح عالمياً.
أحكام عادلة ويمكن التكهن بها
أن يكون هناك إطار قانوني معمول به أمر حيوي لتنمية سوق التجارة العالمية. فوضع وتطبيق مجموعة عادلة، يمكن التكهن بها ومرنة من الأنظمة والقواعد القانونية أمر حيوي لعملية تكوين التجارة، وإنشاء أسواق الرساميل، والتملك ونقل الملكية، وحماية الحقوق التي تنص عليها العقود وغير ذلك من العناصر الأساسية التي تشكل أساساً تقوم عليه التنمية الاقتصادية. كذلك، إنشاء وتطبيق حقوق وأحكام مالكي الأسهم في مجال الملكية الفكرية أمر حيوي لتنشئة اقتصاديات السوق وجو ملائم للاستثمار الأجنبي الضروري لتوليد نمو اقتصادي. والقضاء المستقل ضروري أيضاً ككابح للتصرفات الكيفية من جانب الحكومة التي تؤثر على الأعمال التجارية -- وهي مشكلة مألوفة في الأسواق الناشئة -- وكوسيلة لحل الخلافات التجارية الخاصة. ولا يسعني أن أشدد بما فيه الكفاية على الدور الذي يستطيع القضاء المستقل أن يقوم به في تنمية مؤسسات ديمقراطية ومرتكزة إلى قوى السوق. وبالاختصار، كما أظهرت الأزمة المالية الآسيوية، فإن حكم القانون مهم للنمو الاقتصادي في المدى الطويل. وقد أعرب دوغلاس نورث الفائز بجائزة نوبل للعلوم الاقتصادية عن الصلة بين الحكم الديمقراطي والتنمية الاقتصادية في خطابه الذي قبل فيه جائزة نوبل إذ قال: "في حين يمكن أن يحصل نمو اقتصادي في المدى القصير في أنظمة مستبدة، فإن النمو الاقتصادي للمدى الطويل يتطلب تنمية حكم القانون."
وحكم القانون يدعم أيضاً الاستقرار الاجتماعي والسلام بترويجه عملية صنع القرار وفق أحكام القانون وليس وفق أوامر اعتباطية؛ وتوفيره أساليب غير عنيفة لتسوية الخلافات؛ وإيجاده إطار عمل من العدالة يمكن أن تحل ضمنه النزاعات العنيفة التي تتضمن جرائم حرب وإساءات جسيمة لحقوق الإنسان. ثم إن تعزيز حكم القانون يحسن أمننا الداخلي بتزويده مؤسسات قانونية في بلاد أخرى بالقدرة على مكافحة جرائم تقع خارج حدود البلدان المعنية كالإرهاب، وغسل الأموال، وتجارة المخدرات، والاتجار بالنساء قبل أن تصل تلك الجرائم إلى بلادنا.
وتنمية حكم القانون مهمة أيضاً للجهود العالمية الراهنة لمكافحة الفساد -- التي تتصف بزخم متزايد وقد بلغت حالياً مرحلة دقيقة. والمعضلة هي أن الفساد يستشري في البلدان النامية والبلدان التي تمر في مرحلة انتقالية التي تفتقر إلى أنظمة قانونية كاملة ومتطورة؛ والظاهرتان مرتبطتان ببعضهما ارتباطاً وثيقاً.
إن التعقيد، والإفراط في فرض الأنظمة، وعدم إمكانية التكهن بتأثيرات الأنظمة القانونية في كثير من البلدان النامية والتي تمر في مرحلة انتقالية حيث تفتقر الحكومات إلى المحاسبة والشفافية أمور تشكل فرصاً لاستشراء الفساد. ومن المفارقات أن هذه الاقتصاديات، إذ تتجه نحو تحرر الاقتصاد وتفتح أبوابها أمام الاستثمارات والتجارة الأجنبية، فإن نفس عمليات التغيير -- الخصخصة، والتحصيل، وما أشبه ذلك -- تصبح مجالات يزدهر فيها الفساد. وهكذا، فإن الفساد أصبح عاملا مهماً بالنسبة إلى الشركات الأميركية وسواها التي عملت في هذه الأسواق الناشئة في السنوات الأخيرة.
ويتخذ الفساد وما يتصل به من افتقار الى الشفافية أشكالا عديدة، من الفساد الكبير -- الطلبات المباشرة للحصول على دفعات مالية كبيرة كشرط للحصول على عمل تجاري -- الى الفساد الصغير -- دفعات مالية صغيرة يطلبها عادة مسؤول في مصلحة الجمارك في بلد أجنبي. وهو يشمل أعمال احتيال وتزويراً في المشتريات الحكومية، وغسل أموال، وحالات من تضارب المصالح بالنسبة إلى موظفي حكومات أجنبية. وهناك مجموعة قضايا ذات صلة تتصل بمعاملات داخلية يمكن أن تشاهد في شركات تملكها الدولة أو شركات خاصة في الأسواق الناشئة. ثم، إن الشركات الأميركية واجهت عدم رغبة محاكم أجنبية بأن تصدر أحكاماً لمصلحتها.
تكاليف الفساد الباهظة
من الواضح أن الفساد يلحق ضرراً بالتنمية الاقتصادية والإصلاح ويعيق نمو المؤسسات الديمقراطية. والفساد يعيق قدرة البلدان النامية على اجتذاب استثمارات أجنبية نادرة ويبدل وجهة استثمار الرساميل. وأخيراً، يؤذي الفساد المصدرين والمزودين الأميركيين -- في كل ولاية ومقاطعة في الولايات المتحدة -- ويعيق التجارة الدولية.
وحكومة الولايات المتحدة على علم بمزاعم عن رشوة في العام الماضي أثرت على عقود دولية قيمتها 30 بليون دولار منحت لشركات أجنبية لا تخضع لقوانين تمنع الرشوة في تشريعاتها المحلية. وبالطبع، على نقيض ذلك، بموجب قانون الولايات المتحدة الخاص بممارسات الفساد الأجنبية، تمنع الشركات الأميركية، تحت طائلة العقوبات الجزائية، من رشوة مسؤولي حكومة أجنبية في معاملات تجارية دولية. وهكذا، كان الفساد ولا يزال عائقاً أمام الشركات الأميركية التي تسعى الى القيام بعمل تجاري في الخارج.
ومن المفارقة، أنه في حين كانت المخاوف بشأن الفساد في تصاعد في السنوات الأخيرة في الاقتصاديات ، حصل في الوقت نفسه تغيير في استعداد حكومات كثيرة لمعالجة هذه القضايا. وهذا ينعكس في عدد من الخطوات القوية التي يجري اتخاذها دولياً لمكافحة الفساد وترويج حكم القانون في طرق متنوعة -- عن طريق مؤتمرات متعددة الأطراف، وجهود دبلوماسية ومساعدات ثنائية، والمؤسسات المالية الدولية وعمل منظمات غير حكومية.
معاهدة جديدة لمكافحة الفساد
في 17 كانون الاول/ديسمبر، عام 1997، وقعت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، نيابة عن الولايات المتحدة، ميثاق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول مكافحة رشوة المسؤولين الأجانب في المعاملات التجارية الدولية. وفي هذا الميثاق، وافقت 34 دولة -- هي شريكاتنا التجارية الرئيسية -- على سن تشريعات جنائية تماثل الأحكام لتي يتضمنها قانوننا الخاص بممارسات الفساد في الخارج.
وهذا الميثاق هو إنجاز كبير لحكم القانون وكان هدف حكومات متعاقبة منذ إقرار قانون ممارسات الفساد في الخارج عام 1977، وبصفتي المستشار المحلي الرئيسي للرئيس كارتر في ذلك الحين، اشتركت في وضع هذا القانون، وأستطيع أن أشهد بالأولوية القصوى التي أعطيت للحصول على التزام من أكبر الدول الصناعية في العالم بأن تتبنى قوانين صارمة خاصة بها لمكافحة الرشوة. وقد عملت حكومة الولايات المتحدة، بتأييد من القطاع الخاص، بشأن هذا بثبات وحققت الآن هدفنا بتقوية حكم القانون في التجارة الدولية وتوفير مجال أكثر مساواة أمام الشركات الأميركية للعمل في الخارج.
وقد تعهدت الحكومات التي وقعت الميثاق بالسعي لتأمين الموافقة عليه وسن تشريعات تنفيذية قبل نهاية العام. ونفذت الولايات المتحدة هذا الالتزام. فقد صادق مجلس الشيوخ على الميثاق، وأقر الكونغرس تشريعاً تنفيذياً، وقعه الرئيس كلينتون وأصبح قانوناً. ومثل هذا الإجراء الأميركي المبكر سيساعد على حفز منافسينا الرئيسيين، الذين ستفيد جهودهم التنفيذية مباشرة مصالحنا الدولية والشركات الأميركية وموظفيها.
إن الميثاق يلزم الفرقاء بأن يعتبروا رشوة مسؤولوي الحكومات الاجنبية، بمن فيهم المسؤولون في جميع فروع الحكومة سواء كانوا معينين أو منتخبين، عملا جرمياً يعاقب عليه جزائياً. وهذا المنع يشمل مدفوعات لمسؤولي وكالات رسمية، ومشاريع رسمية، ومنظمات دولية رسمية. وهذا، لذلك، سيشمل الهيئات التي تسيطر عليها الحكومة، أمثال شركات الطيران، والمنافع العامة، وشركات الاتصالات التابعة للدولة، وهي ذات أهمية متزايدة في المشتريات الحكومية.
وعلى الفرقاء أن يطبقوا، "عقوبات جنائية فعالة، متناسبة" على أولئك الذين يرشون مسؤولي حكومات أجنبية. كذلك يقضي الميثاق بأن يستطيع الفرقاء أن يصادروا الرشوة وعائدات الرشوة - أو الأرباح الصافية الناتجة عن المعاملة غير الشرعية -- أو فرض غرامات معادلة لتوفير حافز قوي لمنع الرشوة.
ويتضمن الميثاق نصوصاً قوية لمنع تزوير الحسابات، وتوفير مساعدة قانونية متبادلة وتسليم المتهمين.
ويشمل الميثاق رشاوى متصلة بأعمال تجارية تقدم لمسؤولي حكومات أجنبية عن طريق أحزاب سياسية، ومسؤولي تلك الأحزاب، ومرشحين، فضلا عن رشاوى تدفع مباشرة الى مسؤولي حكومات أجنبية. وفي حين أن الميثاق لا يشمل الرشاوى التي تدفع مباشرة لأحزاب سياسية أجنبية، ومسؤولي مثل هذه الأحزاب، والمرشحين لمناصب سياسية، إلا أن أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وافقوا على بحث هذه القضايا على أساس أنها من الأولويات في اجتماع فريق العمل ضد الرشوة التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والنظر في اقتراحات لمعالجة هذه القضايا بحلول الاجتماع الوزاري السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أيار/مايو 1999. وستتيح لنا عملية متابعة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن نراقب ونقوّم ما تفعله البلدان المعنية لتنفيذ الميثاق.
استراتيجية الولايات المتحدة
إن الميثاق هو العنصر الرئيسي في استراتيجية شاملة تعتمدها حكومة الولايات المتحدة لمكافحة الفساد والرشوة وترويج حكم القانون. وقد عقدنا في نصف الكرة هذا عام 1996 ميثاق الدول الاميركية لمكافحة الرشوة، الذي عرض أيضاً مؤخراً على مجلس الشيوخ الاميركي من أجل المصادقة. وهذا الميثاق، الذي جرى التفاوض بشأنه تحت رعاية منظمة الدول الاميركية، شأنه شأن ميثاق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يتطلب من الفرقاء أن يعتبروا رشوة مسؤولين حكوميين في الخارج عملا جرمياً. وهو يعالج أيضاً قضايا الفساد الأوسع نطاقاً. فالميثاق ينص على إجراءات للتعاون في مجال تسليم المتهمين، ومصادرة الممتلكات، والمساعدة القانونية المتبادلة والمساعدة الفنية حيث تقع أعمال فساد أو يكون لها تأثير في أراضي إحدى الدول الموقعة. ويتضمن الميثاق أيضاً تدابير وقائية وافق الفرقاء على النظر فيها، بما فيها أنظمة تطبق في المشتريات الحكومية تضمن الشفافية والإنصاف والفعالية.
وعن طريق مجموعة متنوعة من الآليات، إتخذت حكومة الولايات المتحدة أيضاً خطوات تتعلق بالجانب المتلقي من معادلة الفساد لترويج حكم القانون والحكم الجيد في الاقتصاديات النامية والتي تمر في مرحلة انتقالية لكي تحد بعملها ذاك من الفرص التي تتاح للفساد في هذه البيئات الديناميكية. ومن الواضح، أن من المنطقي العمل بصدد هذه القضايا في تلك البلدان التي توجد فيها رغبة على مستوى عال من قبل الحكومات المعنية لمعالجة هذه المخاوف. إلا إننا نرى اهتماماً متزايداً بهذه القضايا في العالم النامي. ونحن نعمل أيضاً عن كثب مع المؤسسات المالية الدولية، خصوصاً البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لتشجيع تشديدها المتزايد على مكافحة الفساد.
وقد حددنا ثمانية عناصر رئيسية لمشكلة الفساد ونقوم بتطوير برامج لمعالجة كل واحد منها على حدة.
أولا، إصلاح السياسة الاقتصادية، بما في ذلك تخفيف وطأة القيود التنظيمية وإزالتها. فمتطلبات الترخيص المرهقة والتي لا ضرورة لها ينبغي أن تزال، والصلاحيات الإستنسابية في المسائل التجارية ينبغي أن تقلّص، وهناك حاجة الى مزيد من التنافس في الاقتصاد. وهذا يشمل إعادة صياغة العلاقة بين الحكومة والشركات ومؤسسات الأعمال في إطار عمل تنظيمي إنما ليس خانقاً.
ثانياً، إصلاحات تتعلق بالشفافية، بما فيها خطوات لجعل العمليات الإدارية التي تؤثر على التجارة والاستثمار يسيرة ويمكن التكهن بها بصورة أكبر.
ثالثاً، إصلاحات في القطاع العام/الخدمة المدنية لتقليص حجم البيروقراطيات في اقتصاديات كانت فيما مضى تحت سيطرة الدولة والحد من تأثيرها في الأسواق. وهذا يتضمن قيام جهاز خدمة مدنية متمرس ونظام يرتكز على المؤهلات.
رابعاً، إصلاح القطاع المالي الرسمي لإنشاء وكالات مراقبة فعالة مسلحة بالمحاسبة ومهارات تدقيق الحسابات. كذلك ضرورة إصلاح عملية المشتريات الحكومية.
خامساً، إصلاح قضائي لإنشاء أنظمة محاكم مستقلة لديها سلطات لتنفيذ أحكامها. وهذا يشمل تطوير هيئات قضائية مستقلة تعمل بمقتضى مبادئ أخلاقية وقواعد سلوكية، وتشكيل هيئات قضائية كرادع ضد سلطة الدولة التعسفية في مجالي الاقتصاد والحريات الشخصية.
سادساً، إصلاح القانون التجاري لإنشاء تنظيم مناسب يتناول تجارة الأسهم والسندات المالية، وحقوق أصحاب الأسهم، والملكية العقارية، والملكية الفكرية، والإفلاس، ومكافحة الاحتكار والبيئة. والمتوخى هنا ليس وضع قوانين جديدة فقط، بل تطوير مؤسسات مناسبة لتطبيق تلك القوانين.
سابعاً، تقوية المجتمع المدني عن طريق التعليم العام وبرامج التوعية المدنية لتحسين مراقبة الجمهور ومشاركته في الحكومة، فضلا عن دعم قيام وسائل إعلام مستقلة.
ثامناً، إصلاح أجهزة الضابطة العدلية لاستئصال الفساد الداخلي وزيادة احترام كرامة الإنسان.
وهناك أيضا مجال الإصلاح الأخلاقي -- وضع قواعد مسلكية لمسؤولي الحكومة وقواعد التصريح عن الوضع المالي قبل تسلم هؤلاء مهام مناصبهم.
ومن الأهمية بمكان التوكيد على أن حكم القانون وجهود مكافحة الفساد ليسوا في أي حال وقفاً على القطاع العام. بل الحقيقة، أن جهد المساعدة التي نقوم به يعتمد اعتماداً شديداً على تأييد القطاع الخاص والشراكة بين القطاعين الخاص والعام التي يزخر بها هذا المجال. وعلى سبيل المثال، إن المبادرة القانونية التي قامت بها نقابة المحامين الاميركيين في أوروبا الوسطى والشرقية هي مشروع خدمة عامة مصمم لتعزيز حكم القانون بدعم الإصلاح القانوني في بلدان تلك المنطقة والدول المستقلة حديثاً.
