الأسرة الأميركية

مجلة إلكترونية تصدرها وزارة الخارجية الأميركية

1 حزيران/يونيو، 2001

كلمة المحرر | في هذا العدد


كلمة المحرر

Silhouette of American family

الأسر هي أساس بناء كلّ المجتمعات، وقد يتراوح عدد أفرادها بين بضعة أشخاص والعشرات منهم، كما قد تتباين بنيتها من واحدة بسيطة، تضم مثلا زوجين وطفلا واحدا يعيشون تحت سقف واحد، وأخرى شديدة التعقيد تتكوّن من أجيال متعدّدة تعيش في منزل واحد أو أكثر. ومن الثابت أنّه عندما يتطوّر المجتمع تتطوّر معه بنية الأسرة. كما أن تبدّل عوامل أخرى، كمعدّل الأعمار، أو المواقف من التبنّي، يؤثر على الأسرة تأثيراً واضحاً.

في بداية القرن الجديد، لا تزال البنية التقليديّة للأسرة الأميركيّة، أي تلك المؤلّفة من أب وأمّ وأولاد، هي السائدة على الأغلب. إلاّ أنّ مجتمع الولايات المتّحدة الأميركيّة بدأ يشهد، خلال العقود القليلة المنصرمة، تطوّراً في بنية الأسرة والحياة اليوميّة من نواح متعدّدة. ويعود السبب في ذلك إلى عدد لا يُحصى من العوامل، بدءاً بالتقدّم الذي حصل في مجال العلوم ووصولاً إلى مواصفات أماكن العمل. فإن قضايا مثل كون والد الطفل عازباً، أو والدته عزباء، والأسر التي يكون لديها أولاد بالتبني، وزوج الأمّ أو زوجة الأب، والآباء الذين يلازمون المنازل، والجدّ أو الجدّة اللذين يقومان بتربية الأطفال، هي مجرد بعض العناوين القليلة في هذه الفسيفساء الجديدة.

يسعى هذا العدد من مجلة "مجتمع الولايات المتّحدة وقيمه" إلى تحديد النسيج الواسع الذي يشكّل الأسرة في زماننا الحاضر، وكيف تؤثر عناصر مختلفة على المجتمع عموماً، وما هي التحدّيات الماثلة أمامنا. كما أنّه يسلّط الضوء على تركيبة الأسرة الأميركية وعلى الأدوار والمسؤوليّات المتبدّلة للوالدين والجدّ والجدّة، فضلاً عن تأثير تطور مكان العمل وتغيّره على حياة العائلة. ونستمع كذلك إلى آراء البالغين والأولاد من وجهات نظر وظروف مختلفة.

وإذ نقدّم هذا العمل، نقرّ بأن الصورة التي سنراها في وقت آخر، في المستقبل القريب أو البعيد، ستكون مختلفة على الأرجح.


في هذا العدد:

تأملات حول العائلة، حوار مع دوغلاس بيشاروف - ما الذي يميز الأسرة الأميركية وتكوينها، وما احتمال أن يطرأ عليها تغيير في المستقبل القريب؟ دوغلاس بيشاروف، الأستاذ والباحث البارز في شؤون الأسرة الأميركية يطرح وجهة نظره وتوقعاته بشأنها.

الأسرة الأميركية بالأرقام، إحصاءات تكشف عن مستوى التغيير في الأسرة الأميركية على مدى النصف قرن الماضي.

ما الذي يشكل الأسرة؟ حوار مع الدكتور مارك هاتر - يعرض المحاور، وهو أستاذ جامعي متخصص في مادة العلوم الاجتماعية، بعض الأفكار حول التغييرات المختلفة التي طرأت في مجال دينامية الأسر على مدى العقدين الماضيين.

الأسرة الأميركية: حيث نحن اليوم، بقلم ستيفاني كونتز - تعرض الكاتبة، ولها مقالات ومنشورات كثيرة في مجال الأسرة في الولايات المتحدة، وجهة نظرها حيال التحديات التي تواجهها الأسر الأميركية، وكيف تتعامل الأسر معها.

إعادة تحديد دور الأب في الأسرة في الولايات المتحدة، بقلم ليزلي مان - ازداد عدد الآباء في الولايات المتحدة الذين يعتبرون المسؤولين الرئيسيين عن الأسر التقليدية، بصورة ملحوظة في العقد الماضي. في هذا المقال، ينقل الكاتب وجهات نظر الآباء أنفسهم.

تقدم الأسرة الأميركية في السن، حوار مع إيلينور غينزلر - تقوم كاتبة المقال، وهي متخصصة في مجال الصحة والعناية الطويلة الأمد، بتحليل قضايا ما بين الأجيال. وتشير في هذا الحوار الى بعض من ما توصلت اليه أبحاثها حتى الآن.

رابط قوي يجمع بين الأجداد والأحفاد في الولايات المتحدة، من الجمعية الأميركية للمتقاعدين - يلخص هذا المقال بعض ما توصلت اليه استقصاءات للرأي قامت بها أخيراً الجمعية الأميركية للمتقاعدين.

تأملات مميزة لأم مميزة، بقلم غاي روبين لابروم- أثمرت سبع سنوات من المحاولات والأخطاء واجهتها الكاتبة، وهي أم لطفل يعاني من عدة إعاقات جسدية، عن دروس متعددة تتشاطرها الكاتبة مع القراء في هذه المقالة ذات الطابع الخاص جداً.

إعادة صياغة النقاش حول العمل والأولاد، بقلم إيلين غالينسكي - من الضروري جداً للأطفال أن يكونوا طرفاً في النقاش حول العمل والحياة الأسرية، كما تعتقد الكاتبة وهي متخصصة متمرسة في شؤون الأسرة الأميركية ومكان العمل والمجتمع.

أصوات الأسر في أميركا، بقلم تيفاني دانيتز - عبر تمازج أصوات الأطفال والبالغين في حديثهم عن أوضاع أسرهم ومنازلهم اليوم، نشأت هذه الصورة للأسرة الأميركية المعاصرة.

التحسينات المنزلية، بقلم لورا شاين كونينغهام - إن كل أسرة تمثل ثقافة بحد ذاتها، كما تقول الكاتبة وهي روائية وكاتبة مذكرات مرموقة، وتشدد على أن الهدف من تكوين الأسرة يبقى ثابتاً لا يتغير.


تأملات حول العائلة، حوار مع دوغلاس بيشاروف

دوغلاس بيشاروف هو عالم مقيم في معهد أميركان إنتربرايز إنستيتيوت لأبحاث السياسة العامّة في واشنطن العاصمة، وأستاذ في كلية الشؤون العامّة لجامعة ميريلاند، كرّس قسطاً كبيراً من اهتمامه لنواحي حياة الأسرة واحتياجاتها كما تطوّرت عبر السنين. عُيّن مديراً لمشروع المسؤوليّة الاجتماعيّة والفرديّة التابع للمعهد، وله مؤلّفات كثيرة حول الأطفال والتربية والفقراء. وهو يعمل حاليّاً على إنهاء كتابه المقبل، "أسر أميركا: إتجاهات، وتوضيحات، وخيارات"، وهذا هو محور حوارنا التالي:

س: ما هي حال الأسرة في الولايات المتّحدة، بوضعها الإجمالي، إستناداً إلى ما تبينته في دراساتك حتى الآن؟

ج: أظنّ أنّ الأسرة الأميركيّة تمر بغمرة ما تمكن تسميته بتغيرّات زلزالية. فمن جهة، يرى البعض في التغيّرات الحاصلة أنّها تعكس كارثة ما أو انهياراً اجتماعيّاً، فيما يرى فيها آخرون فِسقاً. أمّا أنا فأرى فيها مسارا تطوّر وتقدّم سبّبته عوامل كثيرة مجتمعة، منها تزايد الثروة، إلى الفرديّة، وازدياد القدرة على التنقّل. إنّ الزواج التقليدي، من وجهة نظري، يتّخذ حاليّاً شكلاً جديداً. لكن النظرة التقليديّة بالنسبة لأهمية الأسرة، وبنسبة أقلّ قليلاً للزواج، لا تزال قائمة. والسبب الذي يدفعني إلى القول "بنسبة أقل قليلاً للزواج" هو أنّني أرى أن الزواج قلّت أهميته في أميركا المعاصرة، وستستمر هذه الحال مع تقدّم الزمن.

س: كما سبق وأشرت أنت، هناك وجهات نظر متناقضة، فالبعض ينظر إلى الأسرة بصورة أكثر إشراقاً والبعض الآخر بصورة أكثر اكفهراراً.

ج: لا أظنّ أن الوقائع والأرقام تدعم مفهوم كون الأسرة هي اليوم قوية بمقدار ما كانت في أيّ وقت مضى، بل من الواضح أنّها تمرّ ببعض التغيّرات. فلا يمكن لمجتمع أن يمرّ بثلاثة عقود ونصف العقد من نِسب مرتفعة من الطلاق، كما مررنا نحن، وأن يمرّ بخمسة عقود من الولادات المتزايدة خارج رباط الزواج، من دون أن نلمس تغييراً. إنّ التغيير يلوح في الأجواء. لكنّ السؤال الوحيد يكمن في ما إذا كان التغيير كارثة أو مجرّد تطوّر.

س: التغيير، والتطوّر، وتأثير القوى والعوامل الخارجية قد تُشكّل ظواهر إيجابيّة. ما هي نماذج التطوّرات التي اندمجت بشكل سهل مع حياة الأسرة وعملت على تعزيزها؟

ج: في ما يتعّلق بالمسائل التي اندمجت بالمجتمع بسهولة، يجدر ذكر تغيّرين كبيرين حصلا في أسر بقيت سليمة. التغيّر الأوّل هو تدني عدد الأطفال، والثاني هو انضمام أمّهات في سنّ إرتياد المدرسة وأولاد صغيري السّن إلى القوّة العاملة، سواء بدوام كامل أو دوام غير كامل. حصل هذا التطوّر بشكل هادئ فعلاً. فقد قلّصنا فترة حضانة وتربية الأولاد. وهذا يروق للبعض ولا يروق للبعض الآخر. إلاّ أنّ الجميع يقبل واقع حصول هذا التغيّر بطريقة هادئة نسبيّاً.

س: أتعتبر أنّ الأطفال تكيّفوا جيّداً مع ذلك؟

ج: أظنّ أنّ الإجابة عن هذا السؤال ليست متوفرة بعد.

س: ما هي التطوّرات التي تُثير القلق، وهل يُمكن تعديلها أو عكس اتّجاهها؟

ج: أظنّ أنّ الخوف الأكبر يكمن في أنّ يافعات ويافعين، هم عادةً من الفقراء غير المتعلمين، يُرزقون بأطفال خارج إطار الزواج ولا يملكون ما يمكّنهم من الاعتناء بأطفالهم بصورة صحيحة، وهذا ما كنّا نُطلق عليه تسمية "أطفال يرزقون بأطفال". لا أزال أظنّ أنّ هذا هو ما يحصل. وهذه الظاهرة تحمل صبغة الفقر، أي تحتوي على عنصر مرتفع من الفقر، وهو عامل محفّز لها. إنّه تطوّر سيء بالنسبة إلى الأولاد وليس جيّداً لأمّهاتهم، على حدّ سواء، فهو يعيق تقدّمهنّ. تلك هي المشكلة الأكثر خطورة التي تواجه مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية في كل أنحاء العالم، لأنّ الولادات خارج رباط الزواج تتزايد، كما تعلم، في كلّ مكان.

س: ألا تشير الإحصائيّات الحديثة إلى أنّ العفّة، أو الامتناع عن ممارسة الجنس، بدأ يسيطر في بعض الأنحاء؟

ج: هذا صحيح، لكن بشكل محدود. خط الاتجاه السائد يسير في الطريق الصحيح، لكنّه غير ثابت. منذ عام 1992 تقريبا، أخذ معدّل الولادات بالانحسار، ولكنّ كل ما يعنيه ذلك هو أنّنا عدنا إلى مستويات عام 1983 أو 1984.

