eJournal USA: Global Issues

العناية بالأنهر

مقابلة مع ديفيد آلان وبريان ريختر

المحتويات
حول هذا العدد
البيئة: أهداف متشاطرة ومهمة مشتركة
ثلاثون سنة من التقدّم في مجال الهواء النظيف
معرض صور photo icon
التقدّم البيئي- —ملف مصوّر
رؤيا الولايات المتحدة الأميركية حول التغيّرات المناخية
فهم التغيّرات المناخية والعالمية
تسويق غاز الميثان
توليد الطاقة اليوم من الرياح
الكيمياء تتحول خضراء
معرض صور photo icon
التفكير الأخضر: الفعالية البيئية، والتكنولوجيا، والابتكار
تصدير "أفضل فكرة" أميركية: مشاطرة العالم نظام المتنزهات الطبيعية القومية
العناية بالأنهار
تقدم الديمقراطية والازدهار من خلال التنمية المستدامة
خفّض، أعد الاستعمال، دوّر النفايات
رسائل خضراء
المراجع
مصادر الإنترنت
 

The Mississippi River, is a trade route and recreational venue.
نهر الميسيبي، الظاهر هنا قرب نيو اورليانز، بولاية لويزيانا، هو طريق تجارية وموقع استجمامي. يزود النهر مَواطن لأنواع مختلفة من الأسماك والحيوانات والطيور البرية، ويدعم أكبر نظام متواصل من الأراضي الرطبة في أميركا الشمالية.
صورة أ.ب.

تعتمد حياة الإنسان وصحته ورفاهيته على المياه النظيفة والعذبة. فلماذا قمنا بهذا القدر من إساءة استعمال مصادر المياه العذبة التي نعتمد عليها لبقائنا على قيد الحياة؟ استعملنا الأنهر والجداول التي تزودنا بالمياه العذبة كمطامر للنفايات، وحولنا مجاريها الطبيعية، وجففناها للاستعمال الحصري الذي يفيد القليلين. جاء العقدان الماضيان بمستوى جديد من الإدراك للتأثيرات المضرة لهذه الممارسات وتصميماً أشد على استعمال موارد المياه بطريقة يمكنها تلبية احتياجات كافة المستعملين مع المحافظة في نفس الوقت على الأنظمة الأيكولوجية المحيطة بها.

يبحث اختصاصيان محترفان في هذا الحقل هذه الاتجاهات مع مديرة تحرير مجلة قضايا عالمية، شارلين بورتر. يشغل برايان ريختر منصب مدير مبادرة المياه العذبة، وهو مشروع تنجزه منظمة المحافظة على الطبيعة غير الحكومية التي تهتم بالبيئة، كما شارك في تأليف كتاب "أنهر للحياة". ديفيد ألان يعمل أستاذا لبيولوجيا المحافظة على الطبيعة وإدارة الأنظمة الأيكولوجية في جامعة مشيغان وشارك في تأليف كتاب الجداول: أيكولوجيتها وحياتها.

سؤال:السيد ريختر، في كتابك الذي صدر العام 2003 بعنوان أنهر للحياة دعوت أنت، والمؤلفة المشاركة ساندرا بوستيل، إلى نمط تفكير جديد يجعل من المحافظة على صحة النظام الأيكولوجي هدفاً واضحاً لتنمية وإدارة موارد المياه. فلأي درجة ترسخت هذه الفكرة اليوم في الولايات المتحدة؟

ريختر: من الجدير بالاهتمام، أن التطور ضمن الولايات المتحدة كان بطيئاً نوعاً ما، من وجهة نظري، مقارنة مع بعض الدول الأخرى. وهذه مصادفة غريبة أيضاً لأن الولايات المتحدة كانت قد بدأت تتعامل مع هذه المسائل بجدية في أواخر الستينات من القرن الماضي، عند تصديق الكونغرس على قوانين بيئية قومية. حينئذٍ باشر العلماء، وصانعو قرارات، ومسؤولو التنظيم في الولايات المتحدة بالتعامل مع الكثير من هذه المسائل، إلاّ أن التفكير السائد في المجتمع العلمي حول إدارة كمية المياه كان عند نقطة تختلف في ذلك الحين عما هو عليه الآن.


عملية تنظيف الألف طن

منظمة الأراضي والمياه الحية تزيل الأنقاض من بعض أكبر أنظمة الأنهر في البلاد.