وتستطيع الشركات الأميركية التي تقوم بنشاط تجاري في الخارج أن تساعد عن طريق وضع برامج خاصة بها واعتماد مبادئ استرشادية واتباع هذه المعايير في معاملاتنا التجارية.
ويمكن لهذه الأنواع من الجهود الخاصة، مع جهود الحكومة، أن تحدث فرقاً في العمل باتجاه قبول أكبر لحكم القانون فيما نتجه نحو القرن الواحد والعشرين.
معاهدة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمكافحة الرشوة:
لماذا هي ضرورية، وكيف تعمل؟
مقابلة مع إيليانور روبرتس لويس،
رئيسة قسم المستشارين لشؤون التجارة الدولية في وزارة التجارة الأميركية
سؤال: لماذا تعتبر الولايات المتحدة معاهدة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مهمة جدا؟
لويس: أصدرت الولايات المتحدة في السبعينات قانوناً سمي قانون ممارسات الفساد الأجنبية يمنع على الشركات الأميركية رشوة مسؤولي الحكومات الأجنبية. وقد قامت وزارة العدل بتنفيذ القانون على نحو صارم. ولهذا فإن الشركات الأميركية بشكل عام لا تعمد إلى دفع رشاوى. ولقد اعتقدنا في ذلك الوقت أن دولا أخرى ستحذو حذونا، وعملنا من خلال الأمم المتحدة ومنظمات أخرى على تشجيعها لتسن قوانين مماثلة. ولكنها لم تفعل. وواصلت شركات الدول الأخرى رشوة مسؤولين أجانب، وعندما تدفع رشاوى كبيرة يحصل الراشون على عقود ومشروعات. إن الشركات الأميركية تخسر آلاف ملايين الدولارات سنوياً بسبب هذا التفاوت في مجال المنافسة. وإننا نعمل منذ عشر سنوات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مع دول متقدمة أخرى في محاولة للتوصل إلى اتفاقية من شأنها ألا تسمح لشركاتها بدفع رشاوى.
سؤال: عدا عن تسهيل حصول الشركات الأميركية على مشروعات، ما الذي تهدف إليه هذه المعاهدة؟
لويس: إنها مهمة من ناحيتي الحكم الصالح والتنمية الاقتصادية. فالرشوة تلوث الدول النامية التي تدفع فيها. والرشوة تقيم وضعاً من شأنه أن يفسد حكومات تلك البلدان، ويحدث خللا في نظمها الاقتصادية غالباً ما يؤدي إلى توجيه معونات التنمية التي تعطى لتلك البلدان إلى غايات أخرى. ومع أننا نركز في وزارة التجارة بدرجة رئيسية على تأثير المعاهدة على الشركات الأميركية، هناك بالتأكيد تأثيرات أخرى يجب أن نشعر بقلق بالغ نحوها.
سؤال: في الظاهر يبدو أن الشركات الأميركية ليست متحمسة لمعاهدة مكافحة الفساد الدولية. ما هو تقديرك للتأييد الذي تلقاه المعاهدة بين الشركات الأميركية وكذلك بين الشركات الأجنبية؟
لويس: بالنسبة إلى الولايات المتحدة هناك الكثير من التأييد في دوائر الأعمال، ولكن الشركات تتردد في الإعلان عن ذلك التأييد بذاتها لأنها تشعر أن الموضوع على درجة كبيرة من الحساسية. فالأمر يشبه قليلا قانون مكافحة المقاطعة، وبعض معاهداتنا الخاصة بالعقوبات؛ إذ تشعر بعض الشركات بالخشية من أنها إذا تناولت هذا الموضوع فقد تبدو وكأنها مشتركة في أعمال الفساد أو أنها ارتكبت خطأ ما. ولذلك، فإنها في معظم الوقت تتناول ذلك الموضوع من خلال منظمات معينة. فمثلا شركات المائدة المستديرة، والرابطة الوطنية للمصانع - وكلاهما تضم جماعات الشركات الأميركية الكبرى - كتبت رسائل إلى مجلس الشيوخ الأميركي، ومجلس النواب الأميركي، تؤيد المعاهدة بشدة.
وتؤيد الشركات الأميركية المعاهدة لأنها تعرف أنها تخسر فرص عمل نتيجة للرشوة. فعندما تتقدم بعطاءات للحصول على عقد مع حكومة دولة نامية، يستطيع منافسوها من الأوروبيين والآسيويين التقدم وعرض رشوة تبلغ عدة ملايين الدولارات. وتعرف الشركات الأميركية أنها لا تستطيع أن تفعل ذلك في ظل القانون الأميركي.
والآن، لا تؤيد جميع الحكومات الأجنبية معاهدة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لأسباب واضحة. فشركاتها كانت تفوز بكثير من العقود خلال العشرين سنة الماضية. ويتعين علينا أن نحث بشدة بعض الحكومات الأجنبية على توقيع هذه المعاهدة. ولكني أعتقد أن الأشياء أخذت تتغير لعدة أسباب. أحد هذه الأسباب هو أن عدداً من الدول الرئيسية حصلت لديه فضائح فساد سياسية محلية خطيرة قد تجعلها تمتنع عن الاعتراض علناً على المعاهدة مراعاة للناخبين لديها. كما أن بعض شركات تلك البلدان تبين أن الثمن أصبح باهظاً جداً. كما زاد بعض مسؤولي الدول النامية من مقادير حصصهم، وأخذوا يطالبون بالمزيد من الأموال وبنسب أعلى من قيمة العقود. فبدلا من الحصول على رشوة نسبتها 1 بالمئة أو 5 بالمئة، أو بعض مئات الآلاف من الدولارات أو مليون دولار، نرى الآن رشاوى تصل إلى 20 و30 و40 مليون دولار. مبالغ ضخمة جداً. ومثل هذه المبالغ تجعل من الصعب جداً على الشركات المعنية تحقيق أية أرباح. إنني أعتقد أن بعض هذه الشركات ذهب إلى حكوماته وقال "إذا استطعنا جميعاً أن نوحد صفوفنا، ونتخلص من هذا تماماً، فنحن نفضل ذلك أيضاً."
سؤال: إن المنتقدين لهذه المعاهدة يقولون إنها محاولة من الولايات المتحدة لفرض صيغتها من المبادئ الأخلاقية للشركات على العالم بأسره. ما هو تعليقك على ذلك؟
لويس: لا أعتقد إنني أستطيع أن أنفي ذلك نفياً قاطعاً. إنها ليست مبادئ أخلاقية للشركات فحسب، بل تتضمن أيضاً بعض المبادئ الأخلاقية للحكم الصالح. نحن نشعر شعوراً قوياً أن الفساد الرسمي ضار لكثير من الأسباب. فنحن كبلد من المفروض أنه يتزعم العالم ليس في المجال العسكري فحسب، بل أيضاً في الشؤون الاقتصادية، ولذلك فمن المناسب للولايات المتحدة أن تشجع الناس على أن يساندوا القوانين التي تؤيد الحكم الصالح والعلاقات التجارية والاستثمارية الصحيحة.
لقد فعلنا ذلك في عدد من المجالات الأخرى. وتستطيع أن تقول إن اتفاقية "غات" بأكملها كانت في واقع الأمر مبادرة من الحكومة الأميركية. فكثير من القوانين التي لدينا اليوم في مجال الاقتصاد الدولي هو نتيجة جهودنا مع الناس، وتشجيعنا، ودفعنا لهم لإقامة علاقات دولية بالطريقة التي يقيمون بها علاقاتهم المحلية. وفي ظل حكم القانون، بدلا من أن نرى كل شخص يجري في دائرة مثل رعاة البقر المتهورين، نجد شعوباً وحكومات أو شركات تعمل معاً في ظل مجموعة من المعايير المتفق عليها. إنها (هذه المعايير) تنظم، وتساهم في استقرار العلاقات الاقتصادية الدولية. إنني استخدم بكل تعمد كلمة استقرار؛ نحن نرى من وجهة نظرنا أن الفساد والمحسوبية في الحكومات والشركات والبنوك في الدول التي تعاني معاناة شديدة في ظل هذه الأزمة كانا عاملين هامين في الأزمة الاقتصادية الآسيوية. ونحن نود أن نعرض نهجاً نعتقد أنه سليم جداً ويساهم في المزيد من الاستقرار للجميع.
سؤال: كيف يمكن مراقبة وتنفيذ معاهدة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؟
لويس: هناك لجنة معنية بالرشوة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هي التي تفاوضت بشأن المعاهدة. كما أن كل دولة من الدول الأعضاء وكذلك بعض الأطراف الخارجية التي أرادت أن تنضم إلى المعاهدة (الأرجنتين، البرازيل، بلغاريا، تشيلي، وسلوفاكيا) لها مقعد حول طاولة الاجتماعات. وحالما تصبح المعاهدة سارية المفعول، ستبدأ لجنة العمل هذه تنفيذ برنامج مراقبة يستمر لعدة سنوات. إنني أؤكد انه سيستمر لعدة سنوات لأنني أدرك أن هذا البرنامج ليس عصا سحرية ستجعل الفساد كله يختفي بحلول شباط/فبراير القادم.
وستبدأ لجنة الرشوة عملها بمراجعة جميع تشريعات التنفيذ لجميع الدول التي أقرت المعاهدة. وإذا شعرنا أن بعض التشريعات ليست كافية، فسنطلب من الدول أن تعمد إلى تحسينها. ثم سنستخدم بعد ذلك آلية لمقارنتها مع قريناتها. وسنبعث بفرق من الخبراء، معظمهم من ممثلي النيابات العامة، لزيارة كل بلد لترى ما هي الآليات التنظيمية والمادية التي تم اعتمادها لتنفيذ تلك القوانين. وأين توجد هذه الآليات في وزارت العدل في تلك الدول؟ وهل هناك جهات مسؤولة عن التنفيذ؟ وما هي آليات التحقيق والميزانية التي تم اعتمادها لجهود مكافحة الرشوة؟ وحالما يتم إكمال هذه المرحلة، سنقوم بالمراقبة عندما تتقدم دول بشكاوى. لقد اتفقنا على التعاون في المحاكمات وتبادل المعلومات. فلنقل مثلا أن شركة أميركية جاءت إلى الحكومة الأميركية وقالت لها "نحن نعتقد أن لدينا معلومات موثوق منها حول حصول رشوة في البلد النامي "س"، وأن هناك ثلاث أو أربع شركات أوروبية مشتركة في تقديم هذه الرشوة. فإذا تبينا أن هناك معلومات تؤيد ذلك، فقد نخطر الدول الأوروبية المعنية بها، ثم نأخذ الأمر إلى لجنة العمل في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ونقول لها "في المرة القادمة عندما يذهب فريق الخبراء التابع لكم إلى هذه البلدان عليه أن ينظر في الأمر ليعرف ماذا فعلوا بتلك المعلومات. هل أجروا تحقيقاً؟ هل أصدروا قرارات اتهامية؟ هل اتخذوا إجراءات المحاكمة؟
سؤال: ما الذي يجعلك تشعرين بالثقة بأن هذه الإجراءات ستنجح؟
لويس: إن ما يشجعني هو انه خلال المفاوضات تحدثت إلى كثير من ممثلي النيابات العامة والضابطة العدلية من كثير من الدول المشتركة. لقد كانوا أعضاء في وفود المتفاوضين التي تمثل بلادهم. واتضح أن ممثلي النيابة العامة في كل مكان في العالم يشبهون بعضهم البعض جداً. فهم معتادون على ملاحقة شركات في بلدانهم. ذلك هو ما يفعلونه لكسب عيشهم، بخلاف وزارات التجارة التي تعودت على تأييد رجال الأعمال لديها والترويج لهم. فمن المحتمل أنه حالما تصبح تلك القوانين المحلية سارية المفعول، على افتراض إنها صيغت بكفاءة، فان قضايا مكافحة الرشوة ستأخذ مجراها. هذه كانت خبرتنا من وزارة العدل لدينا هنا في الولايات المتحدة. لقد صدر القانون الخاص بنا في 1977. وبحلول 1978، كانت هناك بعض المحاكمات، ودفع بعض الناس غرامات. وأعتقد أن ذلك سيحدث في عدد من البلدان.
سؤال: هل هناك إمكانية لأن يفرض بلد ما على مقدمي الرشوة لديه عقوبات خفيفة جداً فيما تفرض الولايات المتحدة عقوبات صارمة؟
لويس: أعتقد أن هذه قضية هامة بالتأكيد. إن المعاهدة نفسها تنص بالتحديد على أن العقوبات يجب أن تكون على الأقل في مثل صرامة العقوبات المفروضة على الرشوة المحلية، ويجب أن تكون رادعة. يجب أن تكون أكثر من خفيفة. فإذا كانت هناك شركة تملك بلايين الدولارات، وتقدم رشوة قدرها 50 مليون دولار، لا يجوز أن تفرض عليها غرامة قدرها 1000 دولار. إن ذلك من شأنه ألا يعتبر عقاباً رادعاً في ظل معايير المعاهدة.
سؤال: لقد ذكرت أن كثيراً من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يؤيد على مضض معاهدة مكافحة الرشوة. ما هي الحوافز التي تستطيع الولايات المتحدة تقديمها لتجعل الموقعين الآخرين يتقيدون بمضمون المعاهدة تماماً؟
لويس: أعتقد أن الحافز الأكبر قد يكون المصلحة الذاتية المستنيرة. فهناك عدد من الشركات أخذ يجد أن الرشاوى الكبيرة تستنزف أرباحها إلى حد كبير. وإذا شعرت أن لا أحد من المنافسين يدفع رشوة، فسيسعدها جداً ألا تقدم رشوة هي أيضاً، وقد قالت ذلك لحكوماتها. إن المصلحة الذاتية المستنيرة ربما تكون أفضل آلية لتنفيذ أي شيء، وبصفة خاصة في المجال الدولي، حيث لا توجد لدينا قوات شرطة لمكافحة الرشوة تجوب العالم وتقبض على الناس في مختلف البلدان.
وبالنسبة إلى التأثير الذي لا يعتمد على حوافز، يمكن دائما اللجوء إلى دور الدبلوماسية العامة. فإذا كان هناك بلد يرفض التعاون بشكل فاضح، فإننا نستطيع عند نقطة معينة أن نعلن ذلك على الملأ. فهناك بعض البلدان التي تستطيع القوى السياسية المحلية فيها أن تجعل تلك الوسيلة فعالة.
سؤال: هل جرى التفكير في أي عقوبات؟
لويس: لا. لا تتضمن المعاهدة أي عقوبات. نحن نجلس حول طاولة تضم أعضاء على أساس المساواة، نمارس الضغط، ويمطر كل منا الآخر بوابل من الأسئلة.
سؤال: هل ستلعب منظمة التجارة العالمية دوراً في تنفيذ معاهدة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؟
لويس: لا، ليس في تنفيذ المعاهدة، ولكن أمام منظمة التجارة العالمية دوراً هاماً تلعبه في ما يتعلق بوجه آخر من مشكلة الفساد. إن هذه المعاهدة تستهدف مقدمي الرشوة. نحن في حاجة إلى منظمة التجارة العالمية لتساعدنا في الجانب الآخر، جانب متلقي الرشوة، أي الدول النامية. ففي الوقت الحالي، لا يوجد شيء ينظم عملها. ومعظم المشاكل يحصل في مشتريات الحكومات.
قبل عدة سنوات، وضعت منظمة التجارة العالمية اتفاقية للمشتريات الحكومية كان يفترض فيها أن تنظم تلك الناحية، ولكنها لم تعمد إلى جعل جميع الدول الأعضاء توقعها. وحتى الآن وقعتها حوالى 25 دولة أو نحو ذلك، ومعظمها من الدول الغنية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي واقع الأمر، لم توقع أية دولة من الدول النامية هذه المعاهدة. وقد اقترحت الولايات المتحدة أن تطرح منظمة التجارة العالمية ما يسمى "مبادرة الشفافية" تقوم الحكومات بمقتضاها بالإعلان على الملأ عن عقود المشتريات، وتنشر المعايير أو المقاييس لتلك العقود، وتفتح العطاءات علناً. وإذا أراد طرف ما الاحتجاج على القرار، يكون لديه مكان يحتكم إليه. فإذا استطاعت منظمة التجارة العالمية أن تنجح في ذلك في السنتين القادمتين، سيكون ذلك مساهمة كبرى في حل هذه المشكلة. وحينئذ سنحصل على تعاون الجهتين: الدول المتقدمة والدول النامية.