س: تجد في تركيب أسر اليوم مزيجا متنوعا من العناصر، الأجداد، زوج الأمّ أو زوجة الأب، آباء وأمهات عازبين، جميعهم يلعب دور الوالدين، لكن قيمهم مُختلفة. ماذا يحصل عندما تواجه أنظمة القيم المختلفة بعضها البعض؟ هل يتمّ التوصّل إلى توافق بينها؟ كيف يقوم كل منها بتحقيق ذاته؟

ج: إنّني أدعو ما يحصل تحالفات. كانت الأدوار محدّدة بوضوح في الأسرة التقليديّة، ذات التراتبيّة التسلسلية، والمتعدّدة الأجيال. ولطالما حسب الأجداد أنهم يعرفون كيفيّة تربية الأطفال بشكل افضل، ولكن يدركون، عند مستوى معيّن، أنّ للوالدين "الكلمة الفصل" في ما يحصل للأولاد. هذه العلاقات الجديدة، التي ذكرتها أنت، تخلق حالات لا تكون واضحة فيها حقوق البالغين ضمن الأسرة بحيث يكون لهم رأي، ويكون رأيهم مسموعاً. وهذا ما يؤدّي إلى إحتمالات إضافيّة لنشوب خلافات ضمن الأسرة المعاصرة، لأنّ الأشخاص المعنيّين لا يفهمون العلاقات بوضوح.

س: وعدم الوضوح هذا، يؤثّر على تراتبية السلطة .

ج: صحيح.

س: ألا تزال النظرة إلى الجيل القديم نظرة احترام، بغض النظر عن الطريقة التي يتمثل فيها ذلك الجيل ضمن الأسرة؟

ج: أظنّ أنّ الأمر آخذ في التعقيد، خاصّةً في إطار الطلاق. فإنّك تشعر، لا سيّما لدى الرجال الذين هجروا منازلهم، سلطة أقلّ، كما أن النساء اللواتي بقين في منازلهنّ يعتبرهن أبناؤهنّ أحياناً بأنهن لسن على ما يرام. أظنّ أنّ جزءا من السلطة المعنويّة أو العائليّة التي يتمتّع بها الجيل القديم تنبعث من كون أفراده نجحوا في تجربة الزواج والحياة العائليّة. وإذا لم تكن الحال كذلك، فإنّ سلطتهم تضعف.

س: يبدو أنّ سبب تولّي الأجداد أو الجدّات السلطة على الأسرة، من وقت لآخر، يعود بجزء منه إلى أنّ متوسّط العمر العام قد ارتفع.

ج: نشهد حاليّاً اتجاهين في الوقت نفسه. فالأسر ذات الدخل المتوسّط والمرتفع تشهد قيام جيل السندويش. فالأجداد أو الجدّات يكونون طاعنين جدّاً في السنّ بحيث لا يتمكنون من تربية أحفادهم، وينتهي الأمر بالحاجة للاعتناء بهم هم (بدلاً من الأحفاد). أمّا في الأسر ذات الدخل المنخفض، فقد أخذ فارق السن بين الأجيال يتقلّص، بحيث انّك ترى أمّاً في الخامسة عشرة من العمر في حين أنّ أمّها هي في الثلاثين أوفي الخامسة والثلاثين. لذا تستطيع الجدّة أن تضطلع بدور أكثر فعاليّة مع أحفادها. لكن نظراً إلى سنّها، فقد تشعر بأنّ لديها حياة خاصّة لتعيشها. إنّها مسألة تتعلّق إلى حدّ بعيد بالطبقات الإجتماعية، وقد يكون ذلك سبباً لإجهاد نفسي كبير.

س: ماذا يمكن أن نتوقّع في المستقبل القريب في ما يتعلّق بالقوّة العاملة المتغيّرة في ظلّ تكاثر عدد الآباء الملازمين للمنازل، وتزايد الحاجة إلى تخصيص عناية اكبر بالطفل، فضلاً عن عوامل أخرى؟

ج: يصعب التكهّن بذلك. لم ترتفع نسبة الأمّهات العاملات بشكل ملحوظ في العقد الأخير لذا يمكن أن نكون قد بلغنا مرحلة ركود. خلاصة القول هي أنّ النساء اللواتي يردن العمل، بمن فيهنّ الأمّهات، يَعملن، والنساء اللواتي لا يردن العمل لا يَعملن. إنّني أتحدّث عن نساء الطبقة الوسطى اللواتي يملكن الخيار إلى حدّ ما. أمّا في ما يتعلّق بالأسر ذات الدخل المنخفض، وبسبب الإصلاحات الاجتماعيّة وقيام اقتصاد أقوى، فإنّ عدداً أكبر من الأمّهات في تلك الأسر يعملنَ فعليّاً.

س: لنركّز قليلا على تأثير القيم الدينيّة على الأسرة في ظلّ معلومات تُشير إلى أنّ الدين أصبح أكثر من مجرّد عامل عادي في حياة البشر. إلى أيّ حدّ ترى هذه القيم منطبعة في حياة الأسرة؟

ج: لا أعرف بماذا أجيبك. البرهان الوحيد الذي رأيته هو أنّه بالنسبة إلى بعض الأسر، ازدادت قوة المعتقدات الدينيّة وممارستها والتقيّد بتعاليمها. في ما يتعدّى ذلك، لا أعرف. من الواضح أنّنا نشهد انبعاثاً للشعور الديني لدى مختلف الطوائف والمعتقدات. لكن لا أعرف إلى أيّ حدّ بلغ انتشاره.

س: عندما نتكلّم عن مسؤوليّات كلّ من القطاعين العامّ والخاصّ في ما يتعلّق بالأسرة، في أيّ مجال تظنّ أنّ على الحكومة دوراً تلعبه وأين يجدر بها ألاّ تُقحم نفسها؟

ج: بناءً على ما خبرناه طوال الأعوام المئة المنصرمة، يجدر القول إنّ الأسر تكون أفضل حالاً إذا لم تتدخّل الحكومة في شؤونها. نقطة على السطر. لا أعرف أمثلة كثيرة عن حالات أو سياسات ساعدت فيها الحكومة الأسر. قد يزعم البعض أنّ سياسة الإسكان وتخفيض قيمة الرهن على البيوت كان لها تأثير إيجابيّ بحيث أنّها جعلت امتلاك بيت خاصّ أمراً أكثر إمكاناً. لكنّني أعتقد أن البرهان على ذلك غير واضح.

س: في بداية هذا القرن الجديد، ما هي توقّعاتك لحياة الأسرة في الولايات المتّحدة؟

ج: الصورة التي أراها بالنسبة إلى الأسرة في المستقبل هي، أولاً، تأخر الزواج، أي أنّ عدداً أكبر من الشبّان سوف ينتظر حتّى يتقدّم قليلاً في السنّ قبل أن يتزوّج. إنّني أرى أيضاً تدنياً في نسبة الزواج، أي أنّ الناس لن ينتظروا حتّى يتقدّموا قليلاً في السنّ وحسب، بل إنّ عدداً متزايداً منهم لن يتزوّج البتّة. لكن لن يُشكّل هؤلاء عدداً كبيراً جدّاً، ربّما 10 في المئة فقط من مجموع عدد النساء لن يتزوّج. أمّا معدّلات الطلاق فقد بلغت حدّها الأقصى، وقد تشهد تراجعاً طفيفاً. سوف نرى عائلات أصغر، وسنرى المزيد من علاقات مثل علاقات العيش معاً، والعلاقات المؤقّتة. بشكل عامّ، إنّ ما أراه هو وضع يكون فيه الأشخاص، الأولاد منهم بشكل خاصّ، أكثر انعزالاً، ليس فقط لأنّ الوالدين سيكونان في العمل بل لأنّه سيكون لديهم عدد أقل من الأخوة والأخوات، ومن أولاد العم والخال أو أولاد العمة والخالة، ومن الأعمام والأخوال والعمات والخالات. إنّنا نتوجّه مع تقدّم الزمن نحو مجتمع أكثر فرديّة.


الأسرة الأميركيّة بالأرقام

لقد شهدت الأسرة الأميركيّة تطوّراً ملحوظاً خلال العقود القليلة المنصرمة، والإحصائيّات تُثبت مدى التغيّر.

الزواج والأسرة

انخفض متوسّط عدد أفراد الأسرة الأميركية الواحدة، بين البيض كما بين الأميركيين المتحدرين من أصول إفريقية، من 3.1 عام 1970 إلى 2.6 عام 1998 (حسب الأرقام الأخيرة المتوفّرة من مكتب الولايات المتحدة للإحصاء). في حين ارتفع متوسّط عدد أفراد الأسر الأميركيّة المتحدرة من بلدان أميركا اللاتينية من 3 عام 1975 إلى 3.5 عام 1998. أما بين الأميركيّين الآسيويّين فقد بقي الرقم ثابتاً عند 3.2 منذ العام 1990. (المعلومات عن السنوات السابقة لذلك غير متوفّرة).

كان يرأس نسبة 53 في المئة من الأسر في الولايات المتّحدة زوجان عام 1998، مقارنةً بنسبة 78.2 في المئة عام 1950، ونسبة 61 في المئة عام 1980.

كانت تتألّف نسبة 57 في المئة من الأُسر في الولايات المتّحدة عام 1998 من شخص أو شخصين، في حين كانت نسبة 17 في المئة من الأُسر تضمّ شخصاً ثالثاً، وكانت نسبة 15.6 في المئة من الأسر أُسراً مؤلفة من أربعة أشخاص.

بين العام 1975 والعام 1999، ارتفعت النسبة المئويّة للأشخاص البالغين بين السكّان الأميركّيين الّذين لم يتزوّجوا قطّ من 22 إلى 28 في المئة، وذلك استناداً إلى معلومات "المكتب المرجعي للسكّان."

عام 1999، كان عدد الأولاد دون الثامنة عشرة من العمر في الولايات المتّحدة 70.2 مليون ولداً، وهو ارتفع من أقلّ من 50 مليوناً عام 1950. ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد سبعة ملايين أخرى بحلول العام 2020. لكنّ الأولاد دون الثامنة عشرة شكّلوا 26 في المئة من مجموع السكّان عام 1999، أي بانخفاض عن نسبة 36 في المئة عام 1960.

لقد ارتفعت نسبة البالغين من العمر 65 عاماً وما فوق لمجموع عدد السكّان، من 8 في المئة عام 1950 إلى 13 في المئة عام 1999. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 17 في المئة بحلول العام 2020.

إنخفضت نسبة الأولاد البيض في الولايات المتّحدة الّذين لا يتحدّرون من بلدان أميركا اللاتينية، والّذين هم دون الثامنة عشرة من العمر، إلى مجموع عدد هذه الفئة من السكان في الولايات المتحدة من 74 في المئة عام 1980 إلى 65 في المئة عام 1999. أمّا نسبة المتحدّرين من بلدان أميركا اللاتينية بين الأولاد من السكّان، فقد ارتفع من 9 في المئة عام 1980 إلى 16 في المئة عام 1999. والمتوقع أن يبلغ هذا الرقم 20 في المئة بحلول العام 2020. أما نسبة السود بين الأولاد من السكّان فبقيت ثابتة، وكانت قرابة 18 في المئة على مدى العقدين المنصرمين.

بين الأسر التي تضمّ أولاداً دون الثامنة عشرة من العمر، رأس 18.73 في المئة منها زوجان عام 1998، مقابل 92.6 في المئة من الأسر ذات البنية نفسها عام 1950، و80.5 في المئة عام 1980. كانت 22 في المئة من الأسر التي تضمّ أولاداً دون الثامنة عشرة عام 1998 أُسراً تُرأسها أمّهات، فيما يُشرف الآباء العازبون والأمهات العازبات نسبة 5 في المئة المتبقّية من الأُسر.

كان 91 في المئة من الأولاد الّذين يعيشون مع والدين، استناداً إلى أرقام مكتب الولايات المتحدة للإحصاءات لعام 1996، يعيشون مع كلا والديهم البيولوجيّين (الطبيعيين) أو المتبنّين. وكان 90 في المئة منهم يعيشون مع أمّ أو أب بيولوجي، أو مع أمّ أو أب بالتبنّي، أو مع زوج الأم أو زوجة الأب. وكان حوالي 80 في المئة من الأولاد الّذين يعيشون مع زوج أو زوجة أحد والديهم إنّما يعيشون مع الأمّ وزوجها.

عام 1998، كان 16 في المئة من الأولاد الّذين ينتمون إلى الأسر الّتي يرأسها الأب أو الأم يعيشون مع الأب، وهذا يُشكّل ارتفاعاً بنسبة 8.5 في المئة عن العام 1980.

في ما يتعلّق بالأحداث الّذين هم دون الثامنة عشرة في الولايات المتّحدة، كان يربي 68 في المئة منهم والدان عام 1998، وكانت نسبة 23.3 في المئة منهم تربيها أمّهاتهم البيولوجيّات وحدهنّ، وكانت نسبة 4،4 في المئة منهم يربيها الآباء البيولوجيّون وحدهم. وكان يربي بنسبة طفيفة أكثر من 4.4 في المئة منهم أقارب آخرون، أو أشخاص من غير الأقارب.

