تحديات عالمية
كلوديا آي. ماكموراي
| ||||||
|---|---|---|---|---|---|---|
يعمل مكتب المحيطات والشؤون البيئية والعلمية الدولية في وزارة الخارجية الأميركية على طائفة واسعة من المواضيع تشمل بعض أهم التحديات التي تواجه عصرنا الحاضر: تغير المناخ، وباء الأنفلونزا، تأمين الطاقة النظيفة، ومياه الشرب الآمنة إلى الدول النامية، والحفاظ على محيطاتنا، وغاباتنا، والحياة البرية في كرتنا الأرضية. لم يحدث في السابق أبداً أن كانت هذه المسائل أكثر إلحاحاً لعملنا الدبلوماسي مما هي عليه اليوم. وكما قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس: "في هذا العالم، لا يمكن رسم خطوط جليّة وواضحة بين مصالحنا الأمنية، وبين جهودنا التنموية ومُثلنا الديمقراطية. يتوجب على الدبلوماسية الأميركية أن تدمج وتدفع قُدماً جميع هذه الأهداف بالتساوي." إن قيادة الولايات المتحدة للنشاطات الدولية المختصة بشؤون البيئة، والعلوم، والصحة تُشكِّل أداةً أساسية في الاستجابة إلى مشاكل يومنا الحاضر. إن ما يدفع أجندتنا، رغم تنوع مواضيعها، ثلاثة من المجالات الرئيسية التي يتركّز عليها اهتمامنا. أولاً، هناك قضايا معينة مُلحّة إلى درجة تستوجب معها إيلاءها اهتمامنا الفوري. تشمل هذه القضايا ذات الأهمية المستعجلة ضرورة العمل لمنع أو تخفيف خطر انتشار وباء أنفلونزا الطيور، والتعامل مع ظاهرة تغير المناخ بطريقة تساعد في استقلالية الطاقة لدى الولايات المتحدة، كما لدى حلفائنا. وثانياً، إن مكتبنا مكلف تمثيل الولايات المتحدة كطرف في عدد كبير من المعاهدات الدولية التي تعالج قضايا البيئة والموارد الطبيعية. وهذه واجبات قانونية مهمة نحملها على محمل كبير من الجد. وأخيراً، إن المكتب قد أنشأ ويحافظ على وجود عدة شراكات دولية تعاونية لتعزيز حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية. القضايا المُلّحة تنسق وزارة الخارجية نشاطات الشراكة الدولية المتعلقة بأنفلونزا الطيور ووباء الأنفلونزا التي تشكلت في العام 2006 من أجل معالجة الانتشار المحتمل لوباء أنفلونزا الطيور. تجمع هذه الشراكة سوية دولاً ومنظمات دولية رئيسية من أجل رفع مستوى الجهوزية العالمية لمواجهة هذا الوباء من خلال تنسيق الجهود، وحشد الموارد، وبناء القدرات بهدف التعرف على حالات هذا الوباء، واحتوائه والرد على تفشيه.
وكذلك، فإننا نعمل لمعالجة مسألة أخرى مُلحة بنفس القدر، وعلى عدد من الجبهات، تتعلق بظاهرة تغير المناخ. فعلى سبيل المثال، أنشأنا في العام 2006، شراكة آسيا والمحيط الهادئ حول نظافة التنمية والمناخ مع خمس دول رئيسية هي: استراليا، والصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية. تمثل هذه الدول حوالي نصف العدد الإجمالى لسكان العالم، وأكثر من نصف إجمالي الطاقة المستهلكة في العالم، وتنتج نصف كميات انبعاثات الغازات المسببة للانحباس الحراري في العالم. شكَّل هذا المجهود سَبقاً جديداً من حيث أنه يمثل المرة الأولى التي استطعنا فيها إشراك نشاطات بعض هذه الدول في قضية تغير المناخ. ومن خلال هذه المبادرة، سوف يتوجب على الدول المشاركة أن تفي بالتزامات حقيقية وضمن المواعيد النهائية المحددة الفعلية. المعاهدات الدولية يقوم المكتب أيضاً بتمثيل الولايات المتحدة التي هي طرف في العديد من المعاهدات الدولية. وإحدى هذه المعاهدات هي بروتوكول مونتريال الذي يهدف إلى تحريم صناعة واستعمال مواد كيميائية معينة تُدمر طبقة الأوزون في الغلاف الجوي الواقي للأرض. منذ العام 1987، ألغت تدريجياً 189 دولة موقعة على هذا البروتوكول استعمال نسبة تزيد عن 92 بالمئة من المواد التي تستنفذ طبقة الأوزون موضوع المعاهدة. ومن اللافت للنظر فعلاً، أنه في أقل من 20 سنة استطاع المجتمع الدولي أن يلغي تدريجياً استعمال هذه المواد الكيميائية البالغة الفوائد، ولكنها ضارة في نفس الوقت، واستعاض عنها بمواد بديلة لا تلحق الضرر بالفضاء الجوي. فنتيجة لجهودنا، وجهود دول عديدة أخرى عبر العالم، تحقق منع حدوث ما يُقدّر بعشرين مليون حالة من حالات سرطان الجلد. تتعلق مجموعة أخرى من المعاهدات التي يقودها مكتبنا، بالصناعة السمكية والموارد البحرية الحية الأخرى. تسعى هذه الاتفاقات إلى عكس تأثير الصيد المفرط للأسماك