الفساد تحد متواصل للتنمية
بقلم: ج. براين أتوود، مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية
تبين الأوضاع الاقتصادية في جميع أنحاء العالم عام 1998 أن الطريق إلى النمو الاقتصادي المتواصل قد اتخذ بعض المنعطفات غير المتوقعة. وحتى أكبر الدول وأعظمها قوة ليست بمنأى عن الانهيارات الاقتصادية والسياسية التي تحدث في كل مكان. فاقتصاديات جميع الدول تقريباً مرتبطة ببعضها البعض ارتباطاً وثيقاً من خلال التجارة الإلكترونية، والإنترنت، والتدفق الحر لرأس المال الدولي. ومع ذلك فحرية الاقتصاد العالمي لها أيضاً جانبها السلبي إذا أسيء استخدامها.
فالاضطرابات التي وقعت في الأسواق العالمية في الآونة الأخيرة، بآثارها الاقتصادية والاجتماعية الواسعة النطاق، لا بد أن تمتحن التزام الدول النامية اقتصاديات السوق الحر والحكم الديمقراطي. فالكثير من هذه الدول يواجه انكماشاً تجارياً وتصدعات اجتماعية حادة. وربما كان أحد العوامل التي ساهمت في ذلك هو عدم وجود وقاية مؤسساتية تحمي اقتصادياتها. إن عدم وجود إطار للحكم الصالح وحكم القانون، والمشاكل التي تنشأ بسبب عدم وجود أنظمة كافية لعمل البنوك، وقرارات الاستثمار غير السليمة والتقديرات غير الصحيحة للمخاطر وإجراءات المحاسبة غير الواضحة والانفتاح المحدود من جانب الحكومة، أمور غالباً ما تؤدي إلى ظهور فرص للمحاباة والفساد في الدول النامية. وعندما كانت الأوضاع الاقتصادية مزدهرة، كانت هذه الأمور تبدو غير ذات شأن. ولكن هذه الأمور هي مما يعرقل النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي حقاً.
تأثير الفساد
كان للفساد تأثير مدمر في السنوات الأخيرة في دول مثل نيجيريا وإندونيسيا وروسيا، إذ أدى إلى إضعاف نظمها الاقتصادية والسياسية. ولم يكن من المستغرب أن تسقط تلك الدول في القاع (بصفتها أكثر الدول فساداً) في دليل الفساد الذي أصدرته "منظمة الشفافية الدولية" والفساد لعام 1998 إذ احتلت المراتب 76 و80 و81 على التوالي من مجموع 85 دولة.
ففي نيجيريا، نهب الجنرال ساني اباشا وأصدقاؤه آلاف الملايين من الدولارات من صناعة النفط التي هي المصدر الرئيسي لثروة البلاد، وتشكل 80 بالمائة من إيرادات الحكومة. وأدى تحويل الأموال عن خزينة الدولة إلى تردٍ ملحوظ في البنية التحتية والخدمات الاجتماعية، وأوشكت مصافي تكرير النفط التي تملكها الدولة على الانهيار. وهبط الدخل السنوي للفرد الآن إلى أقل من 300 دولار، وكان قد بلغ 800 دولار في الثمانينات. وعندما واجهت هذه الدولة الغنية بالنفط أزمة في الوقود وكساداً، لجأت الحكومة إلى وسائل قمع أشد لكي تظل في السلطة تتمتع بمزاياها. ولكن موت أباشا المبكر وفر فرصة محتملة للإصلاح السياسي والاقتصادي.
وتوفر إندونيسيا مثلا آخر مشهوراً لفساد الحكومة الذي قوض الاقتصاد الوطني هناك، حيث وجهت البنوك التي تملكها الدولة الأموال إلى مشروعات تشترك فيها أسرة الرئيس سوهارتو وأصدقاؤه. وسمحت البنوك بتراكم متأخرات القروض التي لم تسدد بدون اتخاذ أية إجراءات خلال التسعينات، وتحايلت للتهرب من القوانين التي تمنع الإفراط في الاستدانة من العملات الأجنبية. ونتيجة لذلك، عندما هبطت قيمة الروبية في عام 1997، بدأ النظام المالي بأسره في الانهيار. ودفع الإفلاس على نطاق واسع، وطرد العاملين بالجملة، إلى إعادة نصف شعب إندونيسيا البالغ عدده 200 مليون نسمة إلى الفقر.
كما توفر روسيا مثالا ثالثاً على الفساد الذي يلحق ضرراً بالتنمية السياسية والاقتصادية. ففي روسيا جمع الفساد بين حكم أقلية مستغلة من الجماعات المالية-الصناعية وبين مسؤولين حكوميين شوهوا عمليات الخصخصة، وقوضوا الإصلاح الاقتصادي، ووقفوا في طريق التجارة والاستثمار، وأضاعوا ثقة الشعب في المؤسسات الحكومية. وأعطت حالة الاقتصاد الضعيفة، مقترنة بالأزمة المالية الأخيرة، دفعة سياسية لها شأنها للشيوعيين السابقين وغيرهم من المعارضين الآخرين للإصلاح.
بعض الخطوات الإيجابية
على الرغم من هذه الصورة المتجهمة، فإن كثيراً من الدول يتصدى للمشاكل الأساسية التي تتسبب بظهور الفساد. ففي إفريقيا مثلا، عقدت مؤتمرات كبرى لمحاربة الفساد خلال الثمانية عشر شهراً الماضية في أثيوبيا وموزمبيق وغانا. ووفرت هذه المؤتمرات منبراً للزعماء الأفارقة لتطوير استراتيجيات مبتكرة لمحاربة الفساد، وتبادل المعلومات مع دول أخرى من جميع أنحاء العالم، ولإحاطة الأسرة الدولية علماً بالخطوات التي يحتاجون إليها لتقليص الفساد.
وبموازاة هذه المبادرات التي اتخذت على نطاق واسع في إفريقيا، تحركت عدة دول إفريقية من مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل لمحاربة الفساد. ففي بوتسوانا، يعتبر جهاز مكافحة الفساد والجرائم الاقتصادية نموذجا لمؤسسات محاربة الفساد، وقد نظر في أكثر من 4200 قضية فساد منذ عام 1994. وفي أوغندا أنشأ الدستور "مكتب المفتش العام"، الذي يتمتع بصلاحيات واسعة لمحاربة الفساد، ويتعين عليه أن يقدم تقارير دورية إلى البرلمان.
ويوجد إجماع متنام بين الدول الصناعية والدول النامية على حد سواء على أن محاربة الفساد تخدم مصالحها القومية والاقتصادية. وفي مؤتمرات القمة الأخيرة التي عقدتها مجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع، وفي الاجتماعات التي عقدها وزراء التنمية فيها، دانت البيانات التي صدرت بوضوح وصراحة الفساد لإضعافه نظام التجارة العالمي، وإعاقته التنمية الاقتصادية المتواصلة، ومنع المؤسسات الديمقراطية من القيام بوظائفها. إن محاربة الفساد تحتل الآن حيزا مرتفعا جدا في سلم الأولويات في جداول أعمال كل من وكالات التنمية والمنظمات العالمية المانحة للقروض.
والولايات المتحدة، ملتزمة -- من خلال وكالاتها وأجهزتها الخاصة بالشؤون الخارجية -- محاربة ممارسات الفساد في الأعمال، وتحسين الأداء الضعيف للمؤسسات الذي يسمح للفساد بأن يزدهر. إن الرشوة هي حاجز يعترض التجارة ويلحق الضرر بمصالح الولايات المتحدة التجارية، ويقوض هدف الولايات المتحدة في تشجيع الديمقراطية والتنمية الاقتصادية في الدول النامية. بالإضافة إلى ذلك فان تفشي الفساد يشل قدرتنا على تشجيع إعادة بناء الاقتصاد في بلدان تكون لنا فيها مصالح سياسية هامة.
استجابة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية
إن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، بصفتها وكالة للتنمية، لها مصلحة كبرى في ألا تصبح الرشوة شيئا مألوفا. ولذلك جعلت مكافحة الفساد -- التي تعتبر عنصراً رئيسياً في استراتيجية حكومة كلينتون لمحاربة الجريمة الدولية -- أولوية في جدول أعمالها الخاص بالتنمية. ولعل القول المأثور "كل الجرائم الدولية هي جرائم محلية"، يشرح الوضع على أفضل حال. وبناء عليه، فإن أي حلول طويلة الأجل لمشكلة الجريمة الدولية، ومنها الفساد، يجب أن تعتمد في نهاية المطاف على تقوية المؤسسات الحكومية، ومشاركة المجتمعات المدنية، وإقامة حكم القانون في كل دولة. ولتحقيق النجاح، لا يمكن ان تكون المعركة ضد الفساد معركة قصيرة الأجل، كما أنها ليست مسألة تكنوقراطية، ولكنها تتطلب مشاركة الشعب في حملة متواصلة طويلة الأجل.
وتعمل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، بالتشاور الوثيق مع جهات مانحة أخرى تعمل على صعيد ثنائي أو متعدد الأطراف، في وضع إطار لمحاربة الفساد وأشكال أخرى من النشاط الإجرامي. ويستند هذا الإطار إلى كثير من الدروس التي تعلمناها من العمل مع الدول النامية على مدى الخمسة والثلاثين عاما الماضية، وهي تشمل بوجه خاص الاعتراف بأن عدم الاستقرار السياسي، والمؤسسات العامة الضعيفة، والإدارة الاقتصادية الضعيفة، أمور تودي إلى إيجاد بيئة تساعد على تفشي الفساد وتزدهر فيها أنواع معينة من النشاطات الإجرامية. وتؤدي هذه النتائج بدورها إلى إضعاف النمو الاقتصادي وزيادة فرص فشل الحكومة، وتشجع على نشاطات الجريمة المنظمة.
وتشمل بعض النشاطات الرئيسية التي تقوم بها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ما يلي:
* زيادة الوعي بتكاليف الفساد - إن الجهود التي تبذل لزيادة الوعي حول تكاليف الفساد، وتعبئة الإرادة السياسية لمحاربته، تعد عناصر أساسية من برامج نشاطات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وتؤيد الوكالة الجهود التي تبذل لنشر وتعميم الإجراءات المتبعة في مختلف البلدان في هذا الصدد، وإجراء دراسات تتناول ما يعتبره الناس فسادا، ورعاية ورش عمل عن النزاهة، وتدعيم المنظمات غير الحكومية التي تعمل لمحاربة الفساد، وتشجيع المراقبة المدنية، وتوفير التدريب في العمل الصحفي الذي يسعى إلى كشف الفساد، وتشجيع جهود القطاع الخاص لمنع الفساد، وتشجيع التعاون والمؤتمرات الدولية.
* تشجيع الحكم الصالح - تعمل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لتحسين الشفافية والإشراف لدى الحكومات من خلال نشاطات معينة مثل نظم الإدارة المالية المتكاملة، والتدريب وتوفير المعونة التقنية لمؤسسات المحاسبة، ووكالات مكافحة الفساد. كما تسعى الوكالة أيضا إلى إيجاد حوافز جديدة لمسؤولي الحكومة من خلال الالتزام بالمبادئ الأخلاقية ومتطلبات الكشف عن أوضاعهم المالية لدى تسلمهم مهامهم.
* تدعيم الجهاز القضائي - يزدهر الفساد حيث تكون مؤسسات الجهاز العدلي ضعيفة وغير قادرة على التحقيق في الأعمال الإجرامية وملاحقتها. وتشمل هذه المؤسسات القضاء والنيابة العامة ومفتشي الشرطة والمحامين من القطاع الخاص. ولتقوية هذه النظم، تدعم برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وضع قوانين جنائية وقوانين لمكافحة الفساد، وتدريب ممثلي النيابة العامة والقضاة، وتحسين إدارة المحاكم لمنع التلاعب بالسجلات، واختصار مدد الانتظار للنظر في الدعاوى.
* تخفيف سيطرة الحكومة على الاقتصاد - تمارس الحكومات سيطرة لها شأنها على الاقتصاد من خلال المشاريع التي تملكها الدولة، والتراخيص والتعرفات التي تفرضها، والقيود المفروضة على أسعار العملات، ودعم بعض السلع، والمشتريات العامة وتوفير الخدمات الحكومية. وتؤدي مثل تلك السيطرة إلى توفير الفرص لإساءة الاستخدام وتعطيل النمو الاقتصادي. وتعمل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية على تقليص تلك الفرص من خلال رفع القيود وإلغاء اللوائح التنظيمية، وإلغاء القيود على التراخيص، والخصخصة، وإجراء المشتريات العامة عن طريق المنافسة.
مبادرات محددة من جانب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية
اتخذت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية عددا من الخطوات في السنة الماضية لتشجيع جهود مكافحة الفساد. فقد أنشأ مسؤولو الوكالة الذين يعملون في واشنطن لجنة عمل لمكافحة الفساد تجتمع شهريا لتبادل المعلومات وتنسيق العمل بين المكاتب. ونظرا إلى طبيعة الفساد المشتركة بين القطاعات، يشترك مسؤولون عن الشؤون الاقتصادية والديمقراطية في اجتماعات لجنة العمل. وتقوم لجنة فرعية تابعة للجنة العمل بوضع إرشادات تتبعها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في عملها لمكافحة الفساد. وقد أنجز "مركز الديمقراطية والحكم" التابع للوكالة في هذا الخريف "دليل مكافحة الفساد" الصادر عن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والذي يمكن الحصول عليه على العنوان الإلكتروني التالي: docorder@dec.cdie.org، أو بطريق الفاكس على الرقم التالي: (703) 351-4039
كما تؤيد الوكالة جهود مكافحة الفساد من خلال منحة مكتب منظمة "الشفافية الدولية" (Transparency International -T.I) ويرمز لها بالأحرف تي.أي. وتوفر هذه المنحة مليوني دولار لبذل جهود مكثفة لمكافحة الفساد في تسع دول، وتنظيم حلقات دراسية ودورات تدريبية لبحث الدروس المستفادة. وتبدأ برامج الدول بحلقة دراسية عن النزاهة لزيادة وعي لجنة العمل بمشاكل الفساد، وتطوير خطة عمل لحل هذه المشاكل. وتشمل الدول المستهدفة التي تستفيد من هذه المنحة بنغلاديش وبنين وبلغاريا وكولومبيا وجمهورية الدومينيكان وغانا وموزمبيق والفيليبين وأوكرانيا. وتتعاقد الوكالة أيضاً مع مركز إصلاح النظم والقطاع غير الرسمي (في جامعة ماريلاند) لعرض أربع قضايا دراسية عن إجراءات للتدخل نجحت في مكافحة الفساد لاعتمادها في الحلقات الدراسية الإقليمية التي سينظمها مكتب "الشفافية الدولية."
كما طرحت المكاتب الإقليمية التابعة للوكالة عدداً من مبادرات مكافحة الفساد. وقد بدأ مكتب دول أميركا اللاتينية ودول حوض بحر الكاريبي تقويماً لمشروعها الثاني لتحسين الإدارة المالية الإقليمية، الذي استخدم سبعة ملايين دولار خلال خمس سنوات لتحسين سبل مساءلة موظفي الحكومة، والإدارة المالية. ويستضيف المشروع جماعة استشارية متبرعة، ويصدر نشرة إخبارية دورية بعنوان "المساءلة/مكافحة الفساد"، وينظم مؤتمرات عن طريق التلفزيون. كما يوفر مساعدات تقنية. وبالمثل أنشأ مكتب أوروبا الشرقية/الدول الحديثة الاستقلال لجنة عمل لمكافحة الفساد، وطور استراتيجية لمكافحة الفساد، وخصص 900 ألف دولار لمدة عامين لإقامة لجنة استشارية متبرعة، وورش عمل للتدريب، والمساعدة في القيام بأعمال التقويم، واستراتيجية لتخطيط التدريب، وإصدار نشرة إخبارية دورية وكتابة مواد للتقارير والبرامج. وخصص مكتب آسيا/ الشرق الأدنى مبلغ 200 ألف دولار لتقويم وتطوير استراتيجية إقليمية لمكافحة الفساد.
وبالإضافة إلى ذلك، ترعى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ورش عمل لمكافحة الفساد، بالاشتراك مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وذلك لمتابعة تطبيق معاهدة مكافحة الرشوة التي وقعت في كانون الأول/ديسمبر 1997، والتوسع في مناقشتها. كما يشترك المكتب العالمي للوكالة في رعاية مؤتمر دولي عن دور القطاع الخاص في محاربة الفساد، يعقد في واشنطن في شباط/فبراير 1999.
