المقالات

- مكافحة انتشار الأسلحة الصغيرة: النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة بقلم السفير دونالد جاي ماكونيل، نائب مساعد وزير الخارجية للعمليات الأمنية، مكتب الشؤون السياسية والعسكرية، وزارة الخارجية الاميركية

- الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة: هل يمكن ضبطها؟ بقلم هيربرت كالهون، نائب رئيس القسم، قسم السياسة والخطط والتحليل، مكتب الشؤون السياسية والعسكرية، وزارة الخارجية الأميركية

- إتلاف الفائض من الأسلحة الصغيرة: سياسة وبرامج الولايات المتحدة بقلم سي. إدوارد بيرتري، ضابط السياسة، مكتب السياسة والخطط والتحليل، دائرة الشؤون السياسية والعسكرية، وزارة الخارجية الأميركية

- اقتفاء مسار الأسلحة الصغيرة غير المشروعة: برنامج الأسلحة النارية، مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية، وزارة المالية الأميركية بقلم جاكلين كاي. هولمز، مديرة البرامج، قسم برامج الأسلحة النارية، مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية، وزارة المالية الاميركية


مكافحة انتشار الأسلحة الصغيرة: النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة
بقلم السفير دونالد ماكونيل
نائب مساعد وزير الخارجية للعمليات الأمنية
مكتب الشؤون السياسية العسكرية، وزارة الخارجية الأميركية

photo of Amb. Donald J. Mcconnell

يقول السفير دونالد ماكونيل، نائب مساعد الوزير للعمليات الأمنية في مكتب الشؤون السياسية العسكرية بوزارة الخارجية الأميركية، إن "الحلول البسيطة الموحدة القياس التي تصلح للجميع" هي حلول غير فعَالة لمعالجة المشاكل التي يسببها إنتشار الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، إذ أن هذه تكون عادة متعلقة بمناطق معينة. ويضيف، إن أفضل سبيل لمجابهة المشكلة هو "تحديد وكبح مصادر وطرق الإتجار غير المشروع بهذه الأسلحة من خلال قيود صارمة تُفرض على تصديرها، وتدابير تتخذها أجهزة فرض تطبيق القوانين، وجهود تبذل للإسراع في إتلاف الفائض من هذه الأسلحة، وحماية ما لدى الحكومة من مخزونات مشروعة من هذه الأسلحة من السرقة أو من نقلها بصورة غير مشروعة."
***
لقد ثببت أن الإنتشار غير المضبوط للأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة غير المشروعة، في مناطق من العالم تعاني من عدم استقرار سياسي ومن نزاعات عنيفة يُشكّل عائقاً رئيسياً للسلام، وللتنمية الاقتصادية، ولجهود إعادة بناء مجتمعات مزقتها النزاعات والحروب. ففي أماكن مثل سييراليون، وكوسوفو، وكولومبيا، قُتل آلاف المدنيين الأبرياء ونزح عشرات الآلاف من هؤلاء بفعل نزاعات إثنية وأهلية تسببت بها، إلى حد كبير، سهولة الحصول على الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة غير المشروعة.

تتولى الولايات المتحدة دوراً قيادياً عالمياً في جهود كبح الإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة، وما ينجم عن جمعها من زعزعة للاستقرار، ويتم ذلك من خلال الدبلوماسية المتعددة الأطراف وتقديم المساعدات للبلدان التي تحتاجها في هذا المجال. وتركز الولايات المتحدة بسياساتها على بناء وتعزيز أجهزة فرض تطبيق القوانين والقدرات القضائية، والعمل على منع وصول مثل هذه الأسلحة إلى مناطق النزاعات، وتوفير التدريب على ضبط الصادرات والإجراءات الجمركية، والردع عن التصدير غير المقيّد وغير المسؤول لمثل هذه الأسلحة، وتشديد العقوبات على مخالفي حظر تصديرها، وتعزيز حماية مخزوناتها وإتلاف الفائض منها. ويركز النهج الذي تعتمده الولايات المتحدة في هذا المجال على تدابير عملية وفعّالة في التصدي لمشكلة الإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة في مناطق النزاع حيث تكون الحاجة لذلك أكثر إلحاحاً، مع الإقرار بمشروعية ما لا يخالف القانون من تصنيع مثل هذه الأسلحة وحيازتها والإتجار بها.

ضوابط التصدير والاستيراد: إن اعتماد ضوابط فعّالة لتصدير واستيراد الأسلحة الصغيرة والخفيفة يشكّل حجر الزاوية لأي جهد ناجح يستهدف التصدي لمشاكل الإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة. وفي العديد من البلدان النامية لا يوجد ما يذكر من القوانين التي تنظّم استيراد وتصدير الأسلحة الصغيرة والخفيفة. وفي البلدان التي توجد فيها مثل هذه القوانين، تكون أجهزة فرض تطبيقها ضعيفة في غالب الأحيان. وإما الإفادات التي تحدد الجهة التي يجب أن تنتهي إليها مثل هذه الأسلحة، وهي الوسيلة الأساسية لضمان وصول الأسلحة إلى الجهة المقصودة، فهي إفادات سهلة التزوير، وفي كثير من الأحيان يمكن شراؤها في البلدان الفقيرة التي ينتشر فيها الفساد.

كل البلدان التي تصنع مثل هذه الأسلحة، أو تتجر بها، أو تُستخدم لنقلها وعبورها، يلزمها نظام صارم يطبّق على نقل وبيع الأسلحة. والأنظمة التي يتضمنها قانون ضبط صادرات الأسلحة الأميركية تُطبّق على الصادرات التجارية لكل المواد والخدمات الدفاعية الأميركية، كما على مبيعات الأسلحة التي تقوم بها الحكومة بموجب برنامج مبيعات الأسلحة للدول الأجنبية. وبموجب هذه الأنظمة، يُشترط موافقة الحكومة على كل معاملة بيع مواد أو خدمات عسكرية. ويتم التدقيق بعناية في ما خص الجهة التي يقصد بالأسلحة أن تصل إليها لضمان ألا تُقدم تلك على مخالفة أي من المبادئ والأعراف التي تتضمنها سياسة بيع الأسلحة الأميركية التقليدية المعتمدة منذ عام 1995. وبموجب هذه السياسة، تخضع كل الصادرات التجارية من الأسلحة، وكل بيع أو هبة لمثل هذه الأسلحة، إلى معايير صارمة، هي: الحاجات الأمنية لكل من الولايات المتحدة والدولة متسلمة الأسلحة؛ دعم مصالح السياسة الخارجية الأميركية؛ مخاطر التأثير السيء لهذه الأسلحة على البلد المتسلم أو على المنطقة التي يقع فيها هذا البلد؛ شؤون حقوق الإنسان؛ الإرهاب؛ سجل البلد المعني لناحية إنتشار الأسلحة واحتمال إساءة استخدام تلك الأسلحة؛ واحتمال تحويل الأسلحة إلى جهة أخرى أو استخدامها بصورة غير مسموح بها.

إن نقل الأسلحة غير المأذون به من البلد الذي يتسلمها إلى بلد آخر هو المصدر الرئيسي للأسلحة الصغيرة والخفيفة التي يتم الإتجار بها بصورة غير مشروعة. فنقل الأسلحة من الجهة التي تتسلمها أصلاً إلى أي جهة أخرى دون إبلاغ الدولة التي صدّرتها في الأساس هو ما يُشكل الفارق بين الإتجار المشروع والإتجار غير المشروع بهذه الأسلحة. هناك، على سبيل المثال، بلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية أصبحت تُشكل معابر رئيسية للأسلحة التي تُرسل إلى مجموعات إرهابية ومجموعات متمردة تعتمد العنف، وذلك بسبب عدم وجود أنظمة وقيود تتناول الإتجار المشروع بالأسلحة. والولايات المتحدة هي واحدة من عدد قليل جداً من البلدان التي تُعلّق بيع كل المبيعات التجارية للأسلحة وكل ما تُقدم عليه الحكومة من بيع أو تقديم أسلحة لبلدان أخرى على شروط تتناول التحقق من الجهة التي ستستخدم تلك الأسلحة في نهاية المطاف، ووجود تدابير أمنية كافية للحؤول دون تحويل الأسلحة إلى جهة أخرى بصورة غير مشروعة، ووجوب الحصول على إذن البلد المصدّر لنقل تلك الأسلحة إلى جهة أخرى. ويَمنع القانون الأميركي إعادة نقل الأسلحة والذخائر المستوردة من الولايات المتحدة من البلد المستورد إلى أي بلد آخر، دون موافقة مسبقة من الولايات المتحدة. وتخضع عمليات نقل الأسلحة المشتبه بها من هذه الناحية إلى تحقيقات تتناول معرفة الجهة التي ستستخدم تلك الأسلحة في نهاية المطاف، أي الجهة المستخدمة النهائية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى صدور أحكام جنائية بحق الأشخاص المعنيين أو الجهات المعنية، وإلى وقف تصدير الأسلحة إلى البلد المخالف. ويَفرض القانون أن يتم وسم كل الأسلحة الصغيرة والخفيفة الأميركية، لدى صنعها واستيرادها، لتسهيل متابعتها ومعرفة مآلها لدى إجراء أي تحقيقات تتناول نقلها بصورة غير مشروعة إلى جهات أخرى.

ولكن القوانين والأنظمة لا تنفع في شيء إذا لم يتم تطبيقها. وفي حين أن ليس كل تطبيق للقانون يتم بصورة مثالية، فإن الولايات المتحدة تلجأ إلى التحقق من المستخدم النهائي كوسيلة للردع ولضمان ألا يتم تحويل صادرات أميركية من الأسلحة إلى جهات غير مرغوب فيها. وعندما يشتبه بأمر شحنة ما من الأسلحة بأنها محوّلة إلى جهة غير مرغوب فيها، أو أنها موضوع مخالفة أخرى لأحكام القانون، تستطيع وزارة الخارجية ومصلحة الجمارك الأميركية أن تقوما بتحقيقات في صدد المستخدم النهائي من خلال برنامج معروف باسم "القنديل الأزرق". ولقد أرست كل من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع نظام مراقبة يتعلّق بالمستخدم النهائي للمبيعات العسكرية للدول الأجنبية يستند إلى برنامج القنديل الأزرق. ويمكن أن تتراوح التحقيقات بين مقابلات أو استجوابات بسيطة يُجريها مسؤولون في وزارة الخارجية أو في مصلحة الجمارك وبين معاينة الشحنات. وتجري مئات من مثل هذه التحقيقات سنوياً. وقد أدت مخالفات لأنظمة الصادرات الأميركية في هذا المجال إلى الحرمان من رخص التصدير أو تعليقها، وإلى ملاحقات جزائية، ووقف كل الصادرات الدفاعية الأميركية إلى بلدان مُعيّنة. والأشخاص الذين يلاحقون بهذه التهم يمكن أن يحكم عليهم بالسجن، أو بدفع غرامات تصل قيمتها إلى مليون دولار عن كل مخالفة، أو بالعقوبتين معاً.