Hairline rule

أمضى شاب ترعرع بجوار ضفاف نهر المسيسيبي، السنوات الثماني الماضية منهمكاً في جهد يسوده الحب الحقيقي، أي تنظيف مجاري الأنهر في الولايات المتحدة: نهر واحد كل مرة، وإزالة قطعة واحدة من النفاية كل مرة. عمل تشاد بريجراكه، عمره 29 سنة، في صيد السمك التجاري خلال سنوات دراسته الثانوية والجامعية. لاحظ أن تراكم النفايات يزداد سوءاً على شواطئ الأنهر، وصمم على القيام بعمل ما في هذا السبيل. وهكذا، في العام 1997 قام بريجراكه بتنظيف 100 ميل (160 كلم) من شاطئ نهر المسيسيبي بمساعدة تبرعات من المجتمع الأهلي ومنحة صغيرة قدمتها له شركة الكوُا. وفي السنة التالية أسس منظمة لا تبغي الربح أطلق عليها اسم "منظمة الأراضي والمياه الحية" لجمع الأموال من اجل تأمين استمرار نمو المشروع.

ونما المشروع بالفعل. يقدر بريجراكه انه مع فريق عمله، وبمساعدة الآلاف من المتطوعين، أزالوا أكثر من ألف طن من النفايات من أحواض الأنهر الأميركية.

قامت المجموعة أولاً بتنظيف مئات الأميال من شاطئ نهر المسيسيبي ثم انتقلت بعد ذلك لتنظيف شواطئ انهر إلينوي، واوهايو وميزوري في الوسط الغربي، ونهري بوتوماك واناكوستيا في واشنطن العاصمة. ترعى المنظمة عمليات تنظيف تقوم بها المجتمعات الأهلية، وإقامة ورش عمل تثقيفية، ومشاريع إعادة التحريج، وتنفيذ برنامج "تبنّى ميلاً من نهر المسيسيبي" الذي تتولى عبره مجموعات من المواطنين مسؤولية إبقاء ميل واحد (1.6 كلم) من شاطئ النهر نظيفاً على الدوام.

وبشكل مدهش، لا يعتبر بريجراكه نفسه مدافعاً عن البيئة، ويقول "قد أكون محافظاً على الطبيعة، هذا إن كنت أي شيء". ويضيف: "لا يعجبني إطلاق صفة مناصر للبيئة لأنها تجعلني أبدو شخصاً مختلفاً. فأنا لست أكثر من فرد عادي. احب ان يتذكر الناس ان باستطاعة أي فرد ان يحقق أمراً مهماً".

أعرف المزيد عن منظمة "الأراضي والمياه الحية" من موقع الإنترنت: http://www.livinglandsandwaters.org/

Chad Pregracke, founder of Living Lands and Waters, motors along the Mississippi River near East Moline, Illinois, on his mission to clean up the river.
يقود تشاد بريجراكه، مؤسس منظمة الأراضي والمياه الحية، زورقه على امتداد شاطئ نهر الميسيبي بالقرب من ايست مولين، بولاية إلينوي للقيام بمهمته في تنظيف مجرى النهر.
صورة أ. ب.

سؤال: من أي ناحية؟

ريختر: في ذلك الوقت لم يكن لدى علماء أيكولوجية الأنهر إدراك عام وواسع نوعاً ما لأهمية التقلبات الهيدرولوجية، والتغيّرات الحاصلة في معدل انسياب مياه النهر والتأثيرات المحتملة لهذه التقلبات على النباتات والحيوانات وعلى النظام الأيكولوجي ككل. كان مسؤولو التنظيم يستقون هذه المعلومات لاتخاذ قرارات تنظيمية على أساسها، فتحركوا باتجاه أسيلوب عمل يقول بوجه عام ان الأمر الأكثر خطورة هو معرفة إلى أي مستوى يتدنى منسوب النهر خلال فترة الجفاف السنوية أو خلال الجفاف. لكننا لاحظنا انه يتطور في الولايات المتحدة توجه قوي نحو التساؤل: "ما هو مستوى الأدنى لانسياب المياه اللازم للمحافظة على بقاء النباتات والحيوانات في هذا النهر في حالة جيدة."