كما يدعم المفتش العام للوكالة الأميركية للتنمية الدولية جهود مكافحة الرشوة من خلال العمل مع مؤسسات المراجعة العليا في الدول النامية. وتشبه مؤسسات المراجعة هذه، في كثير من النواحي، مكتب المحاسبة العامة في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن مؤسسات المراجعة تستطيع ان تشكل خط الدفاع الأول للبلد في محاربة الاحتيال والإسراف وسوء الإدارة والفساد، فإنها في كثير من البلدان تنقصها الموارد والخبرة للقيام بهذا الدور الحيوي. وللمساعدة في سد هذه الثغرة، نظم مكتب المفتش العام تدريبا أساسيا للعاملين في مؤسسات المراجعة العليا في الدول التي تتلقى مساعدات تنمية من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.
تحدي التنمية
الفساد مشكلة عالمية. والدول الصناعية ليست محصنة من ممارسات الفساد، وتقع عليها كلها مسؤولية أن تكون جزءا من الحل. ولكن يبدو أن الفساد يتسبب بأضرار أكبر للدول النامية والاقتصاديات الانتقالية لأنها لا تستطيع أن تتحمل العواقب. كما يمنع الفساد كثيرا من الدول من التصدي لتحديات التنمية الأكثر خطورة، ولا يشجع الاستثمار الأجنبي والمحلي، ويضعف الثقة في المؤسسات العامة، ويزيد من تفاقم مشاكل الميزانية بحرمانه الحكومات من تحصيل رسوم جمركية وجباية إيرادات ضريبية لها شأنها.
وتبرز الاضطرابات الأخيرة في الأسواق المالية وفي اقتصاديات الدول النامية أهمية الشفافية في عمل المؤسسات العامة وفي القرارات الرسمية. إن برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لدعم التنمية المتواصلة وأهداف السياسة الخارجية تساند عدداً كبيراً من نشاطات محاربة أسباب الفساد.
ومن خلال تأييد مثل تلك الجهود، تصبح تلك الدول المعنية شريكات تجاريات أفضل مع الولايات المتحدة، ويمكن أن تجتذب استثمارات أجنبية. كما يشكل تشجيع التطور الديمقراطي في جميع أنحاء العالم أحد الاهتمامات الرئيسية للسياسة الخارجية الأميركية؛ كما أنه من خلال برامج دعم مكافحة الفساد تكتسب حكومات الدول النامية شرعية أكبر، وتصبح أكثر قدرة على دعم الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية. كما تصبح شريكات أفضل في مجال التنمية، ودولا يمكن أن تتحقق فيها تنمية مستمرة طويلة الأمد.
عودة إلى الأساسيات: استراتيجية لمكافحة الفساد
بقلم جيمس وولفينسون، رئيس البنك الدولي
تركز، خلال العام الماضي، كثير من الاهتمام على أسباب وتأثيرات الأزمة المالية العالمية. ولا شك في أن يكون هناك شعور بالإلحاحية عندما يتعلق الامر بمباحثات عن بنيان مالي جديد، وأنظمة مصرفية أفضل، ورقابة محسنة وتحليل للمخاطر. فهذه كلها مهمة جدا، ويجب أن يستمر التعاون في البحث عن أجوبة مشتركة.
لكن هناك أزمة أخرى نالت اهتماما أقل بكثير. إنها الأزمة الإنسانية. إن مئات الملايين من الناس يتعرضون لخطر العودة الى حالة الفقر في بلدان متأثرة تأثراً شديداً بالاضطراب الاقتصادي. ويتعرض التقدم الاقتصادي الذي تحقق في عشرات السنين الماضية إلى خطر الضياع. إنها أزمة تؤذي الاطفال بدفعهم الى خارج المدرسة ونحو أعمال شاقة وأحياناً خطرة. وهي أزمة تجرد ملايين الأشخاص من أعمالهم وتمزق نسيج وأمن الحياة الاجتماعية. إنها أزمة لم نسمع عنها إلا ما ندر.
هذه الأزمة يجب أن تعالج. هناك الكثير مما ينبغي عمله، إلا أن جميع الاستراتيجيات يجب أن تبدأ بالتزام ببناء اقتصاديات ومجتمعات منفتحة وشفافة، وفي النهاية، تحاسب على أعمالها. وهذا يعني قطع التزام بمحاربة سرطان الفساد. فمهما تدفق على بلد من استثمارات وتجارة، ومهما نما الاقتصاد بسرعة، فإن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن أن يترسخ في بيئة يخربها الفساد. إن الفساد، سواء كان على شكل تواطؤ بين شركات ضخمة وصانعي القرار في الحكومة أو رشوة على مستوى متدن لمسؤولي الجمارك أو القضاة، يهدم حكم القانون، ويخنق النمو الاقتصادي ويؤذي الفقراء أذى شديداً.
التأثير الحقيقي للفساد
على مدى سنين، كان يعتقد أن الرشوة وأشكالا أخرى من الفساد هي أدوات فعّالة وحتى ضرورية للقيام بأعمال تجارية في البلدان النامية. وكان التفكير أنه عن طريق تقديم رشاوى تستطيع الشركات أن تحقق تفوقاً في مجال المنافسة. إن الأمر ليس كذلك. فقد أفادت دراسة أجراها البنك الدولي وآخرون أن الرشوة هي أبعد من أن تكون عاملا في تيسير النشاط التجاري، بل إنها في الواقع سبب لازدياد القواعد والإجراءات التنظيمية المفرطة والاستنسابية. إن الرشوة، باختصار، تتغذى من نفسها منتجة طبقة فوق طبقة من البيروقراطية التواقة الى خنق العمل. وحقيقة الأمر هي أنه في البلدان التي يعرف عنها استشراء الفساد تنفق الشركات مزيداً من الوقت مع بيروقراطيين وموظفي حكومة يتفاوضون حول منح التراخيص، والأذونات، ودفع الضرائب.
وتظهر الأدلة أيضاً أن الدول التي لديها مستويات عالية جداً من الفساد معرضة لخطر التهميش في عالم من التكامل الصناعي السريع. وهذا يتضح بشكل كبير اليوم. فكثير من التحديات التي نواجهها اليوم تمكن نسبتها الى أعمال تواطؤ ومحسوبية وعدم دقة في السجلات. إن الأسواق المفتوحة لا تستطيع أن تعمل خلف أبواب مقفلة. فتدفق الرساميل ومساعدة التنمية الرسمية يتأثران كثيراً بالأداء السياسي واستقامة المؤسسات. والمستثمرون لديهم اليوم خيارات عديدة، وهم أكثر قدرة على نقل أموالهم الى حيث أخطار الفساد أقل بروزاً. ثم إن الجهات المانحة، التي تتقلص ميزانيات المساعدة لديها، وضعت أيضاً حدوداً فاصلة. والمؤسسات العامة الحسنة الاطلاع ووكالات المساعدة الحريصة ومؤسسات التنمية تسعى كلها للحصول على مردود لاستثماراتها -- على شكل تخفيض الفقر وتنمية اجتماعية -- بنفس الحماس الذي ينظر فيه مستثمرون من القطاع الخاص إلى مردود مالي. إن التصورات في الدول المانحة بأن الفساد في الأقطار متسلمة المساعدات يبدد تلك المساعدات هي من أعظم الأخطار التي تتهدد المساعدات المقبلة. ومرة أخرى، الفقراء هم الذين يعانون.
نحن في البنك الدولي، كما في منظمات أخرى متعددة الأطراف، ندرك جيداً أنه رغم اليقظة المستمرة وشدة التدقيق في الحسابات وإجراءات التحقيق، فإن المشاريع التي نؤيدها ليست محصنة تجاه ضغوط الفساد. وليست هناك من طريقة لعزل المشاريع الفردية وبرامج الإقراض عن الاحتيال والتزوير إذا كان هذان مستشريان في البيئة التي تعمل فيها. وهذا يستدعي جهوداً متواصلة من جانب البنك لملاحقة ومحاكمة مرتكبي الاحتيال والتزوير حيثما وجدا، بينما يقوي في الوقت نفسه البنيان المؤسساتي الذي سيساعد في النهاية على وقف الفساد في مصدره. وهذا سيكون كفاحاً صعباً طويل الأمد. لكن كونوا على يقين بأن هذه معركة يمكن الانتصار فيها، ومعركة يجب أن نخوضها.
نحو إصلاح الحكومات
لقد تم اتخاذ خطوات مهمة. والفساد ليس مجرد مشكلة قطاع عام محلي. فمقابل كل شخص يقبل رشوة يوجد شخص يقدمها؛ وهذا يعني في الغالب أن عملاء القطاع الخاص يرشون مسؤولين في بلاد أخرى. إن العاملين في شركات القطاع الخاص، حيثما كانوا يعملون وبصرف النظر عن الظروف، يجب أن يتبعوا أعلى معايير الاستقامة. والمبادرة التي اتخذتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في العام الماضي لجعل رشوة المسؤولين الأجانب عملا جرمياً هي خطوة كبيرة الى الأمام في هذا الاتجاه. والتقدم في هذا المجال ضروري جداً.
والاسئلة هي: ماذا تستطيع الحكومات أن تفعل لتقليل الفساد وما هو دور المنظمات الدولية كالبنك الدولي؟ كثيرون يودون أن يروا البنك الدولي يستخدم موارده وكفاءاته لكي يخلص بلداً ما من الفساد بين عشية وضحاها. وآخرون يعتقدون أن البنك، لكي يكون جدياً، يجب أن يقطع كلياً جميع القروض عن البلدان لدى ظهور أول دليل على الفساد. لكننا لا نفعل ذلك، ولا نستطيع أن نكون شرطي العالم. كما أن الفساد لا يمكن أن يستأصل بين عشية وضحاها. على أن هناك خطوات مهمة نستطيع، بل يجب، أن نتخذها لاستئصال الأسباب الأساسية للفساد. ما هي؟
منذ أن أصبحت رئيساً للبنك الدولي، سافرت الى أكثر من 84 بلداً نامياً. وأستطيع أن أقول بتأكيد إن الفساد مشكلة حادة في بعض الدول الفقيرة والتي هي في طور التحول إلى اقتصاد السوق ليس لأن الناس لا يريدون حقاً الاستقامة في الحياة العامة. بل، إن الفساد يزدهر لأن الأوضاع القائمة هناك تناسبه. والحقيقة، أن نظرة الى الوراء، الى تاريخ الولايات المتحدة، أو انكلترا، أو أية دولة صناعية أخرى، تكشف عن أن جميع الدول كان عليها أن تكافح ضد الفساد المتطرف. وهذه معركة لا تنتهي. إلا أنه في كثير من البلدان النامية اليوم، تكون المؤسسات الحكومية التي توفر الأساس التنظيمي الضروري لاقتصاد معافى إما ضعيفة أو مفقودة كلياً. إن العيوب والنواقص والثغرات في الأنظمة المالية والمصرفية، وإدارة الشركات، وتحصيل الضرائب، وضبط تدقيق الحسابات، وعدد من المجالات الأخرى التي تخلق الشفافية في الشؤون الاقتصادية، تبدد ثقة المستثمر وتقلل من الاستثمار المستقر الطويل الأمد.
يجب أن تبدأ استراتيجيات مكافحة الفساد بتقوية هذه المؤسسات. في العام الذي انقضى منذ أن أصدر البنك تقريره عن سياسة مكافحة الفساد، إتصلت أكثر من أربع وعشرين دولة نامية بالبنك طالبة مساعدته في مكافحة المشكلة. ونحن نتشاور مع كل هذه الدول ونعمل في دعم استراتيجيات في عدد منها. وبالتحديد، يسعى البنك إلى العمل مع حكومات مستقرضة بصدد بناء مؤسسات للمدى الطويل، وتغييرات في البنية الاقتصادية، مثل القضاء على الاحتكارات وتشويهات السوق الأخرى التي توفر فرصاً للاستغلال والفساد؛ وفي أمور أساسية مثل تدريب موظفي الحكومة على أساليب التحصيل والإنفاق النموذجية؛ وبالطبع، رسم السياسة الاقتصادية، مثل تخفيض الحواجز التجارية التي تتسبب بها الرسوم الجمركية وغيرها وإيجاد سوق تسليف تتسم بالمنافسة تضعف القبضة الخافقة على موارد اقتصادية مهمة. وهذه التغييرات مهمة جداً لبناء أسواق تضع الناس في المقام الأول وتقلل من تحكم القوي بالضعيف في التركيبة الاقتصادية، والقانونية والاجتماعية.
وبالإضافة الى إصلاح الحكومات، علينا أن نعترف بالتأثير القوي للتدقيق والمشاركة الحكوميتين. وهذا أمر بالغ الأهمية لأنه يسلط ضوءاً لا على الفاسدين والمفسدين وحسب، بل أيضاً على أولئك الذين يكافحون لجعل الحياة العامة تتسم بالاستقامة. وقد جمع البنك، عن طريق مؤسسة التنمية الاقتصادية لديه، مخططي سياسة وصحفيين ورجال أعمال، لكي يكشفوا مصادر الفساد ويستأصلوها. وعن طريق آليات أمثال المسح التحليلي لتوفر الخدمات العامة وممارسات الاعمال، وتدريب القضاة والبرلمانيين ومدققي الحسابات والصحفيين على كيفية تحديد الفساد ومكافحته، يساعد البنك المجتمعات المحلية وحكومات البلدان في مواجهة الفساد بصورة عملية. ونحن نعلم بأن ذلك يعمل بنجاح. ففي بوتسوانا وأوغاندا وتشيلي وبولندا وعدد من الدول الأخرى تم تحقيق تقدم حقيقي. والناس هناك يعيشون حياة أفضل بسبب هذا التقدم.
أخذ العامل الإنساني بعين الاعتبار
في هذا العام الذي نحتفل فيه بالذكرى الخمسين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، من المهم أن نتذكر أن التنمية تعني أكثر من سياسات وحوافز اقتصادية. والنمو الاقتصادي لا يتحقق إلا بمعية تقدم اجتماعي ديناميكي ونقاش مدني مفتوح.
إن المؤسسات الحكومية التي تقرر مكان المواطنين في الاقتصاد، إذا كان لها أن تنجح، يجب أن يقيمها مواطنون. لقد قطعنا طريقاً طويلا في السنوات الأخيرة. فالناخبون لم يعودوا يتحملون الفساد أو النيل من الثقة العامة. وأصبح المجتمع المتحضر في كل بلد تقريباً في العالم يحاسب القادة على تصرفاتهم. ويتعاون أعضاء الأسرة الدولية، بما فيهم القطاع الخاص، في جعل القواعد والأنظمة التي تحكم الأسواق العالمية تتسم بالاستقامة.
لدينا طريق طويل نقطعه. ولكن إذا تذكرنا أن الاقتصاد العالمي، في حين أنه أكثر بكثير من مجموع أجزائه، هو في الواقع مؤلف من أشخاص يعيشون حياة فردية، لديهم أحلام فريدة، ويواجهون تحديات محددة، نستطيع على نحو أفضل أن نبني أسواقاً عالمية يستفيد منها الجميع.
الرشوة في عقود المشتريات الحكومية تشكل لب الفساد
بقلم دونالد سترومبوم
يتخذ الفساد أشكالا كثيرة مثل الإجراءات البيروقراطية بمختلف أنواعها؛ الفساد في الشرطة والقضاء، الفساد في العملية الانتخابية. وهذا، على سبيل المثال لا الحصر، عدد قليل من الأمثلة. ولكن لعل ليس هناك من فساد أكثر تفشياً أو أكثر كلفة من الفساد المتصل بالمشتريات الحكومية: مشتريات الحكومة من السلع وعقود العمل والمشاريع والخدمات. والأسباب بسيطة. فإلى جانب مرتبات الموظفين التي تدفعها الحكومة والمنافع الاجتماعية التي تقدمها، تشكل المشتريات الحكومية الجزء الأكبر من النفقات العامة على جميع مستويات الحكومة. فكل من المبالغ الإجمالية ومبالغ العقود الفردية هي مبالغ ضخمة، وتوفر بالتالي على نحو مماثل فرصاً كبيرة للرشاوى والإتاوات وغيرها من المكافآت غير المشروعة. إن المكافأة المحتملة التي تمنح لقاء منح عقد واحد لجهة ما قد تزيد عن المرتب المشروع مدى الحياة للمسؤول الذي يتخذ القرار. إن الإغراء شديد جداً، وفي حالات كثيرة جداً، يكون خطر التعرض للعقاب ضئيلا نسبياً.
