International Information Programs


11 أيلول/سبتمبر: ويمضي عام

انبعاث الحيوية والتجديد في البنتاغون
بقلم جاكلين س. بورث

ثمة مشروع إعادة أعمار رائع سوف يساعد على استعادة عافية مركز القيادة العسكرية للولايات المتحدة بعد الهجوم.


آرلنغتون، فرجينيا - في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، خطف إرهابيون طائرة مدنية أميركية واستخدموها للهجوم على ما أسماه وزير الدفاع رونالد رامسفلد عن حق: رمز "قوة أميركا العسكرية". ففي لحظة مرعبة، تعرضت ثلاث حلقات من الممّرات الداخلية الدائرية داخل مبنى البنتاغون، من أصل خمسة، لاختراق طائرة تم تحويلها إلى صاروخ يطير بسرعة 560 كيلومتراً بالساعة حاملاً أطناناً من وقود الطائرات المتفجر التي حولت الأسمنت المسلح إلى فتات.

ونتيجة الاصطدام، تحوّل جانب من جوانب البنتاغون الخمسة إلى كرة نارية وانهار كما لو أنه تعرض لهزّة أرضية. وقعت الكارثة بعد مرور 60 سنة تماماً على تاريخ البدء بتشييد البناء الذي يضم العسكريين والموظفين المدنيين الذين يعملون على مدار الساعة لتأمين الدفاع عن أميركا. لقد أدى الهجوم على أحد أكبر أبنية المكاتب في العالم إلى مقتل 125 من هؤلاء العمال، كما أصيب 110 آخرون بجروح بالغة، ولاقى 59 راكباً من ركاب طائرة أمريكان إيرلاينز رحلة رقم 77 حتفهم على الفور.

وفجأة، وإلى جانب الكارثة الإنسانية، أصبح أكثر من37.000 متر مربع من المساحات الداخلية للمكاتب غير صالح للاستعمال كما أضطرّ العاملون في قضايا الأمن الوطني البالغة الأهمية إلى النزوح. وبدأت جهود إعادة إعمار ما أسماه أحد الصحافيين الدوليين "موقع الصفر الآخر" (موقع الكارثة الثاني) على الفور تقريباً. وقد أطلقت على مشروع إعادة بناء ما دمّره الهجوم أسم "فينيكس"، العصفور الأسطوري الذي ينبعث من رماد الدمار. لقد تطلب برنامج إعادة البناء مساهمة 3.000 شخص تعاونوا في تحديد الأضرار الناجمة عن النيران، والدخان، والمياه على مساحة 186.000 متر مربع تقريباً.

بعد مرور سنة على الكارثة، تحقّق في البنتاغون ما كان يبدو تحقيقه مستحيلا. فقد سحب عمال البناء 45.000 طن متري من الحطام وعملوا طيلة ما يعادل 3 ملايين ساعة عمل لأجل إنجاز ما قال البعض، في أول الأمر، باستحالة تحقيقية: أي عودة موظفي وزارة الدفاع إلى مكاتبهم التي دمرت، قبل حلول الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2002.

 

لم يجر تحديد تحقيق هذا الهدف في الذكرى الأولى للهجوم من جانب رسميين على مستوى رفيع، بل جاء القرار بدلاً من ذلك من العاملين على الأرض، وبينهم العديد من المهاجرين إلى أميركا الذين كدحوا جاهدين وأمامهم ساعات رقمية بحجم اللوحات الإعلانية تعدّ لهم الأيام، والساعات، والدقائق، والثواني التي تفصلهم عن موعد أيلول/ سبتمبر 2002. لقد كان ذلك بمثابة سباق ماراتوني. قال برتّ إيتون، رئيس فريق العلاقات العامة بالمشروع، إن الكثير من عمال البناء "الذين أوقفوا حياتهم لتنفيذ هذه المهّمة "اعتبروا أن ما قدمّوه هو تضحية صغيرة بالمقارنة مع تضحيات الذي فقدوا زملاء وأحباء لهم.

لقد كان الشعور الملح بالإسراع في العمل واضحا كما قال إيتون وأضاف، "كان كل واحد منهم.. يعلم أن العالم بأسره يراقب لرؤية كيف سيستجيب البنتاغون".

لقد عاد الستماية موظف الأول إلى مكاتبهم السابقة في مبنى البنتاغون قبل عدة أسابيع من ذكرى الكارثة ومن التاريخ المحدد لها. وأبدى بعض العائدين الأوائل بعض "التخوف المفهوم من عودتهم مجدداً إلى نفس موقع الكارثة تماما"، لكنهم أعربوا أيضا عن بعض التوقعات الجيدة لعودتهم إلى ما يشابه الوضع الطبيعي.