ظللنا غارقين في ذلك التركيز خلال معظم ثلاثة عقود، ولم نبدأ إلا في أوائل التسعينات من القرن الماضي بملاحظة بعض الاختلافات في الرأي والاهتمامات التي احتجنا إليها لكي نوجّه الاهتمام لأكثر من المستوى الأدنى لانسياب المياه في مجرى النهر. كانت لدينا حاجة مواجهة الدور المهم الذي تلعبه الانسيابات العالية من المياه، وحتى الفيضانات، في تأمين استدامة التنوع البيولوجي والعمل الصحيح لنظام النهر الايكولوجي. كان صعباً إقناع مدراء المياه ومشغلي السدود بوجوب المحافظة على مستوى معين من تدفق المياه من اجل صحة النهر.

سؤال: بروفسور آلان، إدارة النظام الأيكولوجي من اختصاصك. كيف تطور هذا التفكير العلمي مع مرور الوقت؟

آلان: شرح بريان ذلك على نحو صحيح تماماً. كانت المسألة ولمدة طويلة جداً تدور حول المستويات الدنيا للتدفق. إلى أي حد قد تهبط مستويات المياه؟ إلى أي حد يمكن لنوعية المياه ان تتدنى؟ ما هو المعيار الأدنى استناداً إلى الأوكسيجين المذاب (فقاعات مجهرية من غاز الأوكسجين في المياه ضرورية للحياة المائية). الذي يمكنها أن تستجيب لأحمال النفايات العضوية؟ بوجه عام كان أسلوبا أدنى تجاه حماية البيئة وتشديداً أقصى على استعمال ذلك المورد.

إن ما يطرحه حقل إدارة النظام الأيكولوجي للبحث اليوم هو الاعتراف بأن مياهنا توفر فوائد عديدة، ربما كنا نظنها فوائد غير ملموسة، لكنها تبدو فوائد ملموسة أكثر واكثر بمرور الزمن.

لا تتولد هذه الفوائد من أنظمة أيكولوجية صحية. تعرض مشاكل المياه إلى الخطر صحة الأسماك، مثلاً، أو قدرة النظام الأيكولوجي المائي في تطهير المياه، أو صحة النظام الأيكولوجي النهري، أو النباتات والأشجار التي تنمو على جانبي المجرى والأشجار وتكوّن جذوراً لها في المياه الضحلة. لاحظنا جميع هذه النتائج الأيكولوجية وكيف أصبحت أكثر وضوحاً وهذا يقودنا إلى زيادة التفكير بكيفية المحافظة على هذه الفوائد.

وهكذا ندرك ان النظام الأيكولوجي يتعرض للأذى ويعود هذا الأذى علينا بالضرر على شكل تناقص الخدمات (خدمات النظام الأيكولوجي هي العمليات التي تنتج البيئة بمساعدتها مياهاً نظيفة، وهواءً نظيفاً، وأخشاب الأحراج، ومواطن الأسماك، والتلقيح النباتي) التي اصبح بإمكاننا بصورة متزايدة ان نبدأ تقييمها بالدولار.

سؤال: سيد ريختر. بدأت حديثك بالقول ان بعض الدول قد تسبق الولايات المتحدة في تطوير أسلوب متقدم وجامع لإدارة مستجمعات المياه وأنظمة إدارة الأنهر. نرجو التوسع في شرح هذه النقطة.

ريختر: خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي بدأنا في الولايات المتحدة نطور بشكل مكثف مواردنا المائية وبناء السدود ولاحظنا بدء ظهور مشاكل بيئية، مثل فقد الأنواع الحياتية، أو انخفاضات في أعداد الأسماك، بعد ذلك بوقت قليل. كانت دول أخرى أكثر تباطؤا في تطوير مواردها المائية، وعندما أخذت المشاكل تبرز في بلادها خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي نظر علماؤها حول العالم لمعرفة كيف تتعامل دول أخرى وعلماء آخرون بمشاكل مماثلة، وكيف تطورت القاعدة المعرفية على مر العقود. وتوصلوا في نهاية المطاف إلى تصميم بعض المقاربات المختلفة أساساً لمعالجة المسائل الحرجة التي تضمن الإدارة المتوازنة للمورد: كم تبلغ كمية المياه التي يحتاج إليها النهر؟ ما هي المتغيرات الطبيعية في مستويات تدفق المياه الضرورية اللازمة لتأمين استدامة الفوائد المجتمعية التي نستمدها من أنظمة أيكولوجية صحية؟

سلطنا الضوء في كتاب أنهر للحياة على التقدمات التي تحققت في أماكن مثل جنوب أفريقيا، واستراليا، وبعض الدول الأوروبية. يتخذ العلماء نظرة جديدة حول كيفية معالجة هذه القضايا. طورت هذه الدول، بالعمل سوية مع المنظمين، وصانعي القرارات، ومخططي مشاريع المياه، مقاربات تعالج بشكل افضل اهتمامات العصر الحديث.