عام 1970 كانت نسبة 3.2 في المئة من الأحداث في الولايات المتّحدة تعيش في أسر يديرها الجدّ أو الجدّة. بحلول عام 1997، ارتفع هذا العدد إلى 5.5 في المئة وهو ارتفاع بنسبة 76 في المئة خلال أكثر من ربع قرن بقليل. خلال التسعينات وحدها، أي بين 1990 و1997، ارتفع عدد الأسر التي يتولّى أمرها الأجداد بنسبة 19 في المئة.

الأسر والعمل والعناية بالأطفال

عام 1998، كانت نسبة 56.3 في المئة من فئة الزوجين في صفوف القوّة العاملة في الولايات المتّحدة الأميركيّة، يكسب فيها كلا الزوجين أجراً. وفي 21.3 في المئة من الحالات كان الزوج وحده يعمل، وفي 5.7 من الحالات كانت الزوجة وحدها هي التي تعمل. أمّا النسبة المتبقّية فتعود لنسبة الزوجين غير العاملين.

من بين مجموع فئة الزوجين اللذين لديهما أولاد دون الثامنة عشرة من العمر، ارتفعت نسبة الفئة التي تضم زوجين عاملين من 59.3 في المئة عام 1986 إلى 68 في المئة 1998. أمّا نسبة الأسر التي كان فيها الزوج وحده هو الذي يعمل فانخفضت من 36.2 عام 1986 إلى 27.1 بعد حوالي 12 عاماً.

ارتفعت بشكل سريع نسبة الأمّهات العاملات اللواتي لديهنّ أطفال. فمن بين3.7 مليون امرأة كان لديها أطفال دون السنة من العمر عام 1998، كانت نسبة 59 في المئة فقط منهن تعمل خارج المنزل. أمّا رقم عام 1996 فكان 31 في المئة.

إستناداً إلى مكتب إحصائيّات العمل، ارتفع من 4.6 بالمئة عام 1991 إلى 8.4 عام 1996، عدد الآباء الملازمين للبيوت ممن تتراوح أعمارهم بين 25 و54 عاماً، والذين اختاروا ألاّ يبحثوا عن عمل بسبب المسؤوليّات المنزليّة.


ما الّذي يشكّل الأسرة؟

حوار مع الدكتور مارك هاتر

الأسرة هي نواة الحياة الأميركيّة. أجرى الدكتور مارك هاتر، أستاذ مادّة الاجتماع في جامعة روان في غلاسبورو، نيو جيرزي، أبحاثاً شاملة حول الأسرة وحياة المدينة مع تركيز خاص على الأسرة الآخذة في التغيّر، وعلى الأسر المهاجرة والإثنيّة، وعلى علاقة الأسرة بالمجتمع، وعلى علم النفس الاجتماعيّ للحياة المدينية. وتحدث مؤخّراً عما توصل إليه في أبحاثه.

س: إذا استثنينا، لبرهة، الارتفاع المذهل في عدد الأسر التي يكسب فيها كل من الزوجين أجراً، ما هو أبرز تغيّر حصل في ديناميكيّة الأسرة خلال العقدين المنصرمين؟

ج: التغيّرات عديدة. الأوّل هو تقدّم السكّان في العمر، وهذا يسبّب إنتقالاً من عائلة الأجيال الثلاثة إلى عائلة الأجيال الأربعة. عندما أفكّر في هذه الوحدة، المكوّنة من أجداد الأجداد والأجداد والوالدين وأولادهم، ينتابني قلق في ما خص العلاقة القائمة بين أقدم جيل وأبنائه ممن قد يكونوا هم أنفسهم قد أصبحوا أجداداً، وأجدني مهتماً بالموضوع. وعلى الأخص، كما يحدث غالباً، عندما يكون على الفتيات الاعتناء ليس بأولادهنّ وأحفادهنّ فحسب بل بالوالدين كذلك. أمّا التطوّر الثاني الذي تجدر الإشارة إليه فهو أنّ الشبّان يؤخّرون عمليّة الزواج وإنجاب الأطفال. وهذا يعكس التغيّرات الإقتصاديّة كما الفرص الإقتصاديّة التي يواجهها الشبّان، حيث لا يكون الزواج خيارهم الوحيد كراشدين، لا سيّما وأنّ الإمكانيّات الدراسية والمهنيّة، فضلاً عن هامش اكبر من الخيارات المتاحة خارج إطار الأسرة، هي في متناول أيديهم.

س: ما دامت الأسرة لا تزال أساسيّة، لماذا تتشتّت الوحدات العائلية في مختلف أنحاء البلاد؟

ج: العوامل الاقتصاديّة والاجتماعيّة مسؤولة عن هذا التغيّر. غالباً ما يتطلّب المجتمع المعاصر فريقاً من العاملين ممن يتمتعون بقدرة فائقة على التنقّل ليتمكنوا من الذهاب إلى حيث يكون عملهم. هذه الرغبة في الإفادة إلى أقصى حد ممكن من الفرص الاقتصاديّة غالباً ما تؤدّي إلى انهيار أنماط راسخة من تداخل روابط القُربى. فضلاً عن ذلك، إنّ الاهتمام المتزايد بالتقدّم على الصعيد الفرديّ غالباً ما يطغى على الاهتمام بروابط الأسرة الواسعة والالتزامات تجاهها.

س : إن تحدّثنا عن الأسرة والمجتمع، أتظنّ أنّ الأسر تقوم بما يكفي لكي تدعم حياة الأسرة وتروّج لها؟

ج: يبدو أنّ الموجة السائدة تعكس اهتماماً أكبر بانسحاب الفرد والأسرة النواة من الانخراط بالمجتمع. بإمكانك القول إنّ أفضل ما يرمز إلى هذا الأمر هو الانتقال من العيش في بيوت لها شرفات أماميّة إلى العيش في بيوت لها حدائق خلفيّة مُسيّجة.

س: حدثينا قليلاً عن الوالدين العازبين في الولايات المتّحدة.

ج: هنالك فريقان رئيسيان. الأوّل مؤلّف من أشخاص تزوّجوا سابقاً وأسرتهم مكوّنة من أمّ عزباء أو أب أعزب نتيجة للطلاق أو للإنفصال. والفريق الثاني يتألّف من أم أو أب لم يتزوّجا قطّ. وقسم كبير من هذا الفريق الثاني يتألّف من فتيات في سن المراهقة أو يافعات، كثيرات منهنّ ينتمين أصلاً إلى أسر تحتل أسفل السلّم الاقتصادي. في كلّ حالة من هذه الحالات يعتمد نجاح أسر الأمهات العازبات أو الآباء العازبين على طبيعة الروابط القائمة بين الأم أو الأب والولد، وغالباً ما يعتمد على مدى مشاركة الجد والجدّة، أو أقارب آخرين، في تربية أولئك الصغار. فضلاً عن ذلك، فإنّ المجتمع والوكالات الحكوميّة، بما فيها مراكز الرعاية اليوميّة (أو النهارية)، قد يكون لها تأثير على وضع الأسرة التي تُديرها أم عزباء أو أب أعزب.

س: أتظنّ أنّ الأولاد الّذين يربون في عائلة يعيلها أب وحده أو أمّ وحدها يشعرون بنقص من حيث الدعم النفسي والعاطفي؟

ج: لا أظن ذلك، شرط أن يحصل الأولاد الّذين يربون في بيت أمّ عزباء أو أب أعزب على الدعم والتربية والإرشاد من الأب أو الأب، ممن عائلتهم الواسعة والمؤسّسات الاجتماعيّة المحلّيّة. غالباً ما نفترض، عن غير حقّ، أنّ الإنسان الوحيد الّذي يُربّي هذا الولد هو الأب العازب أو الأمّ العازبة، وانهما يعيشان في عزلة. لكن ما يحصل عادة هو ليس هذا .

س: هل من علاقة متبادلة بين قوّة الأسرة ووضعها الاقتصادي؟

ج: لا شك في أن باستطاعة المال أن يُخفّف الكثير من مسببات الضغوط التي تواجهها الأسرة في حياتها اليوميّة. لكنّ المال ليس الدواء الشافي لكل العلل التي تكتنف تشكيل أسرة ناجحة. فهذه عملية يجب أن تتضمّن التنشئة والدعم، علاوة على ضبط وإرشاد الأطفال. الوالدان الثريّان المهملان لا يستطيعان أن يتجاوزا هذا الإهمال لأولادهما بتوفيرهما المال.

س: ما هي أبرز الأسس للأسر الناجحة؟ أي تلك التي تُنتج راشدين يافعين ناضجين عاطفيّاً ومستقيمين، وفي الوقت نفسه والدين راضين؟

ج: غالباً ما يكون الوالدان الناجحان والأولاد الصالحون ثمرة تفهّم للمواقف ووجهات النظر المتعدّدة التي يثابرون عليها. فالوالدان والأولاد يجب أن يكونوا متحسسين لاهتمامات بعضهم البعض. في هذا أيضاً يجب أن يسود مناخ من التفهّم والمشاركة. ويجب أن يتقبّل أعضاء الأسرة واقع أنّ الحياة بالنسبة لكلّ فرد من أفرادها تمتدّ لأبعد من الأسرة. هذا الأمر، أو هذه الحياة الأخرى، يجب كذلك أن تؤخذ بعين الاعتبار لدى تعامل الواحد مع الآخر .

(مارك هاتر هو كاتب "الأسرة المتغيّرة" و"تجربة الأسرة". هذا الحوار اقتبس من حوار أجراه الكاتب مع شبكة آي بي سي للأخبار).


الأسرة الأميركيّة: حيث نحن اليوم، بقلم ستيفاني كونتز

قد تكون الحياة العصريّة مُرهقة، داخل الأسرة كما في أيّ مكان آخر في مجتمعنا السريع الحركة. مع هذا، ورغم كلّ تحدّيات وهموم العلاقات والزواج، وتربية الأولاد، نجد أن لدى الناس في الولايات المتّحدة اليوم توقّعات متفائلة في ما يتعلّق بالأبوّة أو الأمومة والزواج. عند مقارنة الحاضر بالماضي، أو بما يسمّى بـِ"الأيّام الجميلة الغابرة"، علينا أن ندرك أنّ همومنا إنّما تعكس كم نريد أن "نكون أفضل"، وليس كم "كنّا أفضل".

لننظر إلى بعض الأدلة: إن الآباء في الأسر المعافاة يقضون اليوم مع أولادهم أوقاتاً هي أكثر من أيّ وقت مضى في السنوات المئة المنصرمة. ومع أن عدد الساعات التي تمضيها المرأة العاديّة في منزلها مع أولادها انخفض منذ بداية القرن العشرين، مع انخراط المزيد من النساء في القوّة العاملة، فقد انخفض أيضاً عدد الأولاد في الأسرة مما رفع نسبة الإهتمام بكل ولد بمفرده. نتيجة لذلك، فالأمّهات في الولايات المتحدة الأميركيّة اليوم، بمن فيهنّ أولئك اللواتي يعملن بدوام غير كامل أو بدوام كامل، يمضين تقريباً مع كلّ ولد ضعف الوقت الذي كانت تمضيه الأمّهات مع أولادهنّ في العشرينات. والّذين ربّوا أولاداً في الأربعينات والخمسينات يقولون إنّ أولادهم البالغين وأحفادهم يتعاطون مع أولادهم بشكل افضل بكثير، ويمضون معهم وقتاً أطول، ويساعدونهم في فروضهم المدرسية أكثر مما كانوا هم يفعلون مع أولادهم. أولاد الولايات المتّحدة هم كذلك اليوم أكثر أماناً منهم في أيّ وقت مضى. فقد كانت إحتمالات وفاة الطفل في الخمسينات أكثر بأربع مرّات منها اليوم. وكانت إحتمالات قيام الوالد بتنظيم جنازة ولد دون الخامسة عشرة من العمر أكبر بثلاث مرّات من إحتمالات حصول ذلك لوالد اليوم، وكان احتمال فقدان ولد في سن المراهقة يزيد بنسبة سبعة وعشرين في المئة عما هو اليوم.

