|
مؤسسة راند: كيف تتفاعل مؤسسات الفكر والرأي مع المؤسسة العسكرية بقلم مايكل د. ريتشنائب الرئيس التنفيذي في مؤسسة راند
عملت مؤسسات الفكر والرأي عن كثب مع القيادتين المدنية والعسكرية في وزارة الدفاع الأميركية، منذ بداية عهدها، حول تشكيلة واسعة من القضايا، بدءاً من التكنولوجيات الجديدة ووصولاً إلى التخطيط والعمليات العسكرية، وذلك للمساعدة في تأمين حماية أفضل للمصالح الأميركية في وجه التهديدات المتطورة باستمرار. وتحتاج القوات المسلحة في المؤسسة العسكرية، مثلها في ذلك مثل القيادة المدنية في وزارة الدفاع، إلى أبحاث موضوعية ممتازة النوعية حول الاتجاهات الجيوسياسية، وما قد تنطوي عليه الخيارات المختلفة في السياسة الخارجية من مدلولات. ومثل هذه الأبحاث ضرورية، من بين أمور أخرى، لتطوير سيناريوهات واقعية لإرشاد وتوجيه عمليات التخطيط وتقييم البرامج، ولتطوير فهم للتقييدات التي يحتمل أن تعيق المرونة العملية. ويسجّل لمختلف فروع القوات المسلحة ومكتب وزير الدفاع استخدامها وتعزيزها لتشكيلة واسعة من مصادر تلك الأبحاث، بدءاً من المعاهد الصغيرة كمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومعهد لكسنغتون اللذين يمولان أساساً بفضل تبرعات الشركات أو الأفراد، وصولاً إلى منظمات الأبحاث السياسية الأكبر مثل معهد التحاليل الدفاعية، من خلال عقود مع وزارة الدفاع. وتعتبر مؤسسة راند، التي أُسست كمنظمة غير ربحية بتمويل خاص في عام 1948، أقدم وأكبر منظمات الأبحاث هذه. ويتعلق حوالي نصف أعمال راند الحالية بالدفاع القومي، بينما تتعلق الأعمال الباقية بتشكيلة واسعة من قضايا السياسة الداخلية. وتُدير مؤسسة راند ثلاثة مراكز أبحاث وتطوير ترعاها وزارة الدفاع وتمولها الحكومة الفيدرالية. وهذه المراكز هي بمثابة برامج للأبحاث تديرها منظمات خاصة لا تبغي الربح (غير تجارية) بموجب عقود طويلة الأمد. وهي تُطوّر وتحافظ على خبرات وقدرات أساسية تهم الذين يرعونها، وتعمل في سبيل المصلحة العامة، غير مقيدة بأي تضارب حقيقي أو مدرك بالحدس في المصالح. وقد مكن إنشاء راند سلاح الطيران من الاحتفاظ بالمساهمات المدنية العلمية الهائلة خلال الحرب العالمية الثانية، وتوسعة نطاقها. وكجزء من برنامج أوسع للأبحاث حول القوة الجوية قامت به راند، موّل سلاح الطيران عملية لتطوير أبحاث تحليلية رائدة لم يسبق لها مثيل هدفت إلى فهم طبيعة الاتحاد السوفياتي. وقد تناولت بعض أبحاث راند تطور الاستراتيجية، والعقيدة، والأنظمة العسكرية السوفياتية. كما طلب سلاح الطيران أيضا دراسات تحليلية حول اقتصاد الاتحاد السوفياتي وسياسته الخارجية وبرامجه العلمية والتكنولوجية، من بين مواضيع كثيرة أخرى. وكانت أعمال راند الرائدة جديدة لدرجة أنها تطلبت ترجمة كميات كبيرة من الكتابات السوفياتية الأساسية، وإيجاد أو صقل العديد من أساليب التحليل التي شكّلت لاحقاً معايير قياسية في جميع أوساط الأبحاث، بما في ذلك مقابلات مع المهاجرين السوفيات الذين كان ارتيابهم بالمسؤولين الحكوميين يجعل الوصول إليهم مستحيلاً لولا المؤسسة. وسرعان ما قصد سلاح الطيران، ثم مكتب وزير الدفاع، مؤسسة راند للقيام بأبحاث حول الصين، وأوروبا الشرقية، واليابان، وجنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط، وأميركا اللاتينية، وأوروبا الغربية. ومع أن هذه الدراسات كانت أصغر حجماً من التحاليل الخاصة بالاتحاد