وسائل الإعلام والأخلاق

مجلة إلكترونية تصدرها وزارة الخارجية الأميركية

25 أيار/مايو، 2001

"تسرد الصحف المحلية الأميركية، كبيرة كانت أم صغيرة، فصول الأحداث اليومية لحياة بلدنا وحياة شعبنا ... فلو جمعناها مع بعضها البعض، لوجدنا أن صحف مجتمعاتنا المحلّية لا تروي قصة الحرية الأميركية فحسب، بل هي تلك القصة".

كولن باول، وزير خارجية الولايات المتحدة

من خطاب ألقاه أمام جمعية الصحافة الأميركية

25 آذار/مارس، 2001

كلمة المحرر | في هذا العدد


كلمة المحرر

تؤمّن الضمانات الدستورية الأميركية لحرية الصحافة والتعبير وجود صحافة متحررة إجمالاً من الأنظمة الحكومية. هذا لا يعني أن وسائل الإعلام لا تلتزم أي معايير. في هذا العدد من المجلة يبحث خبراء أميركيون معروفون الدور المركزي الذي تحتلّه الأخلاقيات الإعلامية باعتبارها القيم الأساسية التي يتشكل بموجبها عمل الصحافة الأميركية.

في النظام الأميركي، تُعتبر وسائل إعلامنا الحرة مصدراً أساسياً للمعلومات التي تكمن في صلب أي مجتمع حر. وهذا الدور الأساسي يمنح وسائل الإعلام سلطة، إذا استُخدمت دون مسؤولية، يمكنها تعريض المجتمع الحر للخطر. كيف نعالج إذن هذا التحدي؟

تمارس الحكومة في دول عديدة دور المنظّم الأول لوسائل الإعلام. أما في الولايات المتحدة، فإن الحل الذي اخترناه هو الاعتماد على قوى السوق، والمنافسة، وحسّ المسؤولية، ومجموعة متطورة للغاية من الضوابط الذاتية التي نُسميها أخلاقيات الصحافة.

تؤمن أخلاقيات الصحافة عملية يتم بموجبها تصحيح الأخطاء والتجاوزات الفردية دون إلحاق الأذى بالهدف النهائي لوجود وسائل إعلام حرة، ألا وهو توفير رقابة سليمة على مراكز السلطة والحفاظ على مجتمع حر ومتنوِّر.

لقد أوجدت وسائل الإعلام الإذاعية والتلفزيونية والإنترنت مجموعة جديدة من التحديات التي يتم التعامل معها في الولايات المتحدة، أحياناً من خلال إطار تنظيمي حكومي، لكن دائماً ضمن إطار المبادئ والحصانات الدستورية الأساسية لصحافتنا الحرة.

للصحافيين في كل مكان دور حيوي يتمثّل في تزويد عامة الناس المعرفة والإدراك. لكن عليهم، لدى ممارستهم مهنتهم في عالم يتغيّر تقنياً وجغرافياً، أن يُخضعوا عملهم لمعايير نظامية. وباعتماد هذه الطريقة فقط يمكن للصحافيين أن يخدموا مجتمعهم بشكل أخلاقي مسؤول وبنّاء.


في هذا العدد:

* نقطة تركيز

- تعريف حدود السلطة الرابعة

- التعديل الأول، والاقتصاديات، وافتراض ضد تنظيم هذه الصناعة، كلها تلعب أدوارا رئيسية في عملية تشكيل حرية الصحافة في الولايات المتحدة، بقلم نيكولاس جونسون، أستاذ حقوق زائر، جامعة أيوا، كلية الحقوق


* الصحافة في الولايات المتحدة اليوم

- دور وسائل الإعلام في بناء المجتمع - نوع جديد من الصحافة يتحدى المواطنين ليشاركوا ويساعدوا في حل المشاكل في مجتمعاتهم. بقلم جان شيفر، المدير التنفيذي، مركز بيو لصحافة المجتمع.

- لماذا تحتاج الديمقراطية إلى الصحافة الاستقصائية: لا يزال التحقيق الصحفي أحد أهم المساهمات التي تقدمها الصحافة للديمقراطية، ولكن يجب على الصحفيين في هذا المجال أن يقوموا بتقييم أخلاقيات أساليبهم بشكل دائم. بقلم سيلفيو ويزبورد، مؤلف "مراقبة الصحافة في أميركا الجنوبية: الأخبار والمسؤولية والديمقراطية".

- رحلة عبر "حقل الألغام الأخلاقية" - يواجه محقق صحفي معضلة أخلاقية في تغطية قصة عن أطفال لآباء مدمنين على المخدرات. بقلم تران ها، صحفي في معهد ذا بوينتر.

- فهم حراس مراقبة وسائل الإعلام. بقلم الدكتورة فيرجينيا وايتهاوس، أستاذة مساعدة لعلوم الاتصالات في كلية "وايت وورك" (Whitework College )، في سبوكين، بولاية واشنطن.

- الصحافة في عصر الإنترنت - إن السرعة والتواصل اللذين يجعلان الصحافة الإلكترونية جذابة قد يكونا أيضا عوامل تقلل من المحافظة التقليدية على الدقة والاتزان والوضوح. بقلم بوب جايلز، ناشر تقارير نيمان، مؤسسة نيمان للصحافة، جامعة هارفارد.

- الأخبار في عصر المال - يواجه الصحفيون المهنيون الذين يغطون أخبار اقتصاد مندفع معضلة أخلاقية حيث أنهم يغرون بحرف تغطيتهم لجني الربح من الأسواق الصاعدة. بقلم ديانا ب. هنريكس، محررة شؤون المالية في صحيفة نيويورك تايمز.

- القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام وما بعدها - يقوم خبيران في أخلاقيات الإعلام بتحليل القواعد الأخلاقية التي يتبعها صحفيون في 33 صحيفة أميركية حيث يتعمقون في كل شيء بدءا من كيفية التعامل مع المعضلات الأخلاقية وحتى التعامل مع تأثير التقنيات الجديدة. بقلم روبرت ستيل وجاي بلاك.


نقطة تركيز

تحديد نطاق السلطة الرابعة

بقلم نيكولاس جونسون، أستاذ زائر للقانون في كلية الحقوق، في جامعة أيوا، مؤلف كتاب "كيف تردّ على جهازك التلفزيوني"

الدستور الأميركي، ونظام الأسواق الحرة، والوقوف ضد التنظيم، تشكّل حرية الصحافة في الولايات المتحدة.

"لا يجوز أن يُصدر الكونغرس أي قانون ... يحدّ من حرية الصحافة..."(التعديل الأول، وثيقة الحقوق، دستور الولايات المتحدة، 1791)

تضع هذه الكلمات حرية الصحافة في صميم دستور الولايات المتحدة، وهو الوثيقة التي تُشكّل هيكلية الحكم، كما تشكل أساساً تستند إليه قوانين الولايات المتحدة.

في بنائه إطار الحكومة الأميركية، يُقيم الدستور توازناً للسلطات بين الهيئات التشريعية، والقضائية، والتنفيذية (أي الرئيس وحكومته). تُناط بكل من هذه الهيئات سلطات منفصلة ومميزة تُنشئ نظاماً من الضوابط والتوازنات. وقد صمّم الآباء المؤسسون هذه البنية الحكومية بدقة متناهية بغية وضع نظام يسهم فيه توزيع السلطات بين هيئات الحكم في الاستقرار.

إبان السنوات الأولى من حياة الجمهورية، عندما تم ابتكار نظام الضوابط والتوازنات هذا، كانت قد نشأت أسرة صحافية جريئة. شكلت هذه الصحافة الجريئة والمشاكسة قوة مؤثرة في التنديد بحكم ملك إنجليزي، وفي قيادة أميركا المستعمَرة إلى الثورة على الإمبراطورية البريطانية. ومع حماية الحرية الصحافية بموجب وثيقة الحقوق الصادرة عام 1791، أصبحت الصحافة قوة لها رأيها خلال العقود الأولى لقيام الدولة. وكثيراً ما تُعرف وسائل الإعلام في الولايات المتحدة اليوم بأنها السلطة الرابعة، وهي تسمية توحي بأن الصحافة تشارك في الحكم بدرجة متساوية مع الهيئات الثلاث الأخرى التي أنشأها الدستور.

القانون: إن معارضة تنظيم الصحافة، كما تظهر في قوانين الولايات المتحدة، يمكن وصفها بفقرات قليلة، لكن هناك مجلدات كثيرة كُتـبت حول الصراعات العنيفة والمريرة أحياناً التي دارت لحماية حريات الصحافة واحتواء تجاوزات الصحافة غير المسؤولة. خلال كل هذه الصراعات، كان القضاء المستقل شريكاً أساسياً في حماية حرية الصحافة.

شَكّل عدد من القضايا الهامة التي عُرضت أمام المحاكم معالم على طريق ترسيخ حقوق الصحافة، والتي تتعلق في ملاحقة الحصول على المعلومات، ونشر وثائق حكومية، أو معلومات تحط من قدر شخصيات عامة. مثلاً، وقفت المحكمة العليا الأميركية إلى جانب الصحف ضد الحكومة في مسألة السماح للصحف بنشر ما عُرف فيما بعد "بوثائق البنتاغون". وقد نشرت الصحف هذه الوثائق السرية لحرب فيتنام، بعد أن حصلت عليها بصورة غير رسمية، رغم الاعتراضات الحكومية.

كما قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بوجوب تَمتُّع وسائل الإعلام، بموجب التعديل الأول للدستور، ببعض الحصانة من قوانين التشهير، حتى لا يمتنع أصحاب الوسائل الإعلامية عن نشر كامل التقارير المتعلقة بالشؤون العامة لتفادي مواجهة دعاوى قضائية مع احتمال دفع تعويضات مالية. ومن أجل أن تربح شخصية عامة دعوى تشهير تقيمها ضد وسيلة إعلامية، عليها أن تثبت وجود "سوء نية فعلي" وراء ما نشرته. وحدّدت المحاكم أن المقصود بـ"سوء النية الفعلي" هو معرفة الوسيلة الإعلامية بأن البيانات التي نشرتها كاذبة أو أنها نتيجة "إهمال طائش للتأكد ما إذا كانت هذه البيانات كاذبة أم لا."

إن الاستقلال الحقيقي للقضاة الفدراليين الأميركيين هو عنصر رئيسي لتطور الحصانات القانونية التي تتمتع بها وسائل الإعلام. والقضاة الفدراليون يعيّننهم الرئيس ويخضع تعيينهم هذا لموافقة مجلس الشيوخ. وما أن تتم الموافقة على تعيينهم، يبقى هؤلاء في مناصبهم مدى الحياة، محميين عن عَمد من الضغوط الخارجية التي قد تمارسها عليهم إمّا مصالح سياسية، أو مسؤولون في السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما لا يُمكن خفض رواتب القضاة، ومن المستحيل تقريباً عزلهم من مناصبهم.

إلى جانب هذه المبادئ المستندة على الدستور، لا يوجد هناك ما يُذكر من القوانين أو الأنظمة التي تتعلّق بممارسة العمل الصحافي. فالحكومة الأميركية لا تمنح تراخيص لممارسة العمل الصحفي، ولا تتحكّم بمستلزماته من ورق الصحف وحبر الطباعة. لكن من جهة أخرى، يخضع الصحافيون إلى نفس القوانين المطبقة عموماً على بقية المواطنين. فعلى الصحف ومحطات البث الإذاعي والتلفزيوني والصحافيين دفع ضرائب على المبيعات ودفع ضرائب الدخل، كما يفعل غيرهم من المواطنين والشركات. كما يخضع الصحافيون للقوانين المتعلقة بانتهاك حرمة الأملاك الشخصية وقوانين سلامة السير، مثل كافة المواطنين، أياً كانت حماستهم في تتبع وقائع قضية ما عند مخالفتهم هذه القوانين.

السوق: تلعب الاعتبارات الإقتصادية دوراً مهماً في تحديد شكل ومضمون المعلومات التي تُقدّم إلى الشعب الأميركي في الصحف، وعبر محطات الإذاعة والتلفزيون، والآن عبر الإنترنت. فوسائل الإعلام هي مؤسسات تتوخى الربح. وفي حين أن لمؤسسات لا تبغي الربح وتدافع عن المصلحة العامة صوت مهم في وسائل الإعلام الاميركية، فإن معظم المصادر الرئيسية التي يستقي منها الناس المعلومات، مثل الصحف التي تصدر في المدن الرئيسية، ومجلات الأنباء الأسبوعية، وشبكات البث الإذاعي والتلفزيوني، وشركات التلفزيون الكابلي، كلّها تعمل من أجل تحقيق الأرباح.

إن الحصانات التي يوفّرها التعديل الأول للدستور لا تشمل الصحافيين الذين يقومون بجمع الأنباء وحدهم، بل تشمل أيضاً أصحاب الوسائل الإعلامية التي يتم من خلالها نشر هذه الأنباء والمعلومات. قد يختار أصحاب وسائل الإعلام منح المحررين والمراسلين العاملين في مؤسساتهم حريات واسعة. وقد يعتبرون ذلك عملاً جيداً من الناحية التجارية كما من الناحية الصحافية. لكن ذلك الأمر يتعلّق بقناعتهم الشخصية لا بما يفرضه القانون. لا يملك الصحافيون العاملون في صحيفة من الحق القانوني في نشر تقاريرهم الإخبارية أكثر مما لقراء الصحيفة في نشر رسائلهم فيها، أو مما لهم من حق شراء مساحات إعلانية للتعبير عن وجهة نظر قد يكون صاحب الصحيفة يرغب في طمسها.

لقد ورد في أحد قرارات المحكمة العليا أن حق التعبير الذي نص عليه التعديل الأول للدستور يشمل حق صاحب الوسيلة الإعلامية في منع نشر أقوال الآخرين في وسيلته الإعلامية. وينطبق هذا الأمر حتى لو كانت وسيلته الإعلامية هي الصحيفة الوحيدة، أو محطة الإذاعة أو التلفزيون الوحيدة العاملة في تلك المدينة. والنتيجة النهائية هي أن المواطنين الوحيدين الذين يملكون، بصورة مطلقة وغير مقيدة البتة، الحق الذي منحه التعديل الأول للدستور في نشر آرائهم في الصحافة، هم تلك القلة التي تملك وسائل إعلام.

لكن ما يجعل المؤسسات الإعلامية تمتنع عن نشر تقارير تعكس فقط آراءها أو برامج عملها هم القراء والمستمعون والمشاهدون، الذين يمكنهم الحكم على مدى التوازن والدقة في التقارير الصحافية المنشورة مقارنة بمجمل الإنتاج الإعلامي المتوفر في السوق الإعلامية. إن هؤلاء المواطنين الذين يتابعون بذكاء ما تنشره الوسائل الإعلامية لا يتوانون عن كشف التحيّز والأخطاء الواردة في التقارير التي تنشرها الصحف أو التي تذاع عبر محطات الإذاعة والتلفزيون. لذلك يتعرض أصحاب وسائل الإعلام الذين يحاولون التحريف في تغطيتهم الإخبارية التي تعكس وجهات نظرهم المتحيّزة، إلى احتمال خسارة قرائهم أو مستمعيهم. والنتيجة هي فقدان مداخيل الإعلان ممن يرغبون في إيصال رسائلهم الإعلانية إلى هؤلاء القراء أو المستمعين.

كانت الصحف وبعض الشبكات الإذاعية تفاخر بأنها تُقيم "جداراً" يفصل بين دائرتي الإعلان والأخبار فيها. يؤكد بعض النقاد إن هذا الجدار آخذ في التداعي. ويعود ذلك، في جزء منه، إلى اندماج أعداد متزايدة وأنواع مختلفة من وسائل الإعلام معاً لتشكّل عدداً متناقصاً باستمرار من الشركات المساهمة. يخشى المعارضون لمثل اندماج الشركات هذا عدم قبول الخسارة المالية التي يسببها قسم الأخبار، ويعوّض عنها بالسمعة الجيدة والاحترام اللذين يجلبهما للمؤسسة الإعلامية. لكن رؤساء مجالس إدارة الشركات المساهمة الجديدة قد يعتبرون قسم الأخبار كأي مركز آخر من "مراكز الربح" يؤثر على الأرباح الصافية، كما على سعر السهم.

إن الموازنة بين النفقات اللازمة للحصول على صحافة من نوعية عالية، وبين أرباح الشركات، تُشكّل أحد التحدّيات المهمة للصحافة الاميركية في الوقت الحاضر. عندما تهدد الشركات بدعاوى قضائية أو بإلغاء الإعلانات إن هي نشرت تحقيقات نقدية، يُصبح على رئيس أو مدير تحرير الأخبار اتخاذ القرار بشأن نشر قصة مثيرة حتى لو خاطر بخسارة الواردات أو بفقدان وظيفته. وهكذا، فان الرقابة الذاتية الناتجة عن هذا المأزق وغيره، قد يكون أكثر أشكال الرقابة انتشاراً، مما يؤثر على محتوى وسائل الإعلام الاميركية في الوقت الحاضر.