إن مشاريع بناء المرافق العامة - المطارات والسدود والطرق السريعة والأنفاق والقنوات المائية - وفرت بصورة تقليدية أكثر قضايا الفساد إثارة في جميع أنحاء العالم. ومن العقود الأخرى التي تعتبر مادة دسمة للفساد والرشوة صفقات المعدات الكبيرة - مثل سيارات النقل العام، معدات البناء، الطائرات، التوربينات، ومولدات الكهرباء - وكذلك الأشياء البسيطة مثل لوازم المكاتب، الأدوية، الكتب الدراسية، أو الأزياء الرسمية، التي يتم شراؤها بكميات ضخمة عاماً بعد عام.
ولكن ممارسات الفساد تتغير مع تغير الاتجاهات. فالاستخدام المتزايد للمستشارين الخارجيين، وتزايد وتعدد عقود الصيانة وغيرها من الخدمات التي كان يتولاها سابقاً العاملون بنفس المكان هما مجرد مثالان للفرص الجديدة للفساد. وربما يوفر مجال تكنولوجيا المعلومات أكثر الفرص الجديدة نضجاً، بسبب عدم المعرفة بصورة عامة بالعقود العديدة ذات القيمة العالية التي تتطلبها. وأكثر القضايا التي تجتذب الاهتمام هي تلك التي تنتقل فيها ملايين الدولارات من يد إلى يد للحصول على عقد واحد، أو تلك التي تسقط فيها حكومات أو أحزاب سياسية بسبب فضائح الرشوة التي تسلط عليها الأضواء.
إن الاعتقاد بأن الفساد يقع فقط في تلك القضايا الكبيرة التي تسلط عليها الأنظار هو اعتقاد خاطئ جداً. وفي واقع الأمر، يستطيع المرء أن يجادل، أن تلك هي المواقف التي يمكن مراقبتها بسهولة - إذا وجدت الإرادة والوسيلة لذلك. وأكثر أنواع الفساد صعوبة معالجة هي المتأصلة في نفسية المعنيين والمتفشية في كل أجهزة الحكومة التي تعنى بالمشتريات، ابتداء من مسؤول العقود والمفتش في موقع العمل على أدنى المستويات إلى الوزراء أو أصحاب السلطة الأعلى الذين يملكون صلاحية الموافقة على العقود.
أشكال الفساد
كيف يحدث الفساد في المشتريات الحكومية؟ الصورة المألوفة هي أن يصل المقاول اليرغب في التعاقد إلى مكتب الوزير أو رئيس البلدية حاملا حقيبة مليئة بالأوراق المالية، وذلك قبل أن يتخذ القرار الهام بشأن منح العقد - وهي صورة كاريكاتورية مسلية، ولكنها وسيلة حرجة لا تتفق مع التكنولوجيا الحديثة. وفي واقع الأمر من المحتمل جداً أن يتم إلكترونياً إيداع مبلغ من المال في حساب خارجي، أو إيداع أسهم شركات، أو تقديم منحة دراسية في جامعة هامة لإبن أو بنت المسؤول. وواقع أن المتسلم قد يستخدم المبلغ لخدمة قضية جديرة يجعل مكافحة الفساد أكثر صعوبة. ولكن الرشوة المباشرة بين المقاول والزبون للحصول على عقد هي وسيلة واحدة فقط من كثير من الوسائل، وليست بالضرورة أكثرها شيوعاً أو أكثر أنواع الفساد كلفة.
فغالباً ما تحدث الرشوة في مرحلة مبكرة جداً في عملية المشتريات الحكومية: فمثلا لإدراج اسم شركة في قائمة مقدمي العطاءات، أو تشجيع صاحب المشروع على كتابة مواصفات بطريقة معينة تجعل حصول الشركة على العقد أمراً لا مفر منه. أو قد تشترك الشركات المتنافسة في ارتكاب الفساد من خلال التواطؤ وتزوير العطاءات دون اشتراك صاحب المشروع أو حتى دون علمه بما يحدث. فقد تتفق الشركات مقدماً على من يتقدم بالعطاءات المتنافسة، كما تتفق على تحديد الأسعار، ومن يفوز بالعطاء، وكذلك على طريقة تقاسم الأرباح. ولتصوير كم هي معقدة عملية استئصال الفساد، فان التأهيل المسبق من قبل صاحب المشروع للمتقدمين بعروض لضمان أن تكون الشركات صاحبة الأهلية والتي تتمتع بوضع مالي سليم هي فقط التي ستشترك في المناقصة أمر يسهل عملية التواطؤ بين مقدمي العطاءات غير الشرفاء إذ أن جميع المشتركين الذين اعتبروا مؤهلين سلفاً تعلن أسماؤهم مقدماً.
ومن المحتمل جداً أن يحدث أكثر الفساد انتشاراً وكلفة بعد منح العقود. إن الفساد ليس لعبة خيرية؛ فالفائزون بالعقد يريدون استرداد تكاليف الرشوة التي قدموها، ولديهم مختلف الوسائل لتحقيق ذلك. ففي المرحلة الأولى، وبصفة خاصة أثناء التواطؤ في تقديم العرض، يضخم هؤلاء الأسعار في عطاءاتهم. وبالإضافة إلى ذلك فانهم يستطيعون استرداد ما دفعوه أثناء تنفيذ العقد من خلال زيادة قيمة الفواتير لكميات البضائع التي يجري تسليمها، أو العمل الذي تم إنجازه، وذلك بجعل نوعية المواد المستخدمة في البناء أدنى من المرام، أو تسليم نماذج أرخص من البضائع، والحصول على طلبات تغيير العقد لزيادة كميات البضائع المباعة، أو زيادة مقدار العمل الذي يتم إنجازه بأسعار مغالى فيها. ومرة أخرى، قد يحدث الفساد في مرحلة ما بعد الموافقة على العطاء بمعرفة وقبول بعض الأطراف على الأقل لدى الزبون أو صاحب العمل، أو قد يحدث من خلال مبادرات أخفيت بمهارة من جانب المقاول وحده.
ولكي نكون منصفين حيال المقاولين، فإن الدافع إلى كثير من الممارسات التي سبق ذكرها هو محاولة اتقاء المجهول والأخطار التي تتسم بها أنظمة التعاقد لدى الزبون أو صاحب العمل. ومن وجهة النظر هذه، فان نظاماً أفضل لإدارة المخاطر والتعاقد قد يكون جزءا من نهج لتقليص ممارسات الفساد.
إن المناقشة حول من هو المسؤول عن الفساد في المشتريات الحكومية هي إلى حد كبير في غير موضعها، لأنه لا يوجد نمط واحد. ففي بعض الأحيان تأتي المبادرة بوضوح من جانب الزبون في صورة مطالب صريحة من مدير للحصول على نسبة مئوية محددة من قيمة المناقصة، أو من مفتشين "يشهدون" بدفع مبالغ غير صحيحة للمقاولين. (وهذا يبرز إحدى الصعوبات في محاربة الفساد: فالزبائن ليس لهم كيان واحد، ولكنهم أفراد كثيرون مختلفون، أو هم جماعات تعمل على حماية مصالحها الخاصة.) وفي حالات أخرى يكون مقدم العطاء هو أول من يعرض حوافز. وفي معظم الحالات تكون هناك مشاركة إلى حد ما بين الزبون ومقدم العطاء/المقاول. وفي جميع الحالات يكون الخاسر دافع الضرائب والشعب بصورة عامة.
تكاليف الفساد
ما هي التكاليف الحقيقية للفساد في المشتريات الحكومية؟ إن إحدى طرق القياس هي مقارنة الأسعار الفعلية لبضائع وخدمات مماثلة جرى تسليمها في ظل ظروف مختلفة؛ فمثلا مقارنة عقود منحت من خلال مفاوضات مباشرة، أو في ظل مناقصة تخضع لقيود، مع مناقصة مفتوحة جرى فيها التنافس على نحو صحيح. (وهذا لا يعني أن العقود التي تمنح من خلال المفاوضات المباشرة، أو من خلال مناقصة مقيدة ليست صحيحة مطلقاً. ففي بعض الأوضاع، قد تكون هذه الإجراءات هي المفضلة. ويجب أن تعقد المقارنات في حالات حيث لا تكون هذه الإجراءات الأكثر جدوى اقتصادياً.) وعادة ما تصل فروق الأسعار إلى ما يتراوح بين 20 و30 بالمائة، وفي بعض الأحيان تكون أكثر بدرجة كبيرة. وهذه المقارنات هي مقارنات تقريبية.
وقد يجادل البعض بأن من المستحيل تقريباً أن يجد المرء حالة يمكن أن تعتبر مقياساً إذ تكون خالية تماماً من نفوذ الممارسات الفاسدة، وبالتالي يكون تقدير فروق التكاليف الفعلية أقل عن الواقع. وحيث يكون الفساد متفشياً بصورة منتظمة من المحتمل أن تكون كلفة المشتريات الحكومية تزيد بنسبة ما بين 20 و25 بالمائة على الأقل عن الكلفة الفعلية. ففي أعقاب فضيحة فساد وقعت في ميلانو قبل عدة سنوات وأدت إلى صدور كثير من قرارات الاتهام والنظر بعين فاحصة إلى ممارسات التعاقد العام، هبطت كلفة وحدات المشروعات الكبرى بأكثر من 50 بالمائة، طبقاً لما ذكرته ورقة عمل أصدرها صندوق النقد الدولي، بعنوان "الفساد والاستثمار والنمو العام،" كتبها فيتو تانزي وحامد داودي. وعندما تصل ميزانيات المشتريات الحكومية السنوية إلى آلاف الملايين أو مئات الملايين من الدولارات، فذلك يعني الكثير من الأموال.
وإذا كانت تكاليف بهذه الضخامة على المحك، لماذا لا تتخذ تدابير لتلافي الهدر؟ يعلل البعض عدم اتخاذ تدابير ضد الفساد بحقيقة انه "كان دائماً هناك؛ وانه مجرد جزء من قيمة القيام بمشاريع." وهناك من يجادل بأنه ليس في الواقع "مشكلة" لأن الفساد يؤدي إلى منافع اقتصادية من خلال تيسير عمل الأنظمة البيروقراطية التي تنقصها الكفاءة: وإلا كيف يستطيع المرء لولا ذلك تخليص ما لديه في الجمارك بسرعة، والتعجيل في قبض المستحقات، وما إلى ذلك؟ وفي واقع الأمر، إن رشوة مسؤولين أجانب، مثلا، ليس عملا غير قانوني في كثير من البلدان؛ وحتى وقت ليس بالبعيد، كانت الولايات المتحدة وحدها تطبق قانوناً متشدداً بشأن ممارسات الفساد الأجنبية.
إن الأنباء السارة هي أن خطوات هامة تتخذ الآن لتوضح أن الفساد ليس جزاء مقبولا من المشتريات الحكومية. وتشن منظمات مختلفة تعمل على جبهات متعددة حملة توعية عامة، كما يتم التوسع في استخدام ممارسات سليمة للمشتريات الحكومية، وإنزال العقوبة بمنتهكي الأعراف المعتمدة.
عناصر النظم السليمة للمشتريات العامة
ما هي الصفات التي يتحلى بها نظام سليم للمشتريات العامة؟ أن يكون قادراً على تسليم البضائع والخدمات التي تحتاجها الحكومة لتقوم بوظائفها على نحو ملائم وبأسعار عادلة؛ أو بمعنى آخر أن يكون مجزياً من الناحية الاقتصادية ويتميز بالكفاءة. ويجب الإعلان على نطاق واسع عن فرص التعاقد. يجب أن تمنح العقود إلى أولئك القادرين على الوفاء بالاحتياجات المبينة والمعايير المطلوبة، وكذلك من يتقدم بأفضل العروض. ويجب أن تكون الأحكام واضحة ومنصفة، وأن تكون العملية صريحة، والنتائج يمكن توقعها. ويجب أن يقوم النظام بأكمله على أساس الفكرة القائلة بأن المسؤولين العامين يخضعون للمحاسبة بهدف استخدام الأموال العامة استخداماً سليماً، ويجب ألا يكونوا ثروات من هذه العملية. ولسوء الحظ، لا تلقى جميع تلك المفاهيم قبولا عالمياً، كما أنها لا تمارس في جميع أنحاء العالم، وهنا تكمن إحدى حجج أو أسباب الفساد.
وتبين الخبرة الدولية الواسعة أن هذه الصفات المرغوبة يمكن تحقيقها على أفضل نحو من خلال نظام يقوم على أساس قواعد يجري تصميمها بطريقة مناسبة للتنافس بين موردين مؤهلين للبضائع والخدمات. كما يوجد أيضاً اتفاق واسع النطاق حول العناصر الرئيسية في مناقصة يجري التنافس فيها، وتشمل ما يلي:
* الإعلان بصورة وافية عن فرص المناقصة؛
* وثائق تبين بوضوح الاحتياجات، وتصف عملية المناقصة، ومدة العقد وشروطه، والمعايير التي يتم على أساسها اختيار الفائز.
* التقدم بعروض في ظروف مغلقة يتم فتحها في حضور المتقدمين بعطاءات في وقت ومكان محددين؛
* تقدير العطاءات ومقارنتها بطريقة غير متحيزة بواسطة مثمنين مقتدرين لا يخضعون لتأثير أو تدخل من مقدمي العطاءات، أو أطراف أخرى.
* منح العقد لمقدم العطاء الذي يمتثل لجميع المتطلبات، ويكون قد قدم أفضل عرض، كما تحدده معايير الاختيار المعلن عنها.
نحو معيار عالمي للممارسات السليمة
طورت حكومات في كثير من الدول على جميع المستويات إجراءات للمشتريات الحكومية على أساس تلك العناصر الأساسية، واستخدمتها بنجاح. كما تبنت بنوك التنمية الكبرى المتعددة الجنسيات: البنك الدولي، وبنك التنمية الإفريقي، وبنك التنمية الآسيوي، وبنك التنمية للدول الأميركية، والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، وغيرها-- تبنت جميعها أنظمة للمشتريات الحكومية تطبقها على المشروعات التي تمولها. ويجب على المقترضين اتباع تلك الأنظمة للحصول على قروضها. وتتولى البنوك الإشراف على قروضها للتأكد من ان تلك الأحكام يتم تطبيقها على نحو مناسب. وقد يؤدي عدم الالتزام بتلك الأحكام إلى إلغاء القروض.
وفي 1993، أقرت لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولي قانوناً نموذجياً لمشتريات البضائع والبناء كدليل تتبعه الدول في تقييم قوانين وممارسات المشتريات الخاصة بها وتحديثها. وكان هذا القانون النموذجي يهدف بصفة خاصة إلى مساعدة الدول النامية وتلك التي تمر بمرحلة انتقالية من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق لتجنب عدم الكفاءة وعدم الفاعلية وسوء الاستخدام في المشتريات العامة كنتيجة لقوانين غير كافية. ويجسد هذا القانون النموذجي تقريباً المبادئ التي اعتمدتها بنوك التنمية المتعددة الجنسيات في أنظمتها الخاصة بالمشتريات الحكومية، وكذلك في العمليات الإدارية والقضائية لمراجعة قرارات المشتريات، ميوفر خطوة هامة نحو تطوير أحكام وإجراءات دولية موحدة.
وكانت أكثر الإنجازات أهمية في هذا الصدد وضع الاتفاقية الخاصة بالمشتريات الحكومية، التي تم توقيعها في مراكش في 1994، كجزء لا يتجزأ من الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفات (وتعرف اختصاراً بالغات). وتعرف هذه الاتفاقية عموماً--التي أصبحت سارية المفعول، وطرحت للتوقيع عليها من جانب الدول في كانون الثاني/يناير 1996-- بأحكام المشتريات الحكومية لمنظمة التجارة العالمية. ويجري تشجيع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية على الانضمام إلى هذه الاتفاقية، على الرغم من أن هذا ليس شرطاً للعضوية. وسواء انضمت دولة ما رسمياً إلى الاتفاقية أو لم تفعل، فإن الأحكام والإجراءات التي تتضمنها أصبحت أقرب الأشياء إلى معيار عالمي للممارسات السليمة.