السوفياتي، إلا أنها أمّنت لسلاح الطيران، ولباقي دوائر الحكومة الأميركية والرأي العام - وذلك من خلال تقارير راند المنشورة والموزعة على نطاق واسع - مجموعة مستقلة من الأبحاث حول تشكيلة واسعة من المواضيع. وشملت هذه المواضيع القوة الاقتصادية، والقدرات العسكرية، والثورات المسلّحة، ونوايا الهيمنة، والاحتمالات الممكنة لقيام قيادات جديدة تستطيع خلافة سابقاتها في الكثير من البلدان والمناطق حول العالم. وطورت راند، مع الوقت، مجموعات تكميلية من الأبحاث لحساب الجيش، ولزبائن آخرين في الحكومة الفدرالية، كالمؤسسات الاستخباراتية. وزادت وزارة الدفاع بصورة مطردة عدد وتنوع المصادر الخارجية لأبحاثها، مستخدمة أيضاً مؤسسات أخرى في عالم مؤسسات الفكر والرأي المتنامي، أمثال مجلس العلاقات الخارجية، ومعهد أميركان إنتربرايز، ومؤسسة بروكينغز. وتلعب مراكز الأبحاث والتطوير التابعة لمؤسسة راند والممولة فيدرالياً دوراً خاصاً في المساعدة على تلبية احتياجات الجهات الراعية لها في وزارة الدفاع إلى الأبحاث والدراسات التحليلية. وهذه المراكز هي: مشروع سلاح الطيران؛ ومركز آرويو التابع للجيش؛ ومعهد أبحاث الدفاع القومي، الذي يخدم في الأساس مكتب وزير الدفاع وهيئة الأركان المشتركة ووكالات الدفاع. ويقوم كل واحد من هذه المراكز بإدارة برنامج واسع ومتكامل للأبحاث يتناول الحاجات الأمنية الناشئة وما قد يستتبعها من مدلولات بالنسبة للمنظمات الراعية؛ وتطوير استراتيجيات وعقائد وتكتيكات ومفاهيم جديدة للعمليات؛ وتطبيق تكنولوجيات جديدة؛ وقضايا متعلقة باللوجيستية واليد العاملة والتدريب والموظفين والرعاية الصحية وحيازة الأنظمة. وتلتزم راند، بالنسبة لكل من هذه المراكز، القيام بتطوير مجموعة من "القدرات الجوهرية" المحددة وصيانتها. ويتم كل ذلك بمعرفة وثيقة بهيكلية، وعقيدة، وعمليات، وشخصيات المنظمات الراعية. والواقع هو أن إحدى مواطن قوة هذه المراكز، سواء كانت بإدارة راند أو بإدارة كيانات أخرى لا تبغي الربح، تكمن في استقرارها، واستراتيجيتها الطويلة الأمد، والعلاقة الوثيقة مع رعاتها سواء كانوا في المؤسسة العسكرية أو في مكتب وزير الدفاع. إن عملية تحديد برنامج الأبحاث هي عملية تفاعلية تبدأ بتطوير خطة أبحاث طويلة الأمد تتم مراجعتها سنوياً. وتسمح المناقشات المتواصلة بين مسؤولي الأبحاث في راند والضباط العامّين أو المدنيين من رتب تتقارب من رتب الضباط ذاتهم لمؤسسة راند بتطوير برنامج أبحاث سنوي من الدراسات المنفصلة، التي يصادق عليها من ثم مجلس استشاري رفيع المستوى. وبالنسبة لمشروع سلاح الطيران ومركز آرويو، يرأس المجلسين الاستشاريين نائب رئيس هيئة أركان سلاح الطيران ونائب رئيس أركان الجيش؛ أما معهد الدفاع القومي للأبحاث فيرأسه وكيل وزارة الدفاع الرئيسي لحيازة الأسلحة، والتكنولوجيا، والشؤون اللوجستية. أما الدراسات الفردية المنفصلة فيقوم بطلب تحضيرها عادة ضابط كبير أو أكثر، أو موظف رسمي أو أكثر، يقومون أيضاً بالمساعدة في تحديد نطاق الأبحاث، ومراحلها، وجدولها الزمني، ويزودّون مؤسسة راند خلال عملية الأبحاث بالتعليقات والاقتراحات والانتقادات. وكمثال على ذلك، كانت إحدى تلك الدراسات دراسة أعدت لمشروع سلاح الطيران واستمرت عدة سنوات حول تحديث وسائل الدفاع في الصين وما يستتبعها من نتائج بالنسبة لسلاح الطيران الأميركي. فبالرغم من أنه جرى وضع هذه الدراسة على