الصحف تجدد وسيلتها الإعلاميةبقلم بريان إل. ستيفنز إطار جانبي
| ||||
|---|---|---|---|---|
أصبحت الصحف في القرن الواحد والعشرين كالحرباء، تتكيف مع البيئة المتغيرة. لكن هذا هو بالضبط ما كان يحصل دوماً: فمن المطابع التي تتغذى ورقة إثر ورقة إلى المطابع الدوّارة؛ ومن النشر بواسطة ماكينة تنضيد الأحرف المطبعية في سطور مسبوكة إلى النشر عبر الكمبيوتر؛ ومن الأبيض والأسود إلى الألوان، وحالياً من النشر على الورق إلى النشر الإلكتروني. وتواصل الصحف تقديم نتاج فريد القيمة يؤمن مستقبلها على المدى الطويل حتى أثناء تغيرها لاستيعاب أشكال جديدة من العرض والتوزيع لمنتجاتها. ذلك أن الصحف ما زالت الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي تنحصر جهودها بشكل أساسي في نشر الأخبار؛ نشر معلومات تتصف عادة بالدقة والإنصاف والسعي إلى كشف الحقيقة ويمكن التحقق من صحتها. أما الإذاعات (الراديو) فهي، في المقام الأول، وسيلة إعلامية لبث الموسيقى والأحاديث. بينما يسيطر الترفيه على ما يقدمه التلفزيون. في حين أن الإنترنت هي وسيلة بحثية توفّر إمكانية الوصول إلى مجموعة واسعة من المعلومات دون أي ضمانات حول نوعيتها أو صدق محتواها. وتقدّم الصحف المحلية شيئاً يثمنه القراء، أي الأخبار المحلية.
تخدم محطات التلفزة والصحف اليومية في كبريات المدن قراء ومشاهدين إقليميين في مدن كبيرة وضواح ممتدة في رقعة واسعة وتجمعات سكانية، يصل إجمالي عددهم إلى الملايين. ويخدم التلفزيون الكبلي وشبكة الإنترنت جمهور المستخدمين على الصعيد القومي وعلى المستوى الدولي. ولا تملك أي واسطة من هذه الوسائل الإعلامية الموظفين، أو الوقت، أو الحيّز أو الصفحات اللازمة لتأمين تغطية الأخبار المحلية الحقيقية وما يحدث في الأحياء السكنية تغطية شاملة مستمرة. وتقتصر نشاطاتها على تغطية الأحداث الأعظم، أخبار الخلافات والنزاعات، لا أخبار الأحداث اليومية التي تُشكّل السمة المميزة لتغطية الصحف المحلية، بما فيها أخبار الحكومات المحلية والمدارس والموارد المحلية للرعاية الصحية والطبية والنشاطات الرياضية المحلية والأحداث الاجتماعية ونوادي الخدمات والنشاطات الكنسية. ويفسر هذا الأمر سبب تقلص عدد الصحف اليومية الأميركية القومية وعدد المشتركين فيها، في حين ارتفع عدد الصحف "الأهلية" المحلية، غير اليومية، من حوالى 5500 إلى أكثر من 7000 صحيفة. كما ازداد قرّاء الصحف غير اليومية ثلاثة أضعاف تقريباً فبلغ حوالى 70 مليون قارئ أسبوعياً. وفي حين تطرح التكنولوجيات الجديدة تحديات في وجه المؤسسات الصحفية التقليدية، فارضة عليها تعلم أمور جديدة بسرعة لتغيير نفسها جذرياً واعتماد نماذج جديدة في إدارة أعمالها لم تتم تجربتها في السابق، إلا أن هذه التكنولوجيات تؤمن أيضاً قدرات وفرصاً جديدة لمنظمات الأنباء المحلية. الصحف المحلية تواجه المنافسة لم تعد الصحف الأسبوعية المحلية مضطرة لأن تتخلى عن نشر أحدث الأنباء المتطورة والأخبار الرياضية، لصالح محطات الإذاعة المحلية. ففي الحقبة السابقة لظهور الإنترنت، كانت التقارير حول اجتماعات الحكومات المحلية، أو مجالس إدارة المدارس التي تعقد مساء الخميس، أو أخبار المباريات الرياضية للمدارس الثانوية التي تقام مساء الجمعة، لا تنشر إلا في الأسبوع التالي. أما الآن فتتيح شبكة الإنترنت للصحف