وحصلت الولايات المتحدة في نهاية المسار على إرث كبير من التشريعات البيئية التي سبق تطويرها منذ عدة عقود، وأصبح مؤكداً انه أصبح أكثر صعوبة، من بعض الأوجه، تعديل التشريعات والمقاربات التنظيمية لدينا مقاربة بما حصل في الدول التي تعاملت مع هذه المسائل كمواضيع جديدة. ومن وجهة نظري فان هذه الدول قفزت جوهرياً من الناحية السياسية أو التنظيمية وقفزت لتجاوز الولايات المتحدة.

سؤال: التشريع الذي تتحدث عنه هو قانون المياه النظيفة الذي أقرته الولايات المتحدة في السبعينات من القرن الماضي والذي حقق تقدماً مهماً في الدعوة إلى تنظيم معالجة مياه الصرف الصحي والتخلص منها، وأدى بوجه عام إلى صرف مياه المجاري والنفايات غير المعالجة في مجاري المياه لدينا. بروفسور آلان، هل عمل قانون المياه النظيفة ما أردنا منه ان يحققه؟

آلان: أدّى عمل قانون المياه النظيفة إلى تحقيق الكثير لنا. واتفق مع قول بريان ان عدداً كبيراً من قوانينا لتنظيم المياه يعود تاريخها إلى السبعينات من القرن الماضي. وفي الواقع يعود تاريخ صدور بعض قوانين أخرى لتنظيم المياه إلى ابعد من ذلك، إلى فترة استيطان الغرب الأولى في الولايات المتحدة.

لكن قانون المياه النظيفة حقق بالتأكيد أشياء جيدة لنا. فقد أنشأ مجموعة كبيرة من محطات المعالجة الثانوية لمياه الصرف الصحي؛ جعل المياه أكثر نظافة بالتأكيد؛ أدخل المصطلحات اللغوية إلى القانون المتعلق بالسلامة الفيزيائية، والكيميائية، والبيولوجية للمياه العذبة التي قادت بصورة تدريجية خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي إلى إنشاء أدوات شاملة من مقاربات التقييم البيولوجي التي تستعملها الولايات الآن بشكل واسع لتقييم الصحة الأيكولوجية للمياه العذبة. يستمر قانون المياه النظيفة في توجيه هذا النشاط وبطريقة فعالة للغاية، حسب ما اعتقد.

ولكن واجهتنا مشاكل جديدة دون ان يكون لدينا أي وسيلة لتوجيهنا كي نتغلب عليها. وهنا في منطقة البحيرات الكبرى 1 نتصارع مع مشكلة تصدير المياه. فليس من الواضح ما هي القوانين والأنظمة التي تُمكّن أو توجب منع تصدير مياه البحيرات الكبرى أو خارج حدود الدول التي تحيط بالحوض. هناك ناقلات ضخمة مليئة بالمياه العذبة تتوجه إلى آسيا من البحيرات الكبرى، من كان يستطيع ان يتنبأ بحصول ذلك؟ وهكذا نتدافع لإيجاد الاستجابة الملائمة لهذا الأمر، ولإيجاد الأدوات المناسبة تمكنّا من بناء استجابة ملائمة.

سؤال: من المؤكد، في تلك الحالة أن تكون هناك مصالح متنافسة عديدة يلزم تلبيتها: حكومات قومية، ولايات، حكومات محلية، علماء، ونشطاء بيئيون وتصبح محاولة اتخاذ القرار الصحيح حول استعمال المورد أكثر صعوبة بكثير عندما يكون لهذا العدد الكبير من الناس والمجموعات مصلحة فيه.

ريختر: نعم. من المهم أن فهم ان محاولة الترافق باستمرار مع أحدث التقدم في العلوم تُشكّل تحدياً سياسياً، وفي اتخاذ القرارات، وفي التخطيط. سوف يبقى السياسيون متأخرين دوماً عن اللحاق بالتقدم العلمي. انه تحد عالمي، وتقوم بعض الحكومات بمهمة افضل من غيرها بترجمة العلم إلى سياسات وقوانين. فقد تم تطوير أنظمة، وقوانين، وممارسات حول العالم لادارة المياه تستند إلى مستويات الفهم التي كانت سائدة في وقت ما من الماضي.