أساس خلفية اتصالات مكثفة بين مؤسسة راند والقيادة العليا لسلاح الطيران، إلا أنه تم التوصل إلى الشكل العام المحدد للدراسة بالتعاون مع قائد سلاح الطيران في المحيط الهادئ آنذاك، الجنرال ريتشارد مايرز، ونائب قائد رئيس الأركان للعمليات الجوية والفضائية في القيادة المركزية للقوات الجوية، اللفتنانت جنرال جون جامبر (الذي يشغل حالياً منصب رئيس أركان سلاح الطيران). وكان هذان الضابطان، وكذلك من خَلَفَهما، مساهمين نشطين خلال إعداد التحاليل. وقد أشرك فريق الأبحاث العديد من الأفراد الآخرين، بينهم أعضاء ذوو خبرة من السلك الدبلوماسي، وأخصائيون من الحقل الأكاديمي. وبعد أن تم الاتفاق حول أهداف هذه الدراسة، قامت راند بجمع فريق متنوع من البحاثة بقيادة زلماي خليل زاد، وهو موظف رسمي كبير سابق في كل من وزارتي الخارجية والدفاع، كان يعمل آنذاك في راند. وخليل زاد الآن عضو في مجلس الدفاع القومي والمبعوث الرئاسي إلى أفغانستان. وكان هناك، علاوة على الأخصائيين في شؤون الصين، أخصائيون آخرون إقليميون، وكذلك خبراء في الاستراتيجية الدفاعية، وسلاح الطيران، والاستخبارات، والاقتصاد. وقد تمّ دعم الفريق بانضمام عدد من ضباط سلاح الطيران الذين عملوا في راند بصفة زملاء فيدراليين تنفيذيين. وكان فريق الدراسة يراجع، أثناء إجراء الأبحاث، تقدّم العمل الجاري مع مجموعة استشارية مؤلفة من مجموعة منوعة من كبار المسسؤولين الحاليين والسابقين في الحكومة الفدرالية في إدارات ديمقراطية وجمهورية، بمن فيهم مستشار الأمن القومي السابق برنت سكوكروفت وثلاثة وزراء دفاع سابقون هم: هارولد براون، وفرانك كارلوتشي، ووليام بيري. وقد قام المشروع بإطلاع كبار ضباط سلاح الطيران والرسميين الآخرين في وزارة الدفاع على النتائج الأولية الموقتة للبحث، وقدم مواداً مكتوبة، وكذلك تقريراً نهائياً ودراسات مشتقة عنه، تم نشرها وتوزيعها على نطاق واسع. وقد اقتضى المشروع تفاعلاً وثيقاً ومتواصلاً مع سلاح الطيران على كل المستويات، بنفس الطريقة التي تتميز بها معظم أبحاث المراكز الممولة فيدرالياً التي ترعاها وزارة الدفاع. وأهم ما في الأمر أنه كان للعمل قيمة عملية بالنسبة للقيادة العليا للقوات الجوية وتمت قراءته واستخدامه على نطاق واسع في دوائر أخرى في الحكومة الأميركية وفي المنطقة. ويخضع كل نتاج تصدره راند الى عملية صارمة للتحقق من النوعية. ولم يشذ هذا التقرير عن القاعدة. فعلاوة على المراجعات الداخلية التي قام بها النظراء من البحاثة، تمّت مراجعة المخطوطة قبل طبعها من قبل آي. لويس ليبي، وهو نائب رئيسي سابق لوزير الدفاع وموظف في وزارة الخارجية، وديفيد شامبو أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ورئيس برنامج السياسة الصينية في جامعة جورج واشنطن. وليست هذه الدراسة سوى واحدة من عدة دراسات أعدّتها مراكز راند الممولة فيدرالياً خلال السنوات القليلة الماضية، وبحثت في قضايا من صلب العلاقات الأميركية-الصينية. وقد تناولت الأبحاث الأخرى التي قامت بها مراكز راند الممولة فيدراليا،ً خلال الفترة نفسها، المشاكل الحرجة المتعلقة ببلدان مثل كوريا الشمالية، وإندونيسيا، والهند، وأفغانستان، والعراق، وتركيا، وكولومبيا. وقد اعتمدت كل واحدة من هذه الدراسات على نفس مواطن القوة في مؤسسة راند التي اعتمدت في الدراسة حول الصين: فريق من البحاثة متعدد الاختصاصات، واتصالات خارجية