تنظيم عمل تجار الأسلحة: إن تجار الأسلحة الذين لا يتقيّدون بالقوانين ويعملون دون وازع بسبب نقص أو عدم وجود الأنظمة اللازمة، يشكلّون مصدراً رئيسياً للأسلحة المهربة أو الأسلحة التي يتم الإتجار بها بصورة غير مشروعة في مختلف أنحاء العالم. وهناك أقل من عشرين دولة في العالم لديها قوانين تُنظم أعمال تجار الأسلحة. وتفخر الولايات المتحدة بأن لديها واحداً من أكثر الأنظمة شمولاً في العالم للرقابة على أعمال تجار الأسلحة الدوليين. فهناك قانون صدر عام 1996، كتعديل لقانون ضبط صادرات الأسلحة، يفرض على تجار الأسلحة الذين يتعاملون بمواد عسكرية أميركية أن يسجلّوا أنفسهم لدى مكتب ضوابط التجارة العسكرية في وزارة الخارجية. وينبغي أن تكون كل معاملة يقومون بها في هذا المجال حاصلة على إذن وترخيص من المكتب. ولا تنحصر صلاحية هذا المكتب بالمواطنين الأميركيين والأشخاص الأجانب المقيمين في الولايات المتحدة وحسب، بل تشمل أيضاً المواطنين الأميركيين القاطنين في الخارج. وأخيراً، يتعيّن على تجار الأسلحة أن يقدموا تقارير سنوية تعدد وتصف كل أعمالهم المشروعة في هذا النطاق. وتقوم الولايات المتحدة بتشجيع بلدان أخرى على سن قوانين ووضع تدابير صارمة تتعلق بتجار الأسلحة، كما تدعو تكراراً إلى إجراء مباحثات دولية حول وضع نموذج للأنظمة المتعلقة بمراقبة أعمال تجار الأسلحة يمكن أن تلجأ إليه مختلف بلدان العالم لوضع قوانينها الخاصة بتجارة الأسلحة.

تطبيق تدابير الحظر: رغم أن قرارات مجلس الأمن الدولي تفرض على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة موجبات ملزمة قانوناً، فغالباً ما يفتقد بعض البلدان الأعضاء للإرادة السياسية أو الموارد اللازمة لضمان التقيّد بتدابير الحظر التي تنص عليها تلك القرارات. والولايات المتحدة تتقيّد تقيّداً تاماً بتدابير الحظر وتفرض عقوبات جزائية على الشركات الأميركية التي تخالف تلك التدابير. وتحث الولايات المتحدة كل البلدان على فرض عقوبات جزائية على مخالفي تدابير الحظر التي يفرضها مجلس الأمن، وعلى دعم المزيد من التعاون الدولي، وإشراك لجان العقوبات في الأمم المتحدة في الجهود التي تستهدف اكتشاف المخالفات والمخالفين.

محاربة وسائل التمويل: تركّز الكثير من اهتمام وسائل الإعلام على المشكلة المسماة "ألماس النزاعات". فهناك مواد مثل الأحجار الكريمة، والأخشاب، والمعادن، والمخدرات وغيرها من السلع المحظورة، والألماس، التي تتم مقايضتها بالأسلحة، وهي تُشكل أيضاً مُسبباً رئيسياً للنزاع بين منظمات عسكرية متنافسة تتصارع للسيطرة على إمتيازات تنقيب مربحة جداً في بعض مناطق النزاع في أفريقيا الغربية والوسطى والشرقية. وأيّدت الولايات المتحدة بقوة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في كانون الأول/ديسمبر عام 2000 والداعي إلى قطع الصلة بين الألماس والنزاعات، وقرار مجلس الأمن الدولي الصادر في تموز/يوليو عام 2000، الذي يدعو الدول الأعضاء إلى منع استيراد الألماس من سييراليون إذا لم يكن مستورداً بموجب عملية إصدار شهادات تحظى بموافقة لجنة العقوبات في الأمم المتحدة. والولايات المتحدة تدعم إضافة إلى ذلك العقوبات المفروضة على ليبيريا وأنغولا في ما خص الإتجار بألماس النزاعات. وتعمل الولايات المتحدة حالياً مع الذين يقومون بحك الألماس، والمنظمات غير الحكومية، والحكومات من خلال العملية المسماة "عملية كمبرلي"، لوضع معايير لعملية إصدار شهادات على نطاق عالمي. لأن وضع حد لتصدير "ألماس النزاعات" وسائر الممنوعات سيُعيّن إلى حد كبير الجهود الرامية إلى قطع موارد الدخل غير المشروعة التي غالباً ما تُغذّي الإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة.

برامج المساعدات: إن نقص ما يلزم من القوانين، والأنظمة، والتدريبات، والموارد يُعيق إلى حد كبير الجهود التي يبذلها الكثير من البلدان للحدّ من الإتجار بالأسلحة الصغيرة والخفيفة وتهريبها. وتعمل الولايات المتحدة، بصورة ثنائية ومتعددة الأطراف، لتقديم معونة فنية ومالية في مجالات فرض تطبيق القوانين، والمساعدة في ضبط الصادرات، وإدارة المخزونات من الأسلحة الصغيرة والخفيفة، وإتلاف الفائض منها. كما تموّل الولايات المتحدة برامج متنوعة في أفريقيا منها، على الأخص برنامج الأمم المتحدة لمنع الجريمة في أفريقيا، والمسمى: The African Baseline Survey on Small Arms Legislation, Regulations, and Law Enforcement Capacity for the United Nations African Institute for the Prevention of Crime and Treatment of Offenders (UNAFRI). .

كما تقود الولايات المتحدة الجهود الرامية إلى جعل موجب التبليغ من قبل الدول الأعضاء من ضمن "ترتيب واسينار"(Wassenar Arrangement) ، وهو منظمة تضم 33 دولة تتعهد الشفافية والمسؤولية في مبيعات الأسلحة. كما تُقدم مساعدات لضبط الصادرات في بلدان يلزمها وضع وتطوير قوانين وأنظمة وآليات تطبيق لها؛ وعلى الأخص، لدى الولايات المتحدة برامج تعاون ضخمة مع البلدان التي سبق أن كانت أعضاء في حلف وارسو. وفي السنة الماليه 2001، خصصت الولايات المتحدة مبلغ مليوني دولار للجهود العالمية الرامية إلى مساعدة البلدان المعنية في إتلاف الفائض لديها من الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة.

إننا نعتقد أن هذا النهج الذي عرضناه آنفاً يتضمن أفضل إمكانات التخلص من الانتشار المضر للأسلحة الصغيرة والخفيفة في مناطق من العالم حيث العمل في سبيل ذلك هو الأشد إلحاحاً. إن الولايات المتحدة لا تؤيد اقتراحات البعض الداعية إلى فرض حظر شامل على حيازة المدنيين للأسلحة النارية. فهناك أشخاص في الولايات المتحدة وفي الكثير من بلدان العالم يملكون ويستخدمون بصورة مشروعة أسلحة الصيد والرياضة. ومشكلة انتشار الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة في مناطق النزاعات والمناطق غير المستقرة سياسياً أمر مختلف عن ذلك. ولذا فإن الدعوة لمنع حيازة واستعمال كل الأسلحة النارية أمر ضار.

ثم إن الأكثرية الساحقة من الأسلحة الصغيرة والخفيفة التي تباع في مختلف أنحاء العالم هي أسلحة مرخصة، تتم عبر عمليات بيع قانونية تماماً، وتقوم بها في غالب الأحيان حكومات بغرض الدفاع الوطني وفرض تطبيق القوانين. واعتبار كل عمليات الإتجار بالأسلحة متشابهة باعتبارها غير مشروعة أمر يجافيه الصواب. وأخيراً، إن الولايات المتحدة تعارض الاقتراحات الداعية إلى منع بيع مبيعات الأسلحة الصغيرة والخفيفة من جهات من غير الدول. وفي الأساس، فإننا نعارض مثل هذا المنع من ناحية المبدأ لأنه لا يميّز بين المستخدم النهائي المسؤول والمستخدم النهائي غير المسؤول، إلا من ناحية ما إذا كانت لهذا المستخدم صفة حكومية أم لا. فالمجموعات الإرهابية، والجماعات المتمردة على الحكومات، وتجار المخدرات يحصلون على الأسلحة من خلال عمليات تحويل لهذه الأسلحة بصورة غير مشروعة، ومن خلال أعمال السرقة والتهريب لا من خلال عمليات تحويل قانونية مشروعة. ولذا فإن منع جهات غير حكومية من الإتجار بالأسلحة يكون من غير المرجح له أن يعمل وفق المرتجى. ومن الجدير أيضاً بالذكر أن مثل هذه المنع من شأنه قطع المساعدة عن مجموعات مضطهدة لا تتمتع بصفة الدولة، مثل الأقليات الإثنية التي تتعرض للإبادة من قبل حكومة تضطهدها. إن أفضل معالجة لقضية الأسلحة التي يتم الحصول عليها بطرق غير مشروعة هي تحسين ضوابط التصدير، في ما خص الجهات الحكومية وغير الحكومية على حد سواء، وهو تحسين نحبذه كثيراً.

وفي نهاية المطاف، إن حلولاً بسيطة من نوع " القياس الموحد" الذي يصلح للجميع هي حلول غير فعّالة لمعالجة المشاكل المعقدة، والتي غالباً ما تتعلق بمنطقة محددة التي يسببها انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة. إن الجهود المركزة الرامية إلى تحديد وكبح مصادر وطرق الإتجار غير المشروع بهذه الأسلحة من خلال قيود صارمة تُفرض على تصديرها، وتدابير تتخذها أجهزة فرض تطبيق القوانين، وجهود تُبذل للإسراع في إتلاف الفائض من هذه الأسلحة، وحماية ما لدى الحكومة من مخزونات مشروعة من هذه الأسلحة من السرقة أو من نقلها بصورة غير مشروعة، هي أفضل سبل لمعالجة هذه المشكلة.


الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة: هل يمكن ضبطها؟
بقلم هيربرت كالهون
نائب رئيس القسم، قسم السياسة والخطط والتحليل، مكتب الشؤون السياسية والعسكرية، وزارة الخارجية الأميركية

photo of Herbert L. Calhoun

يقول روبرت كالهون، وهو أخصائي كبير في الشؤون الخارجية ونائب مدير في مكتب الشؤون السياسية العسكرية بوزارة الخارجية الأميركية، إنه "منذ انتهاء الحرب الباردة، تحوّل الاهتمام إلى الأسلحة الصغيرة والخفيفة؛ وكان السبب الرئيسي لذلك التحوّل الازدياد الهائل في عدد، وطول أجل، النزاعات التي حصلت في داخل الدول، وفي شدة الدمار الذي تسببت فيه هذه النزاعات ما استوجب اللجوء في العديد منها إلى مهمات حفظ سلام باهظة الكلفة قامت بها الأمم المتحدة. وهذا التغيير في شكل الأمن الدولي الذي تحوّل من عدد قليل من النزاعات الكبيرة التي كانت تحصل بين الدول بين الحين والآخر إلى نزاعات متكررة صغيرة تقع داخل الدول حصل في وقت كانت فيه الأعراف الدولية، وأنظمة ضبط الصادرات، والمعاهدات الرامية إلى ضبط أو إزالة أسلحة الدمار الشامل تُحرز تقدماً مهماً."