ولذلك علينا ان ننظر إلى مسألة إدارة موارد المياه على انها كانت دائماً في حالة انتقالية طويلة جداً جداً، ويعود تاريخها إلى آلاف من السنين عندما أنشئت أول أشغال وسدود للري في الصين. مقابل هذا التاريخ الطويل نرى دولاً تدخل مراحل أو عهود متغيرة في إدارة المياه، واتخاذ القرارات بصدد تطوير الموارد المائية، وتنجح بعض الدول أكثر من غيرها في التناغم مع القيم المتغيرة للمجتمعات في أزماننا الحاضرة.

وبصفتي عالما عليه العمل مع صانعي قرارات السياسية، اعتقد ان أنماطاً معينة من عمليات صنع القرار تبدو على انها تسهل ترجمة العلم إلى سياسة بسهولة أكبر وبسرعة أكثر، وإلى إصدار التشريع والتخطيط من غيرها. فعلى سبيل المثال، توفر بعض الدول فرصاً للمشاركة النشطة لمواطنيها في التعبير عن قيمهم ومصالحهم، من خلال إقامتها لبيئة آمنة وبناءة. تُمكّن غيرهم من أصحاب المصلحة والمصالح من الاستماع إليهم. يبدو ان تلك الدول تحتضن التطور السريع أكثر والناجح في السياسة وصنع القرار أكثر من غيرها.

سؤال: بروفيسور ألان، في موضوع الكلام عن وضع معايير، واتخاذ خيارات استناداً إلى افضل معلومات متوفرة، كتبت، مقال في مجلة الايكولوجيا التطبيقية، تقترح فيها ان مشاريع إعادة تجديد الأنهر إلى نقل نهر من أدنى حالة التردّي إلى أقصى حالة ديناميكية ممكنة ايكولوجياً. فهل تعيين ذلك الهدف بسيط كما يبدو؟

آلان: أوافق على أنه هدف طموح، ولكن لدينا قدرا كبيرا من العلوم التي تستطيع المساعدة في توجيهنا في هذه الاتجاهات. والتشديد هنا يعود إلى التحرك بالاتجاه الصحيح نحو نظام صحي وديناميكي.

تمّ اكتساب قدر كبير من المعرفة من خلال البحث العلمي حول كيفية تحسين صحة أي نظام وجعله أكثر استدامة، كما تم اكتساب قدر كبير من المعرفة من خلال الممارسة والتنفيذ. ان الأهداف المختلفة التي طرحناها في تلك المقالة، أي خطة الخطوات الخمس لصحة الأنهر من الوجهة الأيكولوجية وللحكم على مدى نجاح جهود تجديد الأنهر، جرى تقييمها بطريقة نوعية إلى حد كبير 2. يمكننا تحديد ذلك بثقة معقولة ما إذا كان هذا العمل سوف ينقل النظام بدرجة اكبر في الاتجاه الذي نتوقع له ان يكون فيه، والذي قد يستند إلى قاعدة الأحوال المرجعية، وإلى المقارنات مع انهر صحية أخرى في المنطقة، أو إلى تجارب أنظمة مماثلة. نعرف بوجه عام متى نسير في الاتجاه الصحيح ومتى لا نقوم بذلك. ان التبيان الواضح للجوانب الأساسية للاتجاه الصحيح هو ما حاولنا تقديمه في ذلك البحث.

A satellite image of North America’s Great Lakes, from left to right: Lake Superior, Lake Michigan, Lake Huron, Lake Erie, and Lake Ontario.
صورة التقطت من قمر صناعي للبحيرات الكبرى في أميركا الشمالية، وتظهر من اليسار إلى اليمين: بحيرة سوبيريور، بحيرة مشيغان، بحيرة هورون، بحيرة ايري وبحيرة اونتاريو.
صورة من ناسا.