إذا عُدنا بنظرنا إلى القرن المنصرم لاحظنا أنّ الأسر كانت دائماً متنوّعة وفي حالة تغيّر مستمرّة. ففي كلّ فترة من الفترات، كانت الأسرة لا تنتهي من حل مجموعة من المشاكل حتّى تواجه مجموعة أكبر من التحدّيات. فما يَسري على عائلة في إطار اقتصاديّ وثقافيّ معيّن لا يَسري على عائلة في إطار آخر. وما يُعتبر مفيداً في مرحلة معيّنة من حياة الأسرة قد يكون مدمّراً في المرحلة التالية. إذا كان ثمّة درس يجب استخلاصه من حياة الأسرة في القرن المنصرم، فهو أنّ الأسر كان عليها أن تلعب دائماً لعبة اللحاق بركاب "عالم متغيّر". لنأخذ موضوع الأمّهات العاملات. الأسر التي تمضي فيها الأمّهات في كسب العيش وقتاً مماثلاً للذي تمضيه في تربية الأولاد ليس جديداً في شيء. بل إنّ تلك الأسر كانت هي القاعدة طوال معظم فترات القرنين المنصرمين. في القرن التاسع عشر، بدأت النساء المتزوّجات في الولايات المتّحدة ينسحبنَ من القوّة العاملة، ولكن في معظم الأسر لم يكن ذلك ممكناً إلاّ بإرسال الأولاد للعمل بدلاً منهنَّ. لكن عندما تمّ القضاء على عمالة الأطفال، عاودت النساء المتزوّجات الانخراط في القوّة العاملة بأعداد أكبر من ذي قبل.

طيلة عقود طويلة، كان الانخفاض في عِمالة الأطفال أكبر من نموّ عِمالة النساء. وهكذا عاد ظهور الأسرة التي يكسب فيها الذكر قوت العائلة. في العشرينات، وللمرّة الأولى، ترعرعت أغلبيّة واضحة من أولاد الولايات المتّحدة في عائلات يؤمنَّ فيها الزوج كل الدخل، بينما كانت النساء تلزم المنزل بدوام كامل، وكنّ هنّ وأخواتهنّ يرتدن المدرسة بدل العمل. ودام نمط الحياة هذا طيلة عقود. خلال الخمسينات ترعرع حوالي ثلثي الأولاد في البلاد في عائلات مماثلة، وكانت تلك أعلى نسبة تاريخياً. إلاّ أنّ ذلك العقد بالذات شهد تسارعاً في مشاركة الزوجات والأمّهات في القوّة العاملة مما جعل، خلال فترة قصيرة، الأسرة التي يكسب فيها الأب والأم أجراً هي القاعدة، وهو اتجاه لا يبدو أنّه سينعكس في هذا القرن الجديد.

الجديد في ذلك ليس أنّ النساء يجنين نصف رزق أسرهنّ، بل هو أنّهنّ للمرّة الأولى يمتلكن قدرة تحكّم حقيقيّة بدخولهن بشكل متواز مع الحرّية الاجتماعيّة التي تُتيحلهنّ تحديد شكل حياتهنّ الخاصّة. والجديد أيضاً هو انخفاض النسبة التي يخصّصها الناس من حياتهم لتربية الأطفال لسببين، الأوّل، هو أنّ لديهم عدداً أقلّ من الأولاد، والثاني هو أنّهم يعيشون لفترة أطول. حتّى قرابة عام 1940، كان الزواج النموذجي ينتهي بموت أحد الشريكين بعد سنوات قليلة على مغادرة آخر ولد للبيت. اليوم، بإمكان الزوجين التطلع إلى تمضية أكثر من عقدين معاً بعد رحيل الأولاد.

إنّ تزايد طول المدّة الزمنيّة التي يمضيها الشريكان معاً لمجرّد الرفقة، دفعت بالبعض، في بعض الحالات ليكونوا أقلّ تحملاً للإستمرار في تجربة زواج غير سعيد، كما أنّ استقلال النساء الاقتصادي يجعل استمرارهن في هكذا زواج أمراً أقلّ ضرورة. لذا، فقد حصل من جهة، ارتفاع ثابت في الولايات المتّحدة في نسبة الطلاق منذ عام 1990. لكن، من جهة أخرى، أدّى ارتفاع متوسّط الأعمار إلى احتفال عدد أكبر من الأزواج بعيد زواجهم الأربعين أو الخمسين مما حصل في أي وقت مضى.

إنّ الخيارات الجديدة للنساء ليست جيّدة لهنّ فحسب، بل لأولادهنّ أيضاً. وقد أظهرت الدراسات أنّ الأطفال يكونون أفضل حالاً عندما تكون أمّهاتهم سعيدات، سواء كانت سعادتهنّ ناتجة عن كونهنّ ربّات منزل بدوام كامل أو من كونهنّ موظّفات بدوام غير كامل. وبسبب أدوار النساء الجديدة في العمل، يضطلع الرجال، وعلى نطاق واسع، بدور مهمّ في البيت.

على الرغم من أنّ معظم الرجال ما زالوا يقومون بأعمال منزليّة أقلّ من زوجاتهم، فإنّ هذه الفجوة قد تقلّصت إلى النصف منذ الستّينات. واليوم، يقول 49 في المئة من الأزواج إنّهم يتقاسمون العناية بالطفل مناصفة، مقارنة مع نسبة 25 في المئة عام 1985. كما أن انخراط الرجال بشكل اكبر في شؤون البيت مفيد لعلاقتهم مع أولادهم. فالآباء الذين يشاركون في كلّ الأمور يكونون آباءً أفضل من أولئك الذين يدعون زوجاتهم ينجزن كلّ أعمال تنشئة ورعاية الطفل. فهم ينشئون أبناء أكثر قدرة على التعبير عن أنفسهم وبناتاً لديهنّ حظوظ أكبر في الاجتهاد في الدراسة، لا سيّما في مجالي الرياضيّات والعلوم.

في عام 1900، كان متوسط معدّل الأعمار في الولايات المتّحدة 47 عاماً، وكانت نسبة 4 في المئة فقط من السكّان في سن الخامسة والستين وما فوق. اليوم، أصبح متوسّط معدّل الأعمار هو 76 عاماً، ومن المتوقع، قرابة العام 2025، أن يصبح 25 في المئة من سكّان الولايات المتّحدة في سن الخامسة والستين وما فوق وللمرّة الأولى يضطرّ جيل من الراشدين إلى التخطيط لاحتياجات والديه وأولاده معاً. ومعظم الأميركيّين يتجاوب مع ذلك بسخاء ملحوظ. فأسرة واحدة من أصل كل أربع أسر تخصّص ما يوازي يوماً كاملاً في الأسبوع أو أكثر للعناية بقريب طاعن في السنّ، وتقول أكثر من نصف الأسر إنها تتوقع أن تفعل ذلك في السنوات العشر القادمة. وقد تضاءلت احتمالات أن يطال الفقر الأشخاص الأكثر تقدّماً في السنّ أو أن يفقد هؤلاء قدراتهم بسبب المرض قياساً بالماضي، كما زادت فرصهم لإرساء علاقات مع أحفادهم.

حتّى بعض الخيارات التي تشكّل أكبر مصدر قلق للناس تبدو قابلة للحلّ الآن. يرجّح أن تبقى معدّلات الطلاق مرتفعة، وفي حالات كثيرة، يؤدي انهيار الزواج إلى مشاكل خطيرة للبالغين وللأطفال على حدّ سواء. لكن عندما يخفّف الوالدان من صراعاتهما يمكن المحافظة على الرباط العائلي. ومعظم الأسر يلجأ إلى هذا الحلّ. فالمزيد من الآباء والأمّهات ممن ليس لهم حقّ الإشراف على تربية الأولاد (بسبب الطلاق مثلا) يبقون على اتّصال مع أولادهم. كما تزداد مخصصات العناية بالأطفال، وتُعاني نسبة أقل من أطفال الأسر المطلّقة المشاكل التي ظهرت في العقود السالفة. أصبحت الأسر التي تضمّ زوجة الأب أو زوج الأم تعرف أن عليها زيادة إمكانيّة اجتماع الأولاد بالأشخاص الراشدين الذين يشكّلون دعماً لهم، بدلاً من قطع كلّ صلة تربطهم مع الجهة الأخرى من العائلة.

عندما نبدأ بفهم النطاق الذي تتراوح فيه الأحجام والأشكال والألوان التي تتميز بها الأسر في الولايات المتّحدة اليوم، نجد أنّ الفوارق ضمن أنواع الأسرة هي أكثر أهمّيّة من الفوارق القائمة بين تلك الأنواع. فلا يضمن شكل ما للعائلة النجاح، كما لا يضمن شكل آخر لها الفشل. إنّ كيفيّة عمل الأسرة من الداخل أكثر أهميّة من كيف تبدو من الخارج.

ان أكبر مشكلة تواجه معظم الأسر في الولايات المتّحدة الأميركيّة في مستهلّ القرن الجديد لا تكمن في كون عائلاتنا قد تغيّرت كثيراً، بل في كون مؤسساتنا لم تتغير إلاّ بشكل طفيف جدّاً. فالسياسات المطبقة بالنسبة لظروف العمل تعكس عصراً سالفاً لم تكن فيه مُعظم الأمّهات جزءاً من القوّة العاملة، ولم يكن فيه معظم الآباء مشتركين في السعادة التي توفرها العناية بالأطفال. فبرامج المدارس تبدو مصمّمة أكثر لتناسب عقوداً انقضت، عندما كان الأولاد بحاجة إلى ملازمة المنزل من أجل المساعدة في الأعمال اليوميّة أو ليكونوا بدورهم عمّالاً.

مع هذا، وبينما يبقى على المؤسّسات الاجتماعيّة عمل الكثير، تُدخل معظم أسر أميركا القرن الجديد بموارد أكبر وآمال أكبر بكثير، مع التساوي في احترام كلّ فرد من أفراد الأسرة أكثر من أيّ وقت مضى.

(ستيفاني كونتز، كاتبة "نحن على حقيقتنا"، هي عضو في هيئة التعليم بكلّيّة "إفيرغرين ستايت كولدج" في "أوليمبيا"، بولاية واشنطن. حقوق الطبع محفوظة لشركة تايم 1999. أعيد الطبع بإذن خاص).


إعادة تحديد دور الأب في الأسرة في الولايات المتّحدة، بقلم ليزلي مان

يقول رون ويلسون، من مدينة أورورا في ولاية إلينوي، بينما يقوم بتحضير العصير لأولاده البالغين من العمر ستّ سنوات وأربع سنوات وسنتين: "بالنسبة إلى أشخاص كثيرين، لا يعتبر الاعتناء بالأطفال مهنة، إذ يظنّون أنّني ألازم المنزل لأقرأ المجلاّت. لكنّ هؤلاء الأشخاص هم الذين لم يمضوا قطّ يوماً كاملاً مع الأولاد في البيت".

ويوضح ويلسون أنّ الاهتمام بأولاده في فترة بعد الظهر فقط، فيما تقوم الأم بمهمات صغيرة، لا يُعتبر ذو شأن. لكن الرجال الذين يتولّون الاهتمام بالأولاد على الدوام، ويومياً، يعرفون أنّ كلّ يوم هو سلسلة لا تنتهي من تغيير الحفاضات، والطهو، وطيّ الغسيل، وقيادة السيّارات لإيصال الأولاد إلى الملاعب وإعادتهم منها، والتسوَّق، وزيارة طبيب الأطفال.

ويضيف ويلسون: "جيّد هو اليوم الذي أتمكن فيه من قراءة الصحيفة قبل أن تعود زوجتي إلى البيت من العمل". ويقول إنّه لا يقايض وظيفته بأيّ شيء آخر. فلا هو ولا زوجته دنيز، التي تعمل مسؤولة عن ضمان الجودة في شركة ألعاب دعائيّة، نادمان على التدابير التي اتّفقا عليها في منتصف التسعينات، عندما ترك عمله كمهندس ميكانيكيّ. أمّا ردّه على الشعار القائل "المرأة الخارقة" التي يمكنها "القيام بكلّ شيء" هو أنها "تستطيع القيام بكل شيء حقاً، لكن ليس في الوقت نفسه".