موجات الأثير: تتمتع وسائل الإعلام المطبوعة والمذاعة بنفس الحريات الصحافية التي يؤمنها التعديل الأول للدستور. لكن على أصحاب المحطات الإذاعية، من أجل استعمال موجات الأثير العامة، الخضوع لأنظمة حكومية غير مفروضة على زملائهم من أصحاب الوسائل الإعلامية المطبوعة. إن قانون البث اللاسلكي الصادر عام 1927، وهو أول قانون ينظم عمل الوسائل الإذاعية، يعكس المحدودية الطبيعية للبث اللاسلكي. فليس كل من يرغب في البث الإذاعي يستطيع ذلك لأن من المحتمل أن تتشابك الموجات اللاسلكية فيما بينها، وتكون النتيجة العجز عن تقديم الخدمات المطلوبة إلى جمهور المستمعين.

عندما بدأ تخطيط السياسات التي تشمل البلاد ككل في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، لم تختر الولايات المتحدة، بعكس معظم الدول الأخرى، وجوب أن تكون المحطات الإذاعية مملوكة أو مشغّلة من قبل وكالة حكومية، أو من مؤسسة عامة ممولة من الحكومة. لقد اختارت بدلاً من ذلك نظاماً هجيناً لهذه الوسيلة الجديدة يقضي بأن يملك القطاع الخاص معدات المحطة، إنما يخضع حقها في البث لأنظمة حكومية أو لترخيص من هيئة ما.

تقوم الهيئة الفدرالية للاتصالات، التي أُنشئت عام 1934، بمهام الوكالة التنظيمية الأميركية المسؤولة عن إصدار تراخيص البث اللاسلكي، وعن مراقبة ما إذا كان المرخص لهم يعملون "في سبيل الفائدة، والمصلحة، والضرورات العامة". في السنوات المبكرة كان الحصول على هذا الترخيص يفرض على صاحب المحطة الحدّ من كمية الإعلانات وبث قَدَر معيّن من البرامج، بما في ذلك نسبة عالية من الأنباء وبرامج الشؤون العامة. وباستثناء ذلك، لم يكن هناك من تدخّل حكومي يُذكر في محتوى البرامج.

خلال السنوات الثلاثين الماضية، حصل توجه نحو إلغاء القيود التنظيمية المفروضة على وسائل الإعلام المذاعة. واليوم أصبحت اللجنة الفدرالية للاتصالات لا تفرض بصورة أساسية أي معايير تؤثر كثيراً على البرامج، إن بالنسبة إلى الكمية أو النوعية. ولقد ألغت الوكالة الأنظمة السابقة التي كانت تحد من عدد المحطات الإذاعية التي يستطيع شخص واحد تملكها في أي مدينة واحدة، وأصبح يحق للشركات، التي حلّت محل الأفراد في ملكية التراخيص، إمتلاك تراخيص لتشغيل مئات من محطات الإذاعة والتلفزيون.

يَعتبر المنتقدون أن تخفيض عدد أصحاب التراخيص يؤدي إلى خفض تنوّع البرامج الإذاعية. ونظراً لأن الشركات تشتري مجموعات من المحطات الإذاعية، مثلا،ً فإنها تتجه إلى مجانسة أصوات هذه المحطات، بحيث تُقدم عدداً أقل من البرامج الموجهة إلى المستمعين والمشاهدين المحليين.

دور كلب الحراسة

نظراً للدور المركزي التي تلعبه الصحافة المستقلة في المجتمع الديمقراطي، ولغياب إدارة تنظيمية مستمرة لها، فقد أطلق المواطنون وجماعات المصالح، والجمعيات الصحافية جهوداً مستقلة غير حكومية للقيام بالمراقبة وإعداد التقارير حول نوعية وسائل الإعلام. لا يملك أي من هؤلاء سلطة تنفيذية ذات شأن، لكنهم يؤثرون في تطبيق مبادئ العدالة والصدق والدقة في إعداد التقارير الإخبارية.

علاوة على ذلك، هناك منشورات عديدة رأت إن من المفيد لها إنشاء وظيفة "محقق في الشكاوى"، وهذا موظف شبه مستقل يمكن للقراء توجيه شكواهم إليه بشأن المنشورة ونوعية تغطيتها الإخبارية. ومن الممكن لهذا المحقق أن ينشر الشكاوى على صفحات الصحيفة ويُبيّن كيف تمت معالجتها وتسويتها.

لوجود وسائل إعلامية حرة ومستقلة في مجتمع ديمقراطي أهمية لا تضاهيها أهمية وجود أي مؤسسات أخرى فيه. وتتطلب هذه الحرية من أفراد الشعب، ومن المسؤولين المنتخبين، ومن التنظيمات المدنية دعم الصدق والعدالة والتوازن في نشر التقارير الإعلامية، كما التشديد على وسائل الإعلام بوجوب احترام المبادئ التي منحتها إيّاها سلطتها.

نيكولاس جونسون هو عضو سابق في الهيئة الفدرالية للإتصالات ويُدرّس حالياً قانون الاتصالات في كلية الحقوق التابعة لجامعة أيوا في مدينة أيوا، ولاية أيوا. له موقع على الإنترنت عنوانه: nicholasjohnson.org..


الصحافة في الولايات المتحدة اليوم

دور وسائل الإعلام في بناء المجتمع، بقلم جان شايفر، المدير التنفيذي لمركز "بيو" للصحافة المواطنية

يدعو الكاتب إلى إيجاد نوع جديد من الصحافة، يقوم بتحفيز الناس على المشاركة، وعلى الارتباط بالمجتمع المحلي، وتَحمُّل مسؤولية معالجة مشاكله.

تطورت الصحافة المدنية خلال السنوات الست منذ إنشاء مركز "بيو" للصحافة المواطنية. وهناك أمران أصبحا واضحين لنا اليوم:

1-إذا أدّت الصحافة عملها بصورة مختلفة، يؤدي المواطنون عملهم بصورة مختلفة أيضاً.

2-عندما تزرع بذور الابتكار في مكاتب التحرير، تحصل على أفكار مبتكرة.

نعيش اليوم في عصر يكافح فيه الصحافيون والشعب في الولايات المتحدة للوصول إلى توافق الرأي حول ما يجب إن تكون عليه الصحافة الجيدة.

لم يعد كافياً للصحافيين أنفسهم الاعتقاد بأنهم يؤدون عملاً جيداً. فلكي تستمر الصحافة في التمتع بالحماية الدستورية، وفي مواصلة جذب القراء والمشاهدين، يجب على القراء والمشاهدين أن يقتنعوا بأن الصحافة تقوم بلعب دور أساسي في مجتمعنا الديمقراطي.

ولكن معلومات مقلقة برزت مؤخرا ًتُظهر أن الوضع ليس على هذا النحو. فلقد تبينت عمليات استطلاع آراء على مستوى عموم البلاد أن هناك قدراً هائلا من الاستياء من الصحافة الاميركية وممارساتها. ويستخدم الناس، في وصفهم وسائل الإعلام، تعابير أمثال: مُتعجرفة، غير حساسة، متحّيزة، غير دقيقة، وتنحو نحو الإثارة.

ويبدو أن هناك إجماعاً متعاظماً بأن "الأخبار" أصبحت معطوبة. ويبرز الآن السؤال الكبير: هل يعرف الصحافيون كيفية إصلاحها؟

إن أرقام توزيع الصحف أرقام ثابتة أو تنحو نحو الهبوط. ومع أن الناس يقرأون اكثر على العموم، لكنهم لا يقرأون الصحف بالتحديد. كما أن عدد مشاهدي "الأخبار" التلفزيونية يتدنّى بسرعة.

أجرت مؤخراً مؤسسة "منبر الحرية" (Freedom Forum) ، وهي جمعية دولية لا حزبية، استطلاعاً للآراء حول وضع التعديل الأول للدستور. وكانت النتيجة الإجمالية أن الصحافة ثمّنَت حقوقها المنصوص عليها في التعديل الأول بدرجة أعلى مما ثُمّنها عامة الناس.

  1. قال أكثر من نصف عدد الذين شملهم الاستطلاع، 53 في المئة، إنهم يعتقدون إن الصحافة تتمتع بحرية زائدة عن اللزوم. وزادت هذه النسبة بمقدار 15 نقطة مئوية عن ما تم تسجيله في استطلاع مماثل للآراء جرى عام 1997.

  2. فقط 45 في المئة من الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يعتقدون بأن وسائل الإعلام تحمي الديمقراطية. وكانت هذه النسبة أقل من نسبة ال 54 في المئة التي سُجلت عام 1985. وقال 38 في المئة منهم أن وسائل الإعلام تُلحق الضرر الفعلي بالديمقراطية.

  3. قال حوالي 65 في المئة إنه يجب عدم السماح لوسائل الإعلام بنشر ما تريد نشره بحرية.

  4. وقالت أعداد مقلقة من الناس إنه يجب عدم السماح للصحافة بتأييد أو انتقاد المرشحين السياسيين، ويجب منعها من استعمال آلات تصوير مَخفّية لجمع الأنباء، كما يجب عدم السماح لها بنشر الأسرار الحكومية.

ماذا يمكن أن نفعل؟

إن كنت صحافياً لا بد وأن تجد ما ورد أعلاه مُقلقاً. لكنني أعتقد أنك ستجده مُقلقاً أيضاً إذا كنت مواطنا عاديا.

ماذا يمكن أن نفعل حيال ذلك؟ من الأشياء التي نقوم بها في مركز "بيو" محاولة تجاوز تشخيص المشكلة؛ إننا نقترح فعلاً بعض الوصفات التي تؤدي إلى حلول. وفي الواقع يرتاح الكثير من الصحافيين إلى عمليات التشخيص أكثر من ارتياحهم للوصفات العلاجية، ولكن الردود على أسئلتنا تبدو ساحقة لدرجة أن حتى المحررين المُتصلبين بدأوا يقولون "كفى". ولكن قبل أن نُعيد ترتيب الأمور علينا أن نعرف ما نسعى لأن نكونه. ما هو دورنا في بناء المجتمع؟

إن النماذج القديمة للصحافة، وخاصة في الصحف المحلية أو الإقليمية، كانت تُعتبر بأنها من النوع "المُتزلّف"، أي أنها كانت تعمل تحت سيطرة ناشرين يريدون القيام بما يُعتبر خيراً للمجتمع ويجتذب أموال الإعلانات.

لكن نموذج "المهاجم الشرس" هو الوصف الذي غالباً ما يتبادر للذهن اليوم إثر بعض التغطية الصحافية لأحداث رئاسة كلينتون، ومن مشاهدة مصورين صحافيين مختبئين بين أشجار حديقة قصر عائلة كنيدي بعد اغتيال الرئيس جون أف. كنيدي.

وهناك نموذج "كلب الحراسة" المتزن، وهو الدور الذي كثيراً ما يود الصحافيون الاقتداء به. هذا دور ما زال يحظى بتقدير المجتمع. لكن هواجس الريبة تزداد عند الناس حول هذا الدور. وحتى الصحافيون أنفسهم يوافقون على أن الصحافة تقوم، في أحيان كثيرة، بأكثر من تغطية القصص الإخبارية، بحيث تولّد الخلافات، وبالأخصّ، من خلال تحرّياتها عن السلوك الشخصي والأخلاقي للشخصيات العامة.

أظهرت بعض الأبحاث الأخيرة بأن الصحافة تُثمّن دور "حارس المراقبة" هذا أكثر مما يُثمّنه الناس. تعتقد نسبة 10 في المئة فقط من وسائل الإعلام أن انتقاد الصحف للزعماء السياسيين يمنع هؤلاء الزعماء من تنفيذ مهماتهم، ولكن نسبة 31 في المئة من الناس تعتقد أن الصحافة تُعرقل قيام القادة بتأدية مهماتهم.

يجري حالياً اختبار أدوار جديدة. أحد هذه الأدوار هو دور " حارس التوجيه" أو"الموجّه". هل يمكن إيجاد صحافة لا تقتصر مهمتها على تزويد الناس بالأنباء والمعلومات فقط، بل وأيضاً تساعدهم على القيام بواجباتهم كمواطنين؟ أو أنها لا تقدّم إلا عرض غرائب الأمور التي حدثت ذلك اليوم، بل تحرض الناس على التفاعل، والمشاركة وتحمل مسؤولية معالجة المشاكل؟ أي أنها لا تضع الناس في مقاعد المشاهدين بل في دور المشتركين؟

في هذا المجال تُعزز "الصحافة المواطنية" ، تجارب عديدة. وهذا النوع من الصحافة لا يدعو إلى التخّلي عن دور "كلب الحراسة" بل يصبو إلى إضافة مسؤوليات أخرى إليه.

مركز "بيو" للصحافة المواطنية

عندما قرر مجلس أُمناء جمعية "بيو" الخيرية إنشاء مركز "بيو" للصحافة المواطنية، لم يكن ذلك اهتماماً منه بالصحافة بحد ذاتها بقدر ما هو التركيز على المشاركة في خدمة المجتمع. خَشيَ الأُمناء من تصدع الديمقراطية - أي إمتناع المواطنين عن الاقتراع، والعمل التطوعي، وعن المشاركة الفعالة في الحياة المدنية، والامتناع عن الإقدام للمساعدة في معالجة مشاكل مجتمعاتهم.

وتساءل الأمناء عما إذا كانت الصحافة جزءاً من المشكلة. هل كانت وسائل الإعلام تُعامل الناس في القصص الإخبارية كمشاهدين لعرض غريب بدلاً من معاملتهم كمشاركين نشطين في مجتمع يحكم نفسه بنفسه؟

وطرحوا فَرَضّية بسيطة: لو أدى الصحافيون عملهم بصورة مختلفة، هل يؤدي المواطنون عملهم بصورة مختلفة أيضاً؟ هل بإمكاننا إجراء بعض التجارب في مكاتب التحرير لمعرفة إمكانية وجود أنماط مختلفة، أدوار لا زالت تلتزم القيم الجوهرية للصحافة، الدّقة، والموضوعيّة، والاستقلاليّة، والعدالة، وتفيد المواطنين في الوقت نفسه أيضاً؟

أصبحت "الصحافة المواطنية" اليوم بطاقة تعريف عريضة تصف الجهود التي يبذلها رؤساء التحرير ومدراء الأخبار لتأدية مهماتهم كصحافيين بالطرق التي تساعد الناس في التغلب على الشعور بالعجز والعزلة. وهي تهدف إلى تثقيف المواطنين حول المسائل والأحداث الجارية كي يتمكنوا من اتخاذ قرارات للمصلحة المدنية، وللمشاركة في الحوار والخدمة المدنية، وبصورة عامة، ممارسة مسؤولياتهم في نظام ديمقراطي.

يعتقد الصحافيون العاملون في هذا النوع من الصحافة، أن من الممكن إنشاء نظام لتغطية الأخبار يدفع الناس إلى التفكير، وحتى إلى العمل، بدلاً من دفعهم للمراقبة فقط. ويعتقد هؤلاء أن مسؤوليتهم تفرض عليهم القيام بذلك.

لكن عليّ أن أحذر من أن هؤلاء الصحافيين لا يرغبون بتلقين القراء والمشاهدين ما يفكرون به وكيف يعملون. إنهم فقط يُنشئون منطقة محايدة من القدرة على العمل للمواطنين، ويسلّحونهم بالمعلومات، وأحياناً يقدمون لهم أساليب لتحمّل بعض المسؤولية، ويعرضون بعض التصورات أو الحلول لمعالجة مشكلة.

يعتقد هؤلاء الصحافيون أن بالإمكان القيام بعمل "الموجّه" دون التخلي عن دور "المراقب" ، ويسعدهم جميعاً التخلي عن دور "المهاجم".

والآن، حسب وجهة نظرك، يمكنك أن تعتبر هذا المنحى إمّا أنه عودة إلى أسس العمل الصحافي الصحيح، أو نهج ثورة جديدة لإعداد التقارير الإخبارية. اعتقد شخصياً أنه أكثر من عمل صحافي جيد، وأنه، على الأقل، أسلوب العمل الصحافي الذي مارسته شخصياً لمدة 22 سنة في صحيفة "فيلادلفيا إنكوايرر".

إنه أسلوب يستخدم كافة وسائل الصحافة الجيدة، لكنه لا يخشى الضلوع أكثر في عمل المجتمع، في الاستماع، في تحفيز النشاط، في مساعدة المجتمع على بناء قدراته الذاتية. وهو أيضاً أسلوب لا يخشى القول: "إذا كانت أساليب العمل الصحافي القديمة ليست ناجعة، علينا إعادة ابتكارها."

ما هي "الأخبار"؟

من أساليب محاولة الصحافيين العاملين في الصحافة المواطنية لممارسة "صحافة مختلفة" السعي إلى تعاريف جديدة للأخبار. يعرّف معظم الصحافيين الخبر بأنه نزاع: نزاع بين متولّي المنصب الحالي والذي يريد الحلول محله، بين منتصر وخاسر، بين مؤيد ومعارض.

تسعى الصحافة المواطنية إلى توسيع مفهوم هذا التعريف. وهي تسعى إلى الانطلاق إلى أبعد من تغطية أخبار حَدَث أو إجتماع أو نزاع. تحاول أن تنقل المعرفة، ليس فقط تطورات الحدث. إنها تهتم بتغطية حالات الإختلاف كما الإتفاق، قصص النجاح كما قصص الفشل- قصص قد تساعد مجتمعات أخرى في معالجة مسائل صعبة.

تحاول الصحافة المواطنية التوصل إلى بعض الأنماط الجديدة في إعداد التقارير التي قد تتناغم أكثر مع الجديد من أنماط الحكم. فالكثير من سيناريوهات الحكم المحلي أصبحت تبتعد عن نموذج الربح والخسارة، باتجاه أسلوب أكثر اعتماداً على التوافق، أسلوب لحل المشاكل المحلية بشكل يُرضي الجميع.