سؤال: دعني أقوم بدور محامي الشيطان معك للحظة واحدة. ذكر السيد ريختر التاريخ الطويل في إدارة المياه، وبالتأكيد وجدت أوقات، على امتداد ذلك المسار الطويل، قرر الناس: "لنبني هذا السد. انه فكرة عظيمة". أو قالوا: "دعونا نبني هذه السدود لتحتوي هذا النهر ونمنع فيضان مياهه". تمر العقود، وتظهر هذه الأفكار على أنها لم تكن أفكاراً عظيمة بالنسبة للأنظمة الأيكولوجية. من معرفة التاريخ، ما هي درجة الثقة لذلك بأنك تطلق الدعوات الصحيحة الآن؟

آلان: حسناً، هذا موقف منصف يجوز اتخاذه، كما انه موقف يصعب جداً الدفاع ضده. هناك خطر من ان تقود غطرسة الجيل الحالي إلى قناعة أننا "نعرف كيف نعمل الأشياء بصورة صحيحة. لن نرتكب أخطاء. لقد ارتكبوا أخطاء في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ولكننا أكثر شطارة الآن". إنني أعتبر أن هذا لوم تحذيري في مكانه، لكن تبقى لدينا فرصة افضل اليوم للتحرك في الاتجاه الصحيح بدلاً من السير في الاتجاه الخاطئ. ان الفطرة السليمة سوية مع المعرفة العلمية دليلان مفيدان لاتخاذ قرارات إدارية متعقلة.

ريختر:يرجع ذلك إلى تعريف مفهوم الاستدامة الذي أصدرته لجنة بروندتلاند قبل بضع سنوات3. وضعت اللجنة الكثير من التشديد على عدم تخفيض أو إبطال الإمكانيات المتاحة للأجيال المستقبلية. وهذا يُشكّل معياراً حكيماً علينا ان نبقيه في ذهننا. والعديد من التغيرات التي حصلت في الماضي في الأنظمة الايكولوجية للموارد المائية والمياه العذبة، اصبح من الصعب جداً جداً الآن عكسها في جيلنا الحالي.

سوف تمنع، بعض قرارات التنمية التي نتخذها اليوم، توفير خيارات للأجيال المستقبلية، وسوف يتوجب علينا دائماً الانتباه لهذا الأمر. أما وقد قلنا ذلك، سوف يكون لدى المجتمعات في مختلف أنحاء العالم التزامات ملحة مختلفة. لقد أمضيت حوالي أسبوعين مثيرين للدهشة في غرب الصين حيث يدور الكثير من النقاش حول إنشاء سدود جديدة لتوليد الكهرباء من القوة المائية. والدافع هو رغبة الحكومة بتزويد الكهرباء إلى القرى النائية الواقعة غرب الصين. يعتبر المسؤولون أن هذا العمل أحد النواحي الهامة للغاية في تخفيض مستوى الفقر، وتحسين نوعية الحياة للمواطنين في ذلك الجزء من البلاد.

تطرح هذه المسائل المتاحة تحديات كبيرة من الناحية المجتمعية، ولكن من أجل تنفيذ المبدأ الوقائي، إلى المدى الذي يمكننا، ولنكون حذرين حول عدم إعاقة الخيارات للأجيال القادمة علينا ان نبقي هذه المسألة في أذهاننا.

آلان: نحن نعيش في عالم يتغير بسرعة. أُدرّس في هذا الفصل مقرراً تعليمياً حول التغير البيئي العالمي. ونراجع سلسلة من الأمور التي تغيرت بصورة مثيرة منذ العام 1950. كان الناس آنذاك يبددون هواجس اقل بالنسبة لحدود الأشياء. كانت السدود تُبنى، والمدن تتوسع، وعمليات استخراج المياه تتمدد، ولا زال هناك في يومنا الحاضر أشخاص عديدون يعتبرون على ان الموارد لا حدود لها بصورة أساسية، وهي مخصصة لاستعمال الجيل الحالي. لذلك نعتبر ان هناك تحولاً لافتاً جداً عندما نناقش اليوم حدود وحقوق النظام الأيكولوجي، واحتياجات الأجيال المستقبلية للموارد المائية. انها تحولات أساسية نسبياً في الزمن الحديث.