المحلية الأسبوعية القدرة على التنافس كند للصحف اليومية ومحطات الإذاعة والتلفزيون لتحقيق السبق الصحفي في نشر الأخبار الرياضية وأحدث الأنباء. لكن حتى شبكة الإنترنت باتت شيئا قديما. فصحيفتي المحلية ترسل الآن تقارير تنبهني إلى ما يستجد من أنباء كما تحدّث أخبار المباريات الرياضية ونتائجها أثناء حدوثها خلال المباريات، وذلك عبر إرسال نصوص إلى هاتفي الخليوي أو الخلوي النقال. فعندما استقال مدرب الفريق المحلي بصورة غير متوقعة، كنت من بين أوائل من علموا بالأمر، ودفعني تعطشي لمعرفة التفاصيل إلى جهاز الكمبيوتر لمتابعة موقع الصحيفة الإلكتروني على الإنترنت (كنت مسافراً في ولاية أخرى ولم تكن تتوفر فيها نسخة مطبوعة من الصحيفة). وعندما عدت من رحلتي انتظرت بفارغ الصبر صدور العدد التالي من الصحيفة لمعرفة التطورات وقراءة المقابلات التي أجرتها حول الموضوع. ولا يحمل الأميركيون صحفهم وأجهزة الكمبيوتر معهم إلى كل مكان يقصدونه، لكننا نحمل هاتفنا الخلوي إلى كل مكان. وتستطيع الصحف الآن أن تصل إلى قرائها عملياً في أي وقت وفي أي مكان يتواجدون فيه. ولم يعد يتوجب على الصحف الآن أن تتخلى عن الألوان، وأفلام الفيديو، والتصوير الفوتوغرافي لصالح التلفزيون. وتستطيع الصحف المحلية الآن توفير عناصر مرئية في الأخبار المحلية تفوق ما توفّره محطات التلفزيون الإقليمية. فقد تعرض محطة التلفزيون مشهداً قصيراً يدوم خمس ثوانٍ حول مباراة جرت مساء الجمعة بين المدرستين الثانويتين الأكبر في المنطقة. أما موقع الصحيفة المحلية الإلكتروني فيمكنه أن يعرض عدداً غير محدود من الصور الملونة أو أفلام الفيديو القصيرة التي جرى التقاطها من كافة المدارس الثانوية والمتوسطة في المنطقة، ومن مجموعة النوادي الرياضية المحلية. والأفضل من هذا هو أن الصحف المحلية أدركت أن عرضها لعدد أكبر من الصور على مواقعها الإلكترونية يؤدي إلى تلقيها عدداً أكبر من طلبات الحصول على نسخ من تلك الصور، مما يولد دفقاً متنامياً من العائدات. فإذا كانت الصحيفة قد طبعت في السابق صورة واحدة عن حدث وتم التعرف في الصورة على شخص ما، جوني مثلاً، فقد يرغب أهله وأقاربه في شراء نسختين عن تلك الصورة من الصحيفة. ولكن إذا عُرضت على موقع الإنترنت صوراً لجوني وكافة أعضاء فريقه فإن إمكانية بيع الصور لعدد أكبر من العائلات سوف تتضاعف كثيرا. وتوفّر الصحف الآن للمعلنين قدرة أكبر للوصول إلى جمهور أعظم من خلال الجمع بين القراء الذين توزع عليهم النسخ المطبوعة الرائجة محلياً والقراء الجدد المتزايدي العدد لمواقع هذه الصحف على الإنترنت وقرائها الذين يتلقون الرسائل المكتوبة على هواتفهم الجوالة. وقد أصبحت معظم مواقع الإنترنت التابعة للصحف أو نسخها الإلكترونية تعتبر الآن مربحة، في حين تستمر المنتجات المطبوعة بتوليد هوامش من الربح تبلغ في المتوسط حوالي 20 بالمئة. وهذا هو جوهر الموضوع وعنوانه البارز. وللتكنولوجيا حديثة النشوء تأثير أيضاً على ما تحققه الصحيفة من ربح. فكلفة النسخة المطبوعة من صحيفة كريستشان ساينس مونيتور، التي توزع على نطاق قومي، تبلغ ضعف كلفة نسختها الإلكترونية. والافتراض المقبول عموماً هو أنه كلما ازدادت مبيعات النسخ المطبوعة كلما تمكنت الشركة من توليد إيرادات أكثر، وبالتالي تحقيق ربح أكثر. أي ان ازدياد العائدات من المبيعات