تركزّت معظم جهود ضبط الأسلحة منذ الحرب العالمية الثانية على الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، أو على الأسلحة التقليدية الثقيلة. ومنذ أصدر الأمين العام للأمم المتحدة ملحقاً لبرنامج عمله الخاص بالسلام لعام 1995 حول الموضوع (وكان ذلك في كانون الثاني/يناير 1995) تزايد الاهتمام بالأسلحة التي كانت تتسبب فعلاً بالأهوال التي شهدتها أفريقيا والبلقان ومناطق أخرى من العالم. وهذه الأسلحة هي ما يعرف بالأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، مثل الألغام الأرضية، والبنادق (كبندقية أي كي- 47 المعروفة أيضاً بالكلاشينكوف)، والرشاشات. ويستعرض هذا المقال الجهود التي بذلت في الآونة الأخيرة لبحث هذه القضايا ووضع ضوابط دولية مناسبة وفعّالة على الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة. أما قضية مكافحة الألغام الأرضية المضادة للأشخاص فقد اتبعت سبيلاً آخر، ولا نتناولها في هذا المقال.

ما هي الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة؟

في صورة عامة، تشمل الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة عدداً كبيراً متنوعا من أدوات القتل، تتراوح بين المسدسات وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف. وفي حين لا يوجد تعريف مقبول دولياً للأسلحة الصغيرة، فإن هذا التعبير يعني عادة أسلحة نارية يمكن للإنسان حملها، وأن ذخائرها مصممة لأن تستخدم في صورة فردية من قبل أفراد القوات العسكرية بصفتها أسلحة مميتة. ولعل قائمة نموذجية بمثل هذه الأسلحة تتضمن: المسدسات الذاتية التلقيم، البنادق، البنادق شبه الرشاشة، والرشاشات الخفيفة. لا تضم هذه القائمة بنادق الصيد، والمسدسات المخصصة لاستعمالات غير عسكرية، والأسلحة القديمة التي يجمعها هواة جمع التحف وأسلحة أخرى يتم الحفاظ عليها لغايات تاريخية.

أما الأسلحة الخفيفة فهي عادةً أثقل من الأسلحة الصغيرة وأكبر حجماً منها، وهي مصممة لأن تستخدم من قبل فريق صغير، أو طاقم، من جنود المشاة. ومن هذه الأسلحة النارية تلك التي يمكن لشخص واحد أن يحملها وذخائرها، والمدافع والصواريخ الخفيفة، والصواريخ الموجهة التي تستخدم ضد المدرعات، أو ضد الطائرات والتحصينات. والقائمة النموذجية لمثل هذه الأسلحة تتضمن: الرشاشات الثقيلة، قاذفات القنابل من عدة أنواع، أنظمة الدفاع الجوي المحمولة (مثل الصواريخ المضادة للطائرات التي تطلق من على الكتف)، والمدافع المضادة للدبابات، وأنظمة الأسلحة المضادة للدبابات التي تطلق من على الكتف، ومدافع الهاون من عيار أدنى من 100 ملم. ويأتي ترتيب الأسلحة الخفيفة مباشرة بعد الفئات السبع من الأسلحة الكبيرة التي ينبغي التصريح عنها إلى سجل الأسلحة التقليدية لدى الأمم المتحدة، ولذلك تعتبر في منزلة متوسطة بين الأسلحة الصغيرة والأسلحة الكبيرة.

بالمقارنة، يُعتبر إنتاج الأسلحة الصغيرة والخفيفة أوسع نطاقاً من إنتاج الأسلحة الكبيرة أو الثقيلة، وهي أكثر توافراً منها، كما إن إخفاءها هو أكثر سهولة من إخفاء الأسلحة الثقيلة، ولا تتطلب ما يذكر من الصيانة أو الدعم اللوجستي أو التدريب على الاستعمال.

ما سبب ازدياد الاهتمام بالأسلحة الصغيرة والخفيفة في الآونة الأخيرة؟

منذ انتهاء الحرب الباردة، تحوّل الاهتمام إلى الأسلحة الصغيرة والخفيفة؛ وكان السبب الرئيسي لذلك التحول الازدياد الهائل في عدد، وطول أجل، النزاعات التي حصلت في داخل الدول، وفي شدة الدمار الذي تسببت فيه هذه النزاعات ما استوجب اللجوء في العديد منها إلى مهمات حفظ سلام باهظة الكلفة قامت بها الأمم المتحدة. وهذا التغيير في شكل الأمن الدولي الذي تحوّل من عدد قليل من النزاعات الكبيرة التي كانت تحصل بين الدول بين الحين والآخر إلى نزاعات متكررة صغيرة تقع داخل الدول حصل في وقت كانت فيه الأعراف الدولية، وأنظمة ضبط الصادرات، والمعاهدات الرامية إلى ضبط أو إزالة أسلحة الدمار الشامل تحرز تقدماً مهماً. وفي الوقت نفسه، أخذ انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة واستخدام هذه الأسلحة لغايات إجرامية يشكل خطراً متزايداً على أمن البلدان، وأمن المناطق التي تقع فيها تلك البلدان.

فلقد غذّت هذه الأسلحة العشرات من النزاعات في داخل الدول والنزاعات المحلية في مختلف أنحاء العالم متسببة في قتل وجرح ونزوح ملايين الناس، ولا سيما من النساء والأطفال، من ألبانيا حتى جمهورية الكونغو الديموقراطية. هذه الأسلحة هي أسلحة الدمار الشامل في عصرنا اليوم. يقول باتريك بروغان في كتاب له بعنوان النزاعات في العالم (صدر عام 1998 عن دار سكيركرو للنشر)، إن ما بين 20 و30 مليون شخص توفوا في الحروب الخمس والثمانين التي وقعت منذ عام 1945. وتفيد مؤسسة الدراسات الدولية في جنوب أفريقيا إن أفريقيا وحدها تكبدت 5.994 ألف قتيل في السنوات الخمسين الماضية، معظمهم بفعل الأسلحة الصغيرة والخفيفة. وتقدّر لجنة اللاجئين الأميركية أنه في عام 1997 كان هناك أكثر من 14 مليون لاجئ يعيشون في بلدان غير بلدانهم الأصلية، وأكثر من 19 مليون نازح داخل بلدانهم، وهو عدد يضاهي عدد الناس الذين نزحوا جماعياً من ديارهم بعد الحرب العالمية الثانية. وباختصار، إن إخضاع الأسلحة الصغيرة والخفيفة إلى الرقابة والإشراف لا يزال، مقارنة بما تم في صدد أسلحة الدمار الشامل، أمراً لم تتم معالجته بالقدر اللازم.

تتراوح تقديرات أعداد الأسلحة الصغيرة والخفيفة الموجودة في أيدي الناس بما بين 100 مليون و500 مليون قطعة، منها ما بين 50 و80 مليون بندقية إي كي-47 أو كلاشينكوف. ولقد أصبح عدد متزايد من البلدان مكتفياً ذاتياً في مجال صناعة الأسلحة الصغيرة وذخيرتها، إما عن طريق مصانع محلية أو أخرى حاصلة على ترخيص من بلدان أخرى. وذُكر أن بالإمكان شراء بندقية كلاشينكوف في بعض البلدان النامية بمبلغ عشرة دولارات، أو مقابل دجاجة أو عنزة. وفي بلدان أخرى، يستطيع المجرمون استئجار مثل هذه الأسلحة بالساعة بهدف ارتكاب عمل جرمي ما. كما يشكل بيع ونقل الأسلحة الصغيرة والخفيفة من دولة إلى أخرى، بطرق قانونية وغير قانونية، مصدراً رئيسياً لها.

إن التأثيرات السلبية للإتجار غير المشروع بهذه الأسلحة تأثيرات متباينة وبعيدة الأثر. ومع أن أهم هذه التأثيرات هو ازدياد الأخطار على الأمن الإقليمي والأمن الدولي، فإن من هذه التأثيرات ما يشعر به الناس بصورة غير مباشرة، من خلال الزيادة الهائلة في تكاليف عمليات حفظ السلام بسبب ازدياد عدد وشدة النزاعات التي تقع داخل الدول. ومن المساوئ الأخرى لهذه الأسلحة زيادة استخدامها من قبل الإرهابيين، وتزايد الأخطار على جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة وعلى العاملين في مجال الإغاثة، وتقويض تطبيق اتفاقات السلام. إن الضرورة الملحة لوقف انتشار وسوء استخدام هذه الأسلحة، وهي ما شدد عليها اثنان من الأمناء العامين للأمم المتحدة، زادت من عدد العاملين في مجال الخدمات الإنسانية، ومجال فرض تطبيق القوانين، ومجال التنمية؛ كما زاد من التحديات الأمنية للأسرة الدولية.

الثقافة وضبط الأسلحة الصغيرة والخفيفة

تتضمن سيادة الدولة، حسب تعريفها، الحق في احتكار الاستخدام المشروع للقوة. وبموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، للدولة أيضاً حق استخدام القوة دفاعاً عن النفس، أو دفاعاً عن سيادتها. وتمثل الأسلحة الصغيرة والخفيفة التي تستخدم للحفاظ على الأمن والنظام داخل الدولة، وللدفاع عن حدودها، التجسيد الأوضح والأبقى لهذه الحقوق، ولذلك ستبقى هذه الأسلحة دوماً مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقضايا الاستقلال والسيادة. والامتداد الطبيعي لهذه الحقوق يعني أن للدولة الحق أيضاً في صنع وحيازة الأسلحة اللازمة لدفاعها عن نفسها.

وعادةً، تكون قوانين الدولة المعنية، لا القوانين الدولية، هي التي تحدد شروط حيازة واستخدام قوى الأمن والمواطنين العاديين للأسلحة الصغيرة والخفيفة فيها. ولذلك ينبغي للمحاولات الدولية الرامية إلى ضبط الأسلحة الصغيرة والخفيفة أن تأخذ في الحسبان هذه الحقوق الأساسية التي تتمتع بها الدول. كما أن الأعراف الثقافية، والقيم الاجتماعية، والتقاليد التاريخية تؤثر في الأنظمة الداخلية التي تتناول هذه الأسلحة. وعلى سبيل المثال، إن تعلّم استخدام سلاح فردي ما للدفاع عن النفس، أو الرياضة، أو التدريب العسكري أمر عادي في الكثير من الدول. فالقوات المسلحة، وقوى الأمن وما يماثلها في معظم البلدان، يُسمح لها بحمل واستخدام الأسلحة الصغيرة وفقاً لقوانين البلد المعني. وفي بعض البلدان، مثل الولايات المتحدة، يسمح للمواطنين العاديين بذلك أيضاً. والحق بتملك الأسلحة وحملها قد يكون أيضاً منصوصاً عليه في قوانين ودساتير بعض البلدان، كما هي الحال في الولايات المتحدة مثلاً. وينبغي على المقترحات الرامية إلى ضبط هذه الأسلحة أن تأخذ في الحسبان أيضاً مثل هذه الفوارق في قوانين وتوجهات الدول، وواقع أن الدول تحرص عادة شديد الحرص على عدم تدخل أي جهات خارجية في سياساتها الداخلية.