في تقرير مكتب الولايات المتحدة للإحصاء أنّ 1.9 مليون أب لأولاد دون الخامسة عشرة من العمر عرّفوا عن أنفسهم بأنهم "الشخص الأساسي الذي يعتني بالأولاد". هذا هو آخر إحصاء حول هذه الفئة صادر عن المكتب. ولكنّ الآباء الملازمين للمنازل يعتقدون عموماً أنّ عددهم تزايد بشكل ثابت خلال التسعينات مع عودة المزيد من زوجاتهم إلى العمل. ويستشهد بيتر بايليز، وهو ناشر الصحيفة الإخباريّة "الوالد الملازم للمنزل"، بقائمة المشتركين في هذه الصحيفة كدليل على هذا التزايد. فقد ازداد عدد الاشتراكات من مئة إلى ألف بين عامي 1994 و1999. ويتلقى موقعه على الانترنت أكثر من ألفي استفسار في الأسبوع، ويتلقّى موقع آخر تابع للمنشورة الإخباريّة "آباء بدوام كامل"، التي موقعها نيو جيرزي أكثر من 1500 استفسار في الشهر. ويقول بايليز: "لقد تقدّمنا من الوضع المستغرب إلى غير الاعتياديّ". وبايليز هو أب لولدين ملازم للمنزل. ويضيف: "لقد بدأنا الآن نرى نتائج تزايدنا، المزيد من المحاضرات والكتب حول الأبوّة، والمزيد من الآباء مع الأولاد في الإعلانات، ومن برامج "أبوّة الأطفال" نسبة لبرامج "أمومة الأطفال".

ان الأسرة التقليديّة المكوّنة من أب يكسب الرزق وأمّ ملازمة للمنزل وأولاد دون الثامنة عشرة من العمر، كانت تُشكّل نسبة 46 في المئة من عائلات الزوجين في أميركا منذ ربع قرن تقريباً، أما الآن فقد تمّ استبدالها بتشكيلة ديموغرافيّة مجنونة تتضمّن عائلات ذات مهنة واحدة أو مهنتين، وعائلات تُقسّم نوبات عملها، أو تعتمد ساعات العمل المرنة والعمل بدوام غير كامل. وفي عام 1998 كان قد انخفض معدّل الأسر التقليديّة تلك إلى 26 في المئة.

على الرغم من أن عدد الأمّهات الملازمات للمنازل لا يزال يفوق عدد نظرائهن من الذكور، فإنّ الرجال بدأوا يخوضون هذا المجال بقوّة. وهم يتقبّلون وجيرانهم ألقابهم ومسؤوليّاتهم الجديدة.

ويقول ويلسون الذي يلتقي آباء ملازمين للمنازل آخرين عبر شبكة الإنترنت ويَحضَر مؤتمرات للآباء: "لقد التقيت أشخاصاً قالوا في البداية إنّهم موسيقيّون أو كتّاب أو مُدرّبون. لكنّهم كانوا حقّاً يعملون لبضع ساعات (في الأسبوع) فقط. أمّا الآن فأصبح بالإمكان أن تقرّ بأنّك أب ملازم للمنزل."

يقول جون تشابمان، من مدينة جنيف في إلينوي، وهو أب بدوام كامل لابنته جينا البالغة من العمر 8 سنوات ولابنه إيان البالغ من العمر 7 سنوات: "سوف تلتقي دائماً بشخص يسألك ألست رجلاً كفاية لكي تجد عملا". ويضيف تشابمان: "يجب أن تكون مرتاحاً لما أنت عليه". زوجة تشابمان هي الدكتورة كاثرين فاكلر-تشابمان وتمارس طبّ العائلة.

من الممكن ألاّ تكون النساء مساندات دوماً لهذا التدبير عندما يأخذن علماً به. إلاّ أنّ ردّة الفعل التي تسمعها كلّ من دنيز ويلسون والدكتورة فاكلر من نساء زميلات لهما، هي: "ليت زوجي يقوم بذلك".

كمعظم المتزوجين الذين يلازم منهم الأب المنزل، كانت أسرة ويلسون وأسرة تشابمان من أسر أصحاب المهنتين، لكنهما قرّرتا أن تسهّلا حياتهما بالتخلّي، بشكل مؤقّت على الأقلّ، عن إحدى المهن الأقلّ دخلا بعد أن احتسبا كلفة الاحتفاظ بالدخلين. وتقول دنيز ويلسون: بعد أن أضفنا كلفةالرعاية اليوميّة، والثياب، والمواصلات، وطعامي الغداء والعشاء خارج المنزل، والضرائب الإضافية على الدخلين والزيادة في التأمين على السيّارة، وجدنا أنّنا نكسب فقط 3000 دولار إضافية إذا عملنا كلانا.

لم يكن لرون ويلسون ولا لجون تشابمان أيّ نموذج يعتمدانه لدور ذَكَري في دورهما الجديد. يتذكّر ويلسون فيقول: "لم أعتنِ بطفل يوماً ولم يكن لديّ يوماً أخوة أو أخوات أصغر منّي سنّاً." ويقول تشابمان إنّه جاء لعمله الجديد دون أي خبرة سابقة مطلقاً.

يقول هؤلاء الآباء إنّ التدرّب أثناء العمل يتطلّب حسّاً فكاهيّاً، ويشير ويلسون إلى الاستمارة التي كانت جزءاً من عمليّة إختيار مدرسة الحضانة لابنه، قائلاً: "أجبت عن كلّ الأسئلة مثل هل يستطيع ابنك العدّ؟ ما هو تاريخ ابنك الطبي؟ ثمّ وصلت إلى السؤال الأخير: هل عانيت أيّة مشاكل أثناء حملك؟ فكتبت: لا".

هنالك أحياناً مساوئ ترافق دور الأب الملازم للمنزل. الأوّل هو العزلة. والواقع أن دراسة أُجراها عام 1996 أُستاذ في علم النفس في إحدى كليات إلينوي بيّنت أنّ 66 في المئة من الآباء الذين يعتنون بأولادهم يشعرون أنّهم منعزلون إمّا جزئياً أو كليّاً، مقارنة بـ 37.4 في المئة من الأمّهات اللواتي يعتنين بأولادهنّ. وهنالك مسائل عابرة أخرى كوقت الفراغ القصير جدّاً، والرتابة، والقلق حول ما إذا كانوا قادرين على العودة لممارسة مهنتهم المتعطلة موقتاً، أو ليعوّضوا ما فاتهم. لكن، وبشكل عامّ، أظهرت دراسة العام 1996 أنّ أكثر من نصف الآباء وصَفوا أنفسهم بأنّهم سعداء للغاية بهذا التدبير.

يعمل إد بارزوتّي، وهو من أورورا، وأب ملازم للمنزل بنصف دوام، أيّام الإثنين والأربعاء والجمعة كمهندس كهربائي، وتعمل زوجته لوري أيّام الثلاثاء والأربعاء والخميس كمهندسة برامج كمبيوتر، وقد سمحت لهما الشركتان اللتان يعملان لديهما بأن يحتفظا بالمنافع الصحيّة والتأمين. وتوفر لهما أيّام الأربعاء تصوّر ما ستكون عليه حياتهما لو أنّهما يعملان كلاهما بدوام كامل، حيث عليهما تبادل رعاية ابنهما البالغ من العمر ستّ سنوات وابنتهما البالغة من العمر ثلاث سنوات. وتقول لوري بارزوتي: "تذهب سارة عند جدّتها أيّام الأربعاء. أمّا برايان فيذهب إلى المدرسة أثناء النهار ثمّ يأخذه إد إلى منزل صديق، وفي نهاية النهار لا تكون الأطباق مغسولة، والفوضى تعمّ المنزل".

يعتقد إد بارزوتي إنّ الرجال يربّون الأطفال بطريقة مختلفة، فيقول: "لوري تميل إلى القيام بأمور أكثر هدوءاً معهم داخل البيت"، ويضيف: "أنا أقوم معهم بمغامرات أكثر". يقول ويلسون أيضا إنّ زوجته تميل إلى الرسم مع أولادها في حين أنّه هو يحثهم على الألعاب الشاقّة.

أسرة آل تشابمان مختلفة. يقول جون تشابمان: "لا يعتمد توزيع كل الأدوار بالضرورة على اختلاف الجنس بل على الظروف. كان الأب تقليديّاً، يلعب الكرة مع الأولاد لأنّ الأمّ كانت تعدّ العشاء. أنا أعدّ الآن العشاء لذا فـكاثي هي التي تلعب الكرة مع الأولاد."

على الرغم من أنّ إد بارزوتّي خفّض راتبه، وتشابمان وويلسون تخلّيا عن راتبهما في الوقت الحاضر، فجميعهم يعتبرون أنّهم تلقّوا مكافأة جيّدة مقابل ذلك. يقول تشابمان وويلسون إنّ مكافأتهما هي صحّة وسعادة أولادهما. ويقول بارزوتّي بدقة أكثر: "مكافأتي هي عندما يأتي إليّ إبني فجأة ويقول: أحبّك."

إن صغر سن أبناء أسرة تشابمان لا يمكّنهم من تقدير حسن حظّهم. لكنّ نات سزيمتشاك، وهو طالب في جامعة إلينوي، يبلغ الواحدة والعشرين من العمر، لديه نظرة مُعيّنة حول أن يكون المرء إبناً لأب ملازم للمنزل. فوالده لِن كان في بداية الثمانينات في البيت برفقته وأخته التي تبلغ من العمر 23 عاماً. يصف لِن من جهته تلك الحقبة قائلاً: "في تلك الأيّام لم يكِن في المراحيض الخاصة بالرجال طاولات لتغيير حفاضات الأطفال".

ويقول نات: "لم يبدُ ذلك غريباً بالنسبة إليّ في ذلك الحين، لكن بالعودة إلى الوراء لقد كان هو الأب الوحيد معي في أوّل يوم لدخولي الحضانة. لطالما كان حاضراً إلى جانبنا ولربّما كان هذا هو السبب الذي يجعلنا على علاقة متينة به، وهي علاقة لا يشعر بها أترابي كلّهم مع آبائهم. لا أنظر إلى تربية الأطفال على أنّها مسألة أنوثة أو ذكورة. على الرجال أن يمضوا المزيد من الوقت مع أبنائهم وهم يستطيعون ذلك."

(ليزلي مانّ هي كاتبة غير متعاقدة تقيم في سان شارل في إلينوي. غالباً ما تزوّد صحيفة شيكاغو تريبيون، فضلاً عن منشورات أخرى، بكتاباتها. أُعيد طبع هذا المقال بإذن خاص من ليزلي مانّ).


تقدّم الأسرة الأميركيّة في السنّ، حوار مع إيلينور غينزلر

إذا ما نظرنا إلى الأسرة الأميركيّة بشكل عام نراها تتقدّم في السنّ. فالناس يعيشون لمدّة أطول وتأثير ذلك واضح بالتأكيد داخل الأسرة الأميركيّة. إيلينور هي أخصّائيّة الصحّة والرعاية الطويلة الأمد في الجمعيّة الأميركيّة للمتقاعدين، وتعمل حاليّاً على تحليل مصادر قلق "جيل فورة الأطفال" (مواليد 1945-1960) بالنسبة إلى والديهم الذين يتقدمون في السنّ.

س: كيف تقيّمين العلاقة القائمة بين أفراد الجيل الجديد ووالديهم الذين يتقدّمون في السنّ أو الطاعنين في السنّ وأعضاء الأسرة الآخرين؟

ج: إنّنا نعيش في مجتمع يتزايد تعقيداً، والأسر تجد نفسها ممتدّة جغرافيّاً أكثر من أيّ وقت مضى. الأمهات يشتركن في القوّة العاملة أكثر من ذي قبل. وكلّ هذه العوامل تزيد صعوبة معالجة مسائل الوالدين الذين يتقدّمان في السنّ. لكن ما زالت هناك عائلات كثيرة تهتمّ بالوالدين اللذين يتقدمان بالسنّ وبأعضاء الأسرة المسنّين وعددهم في الواقع هو 22 مليوناً.

س: كيف تنظرين إلى الجهود التي تُبذل لجمع المواطنين المتقدّمين بالسنّ مع الأولاد بشكل بنّاء وخلاّق، ضمن منظّمات مثل "أجيال متّحدة"؟

ج: الجهود المبذولة للتعاطي مع نشاطات تجمع ما بين الأجيال مهمة للغاية. هذا التبادل للمعلومات بين أشخاص من أجيال مختلفة تُمضي وقتاً بعضها مع بعض أمر مفيد للجميع. الأشخاص المتقدّمون في السنّ يقدّرون هذا الوقت وهذه العناية. اما الأشخاص اليافعون فتدهشهم حكمة وخبرة الذين يتقدّمونهم سنّاً. وفيما يستمرّ مجتمعنا بالتقدّم في السنّ، أظنّ أنّ نشاطات كهذه سوف تزيد أكثر فأكثر.

س: حدّثينا عن تأثير ازدياد القدرة على التنقل على حياة الأسرة الأميركيّة خصوصاً في ما يتعلّق بالجيل الأكبر سنّاً.