سيحقق ربحاً أكبر. خطأ. إن المنتجات (أي النسخ) المطبوعة تولّد إيرادات أكثر ولكنها تُكلّف أكثر بكثير لإنتاجها وتوزيعها. فقد بلغ الربح من كل طبعة للصحيفة حوالى نصف الربح المحقق من إنتاج وتوزيع نسخة إلكترونية واحدة. فعدم الاضطرار إلى استخدام مزيد من ورق الطباعة والحبر وقنوات التوزيع المكلفة جعل من الممكن بيع النسخة الإلكترونية بسعر أقل وتحقيق ربح أكبر رغم ذلك. وقد بدأت الصحف تدرك أن التوزيع الإلكتروني يُشكّل بديلاً ممكناً للإصدارات المطبوعة التقليدية، وبالأخص لتوزيعها خارج المنطقة الأساسية لسوقها. فنسخ الصحف المطبوعة التي ترسل إلى قراء يقضون عطلتهم السنوية في مكان غير مكان إقامتهم؛ وإلى المتقاعدين الذين انتقلوا للعيش في مكان بعيد؛ أو إلى الذين انتقلوا إلى منطقة جديدة ولكنهم يرغبون في البقاء مطلعين على أخبار العائلة والأصدقاء في منطقتهم الأصلية؛ تصلهم في الكثير من الأحيان ممزقة ومتأخرة عدة أسابيع. أما تسليم إصدارات الصحف الرقمية فيتم في نفس اليوم، دون أن تتعرض لأي تمزق. وبذلك تصل أخبار الولادات والوفيات وأنباء الأبطال الرياضيين المحليين إلى الأصدقاء والأقرباء وأفراد العائلات الذين يقضون إجازاتهم السنوية، كما للمتقاعدين القريبين والبعيدين، في الوقت المناسب لإرسال رسالة تهنئة أو رسالة تعزية. وبصورة إجمالية، تساعد التكنولوجيا الجديدة شركات الأنباء على تحسين خدماتها للزبائن والسيطرة على التكاليف. وسوف يستمر ملايين الأميركيين، لعقود عديدة قادمة، في تثمين السعر الزهيد، والتيسّرية (لا ضرورة لشراء كمبيوتر)، وقابلية الحمل والنقل (لا ضرورة لتوصيل كهربائي أو بطاريات) التي توفرها الصحيفة المطبوعة. ولكن سيكون هناك أيضاً أولئك الذين يثمّنون الرسائل المستعجلة والتحديثات الإخبارية (هواتف نقالة)، والتعمق الأكبر والسياق الأوسع (الإنترنت) مما تستطيع صحيفة مطبوعة أن توفره. وإذا كان القارئ ممن يمارسون رياضة العدو الوئيد، فإنه لن يتمكن من قراءة صحيفة مطبوعة في نفس الوقت لكنه يستطيع الاستماع إلى نشرة أنباء مسجلة على آيبود (iPod). وإذا كان يركب القطار أو الباص بدون ان يتوفّر له مأخذ للتيار الكهربائي، يثمن القارئ النسخة المطبوعة (أو بطارية جيدة لتشغيل الكمبيوتر المحمول). وإذا كان القارئ خارج منطقة مدينة رئيسية فقد لا تتوفر له إمكانية الوصول اللاسلكي لتشغيل كمبيوتر أو إمكانية توفر إشارة لاسلكية قوية تمكنه من استخدام هاتفه النقال. وهكذا ينبغي أن تتواجد الصحف حيث يتواجد مستهلكو الأخبار وأن تقدم عبر وسيلة يمكنهم استعمالها حيثما يكونون، ومهما كانوا يعملون. وفي المدى القريب، ستشمل هذه الوسيلة الورق، والكمبيوترات، والهواتف النقالة، وأجهزة الآيبود (iPod). ويمكن أن يوفر الغد حتى المزيد من السبل لتشاطر المعلومات، ولا ريب في أنه سيوفرها. وسوف تتمتع الصحف التي تقتنص هذه الحيوية فتوفر الأخبار في الوقت والمكان والطريقة التي يكون فيها القراء مجهزين لاستلامها بمستقبل طويل ومزدهر. الروابط التي توثق الأواصر في المجتمعات المحلية هناك فكرة رئيسية يتم تداولها في وسائل الإعلام حالياً تتعلق باستكشاف كيفية تحقيق انخراط المواطنين في نشاطات مدنية. وتجرب الصحف حالياً زيادة الرسائل المرسلة بالإنترنت إلى المحررين، والمفكرات الإلكترونية (البلوغز) المحلية والشخصية، والمنتديات