وفي تطورات موازية، إنضمت الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في جهد منسق لتشجيع سن قوانين تماثل في طبيعتها قانون ممارسات الفساد الأجنبية الخاص بالولايات المتحدة، الذي يجعل من رشوة مسؤولي الحكومة، سواء في بلادهم أو في الخارج، وأشكال الفساد الأخرى في المشتريات الحكومية، أعمالا جرمية تخضع لعقوبات صارمة. وفي 1996 وافقت منظمة الدول الأميركية على معاهدة بشأن الفساد. وفي نفس العام، اقترحت الغرفة الدولية للتجارة أحكاماً للسلوك لمحاربة الفساد لكي تتبعها الشركات، وإجراءات مماثلة للحكومات. وفجأة، بدا أن الحكومات والشركات في جميع أنحاء العالم قد قررت ضرورة اتخاذ إجراء بشأن الفساد.
ولعبت منظمة "الشفافية الدولية" دوراً محورياً للتوعية العامة بحجم المشكلة، وتنظيم الجهود على مستوى القاعدة لمحاربة الفساد. وكان تأثيرها قوة دافعة لتنفيذ كثير من جهود الإصلاح التي تبذل في جميع أنحاء العالم.
هل تعني تلك الخطوات الإيجابية أن نهاية الفساد في المشتريات أصبحت وشيكة؟ الجواب هو للأسف، لا. فرغم أن تلك الأنظمة والأحكام تهدف إلى تنظيم العملية وتتضمن مبادئ سليمة، فان المفسدين ما زالوا يستطيعون أن يجدوا وسائل للالتفاف حولها للحصول على مكافآت غير مشروعة. إن بنوك التنمية المتعددة الجنسيات، مثلا، تصرف الكثير من وقت العاملين بها ومن اعتمادات الميزانية الإدارية، للإشراف على كل قرض؛ وبصفة خاصة لمراقبة الإجراءات والموافقة على إجراءات وقرارات المشتريات الحكومية. ومع ذلك فان البيانات الأخيرة تشير إلى أن 20 بالمائة أو أكثر من هذه الأموال قد تفقد في بعض الدول نتيجة "التسرب" وهي كلمة تستخدم للتعبير عن إساءة توجيه الأموال نتيجة لممارسات فاسدة لتدخل جيوب مسؤولين وحسابات شخصية في البنوك.
وحتى قبل أن تنشر هذه التقديرات على الملأ، اتخذت مؤسسات التمويل الدولية خطوات لتعزيز دورها في محاربة الفساد. فتوسعت هذه المؤسسات في أحكامها للمشتريات لكي تتضمن صراحة موانع ضد التحايل والفساد، إلى جانب فرض عقوبات صارمة في حالات يتم فيها اكتشاف تلك الممارسات، والحرمان من منح عقود للمنتهكين وتحريم اشتراكهم في مناقصات في المستقبل للحصول على عقود تمولها بنوك، ورفض الدفع لعقود منحت بطرق غير سليمة، وإلغاء قروض بأكملها في حالات مخالفات صارخة. وبالإضافة إلى إشرافها العادي على المشروعات والوفاء بمتطلبات المراجعة المالية، بدأت بنوك التنمية المتعددة الجنسيات نظاماً لمراجعة مشتريات الشركات الأجنبية لتقرير ما إذا كان المقترضون يلتزمون التزاماً تاماً بأحكامها وإجراءاتها.
وعلاوة على تشديد المراقبة والإشراف على المشروعات، تتخذ بنوك التنمية المتعددة الجنسيات خطوات موازية لضمان فهم المقترضين لإجراءات المشتريات السليمة فهماً صحيحاً، وكذلك قدرتهم على تطبيقها تطبيقاً صحيحاً. فالبنك الدولي مثلا يطلب الآن تقييماً لأحكام مشتريات الدول المقترضة بصورة منتظمة، وكذلك قدرتها التنظيمية لتنفيذها تنفيذاً صحيحاً. ويصبح هذا التقييم لمشتريات بلد، الذي يجري بالتعاون مع الدولة المقترضة، الأساس لتخطيط وتمويل برامج المساعدات التقنية حيث تدعو الحاجة إليها لبناء كفاءة مهنية.
زيادة المكافحة
إن خبرة مؤسسات التمويل الدولية وغيرها من المؤسسات تقيم الدليل على أحد الأمور البديهية في المشتريات: إن الفساد لا يتوقف أو يتقلص بوجود أحكام سليمة. ومن الجلي بصورة متزايدة أن الحاجة تدعو إلى جهود منسقة لإحداث تأثير له وزنه على ممارسات الفساد. فيجب توعية الجميع بان انتهاك الأحكام والأنظمة هو عمل غير قانوني سيتم اكتشافه وسيخضع للعقوبة. وهذا يولّد حاجة إلى مراقبة فعالة، ونظم مراجعة، وأن تتخذ وكالات التنفيذ التي لديها الإرادة والقدرة الإجراءات اللازمة ضد المنتهكين بصرف النظر عن مكانتهم. إن الإغراء الذي يتعرض له هؤلاء الناس للاشتراك بنفسهم في ممارسات فاسدة يتعين تقليصه وذلك بمنحهم الأجور المعقولة مكافأة لهم على أمانتهم. وباختصار، إن إزالة الفساد لا يلزمها أقل من إصلاح شامل لجهاز الخدمة العامة ونظم الحكم.
إن الحاجة تدعو إلى التفكير الخلاق والوسائل المبتكرة في مكافحة الفساد. ومن التطورات الواعدة العمل من جانب جماعات المواطنين التي لا يسرها أن ترى مسؤولي الحكومة يغتنون على حسابها لجعل عملية المشتريات الحكومية تتسم بالشفافية. إن الجهود التي تبذل حاليا تهدف بدرجة كبيرة إلى تجنيد المواطنين ذوي التفكير المماثل ونشر قضايا الفساد على الملأ، ولكن هذه الجماعات ينقصها وسائل منظمة للتعمق في عملية الإصلاح. ويجب تخطيط الوسائل لهؤلاء المواطنين، بصفتهم أصحاب مصلحة، ليلعبوا دوراً أكثر نشاطاً في مراقبة عمليات المشتريات الحكومية والتحقق من أنها خالية من الفساد. إن التحدي هو كيفية إشراكهم في طرق لها قيمتها، بدون إفسادهم هم أيضاً.
إن شدة تعقيد وصعوبة المعركة ضد الفساد يجب ألا تتخذ ذريعة لعدم القيام بعمل. إن كثيراً من الأجهزة العامة قد أحرزت تقدماً ملحوظاً في تقليص الفساد، وقد تم اكتساب خبرة كافية للإشارة ببعض التأكيد إلى أنواع من الإجراءات التي تدعو إليها الحاجة، والتي سوف تنجح. ولم يسبق أن كان رد الفعل العام ضد الفساد قوياً مثل ما هو عليه اليوم، ويعود ذلك في جزء منه إلى انه اصبح من الواضح بصورة متزايدة أن عامة الشعب هي التي تتكبد خسائر كبيرة إذا ما استمر الفساد.
وليس هناك وقت أفضل من الآن لتعبئة القوى لبذل جهد جاد لإزالة الفساد من عقود المشتريات الحكومية. ولكن الإصلاح يجب معالجته بتوقعات حقيقية بشأن الوقت والموارد اللازمة. إن تحقيق نتائج دائمة سيستغرق سنوات، ويجب أن تبذل جهود متواصلة على نطاق يتناسب مع المشكلة. وسيكون من المحزن حقاً إذا لم تساند النوايا الطيبة سوى إجراءات متسرعة للعلاج ينقصها الإخلاص من شأنها أن تسمح للفساد بأن يستمر دون وازع، وفي الوقت نفسه تثبط همم المصلحين.
ميثاق الاستقامة: مخرج من الشرك
بقلم مايكل ويهين، رئيس فرع ألمانيا لفريق الشفافية الدولية، وكاريل موهن، المسؤول الإعلامي الرئيسي في الفريق
إنه كابوس بالنسبة إلى أي شركة، خصوصاً إذا كانت من بين الشركات الأكثر قدرة على التنافس في السوق. تكون مرحلة ما قبل الاختيار في عملية المناقصة على عطاء حكومي قد انتهت، ومفاوضات العقد مع الحكومة والمؤسسات المالية أكملت بنجاح. وفجأة تظهر الى السطح مشاكل لم تكن متوقعة. ويبدأ مسؤولون حكوميون صغار في انتقاد تفاصيل العقد ويطالبون بمسائل فنية تتعلق بإعادة التفاوض. وتعلق فجأة تراخيص وأذونات تحتاج اليها لكي تبدأ بتنفيذ العقد -- مجرد شكليات كما أكد ممثلو الحكومة قبل توقيع العقد -- في غابة من المعاملات البيروقراطية التي يبدو أن لا سبيل الى اجتيازها. ومما يدهشك، أنك تجد حتى المسؤولين الحكوميين الرفيعي المكانة أخذوا يطعنون في شرعية المشروع. وبعد أن تكون أنفقت ملايين الدولارات على المشروع وآلاف من ساعات عمل الموظفين على مثل ذلك المشروع، يبدو كل شيء وكأنه تحطم. ويبرز تدريجياً أيضاً الى السطح الحل اللازم لإنقاذ المشروع من الانهيار -- دفع مبالغ إضافية من المال أو، ببساطة، تقديم رشوة.
عندما تدخل الشركات في مناقصة على مشاريع كبيرة، تكون لها في العادة مصلحة كبيرة في تجنب مثل هذا الأمر بالذات. والشركة التي تستطيع أن تعتمد على نوعية منتجاتها ليست لها مصلحة في الدخول في حقل لا توجد فيه موثوقية، ولا احتمال بتنفيذ العقود، ولا يقين من حيث سلوك الجهة صاحبة المشروع أو ممثليها، أو المتنافسين أو النظراء في الجانب الحكومي. وفي الأسواق التي يشوهها الفساد، تواجه الشركات معضلة: ففي حين أنه قد يكون مربحاً لجميع المتنافسين أن يضعوا حداً للفساد، لا أحد يريد أن يقوم بالخطوة الأولى خشية أن يخسر العقد لمنافس آخر.
إن ميثاق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (الذي من المحتمل أن يصبح نافذاً في كانون الثاني/يناير من العام القادم) يريد أن يغير ذلك الوضع بايجاده مجالا يتساوى فيه كل المتنافسين في السوق وباعطائه الضمانة الموثوقة بأن رشوة مسؤول حكومي في الخارج سيعاقب عليها كجريمة في جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي حين أن إطار العمل الدولي هذا يمكن اعتباره إنجازاً كبيراً وانتصاراً لأولئك الذين كانوا يدعون منذ أمد طويل الى إيقاف العملية الطائشة المتمثلة بتصدير الرشوة من الشمال الى الجنوب، إلا أن التغيير لن يحدث بين عشية وضحاها. ولا بد أن يمر وقت لا بأس به قبل أن يصبح بالإمكان ملاحقة الفساد في الخارج بنفس الحماس والثبات الذي تجري فيه في جميع الدول الصناعية. وفي المستقبل المباشر والمتوسط، سيعمل ميثاق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فقط على تحقيق معالجة جزئية للغموض وعدم اليقين الكائنين في تلك الأسواق التي كانت تقليدياً مسرحاً لممارسات الفساد الشريرة.
وفي ذلك الوضع، إن أسلوب معالجة الفساد على أساس كل قضية على حدة يمكن أن يثبت أنه أكثر فعالية، ويمنح الشركات ثقة أكبر بأنها تستطيع أن تجني أرباحاً من التحرر من الفساد دون أن تتحمل مجازفة كونها هي التي تقوم بالخطوة الأولى.
ميثاق الاستقامة لفريق الشفافية الدولية
إن ميثاق الاستقامة لفريق الشفافية الدولية يهدف إلى تحقيق هدفين:
1) تمكين الشركات من الامتناع عن دفع رشوة بإعطائها ضمانات بأن منافسيها سيمتنعون أيضاً عن دفع رشوة، وأن الأجهزة المختصة بالمشتريات الحكومية ستتعهد بمنع أي شكل من أشكال الفساد، بما في ذلك الابتزاز واتباع إجراءات شفافة.
2) تمكين الحكومات من تخفيض الثمن المرتفع والتأثير الضار للفساد على المشتريات الحكومية.
فقد ترغب حكومة ما في البدء بإنشاء أول "جزيرة استقامة" أو عدة "جزر" من هذا القبيل حيث يجري استئصال الممارسات الفاسدة بالنسبة الى مشاريع مختارة، أو بالنسبة الى جميع المشاريع في قطاع ما، بالاتفاق بين الحكومة وتلك الشركات المهتمة بتقديم عطاء لخدمات أو تزويد سلع. ويمكن استخدام فكرة ميثاق الاستقامة أيضاً في مواقف مماثلة، مثلا عندما تستدرج الحكومة، كجزء من برنامجها للخصخصة، عطاءات لشراء ممتلكات حكومية، أو أجهزة اتصالات، أو الحصول على تراخيص لقطع الأشجار.
ويعمل ميثاق الاستقامة على النحو التالي: عندما تستدرج حكومة ما عطاءات لعقد ما من قبل مقاولين أو مزودي سلع وخدمات، تبلغ المناقصين المحتملين أن عطاءهم يجب أن يحتوي على التزام، موقع شخصياً من قبل المسؤول التنفيذي الرئيسي للشركة أو المؤسسة مقدمة العطاء، بعدم عرض أو دفع أية رشاوى بصدد هذا العقد. وهذا يشمل بالطبع، جميع مراحل عملية الشراء فضلا عن مرحلة التنفيذ. وتلتزم الحكومة من جانبها بمنع تحديد السعر وقبول رشاوى من قبل موظفيها، واتباع تدابير تتسم بالشفافية في عملية الشراء. ومن الناحية القانونية، لا تعتبر هذه الالتزامات سوى التزام باحترام القوانين القائمة في البلد المعني. ويتوقع أن يستطيع الالتزام الواضح، وأسلوب العمل الذي يوجده، إحداث فرق كبير في الواقع السياسي وواقع الأعمال.
وقد تذهب العقوبات المنصوص عليها للمخالفات، ونظام المراقبة المطبق، الى ما هو أبعد من النظام القانوني القائم. فمقدمو العطاءات الذين يخرقون التزامهم بعدم دفع رشوة سيخضعون لعقوبات شديدة، مثل حرمانهم من المناقصة أو خسارتهم العقد، وتحمل مسؤولية أضرار -- لحقت بالحكومة ومقدمي عطاء منافسين، وخسارة تأمين العطاء. ويمكن للحكومة أيضاً أن تحرم المخالف من الاشتراك في جميع المشاريع الحكومية لفترة مناسبة من الوقت. وبإعطاء مقدمي العطاءات المخفقين، الذين يملكون أدلة على أعمال فساد قام بها منافسوهم أو مسؤولون حكوميون معنيون، الصلاحية لتطبيق عقوبات بأنفسهم (عن طريق المحاكم أو بواسطة تحكيم دولي) فإن ثقتهم باستقامة العملية عموماً سوف تزداد.
ولأن الشركة المقدمة للعطاء تعمل بواسطة كثير من الموظفين والوكلاء، فإن التزام المسؤول التنفيذي الرئيسي يجب أن ينفذ عبر برنامج للامتثال يضمن تقيّد جميع الموظفين والوكلاء بالتزام عدم الرشوة. وحيث يكون للشركة سياسة خطية متبعة ضد الرشوة، فإنها تستطيع أن تقدم نسخة عن تلك السياسة مع برنامج الامتثال الذي يمثل تلك السياسة. وحيث لا يكون للشركة مثل تلك السياسة، أو لا تملك برنامج امتثال خطي، فإنها تستطيع أن تقدم نسخة عن برنامج الامتثال الموضوع للعقد المعين بالذات.
وأحد العناصر الرئيسية يكمن في الشفافية المتصلة بمدفوعات الى وكلاء وأطراف ثالثة أخرى بصدد العقد. وهناك بالطبع، أسباب جيدة ومقبولة لأن يكون الوكلاء يعملون لأداء خدمات مشروعة. إلا أن عمولات الوكلاء هي طرق تقليدية لإخفاء الرشاوى. ولذلك فإن ميثاق الاستقامة يتصور وجوب الإعلان في مرحلة تقديم العطاءات عن جميع المدفوعات السابقة والمزمع تقديمها في المستقبل الى أطراف ثالثة، وأن تسجل رسمياً ويبلغ عنها أثناء مرحلة التنفيذ من قبل الجهة الفائزة بالعقد، مع تقديم الإثباتات المناسبة من قبل المسؤول التنفيذي الرئيسي لدى تلك الجهة.