ج: في معظم المراحل الأولى من حياة الأسرة في الولايات المتّحدة كان الجميع يعيشون معاً في بيت واحد أو بيتين، أياً كان الجيل الذي كانوا ينتمون إليه. التطوّر التالي كان انفصال الأسر لكن مع بقائها قريبة من بعضها البعض، أي في البلدة نفسها وربّما في الشارع نفسه. عندما توسّعت الضواحي خارج المدن شكّلت هجرة الأسر إليها أول تباعد مهم في حياة العائلة. اليوم، وإلى حدّ ما، يستمرّ عالمنا بالتقلّص، إلاّ أنّ المسافات لا تزال كبيرة. الأولاد البالغون غالباً ما يعيشون على بعد مئات أو آلاف الأميال عن والديهم الذين يتقدمون بالسنّ. لكن حتّى عبر هذه المسافات يستمرون بالإضطلاع بمسؤوليّات الرعاية. ورغم أنهم يعتمدون على غيرهم لكي يساهموا في هذه النشاطات، فإن هذا الأمر لا يحدّ من اهتمامهم ومستوى عنايتهم.

س: لو أن الأسر أقرب جغرافيّاً كيف سيؤثر هذا على سلوك وعادات الأجداد في الأولاد الصغار؟

ج: من المهم أن نقرّ بأنّ عيش أفراد الأسرة سوية، أو بالقرب من بعضهم البعض، يؤدي إلى اختلاف في طريقة التعاطي بين أفرادها. قد يؤدي وجود الأجداد إلى تأثير قويّ وإيجابيّ على الأحفاد. لكنّني أعتقد أنّ علينا أن نقرّ بأن هناك أنماطا ثابتة من التعامل بين الأسر قد تكون قد تشكلت، وإن لزم الأمر، علينا أن نعمل من خلالها لنعدّلها. في بعض الحالات قد تكون العودة إلى السكن في البيت الأصلي تجربة نموّ مذهلة. لكن من المفيد دوماً أن يناقش الجميع ذلك على كلّ المستويات وبين كلّ الأجيال، وإنّه لمن المفيد أيضاً أن يَصدُق كلّ شخص مع الآخر في ما يتعلّق بحسنات وسيئات ذلك.

س: هل سيصبح الجيل الأكثر تقدماً في السن مقبولاً ومحبباً أكثر، بالنسبة إلى الأسواق ووسائل الإعلام، إذ يستمرّ السكّان في التقدّم في السنّ؟

ج: بحلول العام 2020 سوف يزيد عدد السكّان البالغين من العمر 60 عاماً وما فوق عن عدد الذين يبلغون من العمر 18 عاماً وما دون. لن يملك هؤلاء الراشدون قوّة العدد فحسب بل سيملكون القوّة الاقتصاديّة التي ترافق هذا العدد أيضاً. فمع تقدّم مجتمعنا بالسن أظن أنّ محور التركيز والاهتمام سوف يتبدّل. سوف نرى المزيد من المُسنين في الإعلانات، وعلى التلفزيون وفي الأفلام. سوف يعكس السوق مجتمع زمانه ومكانه .

س: كيف يتجاوز الجدّ أو الجدّة المسافة التي تفصله عن الحفيد؟

ج: من المهمّ أن يبقى الأجداد قوّة فاعلة في حياة الجيل اليافع. فإذا كان الحفيد في الصفوف الابتدائيّة فالطريقة الأفضل هي أن يقرأ له الجد كتاب الأطفال المفضّل لديه على الهاتف مثلاً أو على شريط مسجّل ويرسله له. والأحفاد بدورهم قد يسجّلون أشرطة فيديو عن نشاطاتهم. على صعيد أكثر تعقيداً، قد يكون هناك عطلات منظّمة تضمّ أجيالاً مختلفة، أو لربّما تكون هناك زيارات متبادلة. ولإضفاء لمسة شخصيّة، فلا شيء يلقى تقديراً من كلا الجيلين أكثر من التواصل، سواء كان عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل.

(اختصر هذا الحوار المحرّر مايكل باندلر من حديث مع الكاتب على شبكة آي بي سي أونلاين للأخبار) .


رابط قويّ يجمع بين الأجداد والأحفاد في الولايات المتّحدة

من الجمعيّة الأميركيّة للمتقاعدين

يتمتّع الأجداد بعلاقة قويّة جداً مع أحفادهم استناداً إلى إحصائيّة حديثة أجرتها الجمعيّة الأميركيّة للمتقاعدين.

على الرغم من اعتقاد سائد في أمكنة عديدة بأن روابط الأسرة المتعدّدة الأجيال قد تهشمت في العقود الأخيرة، أظهر استطلاع للآراء تم على نطاق البلاد ككل أن ما يزيد عن 800 جدّ وجدّة، تزيد أعمارهم عن الخمسين عاماً، يتعاطون بشكل مُنتظم مع أحفادهم بأساليب مختلفة، ويعتقدون أنّ علاقتهم مع أحفادهم "إيجابيّة جدّاً."

يقول 82 في المئة، مثلاً، من أولئك الذين شملهم الاستطلاع إنّهم رأوا حفيداً لهم خلال الشهر المنصرم، ويقول 85 في المئة إنّهم تحدّثوا إلى حفيدٍ لهم على الهاتف في نفس الفترة. يقول أكثر من سبعة من أصل كل عشرة منهم (72 في المئة) إنّهم تناولوا الطعام مع حفيد لهم خلال الشهر المنصرم، كما يقول عدد مماثل إنهم اشتروا هديّة لحفيد خلال هذه الفترة.

تقول غريتشن سترو، المديرة المساعدة للأبحاث في مجموعة الأبحاث للجمعية الأميركية للمتقاعدين "إن وضع الأجداد الأميركيين قويّ، والعلاقة مع الأحفاد علاقة مُجدية جدّاً".

وكما تُشير الدراسة، فإنه "على الرغم من كثرة تنقل مجتمعنا وكثرة إنشغال حياتنا، ربّما كان أكثر الأمور إثارة في هذه الدراسة هو ظهور مدى تعلّق الأجيال ببعضها البعض."

يُشكّل الأجداد نسبة 31 في المئة من البالغين في الولايات المتّحدة الأميركيّة، أي ما يقارب الستّين مليون أميركيّ. وقد وجدت الجمعية الأميركية للمتقاعدين أنّ 11 في المئة من الأجداد والذين يبلغون من العمر أكثر من 50 عاماً يعتنون بأولاد. وأن 8 في المئة منهم يقدّمون رعاية أثناء النهار بشكل منتظم، و3 في المئة يتولّون تربية حفيد من أحفادهم.

يقول 43 في المئة من الأجداد انّه "لمن السهل للغاية" أن يبتكروا نشاطات ممكنة لحفيد لهم، ويقول 25 في المئة آخرون انّ ذلك "أمر سهل إلى حدّ ما". أساليب اللهو المفضّلة هي تناول الطعام معاً في البيت أو في مطعم، مشاهدة التلفزيون، قضاء الليل لدى الجدين، التسوّق لشراء الملابس، والمشاركة في التمارين أو الألعاب الرياضيّة.

من بين أولئك الأجداد الذين لا يقومون بالعناية بالأطفال والذين لا يعيشون في الأسرة نفسها التي يعيش فيها أحفادهم، 44 في المئة يرون حفيداً لهم كلّ أسبوع، وثلث الذين شملتهم الدراسة يقولون إنّهم يرون ويتحدّثون على الهاتف إلى حفيد لهم مرّة في الأسبوع على الأقلّ.

الأدوار التي يلعبها الأجداد تتبدّل عندما يتفاعلون مع حفيد لهم. تقريباً النصف (49 في المئة) يشيرون إلى أنّ بإمكانهم لعب دور المرافق أو الصديق، وأكثر من ثلث الذين شملهم الاستطلاع يقولون إنّهم غالباً ما يقدّمون المشورة، أو يتحدّثون عن تاريخ الأسرة أو يعيدون سرد جوانب من حياة الوالدين عندما كانا في سنّ الشباب.

يقول 29 في المئة إنّهم غالباً ما يتحدّثون عن "الأيّام الجميلة الغابرة" لدى الردّ على سؤال حول قيم أو أخلاقيّات مهمّة يجب أن تُنقل إلى الأحفاد، وذكر 42 في المئة من الأجداد الأخلاق العالية والصدق، بينما ذكر21 في المئة آخرون النجاح أو الطموح، و20 في المئة ذكروا الدين، و14 في المئة أشاروا إلى احترام الآخر، و10 في المئة قالوا إنّهم يلحّون على أحفادهم لكي يكونوا أشخاصاً مسؤولين وجديرين بالثقة.

لدى الأجداد في الولايات المتّحدة متوسّط قدره خمسة أحفاد وأولاد أحفاد، في حين أنّ واحداً من كل أربعة من الأجداد لديه أولاد أحفاد.


تأمّلات مميّزة لأمّ مميّزة، بقلم غاي روبين لابروم

في الولايات المتّحدة، يكسب الأشخاص الذين يعانون إعاقة من أيّ نوع كان، وتلزمهم رعاية خاصّة، اعتباراً خاصاً في عائلاتهم وفي المجتمع ككلّ، بقطاعيه العام والخاصّ.

في المقالة التالية تقدّم لنا أمّ لطفل يعاني إعاقة بعض الإرشاد. والنصيحة التي تقدّمها لآخرين يمرّون في ظروف مماثلة هي نتاج أكثر من سبع سنوات من التجربة والخطأ.

أنا أمّ مميّزة. هذا يعني أنّ لإبني جوشوا احتياجات خاصّة. وُلد في العاشر من أيلول/سبتمبر عام 1993، شعره أحمر أجعد، عيناه بنّيتان ويعشق الموسيقى. يحبّ أن يسمعني أغنّي ويعبد والده.

إنّه يعاني داء الصرع وشللاً دماغيّاً وفقداناً حادّاً للسمع، ولديه فَدَع في القدم (تمّ تصحيحه بالجراحة).

لديه أيضاً أنبوب يصل إلى جهازه الهضمي لكي يأكل، كما أُجريت له عملية لفتح قصبة الرئة لكي يتنفس. إصابته الدماغيّة هي نتيجة لعقدة في حبل السرّة أدّت إلى نقص في الأكسجين عند الولادة. لا يمشي ولا يتكلّم، وعلى الرغم من ذلك لا يزال يتمتّع بأجمل ابتسامة وضحكة في العالم.

الاعتناء به يستلزم عملاً كثيراً، وهذا صحيح. في بعض الأيّام من العام ونصف العام الأول من عمره بدا أن الإعتناء به أمر ساحق. لكنّه يتمتّع بطبع طيّب وهذا يُسهل الأمر. تجاربي مع جوشوا علّمتني الكثير وأود مشاركة آباء وأمّهات لأولاد غير اعتياديين في بعض كلمات الحكمة. وآمل أن تساعدهم هذه قليلاً.

خذ الأمور يوماً بيوم. فلا يمكننا أن نعيش إلاّ يوماً بيوم. تحلّ دائماً بالإيمان. صلِّ كثيراً. إبكِ متى احتجت إلى ذلك، وكلّما احتجت إلى ذلك. أُطلق مشاعرك. تحدّث إلى أحد.

الأصدقاء، والأسرة، ومجموعات الدعم والطبيب النفسي كلّهم يساعدون. فالتحدّث إلى مستشار عائلي فتح قنوات الحوار بين زوجي جيمس وبيني. إنّنا نتحدّث بحرّيّة أكثر بكثير هذه الأيّام.

لا تدع عزيمتك تثبط. الأطبّاء لا يعرفون كلّ شيء. لا زالت الأمور الخارقة تحدث. إقرأ هذه الكلمات تكراراً.

إحصل على قسط كاف من النوم. هذا ضروريّ لانسجامك العاطفيّ. دلّل نفسك. عامل نفسك كما لو كنت شخصاً مميّزاً. قال لي الناس: "اعتني بذلك الطفل". لكنّني أسألهم "ماذا عنّي أنا؟" لا تتورّط في الاعتناء بطفلك إلى حدّ إهمالك لنفسك. إذهب في نزهة. إقرأ كتاباً. إبدأ حرفة ما. إعزف على الغيتار أو أرقص. تمتّع بالأمور التي تجعل منك إنساناً مميّزاً. إنسَ الأعمال المنزليّة. إعتِن وتمتّع بطفلك الآن، فإن الأعمال المنزليّة بإمكانها أن تنتظر.