الذي استنفد العديد من سلالات الأسماك، وبهذا فإنها تؤمن إمداداً مستداماً من الأسماك إلى المستهلكين، بينما تحمي في نفس الوقت، بيئة المحيطات من الممارسات المدمرة الناتجة عن صيد الأسماك المفرط. ربما كانت أهم اتفاقية وقعت في هذا الحقل، هي الاتفاقية الدولية لسلالات الأسماك التي وضعت قواعد لا سابق لها لإدارة مصائد الأسماك التي تجتاز حدود السلطات القضائية للدول في عرض البحار. وفي العام 2006، قادت الولايات المتحدة عملية تطوير الإجراءات اللازمة لمعالجة المشاكل التي تكتنف العديد من مصائد الأسماك من ضمنها الصيد المفرط، وزيادة القدرات لدى أساطيل صيد الأسماك في العالم. الشراكات بين القطاعين العام والخاص رغم أننا نستهلك قدراً كبيراً من وقتنا لمعالجة المسائل المستعجلة والمعاهدات، فإننا نستخدم مع ذلك الشراكات الرئيسية بين القطاعين العام والخاص لحل المشاكل الدولية. فالشراكات، مثل مبادرة الطاقة النظيفة، ومبادرة المياه الموثوقة للفقراء، ومبادرة الرئيس بوش ضد قطع الأشجار غير المشروع، والتحالف ضد المتاجرة بالحيوانات البرية، كلها توفّر الرابط الأساسي الذي يربط الأهداف البيئية المتفق عليها دولياً مع الحلول العملية اللازمة لتحقيقها.
فعلى سبيل المثال، تُحسن شراكة الوقود النظيف والسيارات النظيفة نوعية الهواء وصحة ملايين الناس، والأطفال منهم بشكل خاص، حول العالم. في دول كالمكسيك، وتشيلي، وتايلند، والصين، والهند، نعمل لخفض الضرر الذي يلحق بصحة الإنسان والبيئة بسبب البنزين الذي يتضمن الرصاص وبسبب محركات الديزل المتقادمة. لدى البالغين، يسبب التسمم بالرصاص الكثير من المشاكل الصحية الخطيرة. أما لدى لأطفال فبإمكان التسمم بالبنزين الذي يتضمن الرصاص ان يسبب إخفاقاً في وظائف أعضاء الجسم، والإصابة بالتخلف العقلي، وحتى بالوفاة. لقد حققنا حتى الآن نتائج مذهلة في العالم النامي. فمن خلال جهود هذه الشراكة، أوقفت جميع الدول الأفريقية الـ49، الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، تكرير واستيراد البنزين الذي يتضمن الرصاص خلال العام 2005. ومن خلال هذا البرنامج بمفرده تمكّنا من التأثير على صحة 733 مليون إنسان على نحو إيجابي. وقد عملنا أيضاً في تلك المنطقة عن قرب مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لتنفيذ مبادرة المياه للفقراء، التي تسعى إلى تحسين إمكانية الوصول إلى الماء النظيف وتأمين خدمات الصرف الصحي. وقد عزز الكونغرس الأميركي صلاحياتنا بالمصادقة على قانون السناتور بول سايمون للمياه للفقراء، الذي فرض على وزارة الخارجية تطوير استراتيجية إجمالية لضمان الوصول إلى المياه الآمنة وتأمين أنظمة الصرف الصحي في الدول النامية. سوف يُركّز المكتب اهتمامه خلال السنوات القليلة القادمة على بناء القدرات في الدول النامية بالاعتماد على المؤسسات الإقليمية، وكذلك على تقليص العوائق المؤسساتية اللازمة لتحسين إمكانية الوصول إلى المياه النظيفة. ويعمل مكتب المحيطات والشؤون البيئية والعلمية الدولية عبر شراكات متعددة على حماية الموارد الطبيعية. فعلى سبيل المثال، أطلقنا التحالف ضد المتاجرة بالحيوانات البرية الذي يهدف إلى وقف التجارة غير المشروعة بالحيوانات البرية وبأعضاء الحيوانات البرية. تمثل هذه التجارة غير المشروعة، والبالغة قيمتها الإجمالية 10 مليارات دولار، تهديداً هائلاً لجهود المحافظة على الحيوانات البرية حول العالم، بالإضافة إلى أنها تؤثر أيضاً على الحياة البشرية من حيث أنها تشجع الجريمة المنظمة، وتشكل تهديداً للصحة بسبب احتمال انتقال الأمراض التي تصيب الحيوانات إلى بني البشر. تركزت جهودنا الأولى على فرض تطبيق القانون في جنوب شرق آسيا نظراً لأن هذه المنطقة تعتبر مركزية للجزء الأكبر من هذه التجارة غير المشروعة. وقد شكلنا القوة الرائدة في الجهود التي قامت بها مجموعة دول جنوب شرق آسيا (أسيان) لتطوير شبكة من مؤسسات فرض تطبيق القانون لاعتقال مهربي الحيوانات البرية ومقاضاتهم. وفي حين لا زالت هذه المبادرة حديثة العهد، إلاّ أن نجاحاتها اشتملت على إعادة 54 قرداً من قرود الأورانغوتان إلى موائلهم الأصلية من خلال الجهود التعاونية بين مسؤولين عن فرض تطبيق القانون من تايلند، وإندونيسيا، وماليزيا.