واسعة، وعلاقات عمل وثيقة مع المؤسسة العسكرية الراعية. وقد مكن العمل في بلدان متفرقة وعن بلدان متفرقة كل بمفردها مؤسسة راند من القيام بتحاليل مفصّلة حول القضايا الأمنية على المستوى الإقليمي في شرق آسيا، وجنوب آسيا، والشرق الأوسط، والخليج الفارسي. والواقع أن راند تقوم بكم متزايد من الأعمال لحساب حكومات مختلفة حول العالم. وقد كان لنمط الدراسات المفصلة حول بلدان معينة والتحاليل الإقليمية الأوسع فعالية خاصة في الدراسات حول أوروبا. وتتمتع راند بوجود كبير هام في أوروبا حيث لديها ثلاثة مكاتب وبرامج أبحاث في ميادين الدفاع وغير الدفاع. وقد كان لسلسة من الدراسات التحليلية حول مراقبة الأسلحة التقليدية استخدمت نماذج قتالية متقدمة، وحول المسائل المرتبطة بها لحدود قدرات سلاح الطيران، تأثير كبير على موقف الولايات المتحدة، ولاحقاً في صياغة معاهدة القوات التقليدية في أوروبا التي نتجت عن ذلك. وعلاوة على هذا، تمّ صوغ الكثير من الأفكار المبكرة حول الأسس المنطقية لمختلف المسارات البديلة الممكنة المتعلقة بتوسيع حلف شمال الأطلسي في مؤسسة راند وغيرها من مؤسسات الفكر والرأي الأخرى. وتُدعى مؤسسات الفكر والرأي اليوم للمساهمة في مواجهة تحدٍّ جديد : ظهور الإرهاب كتهديد للعالم وللأمن الوطني، وبروزه كأولوية قومية على أعلى المستويات. وما فتئ بحاثة راند يدرسون ظاهرة الإرهاب منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة، وهم يساعدون حكومة الولايات المتحدة الآن على تطوير نهج تحليلي شامل للدفاع ضد الهجمات الإرهابية. فالقنابل الأكبر حجماً، والبنادق الأفضل، وأنظمة الأسلحة الجديدة لا تكفي وحدها لدحر الإرهابيين الذين يعملون بعيداً عن ساحات القتال التقليدية. إننا بحاجة إلى التوصل أيضاً إلى فهم أفضل لمن هم الإرهابيون، وكيف يعملون، وما الذي يحفّزهم، وما الذي يمكن عمله لمنعهم من زيادة عدد الملتحقين بصفوفهم. كما أننانحتاج إلى فهم أفضل لمواطن ضعف بلدنا وكيفية التقليل من حساسيتها. وتلعب أبحاث وتحاليل راند دوراً هاماً في المساعدة على تحسين السياسة الحكومية وصنع القرارات في هذه المجالات الحيوية. وعقب الهجمات على أميركا في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، طلبت المؤسسات التي ترعى عمل مراكز أبحاث راند الممولة فيدرالياً - ومراكز الأبحاث الأخرى التي تديرها مؤسسات أخرى، مثل مركز التحاليل البحرية الذي يساعد وزارة الدفاع بصورة منتظمة - طلبت من هذه المراكز تعديل برامج أبحاثها. وقد أدى التراث الذي خلفته الأبحاث السابقة في المراكز والقدرات الناجمة عنه، إضافة إلى مرونة الترتيبات المؤسساتية وعلاقات العمل الوثيقة بين الرعاة والبحاثة، والقائمين على العمليات، والمحللين، إلى جعل مراكز الأبحاث الممولة فيدرالياً هذه مجهزة لمعالجة هذه الأبعاد الجديدة في الترابط بين السياسة الخارجية والتخطيط الدفاعي. إن القضايا "القديمة" لم تزل بالطبع، وإنما أُضيفت إليها بكل بساطة وعقّدتها القضايا الأكثر حداثة. وقد قام خبراء راند، المختصون بتشكيلة واسعة من القضايا الأمنية القومية بمساعدة القوات المسلحة الأميركية في الدفاع عن البلاد طوال أكثر من خمسين عاما، فعالجوا تهديدات أصبحت اليوم جزءاً من التاريخ وتهديدات سوف تحتل غداً الصفحات الأولى في الصحف. الى أعلى الصفحة |
المحتويات |
أجندة السياسة الخارجية الأميركية تشرين الثاني/نوفمبر، 2002
|