تذكّر أنّ الوقت الحاضر ثمين. تعامل مع المشاكل عند ظهورها ولا تقلق في شأن مشاكل قد تطرأ في المستقبل. لا تُغرق في سؤال "ماذا لو؟" لا نستطيع العيش إلاّ مع اليوم. أحبّ طفلك اليوم. إتبع حَدسك. في أغلب الأحيان الوالدان هما أفضل العارفين. ففي النهاية أنت تعرف طفلك أكثر من أيّ شخص آخر. أصغِ إلى صوتك الداخليّ. حافظ على حسّ الفكاهة لديك وعلى منظارك للأمور. جيمس وأنا نقول إنّه ليس من السهل أن يكون لدينا طفل غير اعتيادي، لكنّنا نرتاح لاستعمال مواقف السيارات المخصّصة للمعوقين.

خصّص وقتاً كافياً لتكون وحدك مع زوجك. حافظ على زواجك حيّاً وقويّاً وبإمكانك التغلّب على كلّ شيء. إحتفظ بتقارير طبّية مُحدثة، بما فيها تقييم الطبيب، ولائحة الأدوية، وأرقام هاتف الطاقم الطبّي والمساعدين. لتكن هذه المعلومات بحوزتك دائماً عندما يقصد طفلك المستشفى. إسأل الجميع الكثير من الأسئلة ولا تخجل. فالطفل طفلك ولك الحقّ في السؤال ومعرفة ما يحصل.

لا تقارن طفلك بأطفال آخرين فكلّ طفل مميّز. ما المشكلة في أن يكون كلّ طفل يتقدّم بوتيرة مختلفة عن الآخر؟ كلّ ما ينجزه طفلك رائع ومميّز لأنّه يتطلّب جهداً أكبر ممّا يتطلّبه أيّ طفل آخر لا يعاني إعاقة.

لا تشعر بالذنب أو بالخجل. أخبر الناس أنّ لديك طفلاً ذا حاجات خاصّة. كن متسامحاً ومنفتحاً. ساعد الناس على تفهّم الإعاقة. إعرف طفلك. تعلّم النظر إلى ما بعد المعوقات. إعط نفسك التقدير الذي تستحقه. تأمّل دائماً بحصول الأفضل. إبحث عن النواحي الإيجابيّة. لا تستسلم أبداً. إبنك سوف يتقدّم ليبلغ أقصى طاقاته ما دمت متواجداً لتحفّزه وتوفّر له التشجيع والحبّ . لا تدع أخصائيي المعالجة يخيفونك. وظيفتهم هي تزويدك الاقتراحات، لذا تحدّث إليهم. أخبرهم كيف تشعر وأين تكمن قوّتك وما هي حدودك. قم بما تستطيعه كلّ يوم، ثمّ قدّر ما أنجزته. لا تشعر بالذنب لأمر لم تفعله.

في بعض الأيّام، قم بالحدّ الأدنى وحسب. قد تكون مرهقاً أو تشعر بضغط. لذا قم بالحدّ الأدنى ولا شيء غير ذلك. عندما تكون طاقتي العاطفية قد استُنزفت كلّ ما يسعني القيام به هو الاعتناء بجوشوا. لقد تعلّمت أن لا بأس بذلك. لست مضطراً لأن تكون والداً خارقاً، فأنت إنسان. استمدّ قوّة من قوّة طفلك الداخليّة. إبني جوشوا "مقاتل" ولو لم يكن كذلك لما استمرّ على قيد الحياة كلّ هذا الوقت. إنّه ولد قويّ، ونحن لن نستسلم.

عامل طفلك بالطريقة نفسها التي تودّ أن تُعامل بها. عندئذ تُدرك أنّك قمت بأفضل ما يمكنك. كن سعيداً لأنّ لديك ولداً. كن سعيداً بما لديك. تذوّق اللحظات المميّزة. فهي تولد رابطا لا يمكن أن يفصم، ومع الوقت سوف يصبح أقوى وأقوى. كن صبوراً ولطيفاً مع طفلك، فطفلك لم يطلب أن يكون ذا عاهة. لا تطلق خيباتك عليه أو عليها.

لاحظ الجمال في العالم، وتمتع به مع طفلك. لا تغرق في الرعاية بحيث تنسى كلّ ما عداها. تمعن في السلام الذي تراه في مشاهدة غروب الشمس الرائع، أو في تنشّق زهرة جميلة، أو في تحسّس الشعور المنعش عندما تسير تحت المطر، أو تنظر إلى ابتسامة غريب. كن سعيداً، وتقبّل حقيقة أنّ حياتك ستكون مختلفة، لكن ليس أقلّ جمالاً من حياة أيّ شخص آخر. الحياة رحلة ومغامرة وليست نهاية المشوار. الحياة هي ما تصنعه أنت بها. تعلّم أن تنظر إلى مشاكل طفلك كحواجز يجب تجاوزها، وإلى حياته أو حياتها كسباق حواجز سوف تساعد طفلك على خوضه.

أمامنا حياة "جوشوا" كلّها. إنّه صبيّ سعيد للغاية يُحرز تقدّماً كلّ يوم. لن تكون الحياة سهلة دائماً ولكنّها لن تكون مضجرة يوماً. إنّنا معه في مغامرة، وهي مكان جميل أن نتواجد فيه. أنا راضية. أنا سعيدة. أنا أمّ مختلفة.


إعادة صياغة النقاش حول العمل والأولاد، بقلم إيلين غالينسكي

من وقت لآخر، كلّما ذكرت أنّنا ندرس آراء الأولاد حول والديهم العاملين، يجيب الوالدان بشكل محتّم: "إني تواق إلى أن أعلم ما سيقوله أولادي عنّي". على الرغم من أنّ كثيرين منّا ربّما لم يسألوا أولادهم، لكننا مستعدّون للاستماع لهم.

تابعت، عبر السنوات، مسائل العمل والحياة العائلية، ولاحظت تطوّراً في اهتمامنا بفهم التغيّرات الاجتماعيّة. يتكوّن في أوقات معيّنة "إستعداد مجتمعي" للبحث في مواضيع مُعينة. وأعتقد أنّنا أصبحنا مستعدّين للاستماع لها لأنّ الوقت المناسب قد حان أخيراً. والأهمّ، هو أنّنا مستعدّون للاستماع لأنّنا حقّاً بحاجة إلى أن نعرف.

لقد تغيّرت مواقفنا، خلال السنوات الثلاثين المنصرمة، حول ما إذا كان على الأمّهات أن يعملن نتيجة الجدل المتواصل في الولايات المتّحدة حول دور الأمّهات والآباء في العمل، وفي حياة الأسرة. إشراك الأولاد، ووجهات نظرهم، حول الوالدين العاملين هو الخطوة المنطقيّة لهذا الحوار.

لماذا أدعوه جدلا؟ لأنّ النقاش حول الأدوار المتغيّرة للرجال والنساء بدأ يدور لدى الرأي العامّ.

إنّ وقوع حدث مثير للجدل أو مأسوي كحادثة عنف نادرة، أو دراسة تستقطب وجهات نظر مختلفة، أو محاكمة ما، أو برنامج وثائقي تلفزيوني، من شأنه أن يجذب دوماً إنتباه الجمهور، لأنّه يُظهر ما تكون غالباً آراؤنا مختلفة في شأنه، أو حتى منقسمين حوله بشكل حادّ. سوف يناقش هذا الموضوع على نطاق واسع في البيت، والعمل، وأثناء اللهو. إن اشراكنا للوالدين والأولاد معاً في نفس الصورة يوضح الأمر لأبعد من عرض وجهة نظر واحدة دون تلوين.

النقاش المستمر

هل من المفيد أو من المسيء للأولاد أن تكون لديهم أمّ تعمل؟ أتستطيع النساء اللواتي يعملن أن يكوّنَّ علاقات سليمة مع أولادهنّ تماماً كأمّهات ملازمات للمنزل مع أولادهنّ بدوام كامل؟ في دراستنا "إسألوا الأبناء" سألنا مجموعة تمثّل الأمّهات والآباء العاملين إذا ما كانت توافق على القول التالي: "تستطيع الأمّ العاملة أن تبني مع أبنائها علاقة جيّدة بقدر الأمّ التي لا تعمل." على العموم، وافق 76 في المئة من الأمّهات والآباء العاملين على هذا القول "بشدّة" أو "إلى حدّ ما."

من بين الـ24 في المئة المتبقّية، يعارض الآباء هذا القول أكثر من النساء، لا سيّما في الأُسر ذات الدخل الواحد. ضمن الأُسر التي يتقاضى فيها كلا الزوجين أجراً، لا فرق بين الآباء والأمّهات حول هذا القول. في ما يتعلّق بالأمّهات العاملات اللواتي يشكّلن معيلات الأسرة العازبات لا عجب في أنّهنّ يؤيّدن هذا القول بنسبة 90 في المئة.

إنّ سبب التزايد المستمرّ في عدد أولئك الذين يعتقدون أنّ الأمّهات العاملات يستطعن أن يبنين رابطاً قويّاً مع أولادهنّ، مثل الأمّهات الملازمات للمنزل، يرجع إلى حد بعيد إلى التغيّر التدريجي الاجتماعي، والثقافي، الذي نتج عن تزايد عدد النساء في القوّة العاملة، وعن زيادة إعتماد الأسر على هذا الدخل الثاني.

أشارت امرأة عاملة شملها إحصاء دراسة "إسألوا الأبناء": "لقد لاحظت النموّ لدى ابنتي وأعتقد أنّ هذا يعود بقدر كبير إلى نُمويّ أنا". وأضافت: "ويعود هذا النموّ بجزء كبير منه أيضاً إلى هذا الامتداد في حياتي نحو عالم العمل. لو لم كن أعمل.. لكانت لديّ اهتمامات أخرى.. لكن أظنّ أنّني كسبت المزيد وتمكّنت من إعطائها المزيد نتيجة لهذا القدر من الاستقلاليّة في حياتي".

وقالت أمّ أخرى: "أظنّ أنّ الأمّ تستطيع أن تكون جيّدة بالقدر نفسه، سواء كانت عاملة أو لا. إنّ الأمر يتعلّق بالبيئة التي تأتي منها الأم وبقدراتها أيضاً".

لقد وجد الباحثون نماذج كان فيها لوظيفة الأمّ وقع سلبيّ على الرابط الذي يجمعها وولدها. لكنّ هذا غالباً ما يحدث في حالات يتلقّى فيها الأبناء رعاية دُنيا أثناء طفولتهم، أو إذا أمضى الآباء والأمّهات في رعاية أطفالهم حين كانوا صغاراً وقتاً أقلّ من الحدّ الأدنى، أو واجه الأطفال تغيّرات كثيرة جدّاً في روتين الرعاية بهم وهم أطفال.

لكن، في النقاش العامّ، يُصرف النظر عن هذه الفوارق الدقيقة من أولئك الذين ينظرون إلى عمل الأمّ كاقتراح قابل للبحث. إن كانت الأمّ تعمل فيعتبرون هذا، إمّا جيّداً أو سيئاً بالنسبة إلى الأولاد. وهنالك أولئك الذين يتساءلون عن حسنات الأمّهات اللواتي يخترنّ ملازمة المنزل. ما دام العمل خارج المنزل لا يسيء إلى الأولاد، فما هو المبرّر لعدم القيام به؟

الأمّهات الملازمات للمنزل يقلن إنّ تواجدهنّ بدوام كامل في المنزل كان مفيداً لأولادهنّ، وهنّ، نموذجياً، على حقّ. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأمّهات اللواتي يقلن إنّ عملهنّ أفاد أولادهن. إنّ نجاح مقاربة ما أو فشلها يعتمد على الأشخاص المعنيّين بها وعلى ظروف حياتهم. ما يُعدّ صائباً بالنسبة إلى شخص ما قد لا يكون صائباً بالنسبة إلى شخص آخر. إذ أن نوعيّة العناية، وتجربة الطفل الفرديّة من خلالها، هي التي تحدّد التأثير النهائيّ لذلك.

وكجزء من انخراطنا في هذا النقاش المستمر طرحنا سؤالاً آخر: "هل من الأفضل بكثير لكلّ المعنيّين أن يكسب الرجل المال وأن تعتني المرأة بالبيت وبالأولاد؟" واحد وخمسون في المئة من الأمّهات والآباء الّذين شملتهم الدراسة وافقوا "بشدّة" أو "إلى حدّ ما". ومرّة أخرى، تبيّن أنّ الآباء العاملين كانوا أكثر ميلاً إلى الموافقة من النساء، ولم تظهر فوارق لدى الأسر التي يتقاضى فيها الأب والأمّ أجراً، بل لدى الآباء الّذين لازمت زوجاتهم المنزل.