كيف يمكن تجهيز الصحافة كي تتمكن من التعامل مع هذا الواقع؟ إننا نؤدي عملاً جيداً في تغطية أخبار النزاعات، وفي التتبع، وفي تحديد عدد الانتصارات والهزائم. ولكن إذا ما أُرسل مراسل لتغطية أخبار اجتماع يوافق خلاله الجميع على أمر ما، فمن المحتمل جداً أن يعود المراسل ليقول لرئيس التحرير إنه "لم يحصل شيء على الإطلاق"، وإن لا شيء يستحق الذكر كخبر.

يسعى الصحافيون العاملون في الصحافة المواطنية إلى كشف مكامن اتفاق الفرقاء في المجتمع على أمر ما وكشف مكامن اختلافهم حوله. هذا هو الجديد.

أجرى مركز "بيو" إحدى تجاربه الأكثر طموحا،ً في "سبوكين"، بولاية واشنطن، عام 1991، عندما لجأت صحيفة "سبوكسمان بريفيو" (Spokesman Preview) إلى الأساليب المستخدمة من قبل الصحافة المواطنية من أجل رسم اللحظات الرئيسية في حياة المراهقين، والتي تُحدّد ما إذا كانوا سينجحون أو سيفشلون عند وصولهم إلى سن الرشد، وما إذا كان سينتهي بهم الأمر، في حال فشلهم، إلى السجن. توصلت هذه الدراسة إلى تحديد بعض اللحظات المُثيرة، مثلاً، يكون اليوم الأول (الفعلي) للدراسة في الصف الرابع عندما يتبيّن ما إذا كان الولد سوف يحب المدرسة أم لا. أو يكون اليوم الأول (الفعلي) للصف السابع عندما يتحدد إذا كان الولد سوف يُعتبر "خارج" زمرة أقرانه أو من "داخل" تلك الزمرة. لم يقتصر هدف الفكرة على تغطية هذه المواضيع، بل أيضاً تبيان بعض النقاط التي يُفترض عندها تدخّل وكالات الخدمات الاجتماعية العاملة في المجتمع المحلي. إنه تعريف مختلف تماماً عن تعريف "الأخبار" التقليدي، فالصحافة المواطنية تتعلق بإعادة صوغ القصص الإخبارية لتلائم حاجات القراء بشكل أفضل.

أجرت صحيفة "أورانج كاونتي ريجستر"(Orange County Register) الصادرة في ولاية نورث كارولينا، أثناء تغطيتها لقضية نقل التلامذة بالباصات إلى مدارس تقع خارج مناطق سكنهم (بغية تشجيع الاختلاط العنصري في المدارس)، أنها حصلت على بعض أفضل الأفكار حول هذه القضية من رسائل القراء المرسلة بالبريد الإلكتروني.

في عام 1999، دعم مركز "بيو" برنامجاً، أذيع عبر "محطة إذاعة "نيوهامشير العامة" لوضع نظام احتساب للضرائب موصول مباشرة على خط الإنترنت. كانت هذه الولاية معفية من الضرائب، لكن المحاكم فيها قررت أن عليها فرض ضريبة لتمويل المدارس العامة.

إحتوى موقع المحطة المسمى" شبكة تحدي الضريبة" على معلومات تربوية، وفسحة للنقاش، وقدرة ُتمكّن الناس من إدخال قيمة مساكنهم عليه، إضافة الى مداخيلهم السنوية، واسم المدينة التي يعيشون فيها، وبذلك يحتسبون قيمة الضريبة التي قد يدفعونها في كل من ثلاثة مقترحات مختلفة للإصلاح الضريبي.

كان هذا عملاً صحافياً مٌختلفاً، مٌفيداً، مٌفصّلاً على قياس الناس، مُعدّاً للحاجة الفردية، أعطى للمواطنين سلطة لعب دور في اختيار سياسة عامة. قام مركز "بيو" مؤخراً بتمويل هذه المحطة لتطوير برنامج "تقدير فاتورة خدمات الطاقة والماء" هدفه مشاركة عامة الناس في قضية رفع القيود التنظيمية عن مؤسسات الخدمة العامة.

النتيجة النهائية

إذاً ما الذي تريده الصحافة المواطنية في نهاية المطاف؟

- بالنسبة إلى المجتمع:

  1. نَشهد صحافة من نوعية جيدة تُحسّن أيضاً قدرة المجتمع على التعامل مع المشاكل.

  2. نرى أنه عندما يتم تزويد القراء وسائل العمل، فانهم سوف يعملون.

  3. نرى، إستناداً إلى الأبحاث، أن جهود الصحافة المواطنية رفعت درجة إدراك القراء لمسألة معّينة.

  4. نرى أن جهود هذه الصحافة أثّرت بصورة إيجابية على الفكرة التي يحملها المواطنون عن وسائل الإعلام.

  5. نرى جماعات أخرى من المجتمع تَتَبَنّى مفهوم المشاركة المدنية أو المواطنية (مثلاً، من خلال إنشاء حلقات دراسة وفرق عمل) الذي علمت به من مشاركة مؤسسات الأنباء في جهود الصحافة المواطنية.

  6. بدأنا نرى أناساً يُرشحون أنفسهم لمقاعد انتخابية، ممن لم يطمحوا في الماضي إلى تولي منصب رسمي. ولكن اشتراكهم في مبادرة ما للصحافة المواطنية جعلهم يُقدمون على هذا الترشيح.

  7. - بالنسبة إلى الصحافة:

  1. نشهد تقارير إخبارية معمّقة تتفاعل بشكل فعلي أكثر مع مصالح المجتمع، بدلاً من صحافة تُعيد كالببغاء تكرار جانبي قضية.

  2. نرى صحافيين يكتشفون من جديد واقع مجتمعاتهم المحلية ويحطمون بعض المعتقدات القديمة التي تتكرر دون تغيير.

  3. نشهد أنواعاً عديدة من الابتكارات في مكاتب التحرير. صفحات جديدة، وظائف جديدة، معايير جديدة، بيانات للمهمّات جديدة، لغة جديدة. مثلاً، يطلب بيان المهمات لصحيفة "فرجينيان بايلوت" الصادرة في "نورفوك"، من مراسليها، الذين يغطون أخبار عاصمة الولاية، في ريتشموند، فيرجينيا، إعتبار أخبار حكومة الولاية والانتخابات المحلية بمثابة "عملية لحل المشاكل المدنية."

  4. أخيراً، أوجدت الصحافة المواطنية بيئة تُتيح لرؤساء التحرير القيام بمخاطرات جديدة.

لا أعتقد أن الصحافة المواطنية لديها كل الحلول للأمراض التي تشكو منها وسائل الإعلام. لكن يمكن أن ُيعزَى إليها جزء كبير من فضل التوصل إلى بعض العلاجات لها. نعتقد أيضاً، كما نصح القديس بولس في إحدى رسائله الرعوية، أن علينا "تجربة كافة الأشياء والتمسّك بقوة بكل ما هو جيّد منها."


لماذا تحتاج الديمقراطية إلى صحافة استقصائية

بقلم سيلفيو وايزبورد، مؤلف كتاب صحافة المراقبة في أميركا الجنوبية: أخبار، محاسبة، وديمقراطية

على الرغم من أن ضغوط إدارة الأعمال في وقتنا الحاضر، وإمكانيات رفع دعاوى مكلفة تؤدي إلى تردد شركات الأخبار في دعم القيام بتحقيقات صحافية استقصائية، لا زالت هذه التقارير تُشكّل قوة مؤثرة في الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية، وهي إحدى أهم مساهمات الصحافة في الديمقراطية.

وفي السبعينات من القرن الماضي لعب المراسلون أدواراً حاسمة في كشف ما أصبحت تعرف بأخطر فضيحة أميركية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. تابع الصحافيون في واشنطن قرائن خلّفتها عملية سرقة تافهة في مبنى للمكاتب في مبنى "ووترغيت". واصلوا تحرياتهم إلى أن أوصلتهم هذه التحريات إلى البيت الأبيض. دفعت التقارير الإخبارية المتعلقة بالسرقة الكونغرس الأميركي إلى بدء تحقيقات أدّت في نهاية الأمر إلى استقالة الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون من منصبه.

إعتُبر أداء الصحافة خلال قضية "ووترغيت" بمثابة مرآة عكست أفضل ما تستطيع الصحافة تقديمه إلى الديمقراطية: محاسبة المسؤولين في السلطة. وأصبح ما قامت به الصحافة اتجاهاً سائداً في مكاتب التحرير. نعمت مهنة الصحافة بمصداقية عالية خلال السنوات التي تلت ذلك، كما حصلت زيادة ملحوظة في عدد الطلاب الملتحقين بكليات الصحافة.

ولكن الوضع تغّير بعد إنقضاء ثلاثة عقود على هذا الإنجاز. لم تعد الصحافة الإستقصائية النجم الأكثر تألّقاً في سماء الأنباء الاميركية. وفي حين بقيت الصحافة تفخر بما قامت به خلال سنوات ما بعد ووترغيت، تنتشر حالياً موجة من التشاؤم حول أوضاع القطاع الصحافي في أميركا. أكد المراقبون إن التوسع في تركّز وسائل الإعلام في عدد قليل من الشركات الضخمة، والاتجاه إلى إدخال الإثارة في التغطيات الإخبارية، استنزفا النشاط الذي تتطلبه عمليات الإستقصاء في الميدان الصحافي. علاوةً على ذلك، تُعيق ضغوط إدارة الأعمال القيام نشاطات صحافية استقصائية. فمثل هذه النشاطات تتطلب تخصيص أوقات طويلة، وموارد بشرية ومالية كبيرة، ما قد يتعارض في أحيان كثيرة مع توقعات الربح وإمكانية التحكم بأكلاف الإنتاج. كما أن احتمال تسبب التقارير الإخبارية في دعاوى قضائية مُكلفة يُقلق شركات الأنباء حيال دعم عمليات الإستقصاء هذه.

لكن هذه العوامل لم تؤثر على عدد التقارير الاستقصائية التي تم إنتاجها خلال العقد الماضي. فقد نشرت صحف المدن الرئيسية عبر الولايات المتحدة تقارير كشفت عن حالات فساد، وظلم، وسوء إدارة بيئية. وتعرض في أحيان كثيرة شبكات شركات الأخبار التلفزيونية، كما المحطات المحلية، تقارير استقصائية تُركز اهتمامها، بصورة عامة، على مختلف أنواع خداع المستهلكين في مجالات كالرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، ورهونات المنازل.

ما هي الصحافة الإستقصائية؟

تتميز التقارير الإخبارية الإستقصائية في أنها تنشر معلومات حول السلوك الخاطئ الذي يَلحق الضرر بالمصلحة العامة. وتستند الاتهامات إلى معلومات المراسلين لا إلى المعلومات التي يتم تسريبها إلى مكاتب التحرير.

مع أن الصحافة الاستقصائية كانت تقوم على مراسلين يعملون بمفردهم، بدعم قليل، أو حتى دون دعم، من مؤسسات الأخبار التي يعملون فيها، فإن أمثلتها الأخيرة تبيّن ضرورة العمل كفريق في هذا المضمار. فمن الضروري أن تتوفر لدى المراسلين أشكال مختلفة من الخبرة تُمكّنهم من إعداد تقارير إخبارية مدعومة بالوثائق، وتشمل كل الوقائع. من الضروري في عمليات تقصي الحقائق العمل على تحقيق التعاون بين المراسلين، ورؤساء التحرير، والاختصاصيين القانونيين، والمحللين الإحصائيين، وأمناء المكتبات، والباحثين. إن الإلمام بأنظمة الحصول على المعلومات الرسمية يُعتبر أمراً حاسماً في معرفة نوعية المعلومات التي يمكن الوصول إليها بموجب قوانين "حرية الإعلام"، كما في إدراك المشاكل القانونية التي قد تنشأ عند نشر المعلومات المُضّرة. والوسائل التقنية الجديدة مفيدة جداً في عمليات البحث عن الحقائق وفي تعويد المراسلين على المصاعب التي قد يولّدها أي تقرير إخباري معين. بفضل إدخال الملفات الحكومية أنظمة الكومبيوتر، وتوفّر كميات استثنائية من المعلومات على الإنترنت، أصبحت تقنية إعداد التقارير بواسطة الكمبيوتر تؤمن مساعدة كبيرة في هذا المجال.

الديمقراطية والصحافة الاستقصائية

تتمتع الصحافة الاستقصائية بالأهمية نظراً لمساهماتها العديدة في تثبيت الحكم الديمقراطي. يمكن فهم تأثيرها من خلال نموذج السلطة الرابعة التي تتولاها الصحافة. وبحسب هذا النموذج، على الصحافة في هذه السلطة أن تحاسب الحكومة بنشرها المعلومات المتعلقة بالشؤون العامة، حتى ولو كانت هذه المعلومات تكشف تجاوزات أو جرائم ارتكبها من هم في السلطة. ومن هذا المنظور تُعتبر تقارير تقصي الحقائق من أهم المساهمات التي تقدمها الصحافة لتثبيت الديمقراطية، فهي ترتبط بمنطق الضوابط والتوازنات في الأنظمة الديمقراطية، وتوفّر آلية ثمينة لمراقبة أداء المؤسسات الديمقراطية التي تشمل، حسب المفهوم العام، الهيئات الحكومية، والمنظمات المدنية، والشركات المملوكة من القطاع العام.

يُثير الموقع المركزي لوسائل الإعلام في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة حساسية الشخصيات السياسية تجاه الأخبار، وبالأخص تجاه الأخبار "السيئة" التي تُسبب إستياء المواطنين في كثير من الأحيان. قد يؤدي نشر الأخبار حول التصرفات الخاطئة السياسية والاقتصادية إلى بدء تحقيقات من جانب الكونغرس، ومن جانب القضاء.

وفي الحالات التي تتقاعس فيها المؤسسات الحكومية عن متابعة التقصّي، أو عندما تحيط بهذه التحقيقات مشاكل وشكوك، فبإمكان الصحافة أن تساهم في محاسبة الحكومة من خلال مراقبتها لأداء المؤسسات المعيّنة. يمكن للصحافة أن تتحقق في ما تنفذه هذه المؤسسات من التكليف الدستوري الملقى على عاتقها وإذا ما كانت تحكم بصورة مسؤولة، خاصة بالنسبة لما يرد في تقارير إخبارية تكشف عن إختلالات الوظيفية، أوغش، أو تصرفات خاطئة في مجال الحكم أوالمجتمع. وفي الحد الأدنى، تحتفظ الصحافة الإستقصائية بسلطة تحديد برنامج عمل لها لتذكير المواطنين والشخصيات السياسية بوجود مسائل معينة عليهم معالجتها. رغم ذلك، ليس من المؤكد أن يقود إهتمام الصحافة المتواصل هذا إلى إجراء تحقيقات في الكونغرس والقضاء، للتحرّي عن، وملاحقة، المسؤولين عن التصرفات الخاطئة.

تساهم الصحافة الاستقصائية أيضا في تثبيت الديمقراطية من خلال زيادة إطلاع المواطنين ومعرفتهم. فالمعلومات مصدر حيوي لتذكير الشعب اليقظ بأنه يملك سلطة محاسبة الحكومة من خلال الانتخابات والمشاركة. ومع التطور المطرد للسياسات التي تُركّز على أهمية الوسائل الإعلامية في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة، قلّلت هذه الوسائل من أهمية المؤسسات الاجتماعية الأخرى، وبرزت كالمصدر الرئيسي للمعلومات المتعلقة بقضايا وأمور تؤثّر في حياة المواطنين.

إمكانية الاطلاع على الملفات الحكومية

إن إمكانية الإطلاع على الملفات الحكومية، إضافة إلى القوانين التي تكفل شفافية الممارسة للشأن العام، بحيث لا تجري جلسات الحكم إلاّ على شكل نقاش مفتوح، هما أمران أساسيان لعمل الصحافي في مجال تقصّي الحقائق. عندما يلوح في أخطار الرقابة المسبقة أو قوانين التشهير، تمتنع مؤسسات الأخبار عن بحث مواضيع مثيرة للجدل بسبب احتمال تعرضها لدعاوى قضائية مكلفة. وبغية تشجيعها على القيام بمهمتها، يتوجب على الأنظمة الديمقراطية توفير متطلبات معينة تسمح للصحافة الاستقصائية بممارسة عملها بفعالية، وتُمكّنها من الحصول على معلومات شاملة متنوعة.

أخلاقيات الصحافة الاستقصائية

يتابع كل فريق من المراسلين العاملين في تقصي الحقائق أحداث قصة مُعيّنة في ظروف مختلفة. لذلك، من الصعب وضع قواعد أخلاقية تناسب كافة الحالات، على الرغم من أن هناك معايير معينة أصبحت مقبولة بوجه عام من كافة وسائل الإعلام. لكن الاعتبارات القانونية لما يقوم به المراسلون هي أكثر وضوحاً بكثير مما هي الاعتبارات الأخلاقية لمهنة الصحافة. فأخلاقيات الصحافة تتعلق بكيفية التمييز بين الخير والشر استناداً إلى مبادئ فلسفية تُستعمل لتبرير مسار معين للسلوك. يعتمد الحكم على مدى أخلاقية أي قرار على الإطار الأخلاقي الذي استُعمل لتبريره، وعلى القيم التي اعتُمدت في هذا المجال. إن ما يحتاج الصحافيون ورؤساء التحرير إلى تقريره في النهاية هو تحديد من الذي سوف يستفيد من نشر هذه التقارير.