وثمة ميزة أخرى لميثاق الاستقامة هي اشتراك المسؤول التنفيذي الرئيسي شخصياً أو بواسطة مدراء كبار مناسبين آخرين. ويتطلب الإجراء منهم شخصياً أن يفيدوا عن المبالغ المدفوعة لأطراف ثالثة. وسيطلب منهم أن يكونوا مشاركين شخصياً، كي لا يستطيعوا ادعاء عدم معرفتهم بالتلاعب كما هي الحال غالباً. وهذا الموجب تدعمه نصوص وثيقة الامتثال التي ينبغي أن يقدمها عادة الفائز بالعطاء.
المضي قدماً في التنفيذ
في حين أن فريق الشفافية الدولية بحث هذا الأسلوب مع عدد من الدول منذ بدء العمل به في أوائل عام 1993، إلا أنه لم يعتمد إلا في حالات قليلة في أميركا اللاتينية: في مشروع استصلاح مصفاة للبترول في الإكوادور (1994)، وفي صيغة معدلة في مشروع خصخصة قطاع الاتصالات البعيدة المدى في بناما (1996)، وفي عقد مشتريات حكومية في الأرجنتين (1997)؛ وهناك مبادرات أخرى في مراحل مختلفة من التنفيذ.
وعلى الرغم من أن مفهوم ميثاق الاستقامة يحظى بتأييد المؤسسات المالية الدولية الكبرى -- إذ أيده رئيس البنك الدولي وولفينسون وكذلك ممثلو بنوك التنمية الاقليمية -- فإن الشفافية الدولية تواجه اليوم تحدي إثبات أن المفهوم يمكن أن يطبق على أساس أوسع وأنه نضج الى ما هو أكثر من مرحلة المشروع التجريبي. وقد أعربت شركات عديدة -- كثير منها يحتل مكانة رئيسية بين قطاعاته -- عن اهتمام كبير في اعتماد الأسلوب الذي يدعو إليه مفهوم ميثاق الاستقامة. فقد شهدت تلك الشركات حملات كثيرة جداً ضد الفساد بقيادة حكومات تأتي وتذهب دون أن تحقق تغييرات جوهرية. ثم إن المجتمع المدني يقف على استعداد للعمل في مشاريع يتم تنفيذها بموجب ميثاق الاستقامة، ربما في شكل إقامة فروع في البلدان المعنية لفريق الشفافية الدولية، يراقب دراسة العطاءات واختيار المناقص الناجح. ومع تأييد القطاع الخاص، والمجتمع المدني والمؤسسات المالية، بقي الآن على الحكومات أن تظهر أنها راغبة في معالجة الأمور على نحو مختلف -- على الأقل في بعض المشاريع واسعة النطاق.
تدريب الصحفيين على كبح الفساد
مقال بقلم ديفيد بيزولو، المستشار في مؤسسة التنمية الاقتصادية التابعة للبنك الدولي
تبين الأدلة التي قام البنك الدولي ومؤسسة "الشفافية الدولية" بجمعها أن المحسوبية ومحاباة الأقارب (لا سيما في التوظيف) والرشوة، أي الفساد الإداري على النطاقين الصغير والكبير، أمور تعرقل سير اقتصاد المجتمع ولا تيسره. والثمن الذي يدفعه البلد المعني ثقافياً واجتماعياً لقاء الفساد صعب التقدير. لكن إذا نظر المرء إلى الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي ودعم المواطنين للدولة، يتبين له أن الثمن باهظ -- لا سيما في العالم النامي.
لكن من أين تستمد، وعلى أفضل وجه، التغييرات اللازمة في المواقف والتصرفات والمؤسسات الأساسية لكبح الفساد؟ وماذا يمكن للمجتمع العالمي أن يعمل لتشجيع مثل هذا التغيير السلمي؟
ومع تسليط الأضواء على الفساد في مجال التنمية، أخذ دور الصحافة في كبحه يحتل موقع الصدارة. وبسبب كونها الخط الأول في فضح أعمال الفساد عادة، كثيراً ما يطلب من الصحافة أن تفعل المزيد لأن هناك حاجة إلى المزيد. ويطلب من وسائل الإعلام الضغط من أجل الإصلاح وقيادة مجهود منع الفساد. ويجادل البعض بأن هذا أمر محفوف بالمخاطر وأن وسائل الإعلام يجب ألا تتحمل مسؤوليات هي من اختصاص الحكومات والمجتمع الأوسع نطاقاً. فالصحافة، كما يقال، لا تملك المقومات اللازمة لأن تتجاوز دورها التقليدي المتمثل بفضح سوء التصرف. ولا تمكن محاسبتها بما يكفي لتكون رائدة الإصلاح.
في ما يلي سأتطرق إلى الدور المتغيّر للصحافة حيال الفساد في نيكاراغوا وشرق إفريقيا. ففي نيكاراغوا شاهدت بصورة مباشرة قوة وسائل الإعلام المتقصية في فضح الفساد، إنما تبينت أيضاً عجز وسائل الإعلام تلك عن وضع حد له. وأحد حلول هذه المعضلة قد يكون في وضع برامج لتدريب الصحفيين تقوم برعايتها مؤسسة التنمية الاقتصادية التابعة للبنك الدولي. وهذه البرامج بدأت تظهر نتائج إيجابية في التصدي للفساد في شرق إفريقيا، وتنوي مؤسسة التنمية تطبيق العبر التي استخلصتها هناك في برامج مشابهة في نيكاراغوا وغيرها من بلدان أميركا اللاتينية.
تجربة نيكاراغوا
كانت صحافة نيكاراغوا، لا سيما في عهد الدكتاتور سوموزا، ملاذاً للآمال بالديمقراطية في خضم القمع والفساد. ومنذ الخمسينات، تمكن بيدرو شامورو من تحويل يومية "لا برينسا" إلى صوت لمناهضة مساوئ نظام حكم سوموزا وأصبحت رائدة في معارضة المجتمع المدني للنظام الدكتاتوري. وصارت المعارضة التي نمتها الصحافة عريضة القاعدة وتعالج قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية.
وأطلق اغتيال شامورو في عام 1978 شرارة عصيان شعبي تمخض عنه وصول نظام حركة "الساندينيستا" الى الحكم. وتبنت حكومة الساندينيستا صيغة الإصلاح لكنها حكمت بالقوة واستخدم أعضاؤها السلطة للإثراء، كما كان يفعل سوموزا الى حد كبير. وأصبحت أرملة شامورو، فيوليتا، زعيمة المعارضة السلمية للساندينيستا، وراحت يومية "لا برينسا" التي كانت فيوليتا شامورو تمتلك ثلثها، تشن حملة على الفساد والقمع بالرغم من وجود رقابة مشددة.
في 1990 أصبحت فيوليتا شامورو رئيسة نيكاراغوا بعد فوزها في انتخابات حرة، لكن الديمقراطية لم تلغ العادات القديمة المتمثلة باستخدام السلطة لتحقيق مكاسب شخصية وهو ما كان قائماً منذ قرون من الزمن. أما جهود إصلاح المؤسسات والاقتصاد، التي مولتها جهات دولية مانحة، فكانت تتأخر أو يتم تشويهها بفعل المحسوبية ومحاباة الأقارب وسوء استخدام السلطة.
وظلت الحكومة تمثل انعكاساً للترتيب القديم حيث كان يوزع الحاكم الذي يتسلم سدة الحكم على أنصاره أراضٍ وخيرات يأخذها من الذين لا يناصرونه. وبمعنى اقتصادي، كانت أكثرية العقود الحكومية تزوّر، وكانت عروض المناقصات بمثابة مهزلة؛ وحتى جهود الإصلاح مثل التخصيص، شوّهت بغرض إثراء المتنفذين. وكان ذوو النفوذ يتمتعون بإعفاءات ضريبية، أو إعفاءات من الرسوم الإدارية، ويحصلون على عقود سخية وقروض ميسرة، وبذلك كان تنافسهم ضد أصحاب المشاريع، الصغار أو المتوسطين، غير منصف؛ ولذا كان الجمهور المعوز في الغالب يتحمل التكاليف المرتفعة لعقودهم. وكانت السلطة القضائية ضعيفة الى درجة تعذر عليها تطبيق القوانين القليلة التي تقضي بوجوب ألا يكون هناك تعارض مصالح وصفقات تتم بالتراضي. وكان البرلمان منحازاً إلى درجة عجز فيها عن تحديث التشريعات بصورة فعالة. وفي الأساس قوض الفساد المنتشر في كل مكان فرصة نيكاراغوا لإقامة مجتمع ينعم بالاستقرار.
كبح الوحش
شرعنا نحن في يومية "لا برينسا" بإعداد تحقيقات صحفية تستند إلى أدلة وثائقية متينة تبين، على سبيل المثال، كيف تم بناء مستشفيات قيمتها فقط 20 مليون دولار من قرض بقيمة 40 مليوناً من إسبانيا. وبعد أن وثقنا حالات قوية قمنا بالمساعدة في عرض هذه الأدلة على المدقق العام للبلاد ليصار إلى تمحيصها بدرجة أكبر. وقد تناولت غالبية هذه الحالات وسائل الإعلام الدولية فضاعفت الضغوط لصالح تقديم الحكومة لمعلومات وافية في هذا الصدد. وفي هذه العملية تمكنّا نحن، بمعية صحفيين من وسائل إعلام أخرى وعدد من الإصلاحيين داخل الحكومة وخارجها، من وصف الآليات السائدة التي كانت تتم فيها إساءة استخدام المساعدات الأجنبية السخية أو التصرف بها في غير وجهة استعمالها.
وأدت التقارير الصحفية ليومية "لا برينسا" الى توليد سخط شعبي، لكنها لم تؤد إلى أي إصلاح يذكر. وكان بمقدورنا فقط أن نلمح إلماحاً إلى كيف يمكن أن تتخذ قرارات سياسية أساسية لتحقيق مكاسب مالية شخصية، وكيف أن العملية الانتخابية كانت تقوض بفعل الأموال التي تنفق في الحملات الانتخابية.
وكان هناك عدد من الحالات الأخرى في أميركا اللاتينية قاوم فيها صحفيون أمثال الأرجنتينيين روبيرتو أيزينمان وجاكوبو تيميرمان الحكم التعسفي. لكن أياً من هذه الجهود لم ينجح في توليد جهود منتظمة للإصلاح.
وتقوم جهات مانحة خارجية -- من بينها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووكالة الإعلام الأميركية -- بتمويل برامج لتدريب الصحفيين، وبصورة رئيسية من يعمل منهم في الصحف. وتعمل هذه الجهود على تعريف المئات من الصحفيين المحليين على آخر وسائل نقل الأخبار والمعايير الأخلاقية، ولكن تدخّل أصحاب الصحف ورؤساء تحريرها في البرامج السياسية المتعلقة بالدعم المالي لا يزال يمثل عقبة في وجه نقل الأخبار بنزاهة. وفي الأساس فإن تضارب المصالح في أعلى المستويات ينال من موضوعية الصحافة. كما أن الجهود الآيلة إلى جعل وسائل الإعلام عصرية تعكس جهوداً لتحديث الدولة، وهي عملية غير متكافئة وبطيئة.
لكن التغيير آت. فقد نشر عدد من استطلاعات الرأي عن الفساد في نيكاراغوا وبين أن معظم الذين تناولتهم الاستطلاعات يتصورون أن الرشوة متفشية في أجهزة الشرطة والمدارس والمستشفيات والمستوصفات والجهاز القضائي والبرلمان. ومن المقرر أن تعقد في نيكاراغوا في كانون الأول/ديسمبر 1998 "ورشة عمل النزاهة القومية" وذلك لجمع شريحة عريضة من المعنيين لوضع خطط عمل لكبح سرقة معونات الإغاثة والإعمار التي وصلت البلاد في أعقاب إعصار "ميتش" الأخير. وتشمل خطط تدريب الصحفيين تعريفهم على إمكانات جمع المعلومات من شبكة "الإنترنت"، وضرورة التحقق من صحة المصادر، وسينبه الصحفيون إلى ضرورة عدم نشر شائعات لا أساس لها من الصحة أو بيانات صحفية لا مضمون واضحاً لها. وسيحض الصحفيون على إبراز شعورهم المهني بصورة تتجاوز الولاءات السياسية، وعلى تبادل المعلومات مع نظرائهم من وسائل إعلام منافسة للتي يعملون لديها. وستنظم ورشة العمل تلك حلقات نقاش تدور حول قوانين صحفية لم تعد صالحة لهذا العصر تسلح الحكومة بسلطات واسعة لإخراس المراسلين.
وسيجتمع صحفيون من نيكاراغوا مع قادة حكوميين وشخصيات من القطاع الخاص لتعزيز سبل الاتصال وتيسيرها. وتعد هذه العملية ببناء توافق حول اعتماد إجراءات يمكن أن تحدث فارقاً. وعلى هذا الأساس فان الإصلاحات التي تقترحها مجموعة من المعنيين بهذا الأمر يرجح لها أن تترسخ بصورة أكبر. كما أن مجرد تجربة قيام الحكومة والمجتمع بالعمل كجهتين متساويتين لوضع السياسات توجد فرصة لقيام حكم أكثر انفتاحاً ومشاركة أكثر نشاطاً وإيجابية من قبل المجتمع، الأمر الذي يجعل الصفقات السرية أكثر مجازفة وأقل منفعة خلال عملية الإصلاح البنيوي التي تستهدف في المدى البعيد قيام دولة خاضعة للمحاسبة.
ومن المرجح أن يعمل تعزيز الثقة والمهنية بين الصحفيين على تغيير ديناميكية العمل الصحفي مع مرور الوقت، تماماً كما يرجح للإصلاح المؤسساتي وتدريبات الخدمة المدنية أن تعمل على تحديث الحكومة تدريجياً. ومؤخراً نظمت مؤسسة التنمية الاقتصادية ورش عمل لتدريب الصحفيين في كل من أوغندا، وتنزانيا، وإثيوبيا، وبنين، وموريشوس، والكاميرون. وبالإضافة إلى نيكاراغوا، تنوي المؤسسة تنظيم ورش عمل مشابهة في بلدان أخرى في أميركا اللاتينية أملا بتوفير أفكار تتيح قيام وسائل إعلام مستقلة ومسؤولة تدعم التحول إلى أنظمة ديمقراطية أكثر كمالا.
العبر من تجربة شرق إفريقيا
في أوغندا، وبدءاً من أواخر عقد الثمانينات، أطلق نظام حكم غير منتخب ويهيمن عليه العسكر برنامجاً طموحاً لإدخال إصلاحات على الدولة الدكتاتورية والفاسدة التي خلفتها الحرب الأهلية الطويلة. وفي أواسط التسعينات بدأت الحكومة، بمساعدة مؤسسة التنمية الاقتصادية، اختبار عملية مشاركة أطلق عليها اسم "نظام النزاهة" تهدف إلى مشاركة الحكومة والمجتمع المدني في عملية مكافحة الفساد. وفي تنزانيا، وفي الفترة نفسها تقريباً، أصبح الرئيس المنتخب مناصراً لاستخدام دورات تدريبية وندوات تعمل لتوفير مشاركة واسعة النطاق وعريضة القاعدة في إرساء مفهوم محاسبة الحكومة.
واستخدم "نظام النزاهة" في البلدين المذكورين استطلاعات لآراء الجمهور حول الفساد ورصد تفشي الرشوة، وتحديد المجالات التي تعاني من مشاكل. وعمدت فرق عمل ركزت اهتمامها على معلومات الاستطلاعات الفعلية، إلى إعداد خطط عمل خاصة بجماعات المعنيين الرئيسية المختلفة أو ما أطلق عليها وصف "أركان النزاهة" مثل الفرع التنفيذي للحكومة والبرلمان والقطاع الخاص والشرطة ووسائل الإعلام. وكانت خطط العمل التي أدت إلى إقامة الدورات التدريبية والندوات والحلقات الدراسية بمثابة مخططات لسياسات مكافحة الفساد، في حين كانت الإصلاحات المؤسساتية الطويلة الأجل تقترن بإجراءات قصيرة الأمد مثل الحملات الإعلامية، والتعهد بتوفير المساعدات، والحصول على المعلومات الحكومية.
وتم الشروع ببرنامج طموح لتدريب الصحفيين كجزء من "نظام النزاهة" اعتقاداً بأن وسائل الإعلام كانت تحتاج إلى بناء طاقتها إذا كان لها أن تطالب بصورة فعالة ومسؤولة وموثوق بها بمحاسبة الحكومة.