كان بيتر مورفي، المستشار القانوني لقائد قوات المارينز، أحد الذين عادوا إلى احتلال مكاتبهم السابقة في شهر آب/أغسطس. وقال للصحافيين أنه من المهم الاستمرار وإعطاء الدليل "على أننا لن نقبل أن يقرر الإرهابيون مستقبلنا". وتساعد العودة أيضا في توفير بعض الشعور بختام المسألة للثلاثة آلاف موظف في الجيش والبحرية الذين سيعودون إلى مكاتبهم السابقة في تاريخ الذكرى.

لقد وقع هجوم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر في قسم من البناء تم تجديده مؤخراً مع تجهيزه بمرشّات مياه، التي كان لها فضل المساعدة في احتواء الحرائق، وبنوافذ مقاومة للانفجارات ساعدت في بقاء الجدران المتداعية صامدة لفترة سمحت لعدد كبير من الموظفين بالنجاة. لقد أدت قصص حوادث النجاة الصعبة هذه إلى اعتماد طرق جديدة للسلامة في الأماكن التي تم تجديدها. فجميع أبواب الخروج الداخلية ومقابض الأبواب في المكاتب، وبيوت السلالم، وقاعات الاستراحة طُليت بحيث تظل متوهجة طيلة أربع ساعات بعد انقطاع التيار الكهربائي. وقد أضيفت إشارات متوهجة على الأرض بعدما تبيّن أن عدداً كبيراً من العمال الذين احتجزوا في مكاتب مكتظة غمرها الدخان لم يتمكنوا من رؤية طرق النجاة خلال كارثة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. وهناك أيضا إشارات جديدة للإنارة في الطابق الأرضي.

كما أنشئت منطقة جديدة "للتأمل"، وهي تذكير إضافي بما حصل. ويعلو الغرفة شعار كبير من زجاج مضاء من الخلف مصبوغ عليه نسر وشمس مطلة على البنتاغون، يحمل عبارات "متحدون في الذاكرة" وتاريخ الكارثة. وقد خصصت غرفة ثانية لـ "أبطال أميركا" الذين ماتوا في ذلك اليوم. يقول جين بارناك، المدير المساعد لمشروع فينيكس للجناح رقم واحد، أن الجدران سوف تحمل دوما أسماء الذين قتلوا في البناء وفي الطائرة وعددهم الإجمالي 184.

لقد أدى مرور سنة إلى تغيرات خارج البناء أيضاً. فالجديد يمتزج مع القديم بصورة خفية على الرغم من وضع 4.000 قطعة من الحجر الكلسي جيء بها من الغرب الأوسط للولايات المتحدة. وقد أخذت الحجارة من نفس عروق الصخر في إنديانا الذي استخدم عندما بني البنتاغون لأول مرة قبل ستين سنة. وقد تم اكتشاف ماكنات من طراز 1941 لاستخدامها في حزّ الحجارة الجديدة كي تتناسب هذه الأخيرة مع الحجارة التي سلمت من الهجوم. وبما أن البنتاغون هو مَعلم رسمي تاريخي، وجب العمل بعناية فائقة للمحافظة على مظهره.

وتظهر عملية التجديد أيضاً في هندسة الحدائق الجديدة في الموقع الذي أصيب بأضرار جسيمة. فأزهار الريحان الوردية المزهرة، وشجيرات البهشبة، والمانيوليا المزروعة مؤخرا تنمو بمحاذاة واجهة البناء الجديدة.

لكن بقي هناك أمر مروع آخر يذكّر بوحشية الهجوم. فهناك كتلة واحدة مستطيلة الشكل من الحجر الكلسي المحروق، والمنقّر والمحطّم، مثبتة في الخارج، أخذت من البناء المتضرر تكريساً للذكرى ووضعت في محيطها الجديد للتذكير الصارخ بالماضي القريب. حُفر على الكتلة "11 أيلول/سبتمبر 2001" فقط، وقد وضعت على مقربة من مكان اصطدام الطائرة، وهي تغطي كبسولة وضعها نائب وزير الدفاع، بول وولفويتز، في الحادي عشر من حزيران/يونيو للإشارة إلى انتهاء العمل في القسم الخارجي من البناء.

الكبسولة البرونزية هي مهداة إلى الضحايا وتحتوي على بنود حددتها عائلات الضحايا، وعمال البناء، وإدارة وزارة الدفاع "بمثابة ميثاق يبرهن القوة والعزم" للأميركيين. وتحتوي الكبسولة أيضاً على لائحة بأسماء الذين قتلوا في الهجوم على البنتاغون وأسماء الستة وأربعين ألف شخص الذين كتبوا للتعبير عن شكرهم للذين تضّرروا من الهجوم، وإشارات من الشرطة ورجال الإطفاء الذين ساعدوا في جهود الإنقاذ.

يقول أحد عمال الإنقاذ، من مقاطعة مونتغومري في ولاية ميريلاند، إن السرعة في إعادة البناء "هي برهان لقدرة بلادنا على إعادة الانبعاث". ويقول الكابتن تروي ليب إن إعادة بناء البنتاغون "رمز كبير" و"تعني الكثير للبلاد بأجمعها".