إذا كانت الصحافة ملتزمة المحاسبة الديمقراطية للمسؤولين، يصبح السؤال الواجب طرحه هو ما إذا كان الشعب سوف يستفيد من نشر التحقيقات الصحافية. مصلحة من تخدم الصحافة الاستقصائية عند نشرها قصة إخبارية معينة؟ هل تفي الصحافة بمسؤوليتها الاجتماعية في الكشف عن التصرفات الخاطئة؟ ومصالح من تتأثر؟ وحقوق من تُنتهك؟ هل تهم المسألة الصالح العام المشروع؟ وهل تم انتهاك حق الخصوصية الفردية دون وجود قضية عامة خطيرة تستأهل ذلك؟

تركزت معظم المناقشات حول أخلاقيات الصحافة الاستقصائية على المنهجية، أي، هل هناك أي أسلوب صالح للكشف عن التصرفات الخاطئة؟ هل يُعتبر اللجوء إلى الخداع شرعياً عندما يهدف الصحافيون إلى قول الحقيقة؟ هل يمكن تبرير اللجوء إلى أسلوب معيّن إذا كانت ظروف العمل وصعوبات الحصول على المعلومات تستدعي ذلك؟ هل يُسمح لمراسلي التلفزيون باستعمال آلات تصوير مخبّئة بغية إعداد قصة إخبارية؟ هل يجوز للصحافيين استعمال هويات مزيفة من أجل الوصول إلى معلومات؟

يبرز، بالنسبة إلى هذه النقطة، عامل مهم يجب أخذه في عين الاعتبار، وهو أن الشعب يبدو أقل رغبة من الصحافيين في قبول أي سلوك كان للكشف عن التصرفات الخاطئة. فقد أظهرت إستطلاعات الرأي أن الناس ينظرون بعين الريبة إلى عمليات إنتهاك الخصوصية مهما كانت أهمية أي قصة إخبارية لهم. ويبدو أن الناس، على العموم، أقل ميلاً للموافقة على حق استخدام الصحافيين لأي منهج كان بغية الحصول على قصة إخبارية. يَظهر هذا الموقف بوضوح كبير في دول عديدة حين تهبط مصداقية الصحافة إلى أدنى درجة لها. على الصحافة أن تكون موضع ثقة في أعين الناس، لأن ذلك هو رأسمالها الرئيسي. لكنها في حالات كثيرة تُدمِّر هذه الثقة بسبب تصرفاتها. لذلك، من الأمور المهم جداً أخذها بعين الاعتبار هو أن المواطنين يعتقدون، بوجه عام، أن الصحافيين يحصلون على أي قصة إخبارية بأي ثمن كان. كما أن التقارير التي تَعتمد طُرقاً مشكوكاً بسلامتها للحصول على معلومات قد تنال من مصداقية التقارير الإخبارية لاحقاً، وتُضعف الموقف الشعبي تجاهها، كما تجاه الصحافيين.

لا تقتصر القضايا الأخلاقية على أساليب الحصول على المعلومات. فالفساد يشكل أيضاً قضية أخلاقية مهمة أخرى في التحقيقات الصحافية. يشمل الفساد أشكالاً متنوعة من الممارسات تُراوح بين قبول الصحافيين للرشاوى، أو امتناعهم عن نشر تقارير معيّنة، أو دفعهم أموالاً لمصادر المعلومات. يجب أيضاً إعتبار الضرر الذي قد يَلحق بالمواطنين نتيجة ما يرد في التقارير الصحافية. تحتل الصدارة عادة المسائل المتعلقة بالخصوصية لأن صحافة الإستقصاء تسير في أحيان كثيرة على الخط الرفيع الذي يفصل بين حق الخصوصية وحق المعرفة للناس. ويفترض عادة أن اعتبارات الخصوصية تنطبق على المواطنين العاديين بصورة تختلف عن تطبيقها على الشخصيات العامة.

لا توجد حلول جاهزة سهلة للقضايا الأخلاقية. لا تُقدِّم القواعد الأخلاقية، رغم بعض حسناتها، حلولاً حاسمة يمكن تطبيقها في كافة الحالات. يوافق معظم المحللين على الرأي القائل إن على الصحافيين أن يكونوا متحسسين لمسائل مهمة كالعدالة، والتوازن، والدقة. يجب أن يطرح المراسلون على أنفسهم باستمرار أسئلة أخلاقية خلال المراحل المختلفة لتحقيقاتهم، وأن يكونوا مستعدين لتبرير قراراتهم لرؤساء التحرير، ولزملائهم، ولعامة الناس. عليهم أن يتحسسوا المصالح التي سوف تتأثر من تحقيقاتهم وأن يعملوا على أساس معايير مهنية معيّنة.

الصحافة الاستقصائية في أميركا اللاتينية

توفّر أميركا اللاتينية المعاصرة تشكيلة متنوعة من الأمثلة التي تثبت بأن الديمقراطية بحاجة إلى صحافة إستقصائية، وتبيّن كيف تساهم هذه الأخيرة في تثبيت الحكم الديمقراطي. اكتسبت هذه الصحافة قوة استثنائية في كافة دول المنطقة نتيجة ترسيخ المبادئ الديمقراطية فيها خلال العقدين الأخيرين. فبعد أن كانت عمليات تقصي الحقائق تقتصر في الماضي على المنشورات الهامشية والحِزبية، حصلت مؤخراً على قبول وإهتمام الصحافة التقليدية. هناك أسباب كثيرة لتوكيد أهمية الصحافة الاستقصائية، لا سيما رسوخ الأنظمة الديمقراطية، والتحولات الكبيرة في اقتصاديات وسائل الإعلام، ووجود منشورات ملتزمة كشف التجاوزات في مجالات معيّنة، والمواجهات بين بعض مؤسسات الأنباء وبعض الإدارات الحكومية.

وكما يحدث في مناطق أخرى من العالم، تتمثل القيمة الرئيسية للصحافة الإستقصائية في دول أميركا اللاتينية الديمقراطية بمساهمتها في توسيع مجالات محاسبة المسؤولين السياسيين. وهذا أمر هام جداً، باعتبار أن ضعف آليات محاسبة المسؤولين السياسيين يُمثّل أحد أخطر المشاكل التي تواجهها الحكومات الديمقراطية في المنطقة. إن كسل ولامبالاة المؤسسات، وعدم فعاليتها، وعدم إستجابتها للإحتياجات الشرعية للمواطنين هو من أهم نقاط ضعف الحكومات هذه. إن وجود مؤسسات صحافية ملتزمة إعداد ونشر تحقيقات صحافية أصبح أمراً فائق الأهمية. حتى عند عدم قيام مؤسسات أخرى بمتابعة مواضيع التحقيقات وإجراء تحريات خاصة بها، كانت الصحافة تُبقي اتهامات السلوك غير القانوني، أو غير الأخلاقي، حيّة. وفي بعض الحالات، أجبرت الصحافة الهيئات التشريعية والقضائية في نهاية الأمر على إجراء تحقيقات في هذه الاتهامات.

تملك الصحافة الاستقصائية قدرة لا تضاهى على ربط مسؤولين بجرائم معينة، لكنها قد تخلق أيضاً إحساساً خاطئاً لدى الناس بأن هناك دوماً تصرفات خاطئة. إنها سيف ذو حدين. فنشر التقارير حول التصرفات الخاطئة يوجّه انتباه الناس إلى جرائم مُفترضة، ولكنه قد يقود أيضاً إلى صدور أحكام متسرعة حول مسؤولية المعنيين دون اللجوء إلى مؤسسات أُنشئت دستورياً لإجراء التحقيقات وإصدار الأحكام القانونية. وهنا تكون المسؤولية الأخلاقية من جديد مهمة للغاية: يمكن أن يؤدي نشر الصحف لاتهامات غير مدعومة بأدلة دامغة إلى نتائج مدمّرة لسمعة أفراد ومؤسسات.

شكّل الفساد في الدوائر الحكومية نقطة الاهتمام المركزية في التحقيقات الصحافية في دول أميركا اللاتينية الديمقراطية. وهناك مواضيع أخرى (مثلاً، الفساد في الشركات وممارسات العمل غير القانونية) جذبت إهتماماً أقل بكثير. تبيّن من خلال استطلاعات عديدة أجريت لآراء المواطنين أن موضوع الفساد كان باستمرار بين أعلى ثلاثة إهتمامات رئيسية لسكان المنطقة بكاملها. وقد يوحي ذلك بأن الصحافة الإستقصائية هي التي أثّرت في تحويل تصرف الحكومة الخاطئ إلى قضية ذات أولوية.

يوحي هذا الوضع في دول أميركا اللاتينية إذن بأن وجود هذه الصحافة هو أمر مهم بحد ذاته. وأن نطاق وتوازن التحقيقات الصحافية أمران تنبغي مراعاتهما. فالصحافة توجّه إهتمام المواطنين والهيئات التشريعية إلى قضايا محددة. وهناك مجالات عديدة اجتماعية وحكومية بحاجة إلى الاهتمام في الدول الديمقراطية المعاصرة. وتكون الصحافة الاستقصائية أكثر فعالية عندما تشمل تحقيقاتها شبكة واسعة ومتنوعة من القضايا.

يعمل "سيلفيو وايسبورد" أستاذاً مساعداً في كلية الصحافة ووسائل الإعلام في جامعة راتغرز، وفي جامعة ولاية نيوجيرسي.


رحلة عبر "حقل الألغام الأخلاقية"

بقلم "تران ها، مراسلة صحافية تعمل في معهد "بوينتر"

تكتشف مراسلة تعمل في مجال تقصي الحقائق حالات سوء معاملة أطفال، لكنها تواجه انتقادات أخلاقية لعدم تصرفها بسرعة من أجل تحسين حياتهم.

القصة: حياة أطفال يعيشون مع والدين مدمنين تعاطي الكحول.

الغرض: استعمال بعض تجارب الأطفال لسرد قصتهم للآخرين ولتوجيه الانتباه إلى مشكلة تعم البلاد بأجملها.

المأزق: أثناء إعدادها التقرير الإخباري، وجدت المراسلة أن الأطفال مُهمَلون، وسيئو التغذية، ويعاملون بطريقة مُشينة.

لو كنت مراسلاً صحافياً ماذا كنت لتفعل؟

كان هذا السيناريو في ذهن الصحافيين بعد حلقة مناقشة حول الأخلاق عُقدت في معهد بوينتر، وهو معهد لتدريس الصحافة لا يتوخى الربح. كان محور القضية المطروحة للبحث مقالة بعنوان "أيتام الإدمان"، وهي من جزئين تضمنّت سرداً مفصلاً لحياة أطفال مع والدين مُدمنين تعاطي المخدرات والكحول. نشرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" المقالة في جزئيها قبل أكثر من سنتين، فأثارت دواعي قلق عبر البلاد حول حياة الأطفال الذي شملتهم الدراسة.

من دواعي القلق التي برزت خلال المناقشة مسألة ما إذا كان الأطفال قد تُرِكوا في وضع يُعرضهم للخطر لمدة أطول مما يجب.

وكانت المراسلة الصحافية "سونيا نازارو"، محررة الشؤون المدينة في صحيفة التايمز، قد أمضت مدة خمسة أشهر في كتابة التقرير حول هؤلاء الأطفال، ومدة شهرين في إعداد القصة للنشر. فما كان الواجب عمله خلال هذه الفترة الزمنية لتخفيف الأذى اللاحق بهؤلاء الأطفال؟

يقول "تيرنس أوليفر"، المدير الفني في صحيفة "أكرون بيكون جورنال"، إنه يعتقد بأن نازاريو لم تكن بحاجة لقضاء خمسة أشهر في كتابة تقريرها وإعداد القصة للنشر حول الأطفال. "أعتقد أن الطاقة اللازمة كانت متوفرة. كان موضوع القضية بذاته قوياً. فهل كانت تحتاج إلى كل هذه الذخيرة؟"

يعرف أوليفر، الذي تبنّى طفلاً لإنقاذه من وضع مماثل لوضع أطفال القصة، الندوب الجسدية والعاطفية التي يخلّفها الإهمال وسوء المعاملة هذه.

وردد صحافيون آخرون أصداء القلق الذي أبداه أوليفر حول طول الفترة الزمنية التي استغرقها نشر القصة. فقال "مايك وندلاند"، الزميل في معهد بوينتر "اعتقد أن التحقيق كان قطعة ممتازة من العمل الصحافي، لكن إستغراق إعداده لهذا الوقت الطويل أمر غير مقبول".

وفي إستدراك مؤخر، قالت نازاريو "ان الوقت الذي أمضيته في كتابة جزئي التحقيق شكّل أحد أكثر الانتقادات المحقة التي وُجِّهت إليَّ. أعتقد انه من المهم إن كان عليك كتابة قصة مشابهة أن تعمل المستحيل لإنهاء كتابتها بسرعة معقولة."

أما حسب رأي "لوري نيكوسلكي" رئيسة التحرير المشاركة لصحيفة "ذي جورنال نيوز" الصادرة في "وايت بلاينز" في نيويورك، فإن الدرس الأكبر الذي برز من خلال المناقشات كان أهمية إتخاذ القرار الأخلاقي في أول الأمر.

وقالت نيكولسكي "كان يجب على الصحيفة، وكان بإمكانها ذلك، أن تكون أكثر إستعداداً لمواجهة ردود الفعل التي كانت متوقعة. شعرت بأن المراسلة تُركت دون توجيه خلال العملية، وأعتقد أنها كانت بحاجة إلى دعم أكبر من رؤساء التحرير منذ البداية."

قالت نازاريو إنها توافق ذلك وتعتقد انه لا يجري، على وجه العموم، نقاش كافٍ للناحية الأخلاقية بين المراسلين ورؤساء التحرير. "لا أعتقد أن المحررين يجرون نقاشاً كهذا في أحيان كثيرة، كما لا أعتقد أن المراسلين يجرونه أحياناً كثيرة. فلو ناقشت القصة بصورة أشمل منذ البداية، لأنقذني ذلك من بعض الانتقادات. لا أعتقد انه كان سينقذني من جميع الانتقادات، بل من بعضها."

إن أهم ما علينا تذكّره هو أن نازاريو استطاعت العثور على هؤلاء الأطفال، بينما كان على مؤسسات رعاية الأطفال إن تعثر عليهم، كما قالت تينا عز الدين، المراسلة المتخصصة بتقصي الحقائق وتعمل في محطة التلفزيون WBNS-TV في كولومبوس، ولاية أوهايو. فقالت عزالدين "إن قصصاً كهذه، تأسر فكر المجتمع لندرتها، يجب سردها. أعتقد أن أسوأ ما يمكن لنا أن نعمله كصحافيين هو عدم نشر قصص كهذه خوفاً من الدعاية السلبية."

قالت نازاريو: "من المستحيل كتابة بعض هذه القصص دون إحداث بعض الأذى. فالمسألة تتوقف على مدى ما تشاهده، وإيجاد التوازن بين الذي تراه والنتائج الحسنة التي يمكن لما تشاهده أن تأتي بها إذا تم نشر ذلك الذي يجري."

كان هذا بمثابة تذكير بأن العمل الصحافي العظيم، في بعض الأحيان، لا ينتهي نهاية مريحة. قال "آل تومبكنز"، رئيس فريق الإذاعة في معهد بوينتر: "يَكمن قدر كبير من قوة القصة في أنها لم تُحَلّ بصورة ملائمة". وقالت نيكولسكي: "اعتقدت أن هذه القصة كانت، في نهاية الأمر، تقريراً صحفياً جيداً جداً، وقد وفت المراسلة الصحافية الموضوع حقه، كما خدمت أولئك المرتبطين به، علاوة على خدمة عامة الناس". وأضافت "أعتقد أنه، في أحيان كثيرة عند متابعة قضايا متعلقة بالأطفال من المحتمل أن يضيع الطفل المعني، أو أن يصبح فقط شيئاً تُعَلّق عليه القضية. لكن أعادت سونيا هؤلاء الأطفال إلى الحياة."


فهم حراس مراقبة وسائل الإعلام

بقلم الدكتورة فيرجينيا وايتهاوس، أستاذة مساعدة لعلوم الاتصالات في كلية "وايت وورك" في سبوكين، بولاية واشنطن

تعتمد مجموعات المراقبة التي تشرف على القرارات والممارسات الأخلاقية للصحافيين ومؤسسات وسائل الإعلام، في أحيان كثيرة، قِيَما وأجندات خاصة بها، وهذا يستوجب التقييم لفهم الإنتقادات التي توجهها.

مقدمة: تطوّر دور الصحافة في النظام الديمقراطي الاميركي ليشمل مهمتها كحارس مراقبة على أعمال الحكومة، وهذا يعني أن من المفروض على الصحافيين تقصي الحقائق عندما ينتهك المسؤولون المنتخبون حقوق وحريات الشعب.

ذكرت جين إي كيرتلي، أستاذة مادة الأخلاق في وسائل الإعلام والقانون في جامعة منيسوتا، في مقالة نُشرت في عدد تشرين الأول/أكتوبر من مجلة "كولومبيا جورناليزم ريفيو": "بالنسبة إلى الصحافيين، من البديهي أن على التحقيقات الصحافية تزويد الناس بالمعلومات، وكشف الفساد، وتصحيح الأخطاء".