وفي كل من أوغندا وتنزانيا خضع أكثر من نصف مراسلي الصحف لتدريبات في مجال أدبيات الصحافة الأساسية، ومجال وسائل وأساليب إجراء التحقيقات الصحفية. كما تم تلقين صحفيين المعلومات اللازمة عن مفاهيم قانونية مثل التشهير والمعايير الأخلاقية التي يمكن أن تعزز مصداقيتهم ومصادر أخبارهم. كما شرحت لهم أهمية الاتصال مع بعضهم البعض كي يمكن لهم أن يتناقلوا أخباراً رغم اختلاف وجهات نظرهم السياسية، والتمكن من نشر أنباء هامة رغم معارضة رؤساء التحرير لديهم الذين كثيراً ما كانوا يتبعون وجهات نظر وتعليمات أحزابهم السياسية وزعمائهم. وفي هذه العملية تم بحث وتحليل حالات نموذجية بهدف الدراسة، كما تم تعزيز فعالية مجموعات محلية من الصحفيين مثل "جمعية مذيعي الكومونولث". وفي أوغندا تم إنشاء صحيفة جديدة من قبل صحفيين تم تدريبهم مؤخراً.
ومع تقلص الإرادة السياسية لمستويات الحكم العليا للسعي لمزيد من محاسبة المسؤولين، أصبحت وسائل الإعلام الحديثة الجهة الأساسية ذات المصلحة في المجتمع التي تطالب بأداء حكومي أفضل. وفي عدد من الحالات قام البرلمان بمعاقبة مسؤولين حكوميين أو بإجبارهم على التنحي بسبب تقارير إعلامية تحدثت عن إثرائهم وهم في السلطة. وأصبحت وسائل الإعلام بمثابة وسائل لضبط إهمال برامج الإصلاح المؤسساتي الرامية إلى إعادة تنظيم الدولة بصورة كبيرة. وفي أوغندا يجري الربط بين تنفيذ برنامج طموح يتناول اللامركزية وتدريب الصحفيين الإذاعيين على مستوى المقاطعات بما يشجع تلك العملية.
ولا يزال الفساد في كلا هذين البلدين الإفريقيين واسع الانتشار، إستناداً لـ"مؤشر الشفافية الدولية" وغيره من مقاييس، بيد أن الجدال حول الفساد أصبح أكثر رسوخاً وأوسع قاعدة، كما أن القواعد تبدلت. فالصحافة أصبحت أكثر إقداماً والمواطنون أكثر يقظة والمسؤولون أكثر حرصاً. وفي حين من المرجح أن تقرر عوامل مثل التوتر الإقليمي وجهة "نظام النزاهة" في المدى المتوسط، فإن التدريب رسم خطط عمل وضعت عراقيل لا يستهان بها في وجه سوء التصرف. وعلى أقل تعديل زادت قدرة المجتمع، على الصعيد المحلي، على المطالبة بالاستقامة في الحكم.
طريق المستقبل
هناك معنيون مختلفون في نيكاراغوا، لا سيما خارج الحكم، يعملون لصالح القيام بمجهود لترسيخ النزاهة مثل الجهود في شرق إفريقيا لأن المجتمعات والصحافة هناك تولت القيام بدور مركزي. وباعتباره مكملا لإجراءات الإصلاح التكنوقراطية التي لا يفهمها أو يثق بها قطاع كبير من الجمهور، فان "نظام النزاهة" مستحب لأنه يجلب برامج إصلاحات إلى القطاع العام المتنامي. لكن فكرة العمل معاً بصورة متكافئة لاستنباط خطط عمل في العلن لا يزال شيئاً دخيلا بالنسبة لكثيرين في الحكومة والمجتمع ومجموعة الجهات المانحة.
ومع قيام المعنيين بمسؤوليات جديدة لتقويم -- وحتى إصلاح - الحكم، فانهم سيحتاجون للدعم كي يتمكنوا من تحقيق معايير جديدة من المهنية. وفي هذا المضمار من المرجح أن يكون التدريب الإعلامي أكثر نجاعة في إطار عملية قومية أوسع نطاقاً لتعزيز المحاسبة، مثل تلك التي تم اعتمادها في شرق إفريقيا ونيكاراغوا وأكثر من عشرة بلدان في العالم النامي. ويمكن لها أن تأتي بنتائج أكثر من خلال استغلال الجهود الدولية الأوسع -- مثل تلك التي تبذلها منظمة الدول الأميركية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية -- لكبح الفساد. لكن التدريب عمل صالح بحد ذاته. وسواء كان جزءاً من مجهود أكثر شمولية أو كان مستقلا، فان التدريب الإعلامي بمعناه الأشمل هو الوسيلة الأكثر نجاعة لكبح الفساد في المجتمعات التي تلزمها إصلاحات أساسية في مؤسساتها.
الفساد: التجربتان البولندية والروسية
بقلم تيموثي فراي، مساعد أستاذ، دائرة العلوم السياسية، جامعة أوهايو الولائية
هيمنت مواضيع إضفاء الاستقرار على الأوضاع الاقتصادية، والخصخصة، وجعل الإقتصاد أكثر انفتاحاً على المناقشات الأولى حول التحول في مرحلة ما بعد الشيوعية. لكن موضوع الفساد برز مؤخراً على أنه لعله العقبة الأهم في وجه الإصلاح الاقتصادي. وفي حين أن تجربتي روسيا وبولندا تثبتان هذا الأمر، إلا أنهما تكشفان أيضاً عن تباين كبير جداً بشأن التنمية وتأثيرات الفساد على اقتصاديات كل منهما. وتوحي دروس مجتمعات ما بعد الشيوعية بأن خطوات عملية يمكن اتخاذها للحد من تأثيرات الفساد المضرة على نمو اقتصاديات السوق.
إن تحليل الفساد في روسيا وبولندا، فضلا عن أماكن أخرى في معظم دول أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفياتي السابق المستقلة حديثاً، يجب أن يبدأ بفهم للكيفية التي تنظم فيها بيروقراطية الدولة. وهذا ضروري لأن الفساد الذي تقوم به ما تسمى بالبيروقراطيات "غير المنظمة" يسبب ضرراً اقتصادياً أكبر من الفساد الذي تقوم به بيروقراطيات "منظمة".
فكروا برجل أعمال يحتاج الى 10 تصاريح عمل مختلفة من الدولة للتمكن من صنع سلعة ما. ووفقاً لسيناريو الفساد غير المنظم، تملك عشرة أجهزة حكومية مختلفة السلطة لإصدار تصاريح لازمة لإنتاج السلعة، ولذلك يتصرف كل جهاز كما لو كان وحده هو صاحب السلطة. وكل جهاز يحدد السعر (أي مقدار الرشوة) لتصاريحه لكي يرفع دخله الفردي الى أقصى درجة.
ونظراً الى عدد الأجهزة والوكالات المستقلة التي تصدر تصاريح مختلفة، فان تلك لا تستطيع أن تنسق أعمالها، وهكذا توجد وضعاً تتقاضى فيه كل واحدة سعراً مرتفعاً. واذ يرتفع سعر التصريح رقم 1، ينخفض الطلب على التصريح رقم 2. وهذا الانخفاض في الطلب على التصاريح من 2 الى 10 يخفض الطلب الكلي، وذلك بدوره، يخفض دخل كل وكالة بيروقراطية. ثم إن رجل الاعمال يعاني من الفساد غير المنظم لأنه لا يستطيع أن يدفع كل الرشاوى المطلوبة منه، فلا ينتج السلعة، ولا يحصل على دخل.
وبموجب سيناريو الفساد المنظم، يكون لجهاز واحد أو وكالة واحدة صلاحية إصدار كل التصاريح العشرة التي يحتاجها رجل الاعمال. وفي هذه الحالة، تتصرف الوكالة كمحتكر مشترك وتحدد سعر التصريح رقم 1 بأدنى ما تحدده الوكالة المختصة في السناريو السابق لأنها لا تريد أن تخفض الطلب على التصريح رقم 2. وبدورها، تحدد الوكالة السعر للتصريح رقم 3 منخفضاً كي لا ينخفض الطلب على التصريح رقم 4 وهكذا. والفكرة الاساسية هنا هي أن رفع السعر على التصريح رقم 1 يخفض الطلب على تصاريح أخرى. وفي حين أن الفساد المنظم يؤدي إلى خلل في تخصيص الموارد، إلا أنه أقل تخريباً للاقتصاد من الفساد غير المنظم لان رجل الاعمال يستطيع أن يحصل على التصريح وينتج السلعة.
بولندا وروسيا
لقد اختبرت السيناروين الموصوفين أعلاه بأن أجريت استطلاعاً لآراء 250 من أصحاب الحوانيت في ثلاث مدن في روسيا ومدينة في بولندا عام 1996 وعام 1998 بشأن قضايا مختلفة تتصل بالتنظيم البيروقراطي والفساد. وقد وجدنا أن البيروقراطيات كانت أكثر افتقاراً الى التنظيم في روسيا منها في بولندا. فبالمعدل، يخضع أصحاب الحوانيت في موسكو لتفتيش من قبل حوالي أربع وكالات مختلفة يتفقد مسؤولوها الحانوت 19 مرة في السنة. وفي بولندا يخضع أصحاب الحوانيت لتفتيش من قبل 2.6 من الوكالات ويتفقد مسؤولوها الحانوت 9 مرات فقط في السنة.
وبالإضافة الى ذلك، على صاحب الحانوت العادي في موسكو أن يحصل على تصاريح من 6,6 وكالة حكومية لكي يفتح تجارته، مقابل 4.3 وكالات في وارسو. كما أن عملية تسجيل الحانوت استغرقت 10 أسابيع في موسكو وأقل من 4 أسابيع في وارسو.
وكما توحي الأرقام، كانت مستويات الفساد في موسكو أعلى منها في وارسو. وقد سألنا أصحاب الحوانيت: "كم مرة تعتقد أن صاحب الحانوت العادي في مدينتك عليه أن يدفع رشوة، على أساس معيار 1 الى 5 (1، تقريبا أبداً؛ 2، نادراً؛ 3، أحياناً؛ 4، غالباً؛ 5، تقريباً دائماً)؟"
وكان الجواب بالنسبة الى موسكو 2.9 وبالنسبة الى وارسو 2,2 -- وهو فارق ذو شأن إحصائياً. كذلك طلبنا من أصحاب الحوانيت أن يقوّموا أكبر مشاكلهم على أساس معيار من 1 الى 10 (1، مشكلة صغيرة؛ 10، مشكلة كبيرة). وقد قوّم أصحاب الحوانيت في موسكو الفساد بـ 7.4 بينما قوّمه أصحاب الحوانيت في وارسو بـ 3.1.
لتقليص الفساد في روسيا، يجب العمل على قيام بيئة لا تبقى فيها لوكالات منفصلة السلطة لتحديد أسعار إنشاء مشاريع ومؤسسات الأعمال. والحقيقة، إذ ننظر داخل روسيا، نجد أن المدن التي نظمت منح تصاريح العمل لديها معدلات منخفضة من الفساد. مثلا، إن البيروقراطيات كانت أقل تنظيماً في أوليانوفسك منها في سمولينسك. فصاحب الحانوت العادي في أوليانوفسك عليه أن يحصل على تصاريح من 6.1 وكالات مختلفة لكي يبقى في عمله مقابل 4,4 لأصحاب الحوانيت في سمولينسك. وزيادة على ذلك، فإن صاحب الحانوت العادي في أوليانوفسك عليه أن يحصل على 8,8 تصاريح لكي يفتح عمله مقابل 6.2 في سمولينسك.
وكما توقعنا، تبين أن الفساد يشكل لأصحاب الحوانيت في أوليانوفسك مشكلة هي أكبر من تلك التي يشكلها لأصحاب الحوانيت في سمولينسك. وقد أشار الذين شملهم استطلاعنا إلى أن صاحب الحانوت عليه أن يدفع، في المعدل، رشاوى في أوليانوفسك أكثر مما يدفع في سمولينسك (3.2 مقابل 2.6، على أساس معيار الخمس نقاط المشروح أعلاه). وقد وضع أصحاب الحوانيت في أوليانوفسك لمشكلة الفساد مقياس 6.3 إلا أن أصحاب الحوانيت في سمولينسك وضعوا لها مقياس 5.4 (مستعملين معيار النقاط العشر المشروح أعلاه). ومرة أخرى، نجد البيروقراطيات غير المنظمة تعمد الى توليد فساد غير منظم يرتب على المجتمع تكاليف باهظة. وهذا يوحي بأن تقليص الفساد في روسيا ممكن وبالمستطاع معالجته عن طريق إصلاح القطاع العام.
تكاليف الفساد والاقتصاد غير الرسمي
توحي الأدلة المستقاة من بولندا وروسيا أن الفساد، سواء كان منظماً أو غير منظم، يمكن أن يرتب على الاقتصاد تكاليف مدمرة. فهو يخفض الاستثمار بسبب إمكانية حدوث أعمال رشوة من جانب مسؤولي الدولة. وهو أيضاً يخفض المنافسة بمنحه التصاريح للذي يدفع أكثر وليس للأكثر كفاءة.
ولكن الفساد له أيضاً تأثير أقل بروزاً على الإصلاح الاقتصادي بسبب تأثيره على الاقتصاد غير الرسمي. فالفساد يعمد الى تضخيم الاقتصاد غير الرسمي لان الصفقات التجارية التي تتناول مسؤولين فاسدين لا يمكن فرض تطبيقها في محاكم الدولة، ونادراً ما تخضع لنسب الضرائب الرسمية. فبدلا من العمل في نطاق الاقتصاد الرسمي، والتقيد بالاحكام القانونية، ودفع الضرائب، يعمل رجال الأعمال الذين يعتمدون على الفساد في الاقتصاد غير الرسمي، ويخالفون الأحكام القانونية، ولا يدفعون اللازم من الضرائب. واذ يدفع الناس ضرائب أقل، تصبح الدولة أقل قدرة على توفير السلع العامة الضرورية للنمو الاقتصادي.
بحلول عام 1995، نما الاقتصاد غير الرسمي في روسيا وأوكرانيا أكثر بكثير مما نما في بولندا. وقد قدرت دراسة اعتمدت على أجور استعمال الكهرباء في تلك البلدان أن الاقتصاد غير المشروع يشكل ما يصل الى 42 بالمائة من مجمل الناتج المحلي في روسيا، و49 بالمائة في أوكرانيا و13 بالمائة فقط في بولندا. وهذا التوسع الكبير في الاقتصاد غير الرسمي، أو غير المشروع، في روسيا وأوكرانيا مثير للدهشة الى حد ما. فقبل عام 1989، كانت نسبة الاقتصاد غير المشروع الى الاقتصاد الكلي أكبر بكثير في بولندا منها في دول الاتحاد السوفياتي سابقاً.
الـعــلاج
يقول بعض الخبراء إن العقليات والأعراف السائدة في بعض البلدان هي أكثر تقبلا للفساد منها في بعض البلدان الأخرى. إلا إننا غالباً ما نرى مستويات من الفساد تتغير في بلاد معينة حتى في حين تبقى العقلية والأعراف على حالها. وزيادة على ذلك، فإن ممارسات الفساد متشابهة الى درجة مدهشة في الكثير من البلدان المختلفة الثقافة والأعراف. وبصرف النظر عن الثقافة والأعراف السائدة، أي بلد لا يعرف عملاء جمارك فاسدين؟ لكي نقلّص الفساد، علينا ألا ننظر الى ثقافة البلد بل إلى الحوافز التي تواجه الموظفين والمسؤولين الذين يمارسونه.
إن الحل المألوف على نطاق واسع لتقليص الفساد هو الحد من السلطة الاستنسابية لموظفي الدولة المختصين. مثلا، بدلا من جعل المسؤول البيروقراطي يمنح رخصة لتصدير سلعة ما (وإتاحة المجال له لقبول رشوة لعمله ذاك)، يجب أن تلغي الدول تراخيص التصدير وبذلك تسمح للعوامل الاقتصادية بأن تقرر ما إذا كانت تلك السلعة جديرة بالتصدير أم لا.
إلا أن هذا يمكن أن يوفر حلا جزئياً فقط نظراً الى أن مهام اجتماعية مهمة كثيرة لا يمكن أن تترك الى قوى السوق. وزيادة على ذلك، في غالب الأحيان ليس عملياً من الناحية السياسية أن يعهد ببعض المهام الى قوى السوق لا إلى الدولة. وهكذا، اذا كان يرجى ابقاء الفساد مكبوحاً يجب أن يرافق إصلاح القطاع العام--الذي يجعل الدولة أكثر تنظيماً--الإصلاح الاقتصادي.
المجلات الإلكترونية باللغة العربية | باللغة الإنكليزية