هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر في إطارها الصحيح
حتى الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، لم يكن ما يزيد على ربما ألف أميركي قد قُتلوا من قبل إرهابيين، ان كان ذلك في هذه البلاد أو خارجها منذ عام 1968، وهو العام الذي يُنسب إليه أنه سجل بداية العصر الجديد من الإرهاب الدولي عندما قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بخطف طائرة عائدة لشركة ألعال في 23 تموز/يوليو منه. ومن أجل وضع أحداث ذلك اليوم الفظيع في إطارها الصحيح، فإنه حتى وقوع الهجمات على مركز التجارة العالمية والبنتاغون، لم تكن أي عملية إرهابية قد أودت بحياة أكثر من 500 شخص دفعة واحدة.(1) وأياً كان المقياس، فإن فظاعة الهجمات الإرهابية الانتحارية التي وقعت في ذلك اليوم وحجمها الهائل تفوق كل ما شهدناه من قبلها، إن كان ذلك عملاً إفرادياً أو مجموعة من الأعمال.
إذن، ولذلك السبب وحده، فإن أقل ما يستوجبه الحادي عشر من أيلول/سبتمبر هو إعادة صياغة تفكيرنا في صدد الإرهاب، وكيفية الإعداد والتنظيم لمكافحته.
إن مثل هذا التغيير يبرره بشكل كاف ذلك التجمع الفريد من القدرات العملانية التي تبيّنت في هجمات ذلك النهار المأسوية وهي: إظهار مستوى من التخطيط، والمهنية، والمهارة، نادراً ما نشاهده لدى الأكثرية الساحقة مما عرفناه من إرهابيين وحركات إرهابية.(2) ومن أهم الصفات التي اتسمت بها العملية:
- مداها وأبعادها الطموحة؛
- المستوى الدقيق والبارع في تنسيق العمليات وتزامنها؛
- القدر الكبير من المهنية والاحتراف مما حافظ على تلك الدرجة من السرية لعملية من هذه الضخامة؛
- التفاني الذي لا يتزعزع والعزم لـِ 19 خاطف طائرة عمدوا طوعاً إلى قتل أنفسهم مع ركاب وطواقم أربع طائرات سيطروا عليها، كما قتلوا آلاف الأشخاص ممن كانون يعملون في، أو يزورون، مركز التجارة العالمية والبنتاغون.
إن أهمية حوادث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر من الناحية العملانية الإرهابية تكمن في أن الهجمات المتزامنة، التي تستخدم وسائل عادية وتقليدية (كالسيارات المفخخة مثلاً)، هي أمر غير مألوف نسبياً. ولأسباب غير واضحة، لم يسبق أن قام إرهابيون بمثل هذه العمليات المنسقة. ومما لا شك فيه أن ذلك لم يكن خياراً بقدر ما كان انعكاساً للعقبات اللوجستية والتنظيمية الأخرى التي تكتنف مثل هذه العمليات والتي ليس في وسع معظم الجماعات الإرهابية تخطيها. والواقع، أن ذلك كان هذا أحد الأسباب التي صدمتنا جداً نتيجة الهجومين المتزامنين اللذين استهدفا السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام قبل ثلاث سنوات. إن تنظيم تلك العملية، وما اقترنت به من عدد كبير من القتلى والجرحى، أبرزها بشكل لم يسبق أن اتسمت به أي عملية قبلها من قبل حتى الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وما جعلت بن لادن على هذا القدر الكبير من الشهرة لدى العديد من الأوساط.
وقع خلال التسعينات، عمل إرهابي (يفترض أن لا علاقة له بهذا العمل الأخير) لعلّه الوحيد الذي كان له نفس هذه الصفات من التنسيق والفتك: وهو سلسلة الهجمات التي وقعت في بومباي في آذار/مارس 1993، وهزت فيها انفجارات أكثر من عشر سيارات مفخخة المدينة، متسببة بمقتل 300 شخص وجرح أكثر من 700 آخرين.3 وبالفعل، فمن الصعب تذكّر أعمال إرهابية كبيرة أظهرت مثل هذا القدر من الخبرة العملانية والتنسيق والتزامن عدا عن الهجمات التي وقعت في نفس يوم تشرين الأول/أكتوبر 1983 في بيروت واستهدفت ثكنة لجنود المارينز الأميركيين ومقراً للجنود الفرنسيين بالقرب من تلك الثكنة، وعملية اغتيال اللورد مونباتن التي نفذها الجيش الجمهوري الإيرلندي التي تزامنت تقريباً مع عملية تفجير لغم عن بعد بجنود بريطانيين في وارينبوينت، بشمال إيرلندا عام 1979.