رغم ذلك، يتعرّض الصحافيون الأميركيون بصورة روتينية إلى الانتقاد العنيف لقيامهم بمهماتهم بطريقة قد تتسبّب بأذى يفوق ما ينتج عنها من فائدة. وإذا كان المطلوب أن يكون الصحافيون حراس مراقبة، فمن يُراقب المُراقب؟ هناك متطوعون كُثُر لوظيفة مراقبة وسائل الإعلام. لكن ينبغي تقييم دوافع وإنحيازات هؤلاء المراقبين لفهم وتحليل إنتقاداتهم.

تعود حرية الصحافة في الولايات المتحدة لمن يملك الصحيفة (أو محطة التلفزيون أو المجلة أو الرسالة الإخبارية). تميل بعض وسائل الإعلام على مستوى عموم البلاد، بما في ذلك الصحف الرئيسية وشبكات البث الكابلي ومحطات الأخبار، إلى جعل الموضوعية أو العدالة هي القيمة النهائية للأخبار، لأن ذلك هو ما يتوقعه مشاهدوهم أو مستمعوهم. تتّبع المجلات أو النشرات الإخبارية، وغير ذلك من الوسائل الإعلامية، قيماً متعددة لنشر الأخبار، منها تأييد رأي ما، كحقوق الإنسان أو القيم العائلية، أو تشجيع صناعة معينة، كصناعة الأزياء أو السيارات. ويُقرر مالك وسيلة الإعلام ما يجب أن تكون عليه قيم الأنباء هذه.

إن الذين ينتقدون وسائل الإعلام لهم قِيَم وبرامج عمل خاصة بهم. ومعرفة القارئ لهذه القيم تساعده على فهم وجهات النظر والتفسيرات وحتى الشروحات التي يعتمدها المنتقد في تحليل عمل وسائل الإعلام. قد يكون بعض أشرس االمنتقدين هم ممن يعملون في مهنة الصحافة، وربما كانوا الأكثر إدراكاً لأخلاقيات القرارات وممارسات زملائهم، ولكنهم، قد يبنون انتقادهم على القِيَم التي يعكسها قطاع الإعلام.

مجموعات مراقبة من خارج قطاع الإعلام

تستطيع عناوين المقالات وبيانات المهمات توفير بعض الدلائل على ماهية برنامج العمل السياسي لمجموعات مراقبة وسائل الإعلام، حتى لو كان اسم المجموعة يشير إلى كونها محايدة. فمثلا، يبدو إسم "مركز أبحاث وسائل الإعلام" محايداً، لكن هذا المركز يشرح بوضوح في بيان مهمته أنه غير محايد. أوضح قسم الأخبار في مركز أبحاث وسائل الإعلام أنه منذ عام 1987، "يعمل من أجل تأمين توازن سياسي في وسائل الأخبار في البلاد من خلال التوثيق ومواجهة الإنحياز الليبرالي في النشرات الإخبارية لشبكات التلفزيون وفي الصحف الرئيسية". يقول هذا المركز، الذي يقع مكتبه الرئيسي في نيويورك، إنه "الأكبر والأكثر إحتراماً بين المؤسسات المحافظة في البلاد التي تقوم بمراقبة وسائل الإعلام". يَظهر معلّقون يعملون في هذا المركز بصورة روتينية في برامج أخبار شبكات التلفزيون، والتلفزيون الكابلي لانتقاد وسائل الإعلام، كما أنهم يناصرون، توجهات محافظة بوضوح. تشمل بعض العناوين الرئيسية لهذه البرامج مثل: "20 سنة من حياكة القصص الليبرالية الكاذبة يسردها غونغادن"، و"شخصيات رمزية تتحدث هراءً حول التخفيضات الضريبية." (راجع فقرة "التحقق من حقيقة وسائل الإعلام").

تُركّز مجموعات أخرى من حراس المراقبة على انتقاد الثروات المتعاظمة والنفوذ المتزايد لتجمعات الشركات المساهمة. مرة أخرى، تُشير أسماؤها إلى الحياد، لكن برامج عملها مبيّنة بوضوح. تقول مجموعة "قناة وسائل الإعلام" في بيان مهمتها: "نعيش، وأكثر منا في أي وقت مضى، في عصر وسائل الإعلام وفي عالم هذه الوسائل. فهناك تسع شركات عالمية عملاقة تعمل في عدد من البلدان تسيطر على وسائل الإعلام العالمية؛ كما أن صفقات ببلايين الدولارات تزيد من تركيز قوتها. علاوة على ذلك، فإننا نعيش في ثورة تكنولوجية. إن حيوية خطابنا السياسي والثقافي تعتمد على وجود وسائل إعلام حرة ومتنوعة تؤمن وصول كل فرد إلى هذا الخطاب."

تسعى مجموعة "العدالة والدقة في التقارير الصحافية" إلى كشف أدلة عن قيام أصحاب شركات الإعلام بالرقابة على الأخبار، وانحياز هذه الشركات العام، وغياب التنّوع في تغطية الأنباء. أكدت مقالة لهذه المجموعة، نُشرت في 8 آذار/مارس 2001، أن البرنامج التلفزيوني لقناة آي بي سي الذي يحمل عنوان "الأخبار العالمية هذه الليلة" عَرَض وجهات نظر وتفسيرات شركات إنتاج الأدوية ومناصريها، دون غيرها، في قصة إخبارية تحدثت عن براءات إنتاج أدوية مكافحة مرض الإيدز في إفريقيا.

قد تكون المعلومات التي تُزوّدها مجموعات المراقبة هذه، والتحاليل التي تُقدّمها، مفيدة لمعرفة كيفية التغطية الإعلامية، لكن ينبغي تحذير القراء من الإدّعاءات والإنحيازات الكامنة وراء إنتقاء التقارير وإنتقادها.

الإنتقاد من داخل قطاع وسائل الإعلام

تعمل المنشورات الإنتقادية للصحافة حراس مراقبة لوسائل الإعلام داخل قطاع الإعلام. يُحرر هذه المنشورات، بصورة أولية، مهنيّون في وسائل الإعلام لفائدة مهنيّي الإعلام أنفسهم، وهي تتواجد في الجامعات ولا تدّعي بأن لها وجهة نظر خاصة حول الأخبار أو برامج عمل محددة تدعو إلى تعديل الأخبار. يعتقد مدير التحرير التنفيذي مايك هويت ان منشورته "كولومبيا جورناليزم ريفيو" تساعد الصحافيين في تأدية عمل صعب بشكل أفضل.

قال "هويت" في مقابلة صحافية: "الصحافة هي أوكسجين الديمقراطية في هذه البلاد، ويصبح عمل المجتمع جيداً بقدر ما تكون الصحافة ساهرة. نرى عملنا على أنه مشجع ومُلهم للصحافة لكي تؤدي عملها المهم بصورة جيدة."

في السنة الماضية، أجرت منشورة كولومبيا هذه تحقيقات ونشرت تقارير حول كمية الأخبار المنتجة في مدينة نيويورك والتي تخص عموم البلاد. وهذا ما أعطى هذه الأخبار الخاصة بكل أنحاء البلاد وجهة نظر نيويوركية بالكامل. ونشرت أيضاً تقارير حول إستخدام جماعات الضغط من قبل رؤساء شركات الإعلام للحصول على النفوذ في واشنطن، إضافة إلى تحقيقات حول الأساليب التي يتبعها المحامون للتأثير على قرارات رؤساء التحرير.

كانت المنشورة المذكورة هي المجلة الإنتقادية الوحيدة من نوعها لوسائل الإعلام على المستوى القومي، عندما أسسها خريجو كلية الصحافة في جامعة كولومبيا. أما الآن فهناك منشورات قومية أخرى منها "أميركان جورناليزم ريفيو" التي تنشرها مؤسسة جامعة ميريلاند، إضافة إلى منشورات محلية مثل "سانت لويس جورناليزم ريفيو"، التي احتفلت مؤخراً بعيد ميلادها الثلاثين في جامعة "ويبستر".

يقدم المعلقون في هذه المنشورات وجهات نظر وتفسيرات في العمق تعكس القيم الأساسية لصناعة الإعلام التقليدية، أي الحماية التي يؤمنها التعديل الأول للدستور، الصدق والدقة، ونشر تقارير متوازنة. ومن المحتمل أن يتقّبل مهنيو وسائل الإعلام في الولايات المتحدة الانتقاد الموجه إليهم من منشورة انتقادية للصحافة، أكثر مما يتقبلونه من مجموعات لمراقبة وسائل الإعلام لها برامج عمل سياسية. ويفسّر "هويت" ذلك بالقول أن هذه المنشورات تُقدم وجهة نظر "خارجية" من عاملين "داخل" صناعة الإعلام نفسها.

ويقول هويت: "من السهل جداً مهاجمة الناس. نريد أن نكون صارمين، لكننا نريد أيضاً تفهّم موقف الصحافي. لكن هناك كميات هائلة من الانتقادات. لكن هناك ميلاً إلى سد الأذنين ما لم تكن الانتقادات جيدة الإعداد وتأتي من جماعتك."

إنتقادات من مجالس الأخبار

حاول العديد من الصحافيين والمؤسسات الصحافية، أو أنهم على الأقل فكّروا في، إنشاء مجالس أخبار للتحكيم في نزاعات تقع بين صحافيين وأولئك الذين يغطّون أخبارهم. استمر المجلس الوطني للأخبار، الذي تأسس وفق نمط مثيله الإنكليزي، المجلس البريطاني للأخبار، في العمل لمدة تزيد قليلاً عن عشر سنوات وأُغلق مكاتبه عام 1984. من جهة أخرى، استمر يعمل بنجاح مجلس منيسوتا للأخبار ، منذ تأسيسه عام 1971. في سياق معالجتهم للنزاعات، يحاول أعضاء هذه المجالس، أولا، الجمع، بقصد الحوار، بين مدراء شركات الأنباء وبين الذين يدّعون بأنهم تضرروا من التقارير الإخبارية المنشورة في الوسائل الإعلامية. في أحيان كثيرة، تتوصل هذه المناقشات إلى حل النزاع القائم. وفي النهاية، تطلب نسبة تقل عن 8 بالمئة فقط، من مقدمي هذه الشكاوى، عقد جلسة إضافية لسماع أقوال الطرفين أمام مجلس مؤلف من 12 عضواً يضم ستة صحافيين وستة أشخاص من عموم المواطنين.

أصدر مجلس منيسوتا للأخبار أكثر من مئة حكم منذ إنشائه. لكن هذا يعني أن كل ما قام به المجلس هو إصدار قرار علني حول أخلاقية العمل الذي قام به الصحافي أو مؤسسة الأخبار بالنسبة إلى موضوع الشكوى، إذ لا يملك المجلس أي سلطة أخرى.

كتب بوب شو، أحد مؤسسي هذا المجلس، على موقع المجلس على الإنترنت: "لاحظنا انه عندما يراجع أفراد من الشعب ما نقوم به، يزداد في النهاية احترامهم لوسيلة الإعلام. إذ يتأكدون أن مجلسنا المكوّن من عدد مماثل من وسائل الإعلام ومن عامة الناس ليس خدعة بارعة من الخدع التي يلجأ إليها المسؤولون عن العلاقات العامة، بل هي ممارسة فعلية لمفهوم العدالة الأساسي."

ومن جهة أخرى، تُثير مجالس الأخبار عدداً من التناقضات. يعتقد البعض أن تشكيل مثل هذه المجالس يُهدد الحريات المنصوص عنها في التعديل الأول للدستور بسبب جعلها المعايير الصحافية متماثلة مركزياً. أما البعض الآخر فيريد تجنّب تفسير دوافع زملائهم من الصحافيين. لم تشارك مطلقاً في أعمال المجلس لا شركة التلفزيون KSTP-TV في مينيابوليس ولا شركتها الأم "هوبارد برود كاستنغ".

في عام 1996، أدلى ستانلي هوبارد، المدير التنفيذي الرئيسي للشركة بتصريح لصحيفة "مينابوليس ستار تريبيون"، قال فيه: "إذا شعر أحدهم أننا قمنا بعمل خاطئ عليه إما التحدث إلينا مباشرة أو اللجوء إلى المحاكم. لا أريد ان أجد نفسي جالساً أمام أعضاء هيئة من المحكّمين يُصدرون الأحكام على قراراتنا."

واجهت مجالس أخرى انتقادات مماثلة. إتُّهم مجلس واشنطن للأنباء والذي يقع مركزه الرئيسي في سياتل، بأنه لم يكن أكثر من هيئة مكونة من أشخاص منشغلين بأمور أخرى، ومعيّنين ذاتيا، يسعون إلى توجيه ضربات عنيفة الى وسائل الإعلام. وتَعَرَّض هذا المجلس أيضاً إلى اتهامات لقبوله تبرعاً من مؤسسة "بيل ومليندا غايتس"، وهي المؤسسة الخيرية التي يديرها مؤسس شركة "مايكروسوفت" وزوجته، ما أوجد تضارب مصالح حقيقياً ومأزقاً أخلاقياً داخل مجموعة تشكّلت في الأساس لمعالجة أخلاقيات وسائل الإعلام.

رغم دواعي القلق هذه، تُوفّر مجالس الأخبار فرصة يحتاج إليها الشعب كثيراً كي يتفاعل مع، ويُوَجِّه الإنتقادات إلى، وسائل الإعلام. تقول جنيفا أوفرهولزر، المُحققة السابقة في شكاوى القرّاء لدى صحيفة "واشنطن بوست" والأستاذة حالياً في جامعة ميزوري، في مقالة نشرتها مجلة "كولومبيا جورناليزم ريفيو" في عددها الصادر في شباط/فبراير الماضي: "لا يجوز لنا عدم اغتنام أي فرصة لائقة لمحاسبة أنفسنا، ومساعدة الناس على إدراك لما نفعله للمحافظة على مبادئنا، والتأكد من صحة معلوماتنا."

إنتقادات من المؤسسات المهنية

تُساعد المؤسسات المهنية الصحافيين على تحسين مهاراتهم وتقديم شكاوى قانونية، عندما تتعرض للخطر حقوقهم المنصوص عليها في التعديل الأول للدستور. امتدحت "جمعية مدراء الأخبار المحطات التلفزيونية والإذاعية" علناً قرار محكمة الإستئناف الأميركية الذي سمح بالنقل الحيّ لجلسات المناقشة العلنية في قضية "الولايات المتحدة ضد مايكروسوفت". يُهاجم المسؤولون في "جمعية الصحافيين المحترفين" بانتظام تدخل الحكومة في العمل اليومي للصحافيين. وتُظهر بوضوح الأهمية التي توليها هذه المؤسسات للحرية الصحافية في إنتقاداتها، ومديحها، وحتى في الدعم المالي الذي تقدمه (لهذه الغاية).

من الممكن لهذه المؤسسات أن تُرسي قواعد أخلاقية تساعد الصحافيين على ممارسة مهنتهم. وفي حال إنتهاك الصحافيين لهذه القواعد يُمكن لهذه المؤسسات التنديد بالإنتهاكات. إتّهمت لجنة الأخلاقيات في "جمعية الصحافيين المحترفين" وكالات الأنباء "فوكس"، و"اي بي سي" ، و"سي بي اس" و"أن بي سي"، و"سي أن أن "، و"الأسوشييتد برس"، بانتهاك قواعد الجمعية الأخلاقية من حيث أنها لا تعمل "باستقلالية كاملة". فقد كانت قد تعاقدت كافة وكالات الأنباء الرئيسية هذه مع وكالة "فوترز نيوز سرفيس" للحصول على نتائج الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2000، وثم اعتمدت على تقرير تلك الوكالة غير الدقيق الذي أكد أن نائب الرئيس أل غور فاز بأصوات الهيئة الانتخابية لولاية فلوريدا (أنظر البيان الصحافي لجمعية الصحافيين المحترفين). يفترض هذا الاتهام أن من واجب مؤسسات الأخبار ان تبحث عن المعلومات بصورة مستقلة وأن تدقق بصحتها، بدلاً من الاعتماد على خدمات تم التعاقد على تزويدها. إن قيمة العمل المستقل توفر أساساً لتحدي تقديرات الصحافيين.

إلاّ أن التحريات والإدانات المباشرة لتقارير صحيفة غير ملائمة، تصدر عن مؤسسات إعلامية لها إطلاعات "داخلية" على الأمور، هي نادرة الوجود. فقد كتب سيدني إيتش شانبرغ، الصحافي الحائز على جائزة بوليتزر، في مقال افتتاحي نشر في صحيفة واشنطن بوست: "لو حدث هذا (أي الممارسة المهنية السيئة) في أي مهنة أخرى، أو في أي مركز للسلطة في أميركا، لسارعت الوسائل الاعلامية إلى التنديد بها، ولسلطت الأضواء الكاشفة على المؤسسة المخالفة. عندما ينتهك المدافعون عن القانون القواعد الأخلاقية، وعندما تخدع شركات الأسهم في "وول ستريت" زبائنها، أو عندما تمتنع شركات الرعاية الصحية عن تقديم العناية اللازمة للمرضى، نعتبر نحن الصحافيون ان ذلك يشكل موضوعاً إخبارياً، وننشره في الصفحة الأولى، في أحيان كثيرة. لكن عندما تكون مهنتنا هي المذنبة نعاملها بلطف". ويضيف شانبرغ: "لا توجد صحيفة تتحمس للإعتراف بمساوئها هي، أو لتشويه سمعة أقرانها (الذين قد يردّون لها الجميل). فلدى الكل غسيل قذر."