أسباب عدم الأمان

في حين تلعب الأسلحة الصغيرة والخفيفة دوراً هاماً في تفاقم النزاعات التي تُكبّد البلد المعني خسائر بشرية واقتصادية اجتماعية هائلة، فإن أسباب تلك النزاعات تكمن في خلافات وفوارق سياسية أو اقتصادية أو إثنية أو دينية. وتزيد من حدة هذه الفوارق والخلافات عادة عيوب تعتري الحكم، مثل اعتماد سياسات قمعية وأخرى تستبعد بعض فئات المجتمع؛ أو انعدام، وربما ضعف، المؤسسات الديموقراطية، واحترام حكم القانون، ومراعاة حقوق الإنسان. وإذ تجتمع ظروف عدم الأمان المزمنة وضعف هياكل أجهزة فرض تطبيق القوانين لدى الدول مع واقع كون هذه الأسلحة بخسة الثمن، ومتوفرة بكثرة، ومن السهل إخفاؤها، ويمكن نقلها من بلد إلى آخر عبر حدود يسهل إختراقها، كما أنها لا تتطلب ما يذكر من الصيانة والتدريب على الاستعمال، تؤدي إلى زيادة تعقيد مشاكل إنتشار هذه الأسلحة، والإتجار غير المشروع بها وحيازتها واستخدامها من قبل المجرمين.

العرض والطلب

إذا كان لمشكلة الأسلحة الصغيرة والخفيفة أن تُحل، ينبغي اتباع استراتيجيات تتناول جانبي العرض والطلب. فالأسلحة المتحررة من أي قيود، والتي تدخل إلى بلدان تحكمها حكومات ضعيفة ولديها تاريخ من المشاكل الداخلية الخطيرة، لا تؤدي إلاّ إلى تفاقم أسباب النزاع. وبالطبع، إن ما يوصف بأنه "فائض في المعروض" (من الأسلحة) أمر تنبغي معالجته. وفي الوقت نفسه، إن استخدام السلاح ما هو في غالب الأحيان سوى دليل على وجود آفات اجتماعية أكثر عمقاً، آفات تتسبب بعدم الأمان الذي يزيد من الطلب على الأسلحة. وإزالة الأدوات دون معالجة مسببات عدم الأمان يؤدي إلى توليد طلب جديد لأسلحة بديلة ويترك مصادر عدم الأمان دون تغيير. ولا بد من معالجة هذه المصادر، مثل نقص التنمية، إذا كان لمحاولات ضبط الأسلحة أن تتسم بالفعالية. والنهج الأكثر مدعاة للأمل لمعالجة كل المشاكل المعقدة المتعلقة بالأسلحة الصغيرة هو نهج يوازن بين الجهود التي تبذل في كل من جانبي العرض والطلب ويدمجها في برامج تخفف من وطأة نقص التنمية والأسباب الأساسية الأخرى لعدم الأمان.

مبيعات قانونية أو غير قانونية؟

غالبا ما تكون المبيعات القانونية وغير القانونية للأسلحة متشابكة بحيث يصعب إيجاد أساس واضح للتمييز بينها. والكثير من الأسلحة التي يكون مصدرها إنتاج مشروع أو صادرات مشروعة تصبح في نهاية المطاف موضع تداول غير مشروع. ومن المستحيل أن تُعرف على وجه اليقين ما هي النسبة المئوية من المبيعات المشروعة وغير المشروعة من الأسلحة الصغيرة والخفيفة، أو أن يُعرف على وجه اليقين متى وكيف تصبح أسلحة مباعة بطرق مشروعة أسلحة مباعة بطرق غير مشروعة في مرحلة ما من تاريخها.

والأزمة التي وقعت في الصومال برهان على ذلك. فالأسلحة التي ساعدت في تحويل تلك الأزمة إلى ما يقارب الفوضى العارمة يمكن أن تُنسب مباشرة إلى فيض من البنادق من طراز كي إي- 47 التي جلبها معهم إلى الصومال حوالي 200 ألف جندي يافع هربوا إلى الصومال فراراً من الحرب في أوغندا. وعمدت الحكومة الصومالية في ذلك الحين إلى شراء تلك الأسلحة بصورة قانونية ولأهداف أمنية مشروعة. والكثير من الأسلحة التي يتم شراؤها بصورة قانونية تلبية لحاجات أمنية ينتهي في أيد أناس يستخدمونه لغايات غير مشروعة في نزاع آخر. وفي غالب الأحيان تعمد حكومات أو جماعات إثنية في بلد ما إلى تسليم هذه الأسلحة لمن تتعاطف معها من قوات عسكرية رسمية أو جماعات متمردة في بلد آخر. وتجدر الإشارة إلى أنه تبين أن بعض الأسلحة التي تم جمعها في السلفادور بواسطة برامج شرائها من حامليها سبق أن استخدمت في فيتنام وأوغندا وأنغولا. ومن أصعب الأسئلة التي تواجه المحللين والدارسين التالي: "كيف يمكن للتدابير الدولية الرامية إلى تنظيم أوضاع الأسلحة الصغيرة والخفيفة أن تزيل الغموض في ما خص أسلحة كانت مشروعة في وقت ما وغير مشروعة في وقت آخر؟."

رد الأسرة الدولية

لا تزال الأمم المتحدة تتصدّر الجهود الرامية إلى الحد من انتشار الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة. وعمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، مرتكزة إلى مبادرات سبق أن قامت بها ودعت إلى اتخاذ إجراءات لمكافحة التجارة غير المشروعة بالأسلحة الصغيرة والخفيفة ومكافحة إساءة استخدامها، إلى إصدار عدد من القرارات في السنوات الأخيرة تدعو إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات على كل المستويات منها:

  1. القرار رقم 46/36 هـ، الصادر في السادس من كانون الأول/ديسمبر عام 1991 الذي دعا الدول إلى كبح الإتجار غير المشروع بالأسلحة وتهريبها عن طريق ضمان رقابة أفضل على المخزونات والمبيعات، وتشجيع العمل على كل المستويات للتوفيق بين القوانين والإجراءات المتعلقة بهذا الأمر. وتضمّن هذا القرار قائمة بالتدابير التي ينبغي أن تطبق على مستوى الدولة كما على المستويين الإقليمي والدولي.
  2. القرار رقم 50/70 ب، الصادر في 12 كانون الأول/ديسمبر عام 1995 الذي طلب من الأمين العام تشكيل لجنة من الخبراء الحكوميين لإعداد تقرير حول طبيعة وأسباب مشاكل الأسلحة الصغيرة. وتم تشكيل لجنة مؤلفة من ممثلي 16 دولة وعقدت أول اجتماعاتها في 24 حزيران/يونيو 1996، ثم اجتمعت مرة أخرى في تموز/يوليو 1997. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1997، أصدرت اللجنة تقريراً حلّل طبيعة وأسباب مشاكل الأسلحة الصغيرة، وتم تقديم عدد من التوصيات تتعلق بتدابير طوعية تتخذها الدول المعنية لمعالجة المشكلة.
  3. القرار رقم 52/38 ج، الذي شكّل لجنة ثانية من 23 عضواً اجتمعت في عام 1998 لاستعراض تطبيق توصيات تقرير اللجنة السابقة، واقتراح المزيد من التدابير، ودراسة إمكانية عقد مؤتمر دولي حول الإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة من جميع النواحي.
  4. القرار 51/45 إن، الصادر في العاشر من كانون الاول/ديسمبر عام 1996، والقرار 52/38 ج، الصادر في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 1997، اللذان كانا أول قرارين يهدفان إلى معالجة نواحي نزع الأسلحة في فترة ما بعد النزاع. وشدد القراران على أهمية وفائدة اعتماد تدابير عملية لنزع الأسلحة خلال النزاعات وبعدها - تدابير من أمثال جمع الأسلحة الصغيرة والخفيفة أو ضبطها والتخلص منها، حل التنظيمات المتقاتلة وإعادة دمج عناصرها بالمجتمع، وإيجاد سبل للحد من إنتاج هذه الأسلحة وبيعها.
  5. القرار 54/54: في الصادر في 15 كانون الأول/ ديسمبر 1999، الذي دعا إلى عقد مؤتمر دولي حول "الإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة من جميع نواحيه"، في صيف عام 2001. وحدد القرار وجوب أن يكون أول ما يصدر عن المؤتمر برنامج عمل عالمياً في هذا الصدد. ومن المقرر أن يُعقد المؤتمر في الفترة من 9 إلى 20 تموز/يوليو 2001. وقد اجتمعت أول لجنة تحضيرية له في الفترة من 28 شباط/فبراير إلى 3 آذار/مارس 2000، وفي الفترة من 8 إلى 19 كانون الثاني/يناير 2001، وفي الفترة من 20 إلى 30 آذار/مارس 2001. واتخذت اللجنة التحضيرية قرارات في صدد قضايا إجرائية أساسية وأنجزت قراءة ثانية لمسودة برنامج العمل. والمتوقع أن يكون المؤتمر ناجحاً، إلا انه لا تزال هناك بعض المسائل الصعبة المتعلقة بنص برنامج العمل ينبغي حلها.

إن ما تقوم به الأمم المتحدة في صدد الأسلحة الصغيرة والخفيفة لا ينحصر بالجمعية العامة. ففي بيان صدر في أيلول/سبتمبر عام 1999، أقر مجلس الأمن الدولي بوجود هذه المشكلة المتنامية. وهناك رغبة في معالجة الأمر على أعلى مستويات الأمم المتحدة أيضاً. وكما ذكر في مقدمة المقال، دق الأمين العام للأمم المتحدة في كانون الثاني/يناير 1995، نفير الدعوة إلى القيام بما يلزم في مجال الأسلحة الصغيرة والخفيفة. وفي ملحق "برنامج عمل للسلام" أشار إلى إحراز تقدم ملموس في معالجة مشكلة أسلحة الدمار الشامل، وشجع الأسرة الدولية على تحويل اهتمامها إلى الأسلحة "التي تقتل فعلاً الناس بمئات الألوف وتستخدم في نزاعات تتدخل فيها الأمم المتحدة، ألا وهي الأسلحة الصغيرة والخفيفة". واستجابة لدعوة الأمين العام، طرح العديد من المبادرات في هذا الصدد، وتتواصل متابعة الموضوع.

ففي تشرين الثاني/نوفمبر 1997 مثلا، وقعت الولايات المتحدة والمكسيك و26 دولة أخرى في نصف الكرة الغربي من العالم معاهدة، تم التفاوض بشأنها من خلال منظمة الدول الأميركية، تمنع التصنيع غير المشروع للأسلحة النارية والذخائر والمواد المتفجرة، كما تمنع الإتجار غير المشروع بها. وتفرض المعاهدة على الدول الموقعة تعزيز الرقابة على الحدود، ووسم الأسلحة النارية لدى صنعها، ومشاطرة المعلومات عن صانعي الأسلحة، وتجارها ووكلائها وصادراتها.

في أيار/مايو 1998، تعهدت الدول الـ15 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التزام نظام محدد في صدد مبيعات الأسلحة. ويرسي هذا النظام ثمانية معايير لصادرات الاتحاد الأوروبي من الأسلحة، تضع قيوداً تمنع بيع الأسلحة لبلدان تنتهك حقوق الإنسان، ولبلدان تمارس القمع، ولمناطق تدور فيها نزاعات مستمرة منذ مدة طويلة. وفي كانون الأول/ديسمبر 1998، وفي جهد يرمي إلى مكافحة تراكم الأسلحة الصغيرة المشيع لعدم الاستقرار، تبنت بلدان الاتحاد الأوروبي أيضاً "برنامج العمل المشترك الخاص بالأسلحة الصغيرة"، وجعلته برنامج عمل ملزماً لها. ويهدف برنامج العمل هذا إلى المساعدة في وقف انتشار الأسلحة الصغيرة عن طريق دعم تخفيض المخزونات منها، ووضع سجلات بمبيعاتها، وتوفير حوافز للفئات المتقاتلة كي تسلّم أسلحتها أو تتلفها.