وتكراراً للنقطة التي ذكرها بريان، فان الأولويات الاجتماعية سوف تتطور بصورة مختلفة في أماكن مختلفة استناداً إلى ما ينتج من احتياجات ملحة. لقد أمضيت وقتاً في ريف فنزويلا أواخر التسعينات من القرن الماضي وأدركت ان نسبة تتراوح بين 80 إلى 90 بالمئة من الكهرباء التي تصل هي كهرباء مولّدة من القوة المائية. فإذا لم تعجبك السدود يعني ذلك انك لا تريد الكهرباء هناك في المستشفيات لمعالجة المرضى، ولن تملك أي وسائل تبريد. سوف تسيطر بعض الاحتياجات الإنسانية الأساسية على الحوار الجاري في أجزاء أخرى من العالم، ولكننا لم نقدم إلاّ مؤخراً هذا المفهوم الذي يدعو إلى بعد النظر. لا زلنا نتعارك مع ما قد يعنيه الخيار بين الفرص المستقبلية والفرص المتوفرة في يومنا الحاضر. انها خيارات يعصب جداً إجراء مبادلة فيما بينها.

ريختر:اني متفائل لان شيئين تغيرا بصورة جوهرية نسبياً خلال العقود الأخيرة، يتمثل أحد الأمرين إلى حد كبير بالقدرات العلمية أو الفنية التي تمكن من فهم إبلاغ ما تقوم باستبداله عندما تتخذ قرارات التنمية هذه. ذكر ديفيد سابقاً ان أحد الأمثلة حول الخدمة للنظام الايكولوجي الهامة جداً، سوف تتمثل، في دول عديدة من العالم النامي، في الحفاظ على سبل العيش من خلال إمكانية صيد الأسماك في العديد من الدول النامية يعتمد عيش السكان إلى حد كبير على إمكانية الوصول إلى صيد الأسماك. والبروتين السمكي يُشكّل جزءاً هاماً جداً من غذائهم. وأصبحنا الآن قادرين على التكهن إلى درجة محدودة ما سوف تكون عليه التغيرات المحتملة في أمور كالمسامك. يستطيع المجتمع ان يزن فقد قدرة المسامك مع تطور توتر الطاقة أو مع السيطرة على الفيضانات. يمكننا تشكيل جدول قرارات يعتمد على معلومات أفضل ويعطيني ذلك الكثير من الأمل.

النقطة الثانية التي تعطيني الأمل هي ان الحكومات تتحرك إلى الأمام بصورة متزايدة تجاه أنماط شاملة وشفافة من علميات صنع القرار.

كان العديد من هذه القرارات يؤخذ من جانب واحد إلى حد ما من جانب الدوائر الحكومية المركزية، أو من عدد محدود من الأفراد العاملين في وكالة مياه أو طاقة في البلاد، أو من القطاع الخاص لاسباب اقتصادية بحتة. بدأت الآن عملية صنع القرار في هذا الشأن بالانفتاح واصبحت أكثر تقبلاً للمدخلات الواردة من مجموعات أخرى من أصحاب المصلحة والمصالح يملكون مجموعة من القيم.

سؤال: بروفسور آلان، هل لديك ملاحظة توحي بالأمل في نهاية هذه المقابلة؟

آلان: ان معرفتنا بأن الأنظمة الأيكولوجية تؤمن خدمات ذات قيمة كبيرة إلى هذا الحد، بدأ الآن تقدير وحتى في هذه البلاد. إن مجرد ذكر استعمالات المياه العذبة الثمينة أمر يخطف الأنفاس، خاصة إذا أدرجت قائمة بهذه الاستعمالات: مياه الشرب، المياه المنزلية، مياه الري للزراعة، ومياه الإنتاج الصناعي، المياه اللازمة لبقاء الأسماك بصحة جيدة والتي تُشكّل مصدراً مهماً للبروتين وغيرها الكثير. تساعد الأنظمة الأيكولوجية الصحية في السيطرة على الفيضانات وتطهير المياه. وهناك قيم ثقافية في الاستجمام وفي الإحساس بالرفاهية المتزايدة التي يشعر بها الناس عند زيارة منتزه عام، أو محمية طبيعية، أو شاطئ نهر. الدورة المائية تغذي استرجاعياً إلى حالة نباتات الأرض وقدرة المحافظة على غابات بصحة جيدة. وعندما تبدأ بتكوين تقدير افضل لكافة الأسباب التي تجعل هذه الأنظمة مهمة لنا تلاحظ ان الأنظمة البيئية الصحية والسكان الصحيون يترافقون يداً بيد.

Protecting the Environment: 30 Years of U.S. Progress

Protecting the Environment: 30 Years of U.S. Progress

إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر الحكومة الأميركية أو سياستها.

Protecting the Environment: 30 Years of U.S. Progress