يعتقد الشعب الأميركي، حسبما جاء في دراسات أجرتها الجمعية الأميركية لمحرري الصحف، أن وسائل الإعلام لا تنتقد ذاتها بدرجة كافية، ولا تظهر، باستمرار، احتراماً للمجتمعات التي تدّعي انها تخدمها.

تجاوباً مع مضمون هذه الدراسة، اعتمدت لجنة المحررين الاداريين في وكالة الاسوشييتد برس أسلوباً مختلفاً لتشجيع الانتقاد. دعت اللجنة قراء الوكالة، والذين تأثروا بأنبائها بصورة مباشرة، الى طاولة مستديرة للتباحث مع محرري الصحف المحلية والناشرين. ورعت اللجنة، بدعم من مؤسسة فورد، عقد جلسات لبحث مدى المصداقية الصحافية في مكاتب تحرير الانباء في كافة الولايات الخمسين، حسب ما ذكرته المحررة الإدارية ومنسقة المشاريع في صحيفة "بيرمنغهام نيوز"، كارول نونيللي. تسمح جلسات النقاش هذه بتوجيه إنتقادات خارجية الى داخل مكاتب تحرير الأنباء نفسها.

عقدت صحيفة "سبوكسمان ريفيو" في سبوكين، بولاية واشنطن، اجتماع الطاولة المستديرة في كانون الثاني/يناير 2001. وكان هذا هو الاجتماع الأول من سلسلة إجتماعات. تباحث أعضاء مجالس بلدية ووكلاء بيع عقارات، وأكاديميون، وأعضاء ناشطون في المجتمع لمدة ساعتين مع رؤساء تحرير ومراسلي الصحف. بحث المجتمعون مسائل تتعلق باحتمال وجود تضارب مصالح في مسألة إنشاء عائلة أحد ناشري صحيفة لمركز تسوّق ومرآب للسيارات في وسط المدينة كان قد أثار الكثير من الجدل.

قال كريس بيك، رئيس اللجنة ورئيس تحرير صحيفة "سبوكسمان ريفيو"، إن هذا الحوار جمع المهتمين بالقضية مع صحافيين حقيقيين دون أي حاجز يفصل بين الجانبين". كان على الجانبين أن يكونا أكثر صدقاً. ولم يسمح هذا الحوار لأي كان التحدث بصخب أو بانفعال. فإذا ظهر أنك قليل الثقة بوسائل الإعلام، أو مؤيداً متحمساً لهذه الوسائل، كان هناك من يشير لك عن ذلك.

الخاتمة: أعلن موري ماردر المراسل المتقاعد لصحيفة واشنطن بوست في مؤتمر "نيمان لصحافة حراس المراقبة: "ان التخوف من سوء استعمال السلطة كان القوة المحفزة خلال الثورة الاميركية، ويستمر في كونه أقوى مبرر لوجود صحافة متحديةٍ ومستقلة بالكامل." رغم ذلك، قال ماردر في نفس المحاضرة أن الاميركيين لا يثقون بوسائل الإعلام لأن الوسائل الإعلامية كتومة للغاية حول كيفية عمل الصحافة. والتوتر قائم بين هذه المتغيرات: تشجيع وجود صحف المراقبة، وتشجيع إنتقاد هذه الصحف دون إسكاتها، كما المحافظة على حريات الصحافة ومنتقديها.

يعتقد البعض ان وظيفة حراس المراقبة تُنفذ بشكل أفضل من قبل مجموعات من خارج الصحافة، حتى لو كانت لتلك المجموعات أجندات خاصة بها. ويعتقد آخرون ان العاملين في صناعة وسائل الاعلام مهيئون بصورة فضلى لتوجيه الانتقاد، خاصة وأن هناك احتمالا أكبر لحصولهم على احترام الصحافيين. لكن كافة حراس المراقبة هؤلاء يساهمون، بطريقة أو بأخرى، في الحوار المستمر حول ما يعنيه وجود صحافة حرة في مجتمع حر.


الصحافة في عصر شبكة الإنترنت

بقلم "بوب غايلز"، ناشر "تقارير نيمان"، مؤسسة نيمان للصحافة، جامعة هارفرد

ان صحافة الإنترنت حماسية وتتسم بحدة المواجهة، لكن اسلوبها واستمرار دورتها الإخبارية على مدار الساعة يطرحان تساؤلات حول كيفية تمكّن صحافة الإنترنت من تقديم تقارير إخبارية تنسجم مع أعلى معايير الصحافة.

تَجهَد مؤسسات الأخبار الرئيسية لتتمكن من تطبيق معايير إخبارية تقليدية قديمة العهد على شبكة الإنترنت، لكنها تكتشف أن ليس من السهل نقل فضائل الدقة، والتوازن، والوضوح، الى وسيلة تقوم على أساس الإبلاغ السريع عن الأخبار وفي نفس وقت حدوثها.

عزّزت تقنيات الإنترنت المهمات التقليدية لحراس مراقبة الصحافة من خلال تزويد المراسلين أساليب فعالة لسبر المعلومات بعمق أكبر. ان القدرة على التدقيق في الوثائق، وجمع المعلومات الخلفية، ومضمونها التاريخي، وتحديد المصادر الموثوق بها، وسّعت محتويات صندوق الأدوات المتوفرة للمراسل. كما أنها أدخلت ثقافة مختلفة بأساسها، تقوم على التفاعل المتبادل وعلى عدد أقل من القواعد والقيود.

كانت سرعة الإبلاغ، وفي الوقت المناسب، هي مصدر القوة للصحافة. قامت سمعة وكالات الأنباء البرقية على كونها أول من يبثّ القصص الكبيرة التي يجدها الناس منشورة في صحفهم المحلية. خطف البث الفوري للتلفزيون هذه المزية من الصحافة المطبوعة، والآن أكدت شبكة الإنترنت محاسنها في سرعة الابلاغ وفي الوقت المناسب. وبهذا مكنت الشبكة الصحف من العودة في عملها إلى نشر الأخبار الفورية، وتوسيع نطاق منشوراتها المعروفة بإسمها من خلال تجديدات مبتكرة مثل إصدار نشرات إخبارية بعد الظهر مباشرة على خط الإنترنت.

عند مفترق الطرق بين الصحافة التقليدية وشبكة الإنترنت، تجد محاولات تطبيق المعايير التقليدية لتحرير الأخبار أن عليها أن تتعاطى مع قيم، كالحرية، وعدم التورع عن كشف المحظور، وحمل لواء قضايا معّينة، واتخاذ مواقف واضحة. يؤكد صحافيو شبكة الإنترنت ان اللهجات المهيبة أو الجدية للصحافة التقليدية لا تفيد على شبكة الإنترنت، ويعتبرون وسيلتهم الجديدة تعبّر عن الروح الحقيقية للتعديل الاول للدستور الأميركي الذي ضمن حريات الكلام، والنشر، والتجمّع. يلاحظ كتّاب الإنترنت أن وسيلتهم الجديدة تُعيد الى الذاكرة زمناً كانت فيه أخبار الصحف تتسم بالحماسة والمواجهة القتالية". فتصف "آن كومبتون"، من شبكة "آي بي سي"، الإختلاف الأساسي بين موظفيها العاملين على خط الإنترنت والصحافيين العاملين في شبكات التلفزيون، فتقول: "نكتب بأسلوب أكثر إشراقاً ونستعمل كلمات عامية أكثر. تتميز أخبار الإنترنت بغنى في التعبير لا يمكنك تحقيقه في الارسال التلفزيوني". كما يمكن إجراء مقارنات مماثلة بين شبكة الإنترنت والصحف اليومية.

هل يتناسب مثل هذا "الغنى" مع أعلى معايير العمل الصحافي؟ هل بإمكان طبيعة صحافة الإنترنت التحريضية، غير المقيّدة، وغير الموقّرة، أن تتوافق مع ثقافة تشكلت تقاليدها من خلال وسيلة إخبارية أكثر رزانة؟

ان عملية إيجاد معايير للإرسال على الإنترنت تسير قُدماً متأثرة بثلاثة تطورات. أولاً، أن أهم مواقع الأخبار الجديدة التي تُسيطر على شبكة الإنترنت سوف تديرها الوسائل الإعلامية القديمة، أي مؤسسات الأخبار التقليدية، كالصحف اليومية، والمجلات الإخبارية، والشبكات التلفزيونية، وأقنية البث الرئيسية للتلفزيون الكبلي. إن ما يجعل هذا التوجّه حقيقةً واقعة هو تأثير قوى السوق التي كانت قاسية جداً على شركات الإنترنت الجديدة الصاعدة. تَقتلع قوى السوق تلك الشركات التي تعمل برأس مال غير كاف، أو التي تكون سمعتها الصحفية هامشية، أو تتبع استراتيجيات تسويق ضعيفة. وتنجو من ذلك مؤسسات الأخبار الكبرى التي تملك موارد تمكّنها من بناء مواقع قوية على الشبكة، وتضمن أن تعكس هذه المواقع معاييرها الصارمة في كتابة وتحرير منشوراتها.

ثانيا، هناك الجهود التي يبذلها صحافيو الإنترنت وتهدف الى وضع معايير عمل لهذه الشبكة. باشرت جمعية "أونلاين نيوز أسوشييشن" تنفيذ مشروع لوضع إرشادات صارمة تشمل توصيات حول طرق تطبيق ومراقبة عملها. قدمت مؤسسة "جون وجيمس أند نايت" منحة الى جمعية "أونلاين نيوز اسوشييشن" ستمكّنها من توظيف مدير للمشروع ولوضع الإرشادات التي توصي بها قبل انتهاء المهلة المحددة لذلك في تشرين الاول/أكتوبر 2001.

يقول ريتش جاروسلوفسكي، رئيس هذه الجمعية، ومدير تحرير صحيفة "وول ستريت جورنال انتر أكتيف" إنه يوجد "الكثير من الاندفاع للمشروع"، وأن هناك الكثير من قرارات حول أخبار الإنترنت "تتخذ بتسرع دون سبب لاتخاذها. ونأمل بتطوير وثيقة لا توجّه بل تُقنع، لا الصحافيين فحسب، بل أيضاً الذين يعملون في ثقافات الإنترنت الأخرى بحيث نُميّز بوضوح بين الأخبار والتجارة."

التطور الثالث، والذي قد يكون له التأثير الأبعد مدى على المعايير الصحافية، هو التفاعل الذي يتولّد عندما يضع الصحافيون عناوين بريدهم الالكتروني على الشبكة. بإمكان البريد الالكتروني ان يجذب تعليقات أو ردوداً فورية على تقرير قصة نُشر للتو، أو خبر تجري قراءته في الصحيفة أثناء شرب القهوة في الصباح. يقيم بعض المخبرين عوائق لمنع هذا الاتصال مع القراء، مفضّلين عدم إمتلاك عنوان للبريد الالكتروني، أو لحماية أنفسهم من رسائل القراء بواسطة مصفاة تمر عبرها فقط الرسائل التي يعتقدون أنهم يريدون الحصول عليها.

يُمَكّن البريد الالكتروني المراسلين ورؤساء التحرير من معرفة أقوال أشخاص قد يكونوا على علم بأحد جوانب القصة، ويستطيعون المشاركة في وجهة نظر موثوقة، كما يؤمن هذا البريد الوصول إلى مصادر إضافية، وإمكانية معرفة إذا ما كانت القصة غير متوازنة أو غير عادلة. والقوة الكامنة لمثل هذا التفاعل هي إمكانية مساهمته في رفع مستوى الاداء الصحافي.

يقول جون كاتز، المعلق على شبكة الإنترنت الذي ينشر على موقع "سلاشدوت. كوم": "الأمر الذي يدهشني هو مدى اعتباري مسؤولاً من قبل القراء عن ما أفعله. فمهما تكتب، سوف يشق مقالك طريقه الى أكثر الناس اطلاعاً على الموضوع، والذي تتعلمه من ذلك هو أن مقالك ليس الكلمة الأخيرة بل هو الكلمة الأولى."


الأخبار في عصر المال

بقلم ديانا بي. هنريكس، محررة الأنباء المالية في صحيفة "نيويورك تايمز"

بدءاً من أوائل عقد الثمانين من القرن الماضي، بدأ الاقتصاد الأميركي ينطلق، بالتناسق مع الأسواق، دافعاً بقوة فرص التوظيف وتكوين الثروات. تستكشف المؤلفة مدى جودة تغطية الصحافيين لعصر المال هذا، وكيفية تعاملهم مع إغراءاته القديمة العهد.

في عام 1980، كنت أعمل في نيوجرسي كمراسلة لتقصي الحقائق في صحيفة "ذي ترنتون تايمز"، وأحاول أن أحل تشابك الزوايا الموضوعية للعملية الحمقاء المسماة "أبسكام"، التي نفذها مكتب التحقيقات الفدرالي حيث تم بصورة سرية تصوير أعضاء في الكونغرس وهم يقبلون رشاوى من عملاء سريين قاموا بدور مساعدين لشيخ عربي. في نهاية عام 1982، كنت أعمل مراسلة للأخبار التجارية أغطي أزمة ديون دول أميركا اللاتينية منتدبةً من صحيفة ذي فيلادلفيا إنجنيير. وفي تقدير حارس مراقبة وسائل الإعلام دين روتبارت أنه كان يوجد في عام 1980 بضعة آلاف فقط من الصحافيين المتخصصين بتغطية الأخبار الإقتصادية. وعندما قامت نشرته الإخبارية بيزنس نيوز ريبورتر لأول مرة بإحصاء عددهم، كنا حوالي 4200 مراسل فقط من أهم خمسين صحيفة يعملون في دوريات أخبار الأعمال الإقتصادية في الولايات المتحدة.

تدربنا على تغطية الأحداث السياسية ولذلك كنا غير مستعدين على الإطلاق لتغطية أخبار الإرث الإقتصادي للسبعينات. وقبل أن نحفظ عن ظهر قلب أسماء جميع أعضاء منظمة أوبك، هبطت علينا "الحرب التالية"، حملة رئيس مجلس إدارة بنك الاحتياط الفدرالي بول فولكر لخفض معدل التضخم المالي في البلاد. تطلّبت تغطية هذه الحملة أمراً جديداً: استعمال مصطلحات قادرة على تفسير عدم التوافق المميت بين معدلات فوائد الإقراض والإقتراض في المصارف وفي بنوك التوفير، وفهم العلاقة بين المخاطرة والمكافأة، وتكوين فكرة أولّية، على الأقل، عن الذين ينظّمون عمل المصارف، وبنوك التوفير، وصناديق الإستثمار في أسواق المال، وأقساط التأمين التقاعدية السنوية. وأقل ما يمكن قوله أن هذه الفترة لم تشكّل أهم أيام انتصاراتنا.

أما الجانب المشرق لرحلة التعلم بالممارسة المحمومة هذه، فكان أن كل يوم عمل كان يأتينا بفرصة جديدة لتوسيع الأفق وللنمو. وكانت النتيجة الأقل إرضاء لنا في رحلتنا الاسطورية أنه كان علينا أن نتسلق باستمرار المنحدر الحاد لمنحنى التعلّم. فقد جعل جهلنا الأساسي من الصعب علينا التشكيك بالمعلومات أو التحليل المستقل لها. وفي أحيان كثيرة جداً، كنّا نجد أنفسنا، مرة أخرى، في منطقة مجهولة تماماً لدينا، قبل أن نكون قد تمكنّا من إنتاج المقالات الشفافة والعميقة الاطلاع التي كانت تأتي بفرح الوصول إلى قمة منحنى التعلم.

كان تطور التكنولوجيا، أكثر من أي شيء آخر، هو الذي يؤرجح السفينة التي كنا نحاول جاهدين القيام بهذه المهمة من على متنها. لم نبقى صحافيين فقط، بل تحولّنا إلى "مزودي المحتوى الإخباري للوسائط المتعددة" (الملتميديا). في عام 1980، كان البحث في الأرشيف يعني تصفح محتويات مغلفات سميكة من قصاصات الجرائد الهشة. أما اليوم فان القصص القديمة التي كتبها أي شخص لا تبعد عنا أكثر من كبس مفتاحين على لوحة مفاتيح الكومبيوتر. في ذلك الوقت، كانت الطريقة الوحيدة المتوفرة لإرسال قصة من خارج مكتب التحرير هو إملاؤها عبر هاتف عمومي على محرر متخصص بإعادة صياغة القصص الإخبارية. أما اليوم فإني أُملي قصصي على برنامج، يتعرف على الصوت، في الكومبيوتر المحمول الخاص بي، ثم أرسلها إلى مكتب التحرير عبر البريد الإلكتروني، وأتأكد في وقت لاحق عبر الهاتف الخليوي الذي أحمله ما إذا كان لدى مكتب التحرير أي سؤال يريد طرحه حول التقرير.

في الأيام الجيدة، كنت أعتقد أن هذا التوسع المثير في السنوات العشرين الماضية في أخبار الإقتصاد أوجد فريقاً من صحافيي الأخبار المالية يتمتعون بخبرة عميقة وواسعة لا تمكن مضاهاتها. وأن الوسائل التقنية في يومنا الحاضر سمحت لنا أن نعمل أكثر، وبصورة أفضل وأسرع. ولكن إذا كان الأفضل والألمع بين الصحافيين اليوم أوسع إدراكاً للآليات الحديثة لصحافة الأخبار الإقتصادية، فإنهم يبدون أكثر سذاجة بكثير بالنسبة لإغراءاتها القديمة العهد. إن الذين يغطون أخبار "الاقتصاد الجديد" في "وسائل الإعلام الجديدة" يصابون بحيرة تامة عندما يعلمون أنه لا يحق لهم القيام بأي استثمار مباشر لأموالهم في صناعات يغطون أخبارها، أو شراء أسهم جديدة الإصدار بأسعار منخفضة يعرضها عليهم أحد الأصدقاء، أو تقديم مشورة خارج نطاق عملهم الى شركات التكنولوجيا.