في تموز/يوليو 1998، اجتمعت 21 دولة في أوسلو بالنروج، تلبية لدعوة حكومة ذلك البلد، في أول اجتماع دولي على مستوى الحكومات لبحث مسألة الأسلحة الصغيرة. واتفق المجتمعون على أن صعوبة مشاكل الأسلحة الصغيرة تستوجب إتخاذ إجراءات متعددة الأوجه واتباع عدد من السبل المتوازية للمعالجة. وصدر في نهاية المؤتمر بيان نهائي عنوانه "عناصر تفاهم مشترك" تضمن اتفاق الدول المجتمعة، ودعا إلى توفير دعم دولي لـ 11 مبادرة دولية قائمة في هذا المجال. وفي كانون الأول/ديسمبر عام 1999، عقد اجتماع آخر في أوسلو حضرته 18 دولة من مختلف مناطق العالم. وكان هدف ذلك الاجتماع استعراض التطورات الجارية ومناقشة تجارة الأسلحة بصورة معمّقة. وصدر عن هذا الاجتماع بيان آخر عنوانه "عناصر تفاهم مشترك" حدد مجالات لإجراء مزيد من الدراسات في شأنها وعرض عدداً من التدابير الممكنة لمعالجة مشاكل تجارة الأسلحة.

في اجتماع القمة الذي عقدته دول عدم الانحياز في تموز/يوليو- أيلول/سبتمبر عام 1988 في دوربان بجنوب أفريقيا، أعرب رؤساء الدول المجتمعون هناك عن القلق من المبيعات غير المشروعة والتداول غير المشروع للأسلحة الصغيرة والخفيفة وانتشارها معتبرين أن هذه الأمور تشكل خطراً شديداً على الأمن الوطني والإقليمي للعديد من الدول غير المنحازة. وحث المجتمعون على اتخاذ خطوات تعالج بفعالية مشاكل الأسلحة الصغيرة بوسائل إدارية وتشريعية، ودعوا منتجي الأسلحة والدول التي تملك أكبر مخزونات منها إلى أن يخفضوا بشكل ملموس من إنتاج الأسلحة التقليدية والإتجار بها.

مواصلة الزخم الذي ولّده أول مؤتمر عُقد في أوسلو، استضافت حكومة بلجيكا في تشرين الأول/أكتوبر عام 1998 أول مؤتمر من نوعه حول "نزع الأسلحة المستدام والتنمية المستدامة". حضرت هذه المؤتمر أكثر من 90 دولة كما حضرها عدد من المنظمات غير الحكومية. وطعن المؤتمر بالفكرة القائلة إن بالإمكان معالجة قضية نزع الأسلحة بمعزل عن قضية التنمية، ودعا الدول المعنية إلى اتباع نهج يجمع بين المعالجتين. وأصدر المؤتمر "نداء إلى العمل" عرض بالتفصيل النشاطات والأعمال التي ينبغي على الأسرة الدولية أن تأخذها بعين الاعتبار لدى معالجة مشاكل الأسلحة الصغيرة والتنمية.

في تشرين الأول/أكتوبر 1998، أعلنت الدول الـ16 الأعضاء في "الأسرة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا"، بقيادة ألفا عمر كوناري رئيس جمهورية مالي، حظراً مدته ثلاث سنوات قابلة للتجديد على إنتاج وتصدير واستيراد الأسلحة الخفيفة في منطقة غرب أفريقيا. وكان ذلك تتويجاً لجهود حثيثة بذلتها على مدى خمس سنوات كل من حكومة مالي والأمم المتحدة وحكومات أخرى، من المنطقة وخارجها، لفرض أول حظر على الإطلاق على الأسلحة التقليدية. وتم وضع آلية تنظيمية لتنفيذ الحظر وإدارته، فيما كان عدد من البلدان يدرس أفضل سبل المساهمة في نجاح هذا العمل. وسيصبح الحظر قابلاً للتجديد في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2001.

إضافة إلى الأعمال التي تقوم بها الحكومات في هذا الصدد، تلعب المنظمات غير الحكومية أيضاً دوراً هاماً في توعية الأسرة الدولية، وفي حمل أعباء البحث العلمي والأكاديمي، وجمع معلومات نافعة. وتساعد أيضاً في تعزيز الإجراءات التي تتخذها الحكومات دعماً للجهود التي تبذل لمعالجة مشاكل الأسلحة الصغيرة والخفيفة. وترعى هذه المنظمات أيضاً مؤتمرات وندوات تعقد لهذه الغايات كما تشارك في معظم المؤتمرات التي ترعاها الحكومات. إن تشجيع هذه المنظمات المتواصل على قيام تعاون أفضل بين الحكومات، والمجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية يضمن أن يكون النجاح في معالجة مشاكل الأسلحة الخفيفة مطرداً ومتراكماً.

استجابة الولايات المتحدة

في الخطاب الذي ألقاه لدى انعقاد الجمعية العامة الخمسين للأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر عام 1995، نوّه الرئيس السابق بيل كلينتون بضرورة توجيه المزيد من الاهتمام إلى مشكلة الأسلحة الصغيرة وما يرتبط بها من مشاكل تجارة وتهريب المخدرات وازدياد أعمال الإرهاب. والنهج الذي تعتمده الولايات المتحدة حيال انتشار الأسلحة الصغيرة هو معالجة الأمر بطريقة متوازنة، من جانب قضايا الطلب على هذه الأسلحة، أي الأسباب التي تدعو إلى اقتنائها، ومن جانب قضايا العرض، مثل الإتجار غير المشروع بالأسلحة وتهريبها. وفي جهد يرمي إلى وقف الدخول غير المشروع للأسلحة إلى البلدان وإلى تنظيم دخولها المشروع إليها، تستخدم الولايات المتحدة كل ما لديها من الأدوات السياسية على مختلف المستويات. فالجهود التي تبذلها الولايات المتحدة في جانب الطلب تتضمن مبادرات تقوم بها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لتعزيز قيام مؤسسات ديموقراطية واتباع ممارسات ديموقراطية، ومواصلة التوكيد على احترام حقوق الإنسان، واعتماد نهوج متكاملة لأزمات معقدة تتجاوز بمداها حدود الدول، وتطبيق عدد من التدابير العملية المتعلقة بنزع الأسلحة والتنمية في فترة ما بعد النزاع، ودعم إنشاء وتعزيز قدرات رقابية وأخرى تتعلق بفرض تطبيق القوانين في المجتمعات المهددة بنزاعات أو تلك التي مزقتها الحرب.

أما في جانب العرض، فتسعى الولايات المتحدة إلى عولمة ما يسمى بـ "أفضل الممارسات" بما فيها: تشجيع كل الدول على اعتماد نموذج موحد للأنظمة المتعلقة بمبيعات الأسلحة على نطاق تجاري؛ فرض قيود على تجارة الأسلحة وعمليات إعادة التصدير؛ دعم التطبيق الفعّال لبروتوكول فيينا الخاص بالأسلحة النارية الذي أنجز مؤخراً (2 آذار/مارس 2001) والمستند إلى النموذج الذي تتبعه منظمة الدول الأميركية؛ تقديم المساعدة في مجال حفظ أمن مخزونات الأسلحة وإتلافها؛ والعمل على إنجاز مبكّر لاتفاق دولي يقضي بالحد من استخدام أنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف. وفي خريف عام 1998، طرحت الولايات المتحدة عدداً من المبادرات الهامة التي تتناول في صورة رئيسية الارتباط بين تدفق الأسلحة والنزاعات في أفريقيا.

إزاء مدى الالتزام الذي تعبّر عنه أعمالها، تُعتبر الولايات المتحدة رائدة في الجهود الرامية إلى ضبط الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة. وكونها بلداً مزوداً للأسلحة، تتحمل الولايات المتحدة بجدية مسؤوليتها القاضية بأن تعتمد أعلى معايير الشفافية، ومراقبة الصادرات، وضبط النفس في مبيعات الأسلحة، وتنظيم أعمال تجارة الأسلحة. ولقد أقامت الولايات المتحدة شراكات مع الدول التي تماثلها في تفكيرها من أجل التصدي لعدد من قضايا الأسلحة الصغيرة والخفيفة ومنها إتلاف الأسلحة، وتنسيق المساعدات التي تقدم للدول المتأثرة بمشكلة الأسلحة، ودعم المبادرات الإقليمية في هذا الصدد، وتعزيز تطبيق تدابير الحظر التي يفرضها مجلس الأمن الدولي.

في اجتماع خاص عقده وزراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي حول أفريقيا في أيلول/سبتمبر عام 1999، طرحت الولايات المتحدة عدداً من التدابير الملموسة التي تم تطبيقها في السنتين الماضيتين وهي:

- قطع التزامات تقضي بالتصريح الكامل وفي الوقت الصحيح عن كل شحنات الأسلحة المتوجهة إلى مناطق نزاع في أفريقيا؛
- توفير دعم دولي لفرض حظر طوعي على مبيعات الأسلحة التي يمكن أن تغذي نزاعات مترابطة داخلياً؛
- عقد اجتماعات لحكومات ومنظمات دولية وأخرى غير حكومية لتبادل المعلومات حول مبيعات ونقل أسلحة في المنطقة؛
- زيادة المعونات لبناء القدرات في أفريقيا من أجل مراقبة واعتراض دخول الأسلحة إلى المنطقة وتعزيز سبل فرض العقوبات؛
- سن تشريعات في البلدان المعنية لجعل خرق تدابير الحظر الإلزامية وأنظمة العقوبات الأخرى عملاً جرمياً.
- دعم التطبيق الفعّال لبروتوكول الأسلحة النارية والاتفاق المتعدد الأطراف للحد من تصدير أنظمة الدفاع الجوي التي تُحمل على الكتف.

إن هذه المبادرات تكمّل وتعزز عدداً من المبادرات الأميركية القائمة والهادفة إلى وضع حد لأعمال العنف في أفريقيا. مثال على ذلك، في عام 1994، صدر في الولايات المتحدة قانون حل النزاع في أفريقيا الذي يفرض على الوكالات الحكومية الأميركية أن تقدم إلى الكونغرس سنوياً تقارير عن الجهود التي تبذلها لتحسين قدرات حل النزاع في أفريقيا. وفي الاجتماع الوزاري الذي عقدته الولايات المتحدة ودول أفريقية في آذار/مارس 1999 تحت عنوان "شراكة للقرن الحادي والعشرين،" أعادت الولايات المتحدة توكيد دعمها لمبادرة الاستجابة إلى الأزمة في أفريقيا. ومنذ عام 1993، والولايات المتحدة تقدم مبلغ ثمانية ملايين دولار سنوياً دعماً لهذه المبادرة.

قامت الولايات المتحدة بدور قيادي في عدد من الإجراءات الهادفة إلى الحؤول دون عودة أعمال الإبادة الجماعية إلى رواندا ومنها: الاجتماع مع عدد من رؤساء الدول في قمة عنتيبي في آذار/مارس 1998؛ طرح مشروع قرار في الأمم المتحدة أعاد إحياء لجنة تدفق الأسلحة من أجل كشف ووقف تهريب الأسلحة إلى الجيش وقوات المليشيا في رواندا سابقا؛ وتقديم الدعم لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة الذي قدّمه في نيسان/أبريل 1998 إلى مجلس الأمن في صدد أسباب النزاع والعمل في سبيل قيام سلام دائم وتنمية مستدامة في أفريقيا. وفي أوائل عام 2000، بدأت الولايات المتحدة العمل مع المؤسسة الأفريقية لمنع الجريمة ومعالجة مرتكبيها، وهي مؤسسة تابعة للأمم المتحدة، من أجل استعراض قوانين وأنظمة وقدرات البلدان الأفريقية في هذا المجال. ولا يزال العمل في ذلك المشروع مستمراً. وتواصل الولايات المتحدة جهودها الرامية إلى تقديم الدعم السياسي والفني والمادي للجهود التي تبذلها مالي وجيرانها لتنفيذ حظر استيراد وتصدير وصنع الأسلحة الخفيفة في غرب أفريقيا.

كما تشارك الولايات المتحدة في مجموعة كبيرة من الاجتماعات والمؤتمرات وورش العمل الدولية بما فيها مجموعة الخبراء الحكوميين في شؤون الأسلحة الصغيرة، وهي مجموعة تابعة للأمم المتحدة، التي قدم تقريراها الصادران في عامي 1997 و1999 عدداً من التوصيات التي تبنتها الولايات المتحدة. وتشارك الولايات المتحدة أيضاً في المناقشات التي تعقدها لجنة الأمم المتحدة لنزع الأسلحة في صدد نزع الأسلحة العملي.

بالإضافة إلى الوفود التي تحضر الاجتماعات التي تعقد برعاية الأمم المتحدة، أوفدت الولايات المتحدة أيضاً وفوداً رفيعة المستوى إلى مؤتمري أوسلو وبروكسيل، ولعبت دوراً بارزاً في المفاوضات التي أدت إلى صدور الوثائق التي تم الاتفاق عليها في المؤتمرين. تشارك الولايات المتحدة أيضاً، وتدعم، المشاورات التي تتناول قضايا الأسلحة الصغيرة والتي تجري ضمن الشراكة من أجل السلام، واتفاق الاستقرار لجنوب شرق أوروبا، ومجلس الشراكة الأوروبي الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

تتشاور الولايات المتحدة مع النروج، وكندا، وجنوب أفريقيا وعدد من البلدان الأخرى، كما تقيم حواراً رفيع المستوى مع بلجيكا، للمساعدة في زيادة تطوير برنامج العمل الدولي الخاص بالأسلحة الصغيرة، وتبادل الأفكار حول خطط مستقبلية تتناول نزع الأسلحة والتنمية.

تشارك الولايات المتحدة كذلك في ترتيب واسينار الذي يضم 33 عضوا، وفي مجموعة الدول الست الخاصة بالأسلحة، ولجنة ليون الفرعية الخاصة بالأسلحة النارية والتابعة لمجموعة الدول الثماني، ومنبر أسرة التنمية لأفريقيا الجنوبية، حيث بحثت إصدار بيان مشترك بين الولايات المتحدة والمنبر حول الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، وأنشأت مجموعة عمل مشتركة لمعالجة قضايا الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة.

تقوم الولايات المتحدة بدور فعّال في العملية التي أدت إلى مؤتمر الأسلحة الصغيرة والخفيفة من كل نواحيها المقرر أن تعقده الأمم المتحدة في مقرها الرئيس ما بين 9 و20 تموز/يوليو عام 2001. وهدف المؤتمر هو الاتفاق على برنامج عمل ملزم سياسياً ويتضمن تدابير تساعد في تخفيف وطأة تأثير التجارة غير المشروعة بالأسلحة الصغيرة والخفيفة. وستبقى الولايات المتحدة مشاركاً أساسيا في الجهود الدولية الرامية إلى حل قضية الأسلحة الصغيرة والخفيفة، وموفراً رئيسياً للأموال اللازمة لإتلاف الفائض من الأسلحة، وللتدريب وتقديم ما يلزم من معونات أخرى لمساعدة البلدان المعنية في التخلص من فائض تراكم الأسلحة الصغيرة والخفيفة الذي يتسبب بزعزعة الاستقرار. كما ستواصل الولايات المتحدة ضمن مؤتمر الأمم المتحدة الذي يعقد عام 2001 للتوصل إلى برنامج عمل توافقي يؤدي إلى وضع نظام عالمي يمنع الإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة.

لقد أثبتت الأسرة الدولية أن لديها ما يكفي من الطاقة والإرادة السياسية لمعالجة مشكلة الأسلحة الصغيرة والخفيفة. وبسبب حدة وتعقيد المشكلة، من الأرجح أن يكون التوصل إلى حل شامل طويل الأمد للمشكلة أمراً بعيد المنال. إن تخفيف وطأة التأثيرات السلبية حتى القريبة جداً والمدمرة أمر يتطلب إبداعاً ومرونة ومقاربات متعددة الأوجه تجمع ما بين عدة اعتبارات. ولقد بدأت الأسرة الدولية بداية حسنة، ومؤتمر الأمم المتحدة لعام 2001 يوفر فرصة فريدة لوضع أساس متين لنظام عالمي فعّال.


إتلاف الفائض من الأسلحة الصغيرة: سياسة الولايات المتحدة وبرامجها
بقلم سي. إدوارد بيرتري، سؤول سياسي
دائرة السياسة والتخطيط والتحليل
مكتب الشؤون السياسية العسكرية، وزارة الخارجية الأميركية

photo of C. Edward Peartree

يقول سي. إدوارد بيرتري، مسؤول سياسي في دائرة السياسة والتخطيط والتحليل، مكتب الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية إنه "في حين تشكل قيود التصدير الصارمة وفرض تطبيق القوانين بحزم عناصر بالغة الأهمية لكبح الإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة وتهريبها، فإن أسهل وأفعل سبيل لمنع انتشار الأسلحة غير المشروعة هو الإدارة الصحيحة لمخزوناتها والإتلاف السريع للفائض منها. وفي معالجتها لهذه المشكلة عمدت وزارة الخارجية الأميركية، بالتعاون مع وزارة الدفاع الأميركية، إلى تقديم أموال وخبرات لمساعدة البلدان المعنية في تحسين ممارسات إدارة مخزونات الأسلحة الصغيرة والخفيفة وإتلاف الفائض منها".

نظرة عامة
إن المصدر الرئيسي لتراكمات الأسلحة الصغيرة والخفيفة التي تزعزع الاستقرار في العديد من مناطق العالم ليس منتجات جديدة من هذه الأسلحة، ولكن ما يعاد تدويره من فائض الأسلحة العسكرية. فمخزونات الأسلحة التي كانت موجودة أبان حقبة الحرب الباردة في بلدان أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفياتي سابقاً، وهي في غالب الأحيان غير محفوظة في صورة آمنة، ومعرضة للسرقة أو النقل غير المشروع، تشكل مصدر أسلحة لمنظمات إجرامية ومجموعات إرهابية إقليمية تستخدم العنف. وقد عمدت المؤسسات العسكرية في البلدان التي كانت أعضاء في حلف وارسو، وهي تواقة إلى رفع مستويات قواتها المسلحة لتضاهي مستويات القوات المسلحة لدى دول حلف الأطلسي، إلى التخلص من أعداد ضخمة من البنادق التي يستخدمها المشاة، والرشاشات، والأسلحة الخفيفة، مثل قاذفات القنابل الصاروخية التي تعرف باسم آر بي جي، وطرحتها في الأسواق العالمية. ولقد ثبت أن مبيعات الفائض من الأسلحة، وخاصة إلى مستعملين نهائيين لها غير مرغوب فيهم مثل مجموعات متمردة، أو حكومات متقاتلة تخضع لحظر دولي يمنعها من شراء الأسلحة، تُشكّل مصدراً جاهزاً للدخل لبلدان نامية تفتقر إلى النقد.

في أفريقيا، وجنوب شرق آسيا، وأميركا اللاتينية، غالباً ما تنتقل الأسلحة التي كانت تُستخدم في نزاع إقليمي ما لتستخدم في نزاع إقليمي آخر. وإذا لم يتم في سرعة حفظ أو إتلاف الأسلحة التي يتم جمعها في أعقاب التوصل إلى اتفاقية سلام في نزاع ما، تتوزع تلك الأسلحة بين أفراد المجتمع، وتزيد من تفاقم الأوضاع غير المستقرة والأعمال الجرمية العنيفة، أو تغذّي نزاعات جديدة. فلقد تبيّن مؤخراً أن الأسلحة التي كانت تستخدمها جبهة "فاراباندو مارتي" للتحرير الوطني في السلفادور، ومنظمتا "الساندانيستا" و"الكونترا" في نيكاراغوا في الثمانينات، أصبحت تُستخدم في الحرب الأهلية في كولومبيا. وفي بعض الأحيان، تنتقل الأسلحة عبر محيطات وقارات: فالبنادق من طراز أم- 16 الأميركية التي تمت مصادرتها في فيتنام بعد سقوط المدينة التي كانت تُعرف بـ "سايغون" ظهرت بعد عقود من ذلك التاريخ في بلدان أميركا الوسطى.

وفي حين تشكل قيود التصدير الصارمة وفرض تطبيق القوانين بحزم عناصر بالغة الأهمية لكبح الإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة وتهريبها، فإن أسهل وأفعل سبيل لمنع إنتشار الأسلحة غير المشروعة هو الإدارة الصحيحة لمخزوناتها والإتلاف السريع للفائض منها. وفي معالجتها لهذه المشكلة عمدت وزارة الخارجية الأميركية، بالتعاون مع وزارة الدفاع الأميركية، إلى تقديم أموال وخبرات لمساعدة البلدان المعنية في تحسين أساليب إدارة مخزونات الأسلحة الصغيرة والخفيفة وإتلاف الفائض منها.

تاريخ الجهود الأميركية

حتى الآونة الأخيرة، كان ما تقوم به الولايات من إتلاف للأسلحة الصغيرة يتم عموماً على أساس كل حالة على حدة، دون اتباع برنامج مُعدّ سلفاً. فلقد كانت القوات العسكرية الأميركية، إدراكاً منها بأن تقليص كميات الأسلحة التي كان يتم جمعها في فترة ما بعد النزاع هو أمر بالغ الأهمية في تخفيف حدة العنف وتحسين الاستقرار، تقوم بإتلاف الأسلحة التي تتم مصادرتها أو يتم جمعها في عمليات عسكرية أو عمليات حفظ سلام. وكانت تلك القوات تتعاون أحيانا مع دول أخرى في هذه الجهود. فلقد أتلفت الولايات المتحدة عشرات آلاف من قطع الأسلحة الصغيرة والخفيفة في العراق والكويت أبان وبعد حرب الخليج. وفي هايتي، في عامي 1994 و1995، أتلفت الفرقة العسكرية الأميركية العاشرة 18.621 قطعة من الأسلحة الصغيرة والخفيفة. وفي بناما، وبالتزامن مع عملية "القضية العادلة" التي تم القيام بها في عامي 1990 و1991، أتلفت القوات الأميركية 77.553 قطعة من الأسلحة الصغيرة والخفيفة. كما قامت قوة تثبيت الاستقرار في البوسنة (سفور) والقوة الأمنية في كوسوفو (كيفور)، وهما بقيادة حلف شمال الأطلسي، بإتلاف آلاف قطع الأسلحة. وفي ليبيريا، ما بين تموز/يوليو وتشرين الأول/أكتوبر 1999، أرسلت الولايات المتحدة خبراء وقدمت أموالاً، من خلال صندوق الأمم المتحدة الخاص بليبيريا، لإتلاف حوالي 19 ألف قطعة من الأسلحة الصغيرة والخفيفة وأكثر من ثلاثة ملايين من ذخائرها.

وفيما زادت مشاركة الولايات المتحدة في جهود معالجة مشكلة الأسلحة الصغيرة في أواخر تسعينات القرن الماضي، تحوّل الاهتمام في اتخاذ تدابير ملموسة للتخفيف من التأثيرات الضارة لهذه الأسلحة إلى قضية وقف إعادة تدوير هذه الأسلحة وإتلاف الفائض منها في المناطق التي تدعو إلى القلق. وفي اجتماع قمة عُقد بينهما في 15 تشرين الأول/أكتوبر عام 1999، اتفقت الولايات المتحدة والنروج على إنشاء فريق عمل مشترك لمساعدة البلدان المعنية في إتلاف الفائض من الأسلحة الصغيرة والخفيفة. وبعد ذلك بوقت قصير، أي في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1999، تبنت معاهدة الاستقرار في جنوب شرق أوروبا بياناً أصدرته عشر دول في المنطقة يدعو إلى إتلاف الأسلحة المصادرة والفائضة. ودعماً لهذا الالتزام، عرضت الولايات المتحدة والنروج إرسال فرق تقييم فني إلى الدول الأعضاء للمساعدة في جهود إتلاف الأسلحة. وفي أيار/مايو 2000، قام خبراء أميركيون ونروجيون بزيارة ألبانيا في أول زيارة تقييم تم القيام بها منذ بدء هذه الجهود المشتركة.

المشروع التجريبي: ألبانيا

تُعتبر ألبانيا مثالاً ممتازاً على ما يُمكن أن تتسبب به الإدارة السيئة لمخزونات الأسلحة، والفائض منها، من مشاكل في أجواء سياسية غير مستقرة. فخلال الأزمة السياسية التي وقعت في آذار/مارس 1997 بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وانهيار الحكومة، سُرقت من مستودعات الحكومة في مختلف أنحاء البلاد أكثر من 500 ألف قطعة من الأسلحة الصغيرة والخفيفة وعشرات الأطنان من الذخائر. وأدى انتشار هذه الأسلحة المسروقة بين الناس إلى ازدياد الأعمال الجرمية إلى حد كبير وإلى ازدياد تهريب الأسلحة إلى البلدان المجاورة مثل مقدونيا ويوغوسلافيا. وتشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من نصف الأسلحة التي سُرقت في ألبانيا وصلت في نهاية المطاف إلى كوسوفو؛ كما أدى التدفق المفاجئ للأسلحة على الإنفصاليين الألبان إلى اندلاع نزاع مسلّح في تلك المنطقة، وهو نزاع أدى إلى تدخل مباشر من قبل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

ابتداء من أيار/مايو 1998، عززت الحكومة الألبانية جهودها الرامية إلى جمع الأسلحة الموجودة في أيدي المدنيين، من خلال إصدار قوانين تقضي بذلك، ومن خلال تشديد تدابير فرض تطبيق القوانين. وتم دعم هذه الجهود عام 1999، من خلال قيام برنامج التنمية للأمم المتحدة بإطلاق برنامج "الأسلحة مقابل التنمية" وهو برنامج كان يستهدف منطقة غرامش الألبانية في أول الأمر، وثم امتد إلى منطقتي ألبان ودربا). وبموجب هذا البرنامج تم إتلاف عدد محدود من الأسلحة، إلا أن البرنامج بقي يركّز على جمع الأسلحة غير المشروعة. بدأت الجهود الفعلية لإتلاف مخزونات الأسلحة الألبانية الفائضة، وتلك التي تم جمعها، في السابع من أيلول/سبتمبر 2000، عندما اجتمع مساعد وزير الخارجية الأميركي، أريك نيوسم، مع مندوبين عن السفارتين النروجية والألمانية في ألبانيا ووقعوا مع وزير الدفاع الألباني، أيلير جيوني، مذكرة بهذا الخصوص. ونصت هذه المذكرة على وجوب الإسراع في إتلاف أكثر من 130 ألف قطعة سلاح جمعت من السكان منذ أزمة 1997 وكذلك إتلاف الفائض من الأسلحة الموجود لدى تلك الحكومة. وأثنت الدول الأعضاء في معاهدة تثبيت الاستقرار وفي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) على المشروع الألباني، ووصفته بأنه تدبير أمني هام وأحد الإجراءات الهامة لبناء الثقة في منطقة البلقان. وحتى شهر أيار/مايو 2001، كانت أكثر من 50 ألف قطعة سلاح صغيرة وخفيفة قد أتلفت في ألبانيا بمساعد أميركية ونروجية، ولا يزال البرنامج مستمراً بنجاح.

توسيع مدى الجهود

أثارت مبادرة ألبانيا الاهتمام في منطقة البلقان، كما على صعيد دولي في أهمية تقليص مخزونات الأسلحة والفائض منها. وقام فريق أميركي نروجي مشترك بزيارة تقييم مشتركة ناجحة إلى مقدونيا وبلغاريا في تشرين الأول/أكتوبر 2000. كما زاد التزام الولايات المتحدة حيال هذه الجهود بتخصيص مبلغ مليوني دولار، للمرة الأولى، في السنة المالية 2001 لبند إتلاف الأسلحة في ميزانية العمليات الخارجية. ولقد بدأت المنظمات الإقليمية والدولية التي تعالج مشكلة انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة تدرك أهمية إدارة مخزونات الأسلحة وإتلاف الفائض منها. وتتضمن الوثيقة الهامة الصادرة عن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) حول الأسلحة الصغيرة والخفيفة التي وافقت عليها 55 دولة في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2000، فصلاً كاملاً عن إدارة مخزونات الأسلحة وإتلاف الفائض منها. كما وقّعت الولايات المتحدة وأسرة التنمية لأفريقيا الجنوبية بياناً مشتركاً في كانون الأول/ديسمبر 2000 حول التدابير الخاصة بالأسلحة الصغيرة والخفيفة يتضمن تعهدات بإتلاف هذه الأسلحة.

في نيسان/إبريل 2001 قامت مؤسسة الشراكة من أجل السلام (pfp) التابعة للحلف الأطلسي بتوسيع مهام صندوق إتلاف الألغام الأرضية المضادة للأفراد لتتضمن الأسلحة الصغيرة والخفيفة. وهذا ما أدى الى تشجيع دول الشراكة من أجل السلام على التعهد بإتلاف الأسلحة، وكذلك أعضاء الحلف الأطلسي على دعم تلك الجهود مالياً. وسوف يتضمن مؤتمر الأمم المتحدة والذي سيُعقد في تموز/يوليو 2001 على تعهدات بإتلاف الأسلحة الصغيرة والخفيفة في برنامج العمل الذي سيصدر عنه.

تواصل الولايات المتحدة توسيع مدى برنامجها الخاص بإتلاف الأسلحة الصغيرة. وهناك مشاريع في هذا المجال قيد الدرس في منطقة البلقان، وأميركا اللاتينية، وأفريقيا، وآسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا. وإضافة إلى شراكة قائمة مع النروج والمانيا في ألبانيا، تسعى الولايات المتحدة إلى القيام بمشاريع مشتركة مع بلدان ومنظمات مانحة أخرى مهتمة بالموضوع. إن دعم الولايات المتحدة جهود إتلاف الكميات الفائضة وغير المشروعة من الأسلحة الصغيرة والخفيفة يقصد به العمل على استتباب الأمن والسلام والوفاق في مناطق النزاع. فانتشار هذه الأسلحة دون وازع يهدد المدنيين والعاملين على حفظ السلام ومسؤولي فرض تطبيق القوانين، ويزيد من صعوبة إعادة بناء المجتمعات والمناطق التي مزقتها الحروب. وحيث أن إتلاف الأسلحة لا يكلّف الكثير نسبياً (ما بين دولار واحد وخمسة دولارات لإتلاف القطعة الواحدة) ويمكن القيام به باستخدام بنية تحتية متوفرة محليا وأشخاص محليين، فإن هذا البرنامج يحقق منافع جمّة لناحية تقليص الخطر باستثمار أولي بسيط.


تتبع مسار الأسلحة الصغيرة غير المشروعة: برنامج دائرة الكحول والتبغ والأسلحة النارية
بقلم جاكلين هولمز
مديرة برنامج، قسم برامج الأسلحة النارية
مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية، وزارة المالية الأميركية

photo of Jacqueline K. Holmes

تقول جاكلين هولمز إن مكتب الكحول والتبغ وألأسلحة النارية، التابع لوزارة المالية الأميركية"، عمد إلى إنشاء برنامجه الخاص بتتبع الأسلحة على الصعيد الدولي لكي يتمكن من القيام بمهمته بصورة فعّالة ويقلّص عدد الأسلحة التي يتم تهريبها من الولايات المتحدة والإتجار بها بصورة غير مشروعة انطلاقاً منها، وتستخدم لارتكاب أعمال إرهابية دولية، أو لخرق القيود التي تفرضها بلدان أخرى على مواطنيها لناحية حيازة الأسلحة، أو لخدمة نشاطات مرتبطة بعصابات الجريمة المنظمة أو تهريب المخدرات".

مع ازدياد الإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة وتهريبها، على صعيد البلدان فرادى كما على الصعيد الدولي، أخذت بلدان في مختلف أنحاء العالم تستعين ببرنامج للحكومة الأميركية، هو فريد من نوعه في العالم، يتتبع تاريخ أسلحة نارية مستخدمة في ارتكاب جرائم.

إن إحدى مهمات المركز الوطني لتتبع الأسلحة(The National Tracing Center) وهو تابع لمكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية في وزارة المالية الأميركية، هي مكافحة التنقل غير المشروع للأسلحة النارية الأميركية المنشأ في بلدان العالم. ولقد عمد مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية إلى إنشاء برنامجه الخاص بتتبع الأسلحة على الصعيد الدولي لكي يتمكن من القيام بمهمته بصورة فعّالة ويقلّص عدد الأسلحة التي يتم تهريبها من الولايات المتحدة والإتجار بها بصورة غير مشروعة انطلاقاً منها، وتستخدم لارتكاب أعمال إرهابية دولية، أو لخرق القيود التي تفرضها بلدان أخرى على مواطنيها لناحية حيازة الأسلحة، أو لخدمة نشاطات مرتبطة بعصابات الجريمة المنظمة أو تهريب المخدرات. ومن خلال الصلاحيات الرقابية وسلطات فرض تطبيق القانون المناطة به، يسعى المكتب إلى وضع حد للانتقال غير المشروع للأسلحة النارية ومنع وصولها إلى تجار المخدرات، والإرهابيين والمجرمين الذين ينشطون على الصعيد الدولي.

يتتبع مركز التتبع تاريخ الأسلحة النارية تلبية لطلب جهات رسمية تابعة للحكومة الفدرالية، وحكومات الولايات، والحكومات المحلية كما للوكالات الدولية العاملة في مجال فرض تطبيق القوانين. ومعرفة تاريخ السلاح الناري المعني أمر لا غنى عنه لأجهزة فرض تطبيق القوانين عندما تكون تسعى لمعرفة كيفية انتقال سلاح أميركي المنشأ إلى حيث صودر أو اشتباه علاقته بعمل ما. ويحفظ المركز معلومات تتعلق بالمبيعات المتعددة لسلاح ناري ما، وبالأسلحة المشتبه بها، والأسلحة المسروقة، والأسلحة التي تم التلاعب بأرقامها المتسلسلة أو تلك التي ليست لها أرقام متسلسلة كاملة، وهو المكان الوحيد في العالم الذي يحتوى على كل سجلات الحكومة الفدرالية الخاصة بحاملي رخص بيع الأسلحة الذين توقفوا عن ممارسة عملهم. وتستخدم وكالات حكومية أجنبية، على غرار نظيراتها الأميركية، هذه المعلومات للتحقق من خرق القوانين الجنائية، والتعرف على أنماط تصرف مشتبه بهم، وإثبات ملكية الأسلحة، وتحديد مصدرها.

خلال العام 2000، أجرى الفرع الوطني لتتبع الأسلحة معاملات أكثر من 200 ألف طلب تتبع، منها أكثر من 18 ألف طلب من حكومات أجنبية. وكان ترتيب الدول العشر الأولى في عدد الطلبات المقدمة للمركز على النحو التالي: كولومبيا، المكسيك، كندا، جامايكا، البرازيل، اليابان، ألمانيا، إيطاليا، كوستاريكا وغواتيملا. وأظهر تحليل لكل طلبات التتبع التي قدمتها دول أجنبية أن تسعة من أصل كل عشرة أسلحة تم تتبعها مصنوعة في الولايات المتحدة.

تبدأ عملية تتبع سلاح ناري ما لدى تسلّم طلب تتبع. في الوقت الحاضر يتم تسلّم طلبات التتبع الدولية مباشرة من أجهزة فرض تطبيق القوانين في الخارج بطريق الفاكس أو من خلال البريد الإلكتروني من مكاتب مسؤولين في مكتب الكحول، والتبغ والأسلحة يعملون في بلدان أجنبية، هي حالياً كولومبيا، والمكسيك وكندا. وتتم مراجعة المعلومات الخاصة بالأسلحة النارية للتحقق من صحتها من الناحية الفنية ثم توضع لها شيفرة لإدخالها قاعدة المعلومات الخاصة بنظام تتبع الأسلحة النارية. واستناداً إلى معلومات محددة يتم الحصول عليها من المؤسسة الصانعة للسلاح الناري المعني، يتم الاتصال ببائع هذا الصنف من الأسلحة بالجملة وكذلك بائعه بالمفرق (أو بالتجزئة) لمعرفة هوية مشتريه. وترسل هذه المعلومات للجهة التي طلبتها بشكل تقرير مختصر لتتبع الأسلحة الخفيفة. وتستغرق مدة إتمام التتبع مدة 11 يوماً في العادة، أما في الحالات العاجلة والطارئة (كما في حالات جرائم القتل أو الخطف أو الأعمال الإرهابية، أو لدى توقيف المشتبه به) فيتم الأمر في غضون 24 ساعة.

ويكون عمل الفرع عاجلاً بالمثل عندما يصادر السلاح المعني في الخارج ويتبين أن مالكه مواطن أميركي. ويحال الطلب إلى القسم الإقليمي المختص في المكتب لتقديم المزيد من المساعدة للجهة الأجنبية طالبة التتبع.

لقد أعد الفرع الوطني لتتبع الأسلحة عدداً من البرامج المصممة لاعتماد نهج أكثر شمولية لتتبع الأسلحة النارية. وعلى سبيل المثال، من فئات الأسلحة النارية التي يركز عيها الفرع فئة "السلاح الناري المشتبه به" أي الذي لم تصادره بعد أجهزة فرض تطبيق القوانين إنما يشتبه بأنه استخدم في عمل جرمي. ومن الظروف التي تجعل سلاحاً نارياً ما مشتبهاً به صلة ذلك السلاح بالجهة المرخص لها ببيعه من قبل الحكومة الفدرالية، أو سرقات الأسلحة التي تحصل في عدة ولايات، أو شراء شخص واحد لكميات كبيرة من الأسلحة النارية، أو سجلات غير معدة بدقة لدى بائعي الأسلحة. ويدخل الفرع المعلومات الخاصة بالسلاح المشتبه به في قاعدة المعلومات الخاصة بهذه الفئة بناء على طلب مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية. ولا يتم تتبع هذه الأسلحة، ولكن تجري مقارنة المعلومات الخاصة بها مع المعلومات الواردة في كل طلبات التتبع لتبين ما إذا هناك أي تماثل بينها وبين معلومات عن أسلحة أخرى.

ومن البرامج المثيرة للاهتمام برنامج أكسس 2000، وهو برنامج يوفر اتصالاً إلكترونيا مباشراً بين المركز الوطني وصانعي الأسلحة النارية وبائعيها بالجملة. وتسمح هذه الصلة بوصول فوري للفرع الوطني إلى سجلات محفوظة إلكترونياً لدى الجهات المرخص لها ببيع الأسلحة من أجل إجراء معاملات التتبع في صورة أكثر فعالية. وهناك اليوم 12 جهة من هذه على اتصال مباشر بمكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية. ويواصل المكتب هذه الشراكة مع قطاع صناعة وبيع الأسلحة النارية من أجل تيسير تتبع الأسلحة المستخدمة في ارتكاب جرائم عن طريق استخدام نظام إلكتروني موحد المعايير. ويتيح الاتصال الفوري لموظفي الفرع الوطني أن يستفسروا عن تاريخ سلاح ذي رقم متسلسل ما، الأمر الذي يؤدي إلى تسريع عملية التتبع وتقليص الكلفة التي يتكبدها القطاع في هذا المجال. كما أن وجود هذه الصلة على مدى 24 ساعة في اليوم، يسهّل على موظفي الفرع عملية الاستفسار.

يعمل فرع تحليل السلاح الناري المستعمل في ارتكاب جريمة، وهو تابع للمركز الوطني لتتبع الأسلحة، بصورة وثيقة مع الفرع الوطني عن طريق تحليل المعلومات التي ترد من تتبع الأسلحة، والمبيعات المتعددة، وسرقات الأسلحة. وتكشف تحليلات تتبع الأسلحة النارية أنماطاً قد لا يكون بالإمكان كشفها من حالة تتبع واحدة. ثم أن التعاون من ناحية مشاطرة المعلومات من عمليات التتبع الدولية يساعد في كشف أنماط تهريب الأسلحة أو الإتجار غير المشروع بها، على نطاق دولي، ما يمكن أن يساعد أجهزة تطبيق القوانين في اتخاذ ما يلزم من الإجراءات لتقليص تهريب الأسلحة النارية والإتجار غير المشروع بها على نطاق دولي وتقليص الجرائم التي يتم ارتكابها بواسطة الأسلحة النارية.

ويوفر فرع تحليل الأسلحة دعماً للوكالات الدولية بإجرائه تحليلاً للأسلحة النارية التي تتم مصادرتها من منطقة جغرافية معينة وذلك لمعرفة نوعية الأسلحة التي تصادر في غالب الأحيان، والجرائم التي لها علاقة بالأسلحة النارية، ومعلومات عن حاملها، ومواقع منشأ الأسلحة (أي الأماكن التي يتم شراء الأسلحة منها)، ومعرفة الوقت الفاصل بين شراء السلاح الناري وبين مصادرة هذا السلاح من قبل السلطات المختصة. إن هذه التحليلات تكشف مصادر المشاكل المتعلقة بالأسلحة النارية التي تستخدم في ارتكاب جرائم وتوفر معلومات هامة لأجهزة التحقيق والتحري لناحية الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا ضالعين في تهريب الأسلحة أو الاتجار غير المشروع بها على نطاق دولي. ويعد فرع التحليل أيضاً خرائط بمواقع مصادرة الأسلحة المستخدمة في ارتكاب جرائم في الولايات المتحدة، وهو يتعاون حاليا مع وكالات دولية لإطلاعها على هذه التكنولوجيا وإعداد خرائط دولية في هذا المجال. وأنواع التحليلات المفصلة الخاصة بالأسلحة النارية المستخدمة في ارتكاب جرائم تعتمد على تتبع شامل للأسلحة المصادرة، وتكون أكثر فاعلية عندما تتوفر معلومات كاملة عن السلاح المعني، وحامله وتفاصيل مصادرته. ويقدّم مكتب الكحول، والتبغ والأسلحة النارية الدعم في مجال التحليل إلى العديد من الحكومات، وتبين أنه كان عنصراً فعالاً في القبض على مهربي الأسلحة، مساعداً بذلك في الحد من العنف ومن الجرائم التي تستخدم الأسلحة النارية في ارتكابها.

ومن خلال فرع البرامج الدولية لديه، يسهم مكتب الكحول، والتبغ والأسلحة النارية في زيادة معارف مسؤولي أجهزة تطبيق القوانين، وغيرهم من المسؤولين في البلدان الأجنبية، بما لديه من قدرات تتبع الأسلحة النارية وقدرات تحر في هذا المجال، كما يشارك في مجموعات عمل دولية لوضع حد لتهريب الأسلحة النارية.

ويستضيف المكتب أيضاً ندوة دولية حول استعادة الرقم المتسلسل للأسلحة النارية. يتلقى المشتركون في الندوة مجموعة معدات لاستعادة الرقم المتسلسل، ويلقنون المبادئ الأساسية للقيام بهذا العمل. كما تلقى في هذه الندوة محاضرات حول الأدلة الجنائية يقدمها أخصائيون من المكتب. وتقدّم فيها أيضاً معلومات حول كيفية تتبع الأسلحة التي تستخدم في ارتكاب جرائم وتكون أرقامها المتسلسلة غير واضحة.

لا يزال التزام مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية دعم أعمال أجهزة تطبيق القانون آخذاً في الازدياد، وأصبح جهداً دولياً عن حق. ويدرك المكتب أن صلاحياته محدودة في الكثير من هذه الحالات؛ ولكن دعم أجهزة تطبيق القانون الأجنبية هو عمل متواصل يقوم به المكتب. إن قدرة المكتب على تتبع الأسلحة النارية تلبية لطلب أجهزة أجنبية هي سبيل آخر من سبل تعاون المكتب مع أسرة أجهزة تطبيق القوانين في العالم. وبصفته هذه، يعين المكتب الأجهزة المماثلة له في الخارج في إيجاد سبل للمساعدة في مكافحة التنقل غير المشروع للأسلحة بين بلدان العالم والحؤول دون استخدام مثل هذه في أعمال عنف جرمية.


المجلات الإلكترونية باللغة العربية | باللغة الإنكليزية