ويتساءل المرء لماذا تحظى الأسرة التقليديّة بكلّ هذا الدعم في وقت يتضاءل فيه عدد الأسر التي تتبع هذا النموذج؟ بين الوالدين المتزوّجين في القوّة العاملة، ارتفعت نسبة أولئك المتزوّجين من نساء عاملات من 49 في المئة عام 1977 إلى 67 في المئة بعد ثلاثين عاماً.

إني أعتقد أنّ وجهات نظر الآباء والأمّهات هي أكثر تعقيداً ممّا قد يظنّ الّذين يعمدون إلى تفسير نتائج الدراسة بإنها دعوة إلى الأمّهات لترك القوّة العاملة والعودة إلى المنزل. في الواقع، أكثر من سبعة من أصل عشرة آباء وأمّهات عاملين يوافقون على أنّه لا بأس في أن تصبح المرأة هي المعيل الاقتصادي وأن يكون الرجل هو الحاضن.

في النهاية، معظم الأمّهات والآباء العاملين لا يوافقون ولا يرفضون تركيبة الأسرة التقليديّة، بل هم يتوقون ببساطة إلى حياة أقلّ إجهاداً لهم.

تجاوز الـ: "و/أو"

اللغة التي اعتمدناها حتى الآن في وصف العمل وحياة الأسرة لجأت إلى أنماط "و/أو"، وهذا يعكس فكرة أن العمل والأسرة منفصلان ويشكلان عالمين غير متداخلين. على هذا أن يتغيّر. وكما كتبت روزالين بارنيت من جامعة برانديس عام 1997، علينا أن نتخطّى مفهوم أن هذين المجالين منفصلان وننتقل الى تفهّم كون العمل والأسرة متداخلين بشكل لا ينفصم، وأنّ الأدوار المتعدّدة بإمكانها أن تحفّزنا أكثر من أن تستنزفنا.

هناك أيضاً مفهوم و/أو مضلّل في ما يتعلّق بالتوازن بين العمل والعائلة. يعني التوازن أن هناك وسائل محددة للقياس: فإذا رجحت كفّة فلا بدّ من أن ترتفع الكفّة الأخرى. الهدف، كما يتطلّع إليه معظم الآباء والأمّهات، هو إبقاء الكفّتين على مستوى واحد أو إبقاؤهما متساويتين. على الرغم من أنّ مفهوم التوازن صحيح عند النظر إلى العمل والأسرة بنفس القياس، فإن هذه العلاقات أكثر ديناميكية بكثير ممّا يعنيه التوازن ضمناً. فقد ترجح الكفّتان أو ترتفعان. فما قد يكون صائباً بالنسبة إلى شخص ما قد لا يكون بالضرورة صائباً بالنسبة إلى الجميع.

أخيراً، هناك مفهوم نوعية الوقت مقابل كمّية الوقت. وهذا المفهوم يعني ضمناً أن أحدهما يلغي الآخر. لكننا وجدنا أنّه لا يمكن الفصل ما بين كميّة، الوقت، وما يحصل خلال ذلك الوقت.

وبالتالي، علينا أن ننتقل إلى الخطوة التالية: أي أن نسأل الأبناء. وعندما نفعل ذلك لن نتمكن من أن نرى ما نفعله بطريقة مختلفة فحسب، بل أن نضع النقاش ضمن إطار جديد. من خلال مناقشاتي المتعدّدة مع آباء وأمّهات عبر البلاد، أصبحت مقتنعة أنّنا مستعدّون للإصغاء إلى الأولاد. وعندما نقوم بذلك فإننا سوف نعتمد وجهة نظر أكثر دقّة وأكثر فعالية لناحية زيادة إمكانية القيام بعمل.


أصوات الأسر في أميركا، بقلم تيفاني دانيتز

تظهر صورة للعائلة الأميركيّة الحديثة من خلال مزيج من أصوات أولاد وراشدين يتحدّثون عن أسرهم.

إبن الكاهن: كريس هاني في السابعة عشرة من عمره، ويعيش في شارلوت، نورث كارولاينا، والده كاهن مسؤول عن الموسيقى في كنيسة معمدانيّة، وأمه لوري تساعد في إدارة خدمة رعاية الأولاد خلال النهار. وهو يعيش مع والديه الاثنين اللذين بلغا العقد الرابع ومع أخته التي تبلغ من العمر 14 عاماً.

يقول كريس وهو يتأمّل مستقبله: "بالمقارنة مع عدد الأشخاص الّذين اعرفهم ولديهم عائلات مطلّقة أظن أنّه من الغريب أنّ والديّ نادراً ما يتخاصمان. أنا محظوظ ووالداي يكادان يكونان كاملين، وهما سعيدان، سعيدان جدّاً. أراهما يمازح أحدهما الآخر، يضحكان أكثر ممّا يتخاصمان. لا أفكّر في ذلك كثيراً ولكنّني بين الفينة والأخرى أفكّر في أنّني أريد في المستقبل شيئاً كالّذي أعيشه الآن".

لدى أبناء الكهنة سمعة بأنّهم متهورون قليلاً لكنّ كريس يقول إنّه ليس بحاجة إلى أن يعبّر عن نفسه بشكل مختلف. ويضيف قائلاً: "أنا الصبيّ الوحيد في الكنيسة الذي يضع قرطاً في أذني وأنا الولد الوحيد الّذي يتحدّث عن نقش وشم، لكنّني لست ولداً سيّئاً البتّة. أنا شخص من النوع الذي قد ينظر إليه الناس ويقولون يا إلهي! ولكنّ الّذين يتحدّثون إليّ يلاحظون أنّني لطيف شأني شأن الصبيان الآخرين".

ويضيف كريس أنّ الدّين "دون شكّ" مهمّ للغاية بالنسبة إليه بسبب والديه. ويقول: "هكذا نشأت". وفي ما يتعلّق بوالده يقول كريس: "لقد بدأت للتوّ أدرك أنّه جيّد حقّاً في ما يفعل وأنا أحترم ذلك نوعاً ما. والدي وأنا رائعان معاً حقّاً."

عندما يكون كلّ ما لديك هو أنت: اليوم النموذجيّ بالنسبة إلى جون ماكاسلين، وهو في الثالثة والأربعين من العمر، عازب ووالد مطلّق لابنة في الثانية عشرة من العمر تدعى كيري يقطن منطقة شمال ولاية فرجينيا، هو يوم تزدحم فيه النشاطات.

يستيقظ ماكاسلين وكيري باكراً، يتناولان طعام الفطور ثمّ يوصلها إلى المدرسة. ويقود سيّارته نحو بوتوماك ريفر إلى كابيتول هيل أو البيت الأبيض ليحضر مادّة للعامود الإخباري له في جريدة واشنطن تايمز. ثم يعود إلى فرجينيا ليقلّها من المدرسة.

"على مدى سبع سنوات لم يحدث مرّة أنّني لم أمرّ لاصطحابها في الساعة الثالثة من بعد ظهر كلّ يوم. أنا محظوظ. كم من الآباء يستطيع أن يقول هذا؟"

يشمل جدول نشاطات ابنته رياضة اللاكروس، والكاراتيه، وكرة القدم، وكرة السلّة. يقول ماكاسلين: "هنالك دائماً شيء ما يجري يومين أو ثلاثة أيّام في الأسبوع بعد المدرسة، فضلاً عن ساعتين أو ثلاث ساعات للفروض المدرسيّة".

غالباً ما يقوم هو بالطهو. ومرّتين في الأسبوع يتناولان العشاء خارج المنزل. لكنّه لا يعتبر نفسه أمّاً وأباً في الوقت نفسه. ويقول: "لا أظنّ أنّ أحداً يستطيع أن يحلّ محلّ الأمّ". ويضيف: "يجب على الأّمهات والآباء أن يدركوا أنّ المهمّات التي أقوم بها هي مهمّات وليّ أمر وليس مهمّات أب أو أمّ خصوصاً في أيّامنا هذه وعصرنا هذا".

إلاّ أنّ ماكاسلين يقول إنّه أحسّ بالوصمة التي تسببها تربية إبنته بنفسه.

ويضيف: "أمّهات كثيرات في المدرسة يحسبن أنّه من الغريب أنّني لم أتزوج (مجدّداً). ولكن لا أظنّ أنّي مستعدّ لذلك".

ويتابع قائلاً إنّ إيجابيّات اعتماد الدوام المرن واضحة. "منها تَمكُنّكَ من التواجد من أجل ولدك، وثم أنك تحظى بفرصة التواجد معه أكثر من أيّ أب آخر، فضلاً عن الحبّ الذي تجده في المقابل. هذا مذهل. أما الناحية السلبية فهي أنّنا لسنا أسرة مكتملة. أنا حتماً أحبّذ الأسرة ذات الوظائف النموذجيّة. ويبدو من المستغرب مناصرة الزواج على الطراز القديم لمن هم في وضعي. إنّها الناحية السلبية ليس بالنسبة إليّ بقدر ما هي بالنسبة إلى ابنتي." ولكنّه يقول إنّه أينما يذهب يتلقّى تهاني من أشخاص كانوا قد تحدّثوا إليها، ويقولون: "يا لها من إنسان متكامل." حتّى والدا زوجته يُعجبان كم سارت الأمور بشكل جيّد.

على الرغم من هذا فانه لا يهنئ نفسه. ويقول: "لقد حالفني الحظّ. أدرك كم يصعب على أيّ ولد أن يمرّ بهذا. لكنّني كنت مباركاً. هناك قناة للحوار واسعة جدّاً في ما بيننا وأنا منفتح لغاية".

زوجة الأب: تعيش جين آن كوبر في دالاس، تكساس، وتبلغ من العمر 46 عاماً وهي زوجة أب. تتذكّر أنّ تحدّيها الأوّل في دورها هذا كان أن تتجاوز الخوف. وتقول: "خوف من النوع الذي يصل إلى العظام. على الرغم من أنّ أمّهم كانت قد تزوّجت، لم يشأ الأولاد أن يتزوّج والدهم مجدّداً".

على الرغم من أنّ جين آن هي الآن متزوّجة من بوب كوبر الّذي يبلغ من العمر 50 عاماً ولديه ثلاثة أولاد تتراوح أعمارهم بين 19 و24 عاماً، فهي قد ترعرعت ضمن أسرة تقليديّة مع أخوين ووالدين مضى على زواجهما الآن 56 عاماً.

تقول كوبر إنّها كانت خائفة من ألاّ تروق لأولاد بوب. وتضيف: "أعني كانوا ثلاثة ضدّ واحد! فماذا تكون نسبة حظوظي؟ كنت خائفة كذلك من أنّ بوب لن يروق له ما قد أكونه كزوجة أب. التحدّي الأكبر الذي واجهته هو أن أعتني بهم كأمّ من دون أن أكون أمّاً. في حالة وجود زوجة أب أو زوج أمّ ما من شكّ بأن الدم يبقى أقوى من الماء. حتّى عندما يكون زوجي غاضباً مع أولاده وينوي أن يؤدّبهم، تعلّمت درساً قاسياً وهو أنّني يجب ألا أوافقه الرأي علانيةً. من الأفضل أن أستمع وحسب، وأن أدعم قراراته بأفضل طريقة ممكنة لمعالجة الوضع."

"لقد علّمتني تجربتي أنّه من الصعب على الأمّ أو الأب أن يفهما لماذا لا تستطيع زوجة الأب أو زوج الأم أن يحبّا الأولاد بقدر ما يحبّهم الأب أو تحبّهم الأم. هذا لا يعني أنّني لا أحبّ أولاد زوجي. أنا مجنونة بحبّهم ولا أعرف كيف يمكن أن أحبّهم أكثر ممّا أحبّهم الآن. ولكن لا شيء يستطيع أن "يعوّض" فعل "الولادة" لأولئك الأطفال. لا يهمّ كم أمضي معهم من وقت أو كم أقول لهم إنّني احبّهم فإني أعرف أنّ بوب يتمنّى لو أنّني أحبّهم أكثر. الواقع هو أنّني لا أعتقد أنّه سيكون لديّ القدرة على حبّهم بقدر ما يحبّهم هو".

لكنّ كوبر تحبّ حياتها العائليّة. "تجاربي اليوميّة كزوجة أب أغنت حياتي أكثر بكثير ممّا كنت أتمنى في أقصى أحلامي. أحببت فكرة أن ألعب دوراً فعّالاً في حياتهم. أحببت مشاهدة مبارياتهم في كرة المضرب، وأخذهم إلى المدرسة، وتحضير قوالب الحلوى