أشارت جانيل براون، في مقالة رصينة بمجلة "صالون" أواسط عام 1999، إلى أننا نحتاج إلى قواعد أخلاقية جديدة، "تكون مرنة كفاية للتعامل مع المسائل الجديدة التي سوف تبرز بالتأكيد في هذه الصناعة التي تتطور بخطوات سريعة، وحيث تتشابك حياة الصحافيين بصورة متزايدة مع حياة الذين يكتبون عنهم، ومع نشاط الشركات التي يغطون أخبارها أو هل على جميع الصحافيين العاملين في تغطية أخبار التكنولوجيا أن يقبلوا ببساطة المفهوم القائل ان الانضمام إلى فريق المحررين يعني أنهم تعهدوا الإبتعاد عن إغراءات ثروات التكنولوجيا؟"

نعم، على الأقل بالنسبة لتلك الثروات التي تثير التساؤلات حول إستقلالية ومصداقية تقاريرهم الإخبارية. يستطيع صحافي متخصص بأخبار التكنولوجيا أن يتجنّب بسهولة الإتهامات غير المناسبة، وذلك باستثمار أمواله فقط في صناديق الإستثمار ذات القاعدة العريضة (من المحتمل، بالطبع، أن تملك هذه الصناديق بعض أسهم شركات التكنولوجيا التي يغطيها المراسل. لكن الذي يقرر أي أسهم يجب إمتلاكه ولأي هو شخص آخر. وبالطبع، فالذين يعملون في مؤسسات الأخبار التي تبث أخبارها عبر الإنترنت لهم مصلحة شخصية في الاهتمام بأخبار التكنولوجيا، بغض النظر عما إذا كانوا يملكون أسهماً في شركات التكنولوجيا أم لا. وهذا الاهتمام مُبَيّن بوضوح على بطاقة الزيارة للمراسل).

ليست هذه، بالطبع، مسائل تتعلق "بالاقتصاد الجديد". فبيع الأسرار كان يغري الصحافيين منذ كانت الجمهورية في مهدها. وقد كشفت التحقيقات التي أجراها الكونغرس حول انهيار سوق الأسهم عام 1929 إن المتلاعبين في السوق كانوا يدفعون إلى مراسلي الصحف في نيويورك المال لتحبيذ أسهم معينة عند الطلب. لاحظ رونالد ستيل، مؤلف السيرة الذاتية الممتازة "لوالتر ليبمان"، ان الصحافي الاسطوري أرثر كروك الذي عمل قبل إندلاع الحرب العالمية الثانية في صحيفة "نيويورك وورلد تلغرام"، عمل فعلاً بالسرّ كمستشار للعلاقات العامة في شركة "ديلون ريد" للاستثمار القائمة في وول ستريت. إن الإمتلاك الخاص لأي مشاركة، غير مصرح عنها في أي قطاع، والذي يُفترض أن تكون تغطية أخبار ذلك القطاع مستقلة وموضوعية، أكان ذلك حركة سياسية، أو مسرحية في برودواي، أو سهماً في شبكة الإنترنت، هو مخالف لمفاهيم الأخلاق الصحافية منذ بدايات العمل الصحافي. وفي كل جيل نجد صحافيين مخلصين لكنهم على ضلال اذ يعتقدون أن المسألة، بالنسبة إلى وضعهم الخاص، هي مختلفة.

أحد هؤلاء كان، مثلي، مهاجراً من الصحافة المحلية في ترنتون. تعاقد في عام 1980 للعمل مع خدمة أنباء داو جونز، وفي تموز/يوليو 1982 وظفته صحيفة "وول ستريت جورنال" للمساعدة في كتابة العمود المؤشر في الصحيفة الذي حمل عنوان "سُمِعَ في الشارع". كان اسمه "أر. فوستر وينانز".

وجد وينانز، كما يجد صحافيو التكنولوجيا الشباب في يومنا الحاضر، أن حياته سوف "تتشابك" بسرعة مع الأشخاص الأذكياء والأثرياء الذين يغطي أخبارهم. تذمّر، هو أيضاً، من تدني الرواتب التي تدفعها الصحافة، وكان مقتنعاً في نفس الوقت بأن يحق له الاستثمار جانبياً دون "أن أدع استثماراتي تؤثر على قراراتي في العمل بأي شكل من الأشكال". بعد فترة قصيرة من استلامه عمله في الصحيفة، اشترى وينانز بالسر، 400 سهم من أسهم شركة صغيرة متعسرة، هي "أميركان سيرجيري سنترز"، ثم تحدث عن هذه الشركة إيجابياً في مقاله.

كتب وينانز في مذكراته التي حملت عنوان "أسرار المتاجرة: الإغراء والفضيحة في صحيفة وول ستريت جورنال"، والتي نشرتها دار "سانت مارتينز برس" عام 1986: "كنت أعلم بأن ما أفعله كان، من الناحية التقنية، عملا غير أخلاقي بالنسبة لصحافي" لكنه برر عمله بشكل ما إذ قال: "كانت الإعتبارات الأخلاقية تتعلق بالمظاهر الخارجية لا غير... فلو لم يكتشف أحد ما ما قمت به، لما كان هناك أي تضارب حقيقي في المصالح، وعليه لما كنت قد ارتكبت أي عمل لا أخلاقي. كان هذا منطقا للتهرب نوعاً ما، ولكنه ساعدني على تجاوز ذلك العائق الكبير."

بعد ذلك بفترة قليلة، اتفق وينانز مع سمسار أسهم على إخباره، بصورة مسبقة، عن الأسهم التي سوف يكتب عنها في مقاله "سُمِعَ في الشارع"، مقابل الحصول على حصة من الأرباح. جمع حوالي 30 ألف دولار من هذه الصفقة، أي أكثر مما كان سيحصل عليه خلال سنة من عمله في "وول ستريت جورنال". ونشرت الصحيفة الغاضبة، في 29 آذار/مارس 1984، إن المحققين يحققون في هذه الصفقة. وفي حزيران/يونيو 1985، دين وينانز بتهم إحتيال فدرالية متنوعة بواسطة البريد والبرق، وصدر عليه الحكم فيما بعد بالسجن لمدة 18 شهراً. وفي عام 1987، صادقت المحكمة الأميركية العليا على الحكم الصادر بحقه.

رغم أن وينانز أصرّ حتى النهاية أنه لم ينتهك أي قوانين، فقد كان يَعلم تماماً ما سببه لزملائه الصحافيين. لقد "أكد شكوك العديد من المستثمرين حول محرري أخبار سوق الأسهم ومن أنهم يحصلون على فائدة شخصية من المعلومات التي يجمعونها. وقد تأثّرت أنا كثيراً عندما أدركت ذلك."

وعودة لـ16 سنة إلى الماضي، لا زلت أشعر بأن قضية وينانز أوضحت كل الإغراءات المخيفة لصحافة الأخبار الإقتصادية المعاصرة، وبشكل حاد كالموسى بالنسبة لي. كيف يستطيع أي شخص أن يُخطئ في تحديد طبيعة هذه التصرفات ويعتبرها مجرد مسائل يلف الغموض دلالاتها؟ لكن مات ويلش، وهو ناقد شاب لاذع يعمل في صحيفة "أون لاين جورناليزم ريفيو"، قال لي مؤخراً انه مقتنع بأن خطايا وينانز، لو ارتُكبت اليوم، لن تثير عُشر مقدار الغضب الذي أظهرته الوسائل الإعلامية عام 1984. وأشار إلى أنه عندما قبلت محررة عمود صحافي، تتحدث فيه عن الإشاعات الدائرة في سيليكون فالي عن شراء أسهم بثمن رخيص قبل إصدارها، من قبل شركة ضخمة محلية تعمل في ميدان التكنولوجيا، تساءل الكثيرون من أولئك المفترض أنهم مهنيون يتحسسون مسؤولياتهم، بصوت عال، عما إذا كانت المحررة ارتكبت أي خطأً. ويقول ويلش: "عندما رأى الصحافيون كل هؤلاء الناس (العاملين في التكنولوجيا) يصبحون أثرياء، بمن في ذلك صحافيون آخرون، أي عندما كان لمحتوى أخبارهم على الإنترنت قيمة، فإن الكثيرين منهم فقدوا توازنهم."

لا يمكنني سوى أن آمل بأن يكون "ويلش" مخطئاً. وإن لم يكن كذلك، وعلى الرغم مما تكون قد بلغته ثروات الصحافيين الشباب اليوم، من جراء سوق أخبار الإقتصاد الهائل هذا، فإن الصحافة نفسها تكون هي التي أصبحت شديدة الفقر.

لكن لنفترض أن معظمنا سوف يصل إلى الصخرة العالية التي تسمح لنا بطرح الشكوك الذكية، وثم عندها نبقى لنكتب تقارير إخبارية صافية التفكير وراجحة العقل بانتظام لتغطية أخبار الأعمال. ولنتكهن، أكثر من ذلك، بأن معظمنا سوف يقوم بذلك دون المس بشرفنا أو بسمعتنا، ونكون بذلك نواصل التحدث عن نوعية الأشخاص الذين نحن هم. وفي نهاية الأمر، فإن هذا الازدهار في صحافة الأخبار الإقتصادية لا يتعلق بنا فعلا،ً بل يتعلق بعلاقتنا مع الذين نسعى إلى الوصول إليهم، أكنّا نسميهم قراءً، أو مشاهدين.

إن معظم المحررين الاقتصاديين الجدد في الثمانينات عالجوا، بصورة عفوية، وربما بعناد خاطئ، الأخبار الإقتصادية المحلية من منظور العاملين في هذا القطاع. لكن كنا نحن من هؤلاء العاملين أيضاً، ولدينا شكوك صحيحة بكل من كان يعتبر نفسه مديراً في هذه الصحافة. ومع تقدم سنوات الثمانينات، أصبح "قراؤنا" "مستهلكين"، ومع بداية سنوات التسعينات تحول هؤلاء "المستهلكون" إلى "مستثمرين"، واليوم لا يتحدث بعضنا إلاّ إلى مستثمرين يملكون أيضاً أجهزة "مودم" للكمبيوتر الخاص بهم.

حصل شيء مؤسف أثناء هذا التحوّل: بما أن قراءنا ومشاهدينا المقصودين قد أصبحوا أقل عدداً، فقد أصبحنا نحن أيضاً أقل عدداً. إن أخبار الأعمال في يومنا الحاضر نادراً ما تدق الأوتار الرنانة، أو تتطرق إلى مواضيع تملأ القلب اعتزازاً بالعمل الصحافي العظيم. معظم هذه الأخبار تُصدر أصوات أزيز وصرير فقط، وكأنها مزمار من قصب يقابله إيقاع صناديق النقد وشريط أسعار الأسهم والسندات. فالرجال والنساء الذين تدافعوا لشرح الاضطراب الاقتصادي في السبعينات، بما في ذلك صفوف السيارات أمام محطات الوقود، والمصانع المقفلة، والتراجع الظاهر للقدرات الأميركية، لم يكتبوا للمستهلكين أو للمستثمرين بل كانوا يكتبون للمواطنين، للناس الذين اهتموا بعمق بما آلت إليه هذه البلاد. لقد افترضوا وجود قرّاء امتدت اهتماماتهم إلى أبعد من أداء صناديقهم التقاعدية المعروفة باسم(401 k) ، ومن ترتيبات استئجارهم لسيارات من طراز "جيب غراند شيروكي".

لا أعرف رأيك، ولكني أفضّل أن أكتب لهؤلاء الناس مجدداً. ظنّي أنه لن يمكننا تحقيق أي شيء، بالنسبة للكفاءة والاستقامة كصحافيين اقتصاديين، ومما قد يكون له أهمية كبيرة في السنوات القادمة، ما لم نكتب.

ألفت ديانا بي. هنريكس كتابين عن تاريخ شركتين، هما: "عالم فيدليتي: الحياة السرية والسلطة العامة لصناديق الاستثمار المشتركة"، و"أسماك القرش البيضاء في وول ستريت: توماس ميلون ايفانز وغزاة الشركات الأصليين".

تم إعادة طبع هذه المقالة من مجلة "كولومبيا جورناليزم ريفيو"، نوفمبر/ ديسمبر 2000.


القواعد الأخلاقية لوسائل الإعلام وما بعدها

بقلم روبرت ستيل وجاي بلاك،

حقوق الطبع 1999، محفوظة للجمعية الاميركية لمحرري الصحف

تستطيع القواعد الأخلاقية مساعدة موظفي مكاتب التحرير على اتخاذ قرارات سليمة، وبناء مصداقية صحافية حول العديد من القضايا الأخلاقية التي قد يواجهونها في عملهم. طلبت الجمعية الأميركية لمحرري الصحف من اثنين من كبار المتخصصين بدراسة أخلاقيات وسائل الإعلام، تحليل 33 من القوانين الأخلاقية جمعتها لجنة الأخلاقيات والقيم التابعة لها. كان الهدف هو التأكيد على أكثر الجوانب فائدةً وشيوعاً في هذه الوثائق بغية مساعدة رؤساء التحرير على تقييم قواعد الأخلاق التي يتبعونها، في حال وجدت، أو بغية مساعدتهم في وضع قواعد، إن هم اختاروا ذلك.

توحي الفورة الحديثة لوضع قواعد أخلاقية أن رؤساء وموظفي التحرير بدأوا الاهتمام الجدي بالمسائل الأخلاقية. كان لعملية الإعداد، وإعادة الإعداد، والمنافسة حول وتطبيق قواعد الأخلاق قيمة علاجية جيدة بحد ذاتها. والأهم أنه أصبح بإمكان الصحف التي تتّبع مبادىء معلنة بوضوح وقيم محددة، تم دمجها مع مهارات قوية على صنع القرارات، أن تخدم مصلحة قرائها، كما المصلحة العامة، بصورة أفضل. وهنا يقع الرابط الأساسي لها بالمصداقية.

ليس من المدهش أن تشمل قواعد الأخلاق الـ33 التي قدمتها الصحف الأعضاء في الجمعية الأميركية لمحرري الصحف تشكيلة واسعة من أساليب التعامل مع المآزق الأخلاقية. تشدد بعض هذه القواعد على التقليد المتبّع منذ القدم، أما غيرها فيحاول التعامل مع تأثيرات التقنيات الجديدة عند مستهل القرن الجديد.

معظم هذه القواعد ليس إلا لوائح طويلة من "الممنوع والمرغوب"، والمُبهَّرة من وقت لآخر، بعنصر من عناصر عملية صنع القرار. تتخذ بعض هذه المجموعات موقفاً مُراعيا لمستخدميها، وكأنّها أحاديث يتبادلها زملاء يحترم كل واحد منهم مساعي الآخر للتميّز. بعضها الآخر أكثر سلبية في اللهجة، ومشحون بأوامر نَهي ومشُبّع بلهجة أبوية، تعني ضمنياً ان الموظفين يميلون إلى تنفيذ أي شيء لم تحرمه القواعد بصورة محددة.

والموضوع الأكثر شيوعاً في القواعد هذه هو تضارب المصالح. وهذا يشمل قضايا تتراوح بين قبول هدايا، ورحلات ترفيهية، وبين الإرتباط السياسي والنشاطات الاجتماعية. تعالج نصف القواعد الأخلاقية التي راجعناها، مواضيع مصادر الأخبار وقضايا التلاعب بالصور الفوتوغرافية. ويتناول عدد أقل منها شؤون تصحيح الأخطاء وقضايا الإنتحال.

غابت عن العديد من القواعد الأخلاقية معايير أو أبحاث تتعلق بالخصوصية، والخداع، وكشف هويات المشتبه بهم من الاحداث، والنمطية العنصرية. وتعالج أقل من مجموعة قواعد أخلاقية واحدة، من بين كل خمس مجموعات، مسألة التوتر بين دائرتي التحرير والإعلان، وتُهمل عدة مجموعات من القواعد الأخلاقية مسألة إلزامية تطبيق (هذه القواعد).

ويختلف الى حد كبير، طول كل من القواعد الثلاث والثلاثين. تتألف مجموعة قواعد صحيفة الديلي برس الصادرة في نيوبورت نيوز، بولاية فيرجينيا، من 8 آلاف كلمة. بينما تتألف مجموعة القواعد العائدة لصحيفة ذي أريزونا ريبابليك، الصادرة في فينيكس، من حوالي 500 كلمة، وهي كمية ضئيلة جداً بالمقارنة.

لم تكن هذه نماذج عشوائية، حيث أنها قُدّمت بصورة اختيارية تلبية لدعوة عامة. رغم ذلك، تعكس هذه القواعد مختلف الأساليب التي تلجأ إليها الصحف الأميركية لمعالجة القضايا المتعلقة بالأخلاقيات.