قال وولفويتز عند انتهاء العمل في القسم الخارجي من البناء، إن "محبي أوطانهم" الذين لاقوا حتفهم في موقع فرجينيا الشمالية يمثلون القيم "المختلفة" عن قيم أولئك الذين مارسوا العنف. وأضاف خلال الاحتفال الذي جرى في الحادي عشر من حزيران/يونيو قائلا إن إعادة إعمار البنتاغون "هو جزء من القتال في الحرب ضد الإرهاب"، كما أن إعادة الناس إليه قبل مرور السنة الأولى على الكارثة هي "رسالة إلى الإرهابيين"، وتقول هذه الرسالة إننا "لن نعيد البناء فقط، بل سنكون أفضل مما كنا في السابق".

قال فكتور ولزانت، المستشار في عوارض الصدمات والتوتر لمجموعة من موظفي البنتاغون مؤخراً إن الاحتفال بالذكرى "مغروسة في ثقافتنا" وأضاف، "إن الأميركيين متعلقين بقوة بهذا الأمر،" منبّها إلى أن الاحتفال بالذكرى الأولى سوف يوقظ العديد من المشاعر عند الناس. وزاد أنه مهما كانت نوعية ردات الفعل التي ستنتج عن هذا الاحتفال، ومهما استمرت الأسئلة الدائرة حول الهجوم، فهي تبقى جزءاً من عملية الشفاء الطبيعية.

فالأميركيون يقومون بإدارة الذكرى والشفاء منها بطرق متعددة. ستشارك أفراد العائلات والأقرباء المباشرين في احتفال سيقام في موقع فينيكس يوم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2002. وسوف يخاطبهم القائد الأعلى، ووزير الدفاع، ورئيس رئاسة الأركان المشتركة. وسوف تكون هناك فترة صمت عند الساعة 9.37 تذكر بالوقت الذي ضربت فيه الطائرة البنتاغون.

ويأمل بعض أفراد العائلات مثل جيم لايتشاك، الذي فقد شقيقه الأصغر في الهجوم على البنتاغون، أن يجد بعض العزاء في نصب تذكاري سوف يقام قريباً على مقربة من موقع الصفر أو موقع الكارثة، وقال "نشعر بأننا مدينون بذلك للذين أحببناهم". وسوف يقام النصب التذكاري في الجهة الغربية لموقع البنتاغون على مسافة تقرب من مكان اصطدام الطائرة بقدر ما تسمح به شروط السلامة.

وقد ساهم أفراد عائلات الضحايا في تحديد معايير تصميم النصب التذكاري، وقال لايتشاك إنه يأمل أن يوفر النصب التذكاري في البنتاغون "الشعور بما فقده الناس العاديين: الأخوة، والأخوات، والزوجات، والآباء". ويشعر أفراد العائلات أنه "من السهل جدا نسيان" الناس الذين "زهقت حياتهم"، وهم يريدون أثراً يذكرّ دائماً بالذي حصل هناك، وسوف يحصلون عليه بمناسبة الذكرى الثانية في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2003.

سيقوم بإقامة النصب التذكاري فيلق مهندسي الجيش بعد أن يتم الاختيار النهائي للتصميم في شهر كانون الأول/ديسمبر. ويلاحظ الرسميون أنهم تلقوا عروضاً للتصميم من أكثر من 50 بلداً. يقول كارول أندرسون آوسترا، مدير مشروع النصب التذكاري إن العروض العديدة التي وصلت من الخارج تدل على مدى "تأثر كل فرد بالهجوم في كافة أنحاء العالم". وأضاف قائلاً، أن الناس الذين يتوقون إلى عالم آمن و/أو يرغبون في تقديم العزاء للعائلات، يريدون الإعراب "عن شعور بالتضامن" عن طريق اشتراكهم، كما يريدون بعث رسالة "مفادها أنهم سيتذكرّون دائما".

ويقول ريد كرولوف، مستشار تصميم النصب التذكاري، وعضو مجلس أمناء المتحف القومي للبناء إنه إذا أراد الإرهابيون "إفقاد الولايات المتحدة استقرارها أو إضعاف معنوياتها" فإن "النتائج جاءت عكسية تماماً". فالبنتاغون يعاد بناؤه وسوف ينشأ نصب تذكاري جديد، كما أن "أميركا أعادت صعودها من جديد بسرعة قياسية".

وربما كان من الأفضل للذين يتعاملون، وبطرق عديدة ومختلفة، مع الذي حدث على جانب نهر بوتوماك في العام الماضي، أن يتذكروا كلمات وزير الدفاع: "من الرماد، ينبعث الأمل".

جاكلين س. بورث تكتب حول قضايا الأمن السياسي والدفاع لحساب مكتب برامج الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأميركية.


الى أعلى الصفحة | 11 أيلول/سبتمبر: ويمضي عام

المجلات الإلكترونية: باللغة العربية | باللغة الإنكليزية