وقد تمّ تصميم التحالف أيضاً لرفع مستوى التوعية لدى عامة الناس. أثار الرئيس بوش مسألة الاتجار بالحيوانات البرية في عدة اجتماعات دولية، من بينها اجتماع القمة للدول الثماني الكبرى، واجتماعات قمة عقدها مع الرئيس البرازيلي لولا، ورئيس الوزراء الهندي سينغ. وفيما يتعلق بالجبهة الداخلية، فقد قام بو دريك، بصفته المبعوث الخاص لوزيرة الخارجية الأميركية حول مسائل المتاجرة بالحيوانات البرية، ومسؤولون آخرون من دائرة المحيطات والشؤون البيئية والعلمية الدولية، بزيارة عدد من المدن الأميركية لتثقيف المستهلكين الأميركيين حول كيفية التعرّف على منتجات تساهم في المتاجرة غير المشروعة بالحيوانات وتجنب استعمالها. أطلقت دائرة المحيطات والشؤون البيئية والعلمية الدولية أكبر مشروع للمحافظة على الغابات وأعظمها طموحاً في أفريقيا، أي الشراكة لغابات حوض الكونغو، الذي يهدف إلى حماية الموارد الحرجية الثمينة في أفريقيا. تضمن شراكة غابات حوض الكونغو التزام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ودول حوض الكونغو إنشاء شبكات من المناطق المحمية عبر أفريقيا الوسطى. وتعمل هذه الشراكة للمحافظة على إحدى أكبر غابتين استوائيتين هناك، من خلال مكافحة قطع الأشجار غير المشروع، كما من خلال إقناع السكان المحليين بأن لهم مصلحة في المحافظة على مواردهم الطبيعية. خلال السنوات الثلاث التي تلت إطلاق هذه المبادرة، حققنا خطوات عظيمة لجهة المحافظة على هذا النظام البيئي المهم عالمياً: أنشأت الغابون 13 محمية قومية تغطي نسبة 11 بالمئة من المساحة الإجمالية للبلاد. وفي غينيا الاستوائية، تم تحويل مساحة 500 ألف هكتار من امتيازات قطع الأشجار إلى غابة قومية ما جعل البلاد تملك أعلى نسبة من المناطق المحمية في العالم. وأعلنت الكاميرون عن تخفيض مساحة 900 ألف هكتار، متشكلة من إحدى أكبر وآخر الغابات البكر في تلك الدولة، كمنطقة محمية وفرضت تأجيل منح الامتيازات لقطع الأشجار هناك. قد يبدو معاكساًً للفطرة السليمة ربط المحافظة على هذه الغابات ببرنامج عملنا الدبلوماسي الأوسع، ولكن هناك رابطا بالفعل. ففي أي وقت نستطيع فيه أن نضع جانباً مساحات كبيرة من الأرض المفتوحة وحمايتها، ومن ثم تحسين سبل عيش الذين يعتنون بها، فإن في ذلك مثالاً يذكّرنا بإرثنا الطبيعي المشترك، كما يغرس بذور النوايا الحسنة ما بين الولايات المتحدة والعالم النامي. توفر لنا النجاحات المذكورة هنا الالتزامات الدولية المستمرة سبباً للتفاؤل، ولكننا ندرك أنه يبقى علينا الكثير من العمل الواجب تحقيقه. وهكذا، فإننا نستمر في تكريس جهودنا لتشجيع حماية البيئة ونظام الحكم الجيد، هنا وفي الخارج، كي تستطيع الأجيال القادمة أن تتمتع بالموارد الهائلة التي يملكها كوكبنا. |
||||||