عند مراجعتنا مجموعات القواعد الـ33 هذه، وجدنا أنها تخدم على الأقل وظيفتين مهمتين، هما: العلاقات العامة والتعليم. تُعزز القواعد الأخلاقية الصحافية الجيدة، التفكير والسلوك الأخلاقي ضمن الصحيفة، وتُظهر الألغام الأرضية للقادمين الجدد، وتُذكّر الموظفين القدامى بقيم ومبادئ غرفة تحرير الأخبار. كما أنها تُبرّر نشاطات الصحافيين أمام عامة الناس، وبالأخص خلال فترات هبوط مصداقية الصحافة والتشدد في التدقيق الشعبي. تنعكس هذه الوظائف، في أحيان كثيرة، في مقدمات مجموعات القواعد الأخلاقية. ونُعطي أدناه بعض مقتطفات وأمثلة من هذه القواعد الثلاث والثلاثين التي طُلب منا مراجعتها.

العلاقات العامة

فيما يلي أمثلة جيدة من القواعد التي تتحسس مسألة العلاقات العامة:

جاء في مجموعة قواعد صحيفة "ذي نيوز اند أوبزفر" الصادرة في رالي، بولاية نورث كارولينا:

"من أجل أن تكون "ذي نيوز أند أوبزرفر" مصدر الأخبار والمعلومات الأول لأبناء المنطقة، علينا أن نكسب ثقة قرائنا. يجب أن يعلم القراء أن الصحيفة التي تصل إلى باب منزلهم كل صباح لم توجد لتخدم سياسيين من طراز معين، ولا مجموعات مصالح خاصة. ان تحقيق ذلك يضع على عاتقنا نحن، من محررين، ومراسلين، وكتاب نصوص، وباحثين في الأنباء، ومصورين، ومصممين، ورسامين، وموظفي الدعم، تحاشي كل حالات تضارب المصالح أو حتى مظاهر حصول مثل هذا التضارب".

أما مجموعة القواعد الأخلاقية التي تتبعها صحيفة أورلاندو سانتينل الصادرة في فلوريدا، وتمثل نموذجاً بليغاً من القواعد الأخلاقية فتسعى إلى تذكير موظفيها بأهمية اتخاذ القرارات الأخلاقية مع المحافظة على صورتها أمام الناس.

"ندعم القيم الصحافية المتمثلة بالصدق، والاستقامة، والشجاعة، والعدالة، والرحمة، والتوازن، والاستقلالية، والمصداقية، والتعددية.

"نسعى إلى الحقيقة ونقدمها الى القراء بأشمل تفصيل ممكن، ضمن ضغوط المواعيد المحددة، ونجهد لكتابة تقارير نظيفة، ومختصرة، وكاملة.

"نبحث عن، وننشر، وجهات النظر المغايرة دون التأثر الزائد برغبات من يمكنهم استخدام سلطتهم أو مركزهم.

"نسعى لإعطاء صوت للذين لا صوت لهم.

"نسعى إلى التعامل مع المصادر، والمواضيع، والزملاء كأناس يستحقون احترامنا وليس فقط كوسيلة لتحقيق أهدافنا الصحافية.

"نسعى إلى إعلام قرائنا، وإلى أن نعكس بعدل الصورة الواسعة لمجتمعنا.

"واجبنا الأول هو تجاه مصداقيتنا، أي تجاه الشعب عامة، وتجاه أي فرد، أو مؤسسة أعمال، أو مصلحة خاصة. على موظفينا الامتناع عن القيام بأي نشاط قد يؤثر على استقامتهم أو يضعف ثقة القراء بنا."

تضارب المصالح

كما ذُكر سابقا، فإن مسألة تضارب المصالح، التي تشمل الاستقلالية، والسلوك الشخصي، هي العنصر الأكثر شيوعاً في القواعد الأخلاقية التي راجعناها.

واحدة فقط، من بين الصحف الثلاث والثلاثين، لم تتطرق إلى هذه المسألة، بينما يتناول ربع العدد الإجمالي للقواعد الأخلاقية، بصورة حصرية، مسائل تضارب المصالح دون الاهتمام بأي مسائل سواها.

تتناول مجموعة قواعد صحيفة ذي سان فرانسيسكو كرونيل، الصادرة في كاليفورنيا، العديد من مسائل جمع الأخبار في بيانها المكون من ألفي كلمة، تحت عنوان: "جمع الأخبار بصورة أخلاقية"، لكنها لا تعالج موضوع تضارب المصالح.

أما العنصر الثاني الأكثر شيوعاً في مجموعات القواعد الأخلاقية التي راجعناها، فهو مصادر الأخبار. من بين مجموعات القواعد الثلاث والثلاثين تطرقت 18 مجموعة إلى مسائل العلاقات بين المصدر والمراسل، والإتفاقات بشأن المحافظة على سرية المصدر بشكل من الأشكال. تتناول بعض الصحف هذه المسألة في جمل قليلة، في حين تُخصص لها صحف أخرى عدة صفحات من بيانها. والجدير بالاهتمام هو أن مسألة التلاعب في الصور الفوتوغرافية، وتغيير معالمها، تناولها نصف العدد الاجمالي تقريباً من القواعد الثلاث والثلاثين. وكان من غير الممكن أن نجد قبل عشر سنوات أي إشارة في الصحف الى هذه المسألة. ومما قد يثير الدهشة، أن أقل من نصف عدد القواعد الأخلاقية الثلاث والثلاثين التي راجعناها، عالج مسألة التصحيح (للأخبار)، بينما يقتصر ذكر مسألة الانتحال على 13 من مجموعات القواعد.

أما ذكر مسائل الخداع وتشويه الحقائق فاقتصر على عدد أقل. فقط 11 من بين مجموعات القواعد الثلاث والثلاثين تطرقت إلى هذه المسألة. وفي حين عالجت عدة مجموعات، بإسهاب، مسائل الخصوصية الشخصية ووضعت إرشادات بشأن جمع الأنباء، إلاّ أن معالجة هذه المسألة اقتصر على ربع العدد الإجمالي لمجموعات القواعد. وعالجت نسبة مماثلة من هذه القواعد كيفية تناول الاستشهاد بكلام الغير، ومسألة اختلاق الشخصيات، أو الأحاديث مع آخرين. وتضمنت أربع مجموعات فقط إرشادات حول إحدى أصعب المسائل التي تواجهها الصحف في يومنا الحاضر، وهي كشف هوية المشتبه بهم، وبالأخص الأحداث المشتبه فيهم.

قيم لا يحدها الزمن

من الواضح أن هذه القواعد الأخلاقية تعطي إهتماماً كبيراً للمبادئ الاساسية للعمل الصحافي وللقيم التي لا يحدّها الزمن. ندرج أدناه بعض أفضل هذه النماذج.

شملت القواعد الأخلاقية لصحيفة "ذي جورنال نيوز"، الصادرة في وايت بلاينز، بولاية نيويورك (كانت سابقاً "غانت سابوربان نيوز بايبرز") النص التالي في القسم المتعلق بالنزاهة:

"إن الادعاءات الموجهة ضد شخص تستوجب الرد في أحيان كثيرة. فإذا تعذر الاتصال بالشخص المعني، عليك ذكر ذلك، ولكن بعد أن تقوم بجهد صادق للوصول إلى ذلك الشخص. أدرس احتمال تأخير النشر، إذا أمكن، لحين الوصول إلى الطرف الآخر؛ أما إذا لم يكن التأخير ممكناً أدرس إمكانية الاستمرار في محاولات الوصول إلى الشخص المعني للحصول على أقواله لنشرها في إصدارات لاحقة أو لإدخالها في مقال المتابعة. إذا تأخر نشر المقال يجب بذل جهود إضافية للوصول إلى الشخص الذي لم يكن ممكناً الوصول إليه وقت كتابة التقرير."

التكنولوجيا الجديدة

كانت صحيفة ذي جورنال غازيت، الصادرة في فورت واين، بولاية إنديانا، إحدى الصحف القليلة التي ذكرت مسائل الإنترنت في سياستها الأخلاقية.

"عليك تطبيق معاييرنا العالية في الدقة، وفي نسبة أي كلام أو رأي تعلم به نتيجة استخدام الوسائل الالكترونية. تأكد من صحة الاتصال ومن دقة المعلومات قبل أن تستعملها في كتابة تقرير".

تُعالج صحيفة نيوز اند أوبزرفر، الصادرة في رالي، أيضاً مسائل الأخلاق عند استعمال الإنترنت. فتذكر في القسم حول الانتحال:

"لا تَعرض آراء آخرين أو تكتبها ثم تنشرها على أنها آراؤك. فنتيجةً للتوسع الكبير للإنترنت أصبح بإمكاننا الوصول أكثر إلى معلومات أكثر من مصادر أكثر، لكن علينا أن نقاوم إغراء استعمال هذه المعلومات دون أن نعزوها إلى مصادرها الأصلية. هذه سياسة بسيطة وآمنة: لا تفعل ذلك."

المصادر والمراسلون

قدم القواعد الأخلاقية لصحيفة ذي سان فرانسيسكو كرونيكل أحد أوضح المعالجات للمسألة، الشائكة على الدوام، المتعلقة بالتعامل مع المصادر التي تجب المحافظة على سريتها، فجاء فيها:

"إن المراسل الذي يتعهد لمصدر أنه سوف يحافظ على السرية عليه عدم انتهاك هذا التعهد. إذا سُئل المراسل من قبل رئيس التحرير عن هوية المصدر، على المراسل إعلام المصدر للحصول على موافقته، قبل الاستجابة لطلب رئيس التحرير. فإذا رغب المصدر عدم الإفصاح عن هويته إلى رئيس التحرير يجب أن يقرر المراسل ورئيس التحرير، إستعمال أو عدم إستعمال المعلومات، حتى لو بقي اسم المصدر معروفاً لدى المراسل فقط."

إستقلالية رأي المحرر

كانت الصحيفة ذي كانساس سيتي ستار الصادرة في ميزوري، إحدى الصحف القليلة المشمولة في دراستنا التي عالجت دواعي التوتر والتشنج المحتملة بين جهتي التحرير وإدارة الأعمال في الصحيفة. ذكرت الصحيفة في قواعدها الأخلاقية، تحت قسم "تضارب المصالح" ما يلي:

"حافظ على خط واضح بين قسمي الإعلان والأخبار. إننا أهداف واضحة للتهديد بوقف الإعلانات إن لم نكتب تقارير إيجابية. في حالات إصدار أقسام خاصة تنتجها دائرة التحرير، على المحررين ممارسة القرار حول المحتوى بمفردهم".

تُحدد صحيفة ستايتسمان جورنال الصادرة في سالم، أوريغون، سياستها الأخلاقية لقسم الأخبار، والمتعلقة بالإستقلالية الصحافية في عصر النهوج الجديدة لإعداد التقارير وللعلاقات مع المجتمع.

"توخّى الحذر عند تعاونك مع الحكومة أو المؤسسات الأخرى حول المشاريع الصحافية المختصة بالشأن العام. يكون لهذه الجهود، في أحيان كثيرة، قيمة ومصلحة للقراء. لكنها قد تُعرض استقلاليتنا للخطر أيضاً".

قضايا التعددية والعنصرية

أحد المسائل الأكثر تحدياً التي تواجهها الصحف هو التعامل مع قضايا التعددية، ومنها استخدام العرق كأداة تعريف، واعتماد الوصف النمطي للاعراق في التقارير الصحافية. فقط خمس من الصحف الثلاث والثلاثين عالجت هذه المسألة في قواعدها الأخلاقية. اتبعت صحيفة جورنال نيوز نهجا أكثر تفصيلاً في "معايير السلوك المهني" الذي وضعته لقسم الأخبار:

"لا تصف الشخص حسب عِرقه، أو دينه، أو خلفيته الأثنية ما لم يكن ذلك ضرورياً لسياق القصة. لا تقتبس نوادر عِرقية، أو إثنية، أو دينية، أو إهانات ما لم تكن هذه أساسية في التقرير (ونادراً ما تكون كذلك).

"عند إعطاء أوصاف للمشتبه بارتكابهم جرائم، لا تستعمل الخصائص العرقية أو الاثنية ما لم تكن جزءاً من وصف كامل الى حد كبير لمشتبه به فار من وجه العدالة، والتي يمكن، بصورة معقولة، أن تساعد الناس عند مساعدتهم للشرطة. تنبه بالأخص تجاه استعمال تلميحات لأي مراجع قد تكون مؤذية لمجموعة من الأقليات. فإذا وجدت بدائل غير مؤذية استعملها.

"يجب أن تكون المقالات، والرسوم، والصور الفوتوغرافية متلائمة مع الاتجاه السائد، أي يجب القيام بجهد لتمثيل الأقليات روتينيا،ً كي تعكس تغطيتنا للأحداث تركيب المجتمعات بدقة أكبر.

"إحذر من النمطية العنصرية في الصور الفوتوغرافية."

فرض تطبيق القواعد الأخلاقية

من بين مجموعات القواعد الأخلاقية الثلاث والثلاثين التي راجعناها لا يعالج الكثير منها مسألة فرض التطبيق الإلزامي لهذه القواعد. ومن بين تلك المجموعات التي تقوم بذلك نجد أن معالجتها تكون عادة موجزة وعمومية. يشير الكثير من القواعد إلى أن ليس بإمكان أي منها توقّع كافة المشاكل المحتملة التي يمكن أن يواجهها الصحافي، ما يوحي بضرورة التشاور من المشرفين عند بروز مشكلة حقيقية. رغم ذلك، لا تُبيّن سوى قلة من القواعد أي عملية منتظمة للتعبير عن مظلمة أو لحل نزاع.

تُبيّن مجموعة القواعد الأخلاقية لصحيفة ذي دالاس مورنينغ نيوز الصادرة في تكساس، فقط أن "مخالفة بعض الإرشادات قد يقود إلى إتخاذ عمل تأديبي ضد المخالف أو إنهاء خدماته." أما صحيفة ذي نيوز جورنال الصادرة في ويلمنغتون، بولاية ديلاوير، فهي الأكثر توسعاً في معالجة فرض التطبيق الإلزامي في مجموعة قواعدها الأخلاقية. تشمل هذه المجموعة سبع نقاط إحداها موجّه نحو اعتماد ميثاق شرف: "من واجبات موظفينا إن يوجهوا انتباه المشرف أو رئيس التحرير إلى أي مخالفة لمجموعة القواعد هذه."

القواعد الأخلاقية والمصداقية

في حين أن جميع مجموعات القواعد الثلاث والثلاثين التي راجعناها تُدرج بصورة عامة المعايير المحددة لسلوك الفرد في صيغة سلبية، مثل: "لا تفعل"، فإن حوالي نصف هذه المجموعات تستعمل عبارات تحدد بوضوح دور الصحافيين والتزاماتهم الأدبية ومسؤولياتهم المهنية. إن لهجة الضوء الأحمر التي تشدد على المنع، بالمقارنة مع لهجة الضوء الأخضر التي تشدد على الواجبات والمسؤوليات، قد تحمي الصحيفة من نواح معينة فقط، بينما تعرّضها للخطر من نواح أخرى. يمكننا الاستنتاج من مطالعة هذه القواعد كم من أقسام الأخبار تتبع عملية سلسة لصنع القرار. وإذا كانت مطالعتنا صحيحة، فيبدو إن في معظم هذه الأقسام، على الأقل فيما يخص المسائل التي تعالجها القواعد هذه، يكمن الحل للمآزق الأخلاقية بالتقيد بكتاب الأنظمة وبأصوات المشرفين الرسمية، وبقدر أقل، باعتماد التفكير النقدي، والتباحث مع الأنداد، واستعمال البروتوكولات الفاعلة في عملية صنع القرار.

يقول علماء الأخلاقيات أن الإعتماد على القواعد الأخلاقية هو نقطة منتصف الطريق بين الإخلاص الداخلي الغريزي وبين التفكير الأخلاقي والعقلاني. والواقع أن الطاعة العمياء للقواعد المقررة يساوي تقريباً الطاعة العمياء للسلطة أو التقاليد دون مساءلتها. وفي أفضل الحالات، تُبعدنا مجموعات القواعد الأخلاقية هذه عن التصرفات العقائدية باتجاه تصرفات مدروسة تستند على حكمة الأجيال. لكن هذه القواعد ليست الدواء الشافي لكل المآزق الأخلاقية في حقل الأخبار، أو في أي حقل إعمال آخر، كما أنها ليست الحلول لأزمة المصداقية.

وكما كتبنا في مجلة الأخبار "كويل"، المجلة الرسمية لجمعية الصحافيين المهنيين بعد أن راجعت الجمعية مجموعة قواعدها في عام 1999:

"إن مجموعات القواعد الأخلاقية المعدة بعناية، تسلط الضوء على، وتتوقع، المآزق الأخلاقية. لذلك لا يتوجب علينا جميعاً إعادة ابتكار عملية صنع القرار في كل مرة نواجه فيها مأزقاً جديداً. إنها تُلهمنا للقيام بأدوارنا ومسؤولياتنا الفريدة؛ تجعل من كل واحد منا أمينا على قِيَم وتصرفات مهنتنا؛ وتُلهمنا للتمثل بأفضل ما في مهنتنا؛ وتشجعنا على صنع القرار المتفاعل مسبقاً، قبل نشر قراراتنا في العلن ".

(روبرت ستيل هو مدير برنامج تعليم الأخلاقيات في معهد "بوينتر" في سان بيترسبورغ، بولاية فلوريدا. وجاي بلاك هو أستاذ أخلاقيات وسائل الإعلام، يشغل كرسي "بوينتر-جاميسون" في جامعة ساوث فلوريدا، في سان بيترسبورغ.

**** المجلات الإلكترونية