الإلكترونية، وأشكالاً مختلفة من المعلومات الصحفية التي يُنشئها المواطنون. ويرى البعض أن الصحف المحلية لم تفقد أبداً تواصلها مع مجتمعاتها، وأن التشديد على التكنولوجيات الجديدة يُمارس في غير موضعه. فقد توفرت لدى القراء في المدن الصغيرة دائماً إمكانية الوصول إلى المحررين، والمراسلين، وحتى الناشرين. فقد يتبادلون الأحاديث بينما يقفون بانتظار دورهم في السوبر ماركت، أو في اجتماعات نادي الخدمات، أو خلال النشاطات التي تنظمها الكنائس، كما في صالون الحلاقة. فالمسافة بين القارئ والصحيفة المحلية أصغر مما هي عليه في المدن الكبيرة أو في ضواحي المدن الكبرى. وربما كانت الفائدة غير المتوقعة التي عادت بها التكنولوجيا الجديدة على الصحف المحلية هي توسيع الشبكة القديمة المألوفة من المراسلين. فقد عانت الصحف الصغيرة دائماً من ضآلة عدد موظفيها وضآلة عدد المراسلين أو المصورين للتمكّن من التواجد في كل مكان فوراً، خاصة عندما يعقد اجتماع مجلس إدارة المدرسة، واجتماع حكومة البلدة، وتقام مباراة رياضية محلية أو نشاط اجتماعي كنسي في نفس الليلة. ولطالما اعتمدت الصحف المحلية على العاملين بدوام جزئي أو المتطوعين للمساهمة في كتابة التقارير حول اجتماعات أو أحداث لا يتمكن الموظفون الدائمون لديها من حضورها، أو للمساهمة بكتابة تعليقات حول مواضيع محلية تهم السكان. وقد جعلت الكمبيوترات المحمولة اللاسلكية وآلات التصوير الرقمية من السهل على جميع أفراد المجتمع تقريباً أن يصبحوا مراسلين ومصورين لصحيفتهم المحلية. ولم يعزز ذلك التواصل بين المجتمع وصحيفته فحسب، بل وعزز أيضاً التواصل داخل المجتمع نفسه. وتنتج صحف أميركية كثيرة نسخاً طافحة بمحتويات يزودها بها السكان المحليون. ففي كولومبيا، بولاية ميزوري، يمثل موقع الإنترنت MyMissourian.Com. مجموعة ينتجها مواطنون من القصص الإخبارية، والآراء، والتعليقات، والصور المنشورة جميعاً على الإنترنت، تحت مظلة الصحيفة المحلية وموقع الصحيفة الإلكتروني (التقليدي) على شبكة الإنترنت. ولا يحل هذا الموقع محل الصحيفة أو موقعها على الإنترنت، بل هو متمم لهما. فهو يضم أنباء ومعلومات لا تتوافق بالضرورة مع متطلبات الحيّز المتوفر لدى الصحيفة المطبوعة ولا مع التوجّه نحو نشر أخبار أساسية على موقع الصحيفة الإلكتروني. ويزخر موقع ماي ميزوريان بصور المواليد الجدد وخريجي الجامعات التي يرسلها الأهل والأجداد الفخورين، وبأخبار وصور الأحداث الاجتماعية المحلية، وحتى أنباء أكبر الخضار التي أنتجت محلياً، وأخبار وصور الحيوانات الأليفة المدللة. إنها قصص شخصية، وذكريات، وتقارير عن اجتماعات وأحداث لم يتمكن المراسلون من حضورها، وملاحظات حول لجان الكنيسة والمدرسة التي لا تغطيها الصحيفة عادةً، ووصفات تحضير الأطعمة المحلية، وآراء، وتعليقات، ورسائل إلى المحرر. وتُجمع أفضل هذه المواد في النشرة المطبوعة الأسبوعية: "أخبار جارك، منه وعنه". إن التكنولوجيا شيء رائع، ويعود الفضل في أجزاء رئيسية من النمو الاقتصادي إلى الذين يسارعون في تبنيها بعيد ظهورها. ولكنها أحياناً مجرد أداة أخرى تساعد الناس والمجتمعات في القيام بما كانوا يقومون به دائماً: التواصل مع بعضهم البعض.
الآراء المعبر عنها في هذه المقالة لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.
|
||||