أين فشلنا في توقع هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر
تبعاً لما ورد أعلاه، فلربما تصورنا أن مثل هذه الهجمات الجماعية والمتزامنة عامة، وتلك التي من الممكن أن تكون مدمرة إلى الحد الذي شهدناه في نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، كانت على الأرجح خارج قدرة معظم الإرهابيين، بما في ذلك المرتبطين منهم بأسامة بن لادن، أو على علاقة معه. إن الأحداث المأسوية لذلك اليوم من أيلول/سبتمبر تبيّن كم كانت هذه الافتراضات خاطئة. وفي هذا المجال، لعلّنا غالينا في تقدير أهمية نجاحاتنا السابقة (مثلاً، إفشال معظم عمليات بن لادن الإرهابية خلال الفترة الممتدة بين تفجير السفارتين عام 1998 والهجوم الإرهابي على الطراد الأميركي يو إس إس كول في تشرين الثاني/نوفمبر 2000) وعجز الإرهابيين أنفسهم وميلهم إلى ارتكاب الأخطاء (مثلا، فشل محاولة أحمد رسام في دخول الولايات المتحدة قادماً من كندا في كانون الأول/ديسمبر عام 1999). والواقع، أن ما يدعو أكثر للإعجاب وللقلق في نفس الوقت هو احتمال وجود تداخل واسع في التخطيط فيما بين هذه الهجمات وتلك التي استهدفت الطراد كول في عدن في تشرين الأول/أكتوبر الماضي: ما يوحي بوجود قدرات عملانية وتنظيمية متعددة المسارات تتيح تنفيذ عمليات رئيسية متعددة معاً.
من الممكن أيضاً القول إن الاهتمام تركّز بصورة حصرية أكثر مما يجب على الخطر الأدنى المتمثل بتفجير سيارات أو شاحنات مفخخة في أبنية، أو الخطر الأعلى المتمثل بشن هجمات بأسلحة بيولوجية أو كيميائية أو اعتداءات على الشبكات الإلكترونية. وكان التصوّر في الفرضيات الضمنية للكثير من مخططات السيناريوهات للتصدي لهجمات توقع إصابات جماعية، هو توقع قيام هجمات بعناصر جرثومية أو كيميائية، أو هجمات إلكترونية واسعة تستهدف البنية التحتية الحساسة، وأن أي حادث إرهابي تقليدي أو يتسبب بسقوط أعداد أقل من الضحايا يمكن التعامل معه ضمن المخطط للتصدي لهجمات أوسع نطاقاً وأشد ضرراً. وقد ترك ذلك مكمن ضعف في وسائلنا الدفاعية المضادة للإرهاب، فتم إهمال أسلوب تقليدي ومجرّب، مثل خطف الطائرات، والتركيز بدلاً منه على مخاطر أقل تقليدية، كما لا يبدو أن أهمية استخدام الطائرات كأسلحة انتحارية قد أخذت بعين الاعتبار.
وعند العودة لما حدث، يمكن القول إنه ما كان علينا التركيز عليه لم يكن الهجوم بغاز السارين السام على قطار الأنفاق في طوكيو عام 1995، أو المحاولات التسع لمنظمة أوم لاستخدام أسلحة بيولوجية بالنسبة لمكافحة الإرهاب، بل كان علينا التفكير بخطف طائرة عائدة لشركة بان آم في كراتشي حيث كانت نية الخاطفين تحطيم الطائرة في مركز تل أبيب، أو خطف طائرة ركاب فرنسية في الجزائر عام 1994 من إرهابيي الجماعة الإسلامية المسلحة كانوا يعتزمون أيضاً إسقاط الطائرة المليئة بالوقود مع ركابها في قلب مدينة باريس. ولذا فإن الدرس المستخلص هو أنه من غير الواقعي ان نعلم كل شيء، ولكن علينا أن نكون قادرين على الرد عبر كل السبل التكنولوجية لأي هجمات عدائية محتملة.
ولطالما اعتبرنا، وهذه فكرة لم نبدأ بحثها إلاّ في الآونة الأخيرة، بأن اهتمام الإرهابيين يتركز أكثر على الدعاية عوضاً عن قتل الناس، وعليه ان لا حاجة ولا اهتمام عندهم بقتل أعداد كبيرة من الناس. ولعقود من الزمن، تمّ قبول واسع للملاحظة التي أطلق شهرتها براين جنكينز عام 1975 وهي "إن الإرهابيين يحتاجون للكثير من الناس ليشاهدوا والكثير من الناس ليصغوا لا الكثير من الناس ليقُتلوا".(4) وبالرغم من الأحداث التي وقعت في أواسط الثمانينات، عندما استهدفت هجمات مشهودة إعلامياً وفتاكة بالسيارات والشاحنات المحملة بالمتفجرات أهدافاً دبلوماسية وعسكرية في الشرق الأوسط (أدى أحد هذه الهجمات إلى مقتل 241 من جنود المارينز الأميركيين)، لم يجد العديد من المحللين داعياً لتغيير هذه الآراء. ومرة أخرى كتب جنكينز عام 1985، وهو أحد أدق المراقبين لظاهرة الإرهاب وأكثرهم درساً لها، يقول: "نادراً ما كان قتل الكثير من الناس هدفاً للإرهابيين.. فالإرهابيون يعملون وفق مبدأ استخدام أقل قدر لازم من القوة. إنهم يرون أن من غير الضروري قتل الكثير من الناس ما دام قتل القليل يكفي لتحقيق غايتهم".(5) إن أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر تثبت أن مثل هذه الأفكار كانت تمنيات، إن لم تكن مفارقات خطرة. ويمكن القول إن بن لادن في ذلك اليوم قضى كلياً على الفكرة السائدة عن الإرهاب والإرهابيين، وبعمله هذا، أطلق عصراً جديداً من النزاع هو أكثر دموية وتدميراً مما سبق.
وأخيراً، فإن بن لادن نفسه قد أعاد كتابة تاريخ كل من الإرهاب وربما فترة ما بعد الحرب الباردة، التي قد يقال إنه وضع بمفرده نهاية لها في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. ففي حين بدا فيه أن قوى العولمة، المقترنة بالحتمية الاقتصادية، قد أنهت دور الزعيم الشعبي الجذاب ووضعته تحت هيمنة قوى أعتى لا شخصية لها، فقد استطاع بن لادن بذكاء، (بمساعدتنا ولو دون قصد منا) اتخاذ دور ديفيد الضعيف نفسه ليقاتل جوليات العملاق المتمثل بالولايات المتحدة: دور رجل يجابه القوة العظمى الوحيدة المتبقية في العالم ويتمكن من تحدي قوتها ويهدد مواطنيها مباشرة. لقد أثبت بن لادن لأتباعه بأنه الرجل الأسطوري الحقيقي في المكان الملائم والوقت المناسب: يمتلك الرؤيا، والموارد المالية، والمهارات التنظيمية، وموهبة الترويج لنفسه، بحيث يربط سوية التوهج الحماسي لاتجاهات فئات مختلفة من المسلمين، والتقوى الإسلامية، والعداء تجاه الغرب ليحولها إلى قوة عالمية هائلة.
ما الذي علينا فعله
لطالما كانت فكرة التناسبية تحكم السياسة الأميركية في مكافحة الإرهاب. يرى مؤيدو هذه الفكرة من الأميركيين، وكذلك يتوقع حلفاؤنا في مختلف أنحاء العالم، بأن يكون الرد العسكري الأميركي على أي عمل إرهابي ما متناسباً مع العمل الذي استوجب الرد. وهكذا، في عام 1986، عندما تبيّن ضلوع نظام القذافي في تفجير ملهى في برلين الغربية يرتاده جنود أميركيون، ردت الولايات المتحدة بضربات جوية على أهداف عسكرية ليبية في طرابلس وبنغازي، بما في ذلك مقر سكن القذافي، في محاولة لتصفية الزعيم الليبي نفسه. وعلى غرار ذلك، في عام 1998، عندما تبيّن أن بن لادن هو مخطط الانفجارين اللذين استهدفا السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا، أطلقت الولايات المتحدة حوالي 100 صاروخ كروز على معسكرات تدريب تابعة له في أفغانستان، بأمل تصفيته أيضاً، وعلى مصنع أدوية قيل إن له صلة ببن لادن وكان يعتقد أنه ينتج أسلحة كيميائية في السودان. وكان أميركيان قد قتلا في حادث تفجير الملهى كما قُتل 12 أميركياً في نيروبي. ولعل الرد في الحالة الأخيرة، لم يكن كافياً. ولكن وضعنا اليوم لا يدع أي مجال للاعتراض.
وكما ذكرنا آنفاً، إن فظاعة الهجمات الانتحارية المتزامنة التي وقعت في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وحجمها الهائل فاقت كل ما شهدناه قبلها، إن كان ذلك عملاً إفرادياً أو مجموعة من الأعمال. إن هذا يستوجب، دون شك، رداً متناسباً يتسم بعزم وتركيز لا مثيل لهما، رداً كالذي نشهده اليوم في ما نقوم به في الولايات المتحدة وفي الخارج، وهو رد تستخدم فيه كل الأدوات الهائلة التي في متناولنا، من دبلوماسية، وعسكرية، واقتصادية. وفي حين يتركز الكثير من الاهتمام حالياً على الخيارات العسكرية التي نمارسها في جنوب آسيا، فإن هذه ليست سوى وسيلة واحدة يمكن للولايات المتحدة استخدامها في صراعها مع الإرهاب. إن جهودنا ينبغي أن تكون منسقة تماماً، ومتواصلة، وطويلة الأمد. إنها تتطلب التزاماً، وإرادة سياسية، وصبراً. ويجب أن تكون لها أهداف واقعية وأن لا تولّد توقعات خاطئة أو تزيد من مثل هذه التوقعات. وأخيراً، عليها أن تتجنب اتخاذ تدابير أمنية مادية تكون تجميلية، أو ان تجعل "المرء يشعر بالارتياح" تجاهها ولكنها لا تسهم إلا بصورة هامشية، هذا إن هي أسهمت، في تعزيز أمن البلاد والأمن الدولي.
في الختام، علينا الإدراك أن أمر الصراع مع الإرهاب لا نهاية له. وبنفس الصفة، فإن سعينا إلى حلول جديدة وسبل معالجة جديدة يجب أن يكون أيضاً متواصلاً وراسخاً، ومتناسباً مع الخطر الذي يشكله أخصامنا من ناحيتي الابتكار والتصميم.
الـهوامــش
(1) حوالي 440 شخصاً قتلوا في حريق مفتعل أشعله عام 1979 إرهابيون في دار للسينما في عبدان، بإيران.
(2)
ليست هذه نظرة "أميركية" خاصة رداً على الأحداث المأساوية التي وقعت قبل شهرين. فعلى سبيل المثال، هناك صديق وزميل أعرفه منذ أمد بعيد، وهو واحد من أبرز الخبراء الإسرائيليين في شؤون مكافحة الإرهاب، ولديه خبرة طويلة في العمل العسكري والحكومي والأكاديمي صُدم تماماً بالأحداث التي وقعت في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وعلى الأخص لناحية تنسيقها، وجرأتها، وفتكها وقال: "لم أكن أتصور قط أن يفعل إرهابيون ذلك أو يتمكنوا من فعل ذلك" (محادثة هاتفية في 17 أيلول/سبتمبر 2001). وأتذكر أيضاً محادثة مع ضابط سيرلانكي كبير في القوات المسلحة سبق له أن عمل أيضاً في الاستخبارات العسكرية وصف لي مرة بكثير من التفاصيل "الصعوبات التي تكتنف النجاح في القيام بعملية إرهابية واحدة ذات شأن" (محادثة في باتيكولا، سيرلانكا، كانون الأول/ديسمبر 1997)، وكم بالحري عمليات الخطف الانتحاري المتزامن لأربع طائرات التي وقعت في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر).
(3)
سيليا دبليو. دغر "ضحايا العملية الإرهابية في بومباي عام 93 قلقون من الدوافع الأميركية", صحيفة نيويورك تايمز، 24 أيلول/سبتمبر 2001.
(4)
براين مايكل جنكينز "الإرهاب الدولي: نوع جديد من الحرب" فصل في كتاب "الإرهاب الدولي وأمن العالم" الذي حرره ديفيد كارلتون وكارلو شارف الصادر في لندن عام 1975 الصفحة 15.
(5)
براين مايكل جنكينز، احتمال الإرهاب النووي (سانتا مونيكا، كاليفورنيا: مؤسسة راند النشرة رقم بي-7119، تموز/يوليو 1985)، الصفحة 6.
(إن الآراء المتضمنة في هذا المقال وآراء الكاتب لا تعكس بالضرورة آراء وسياسات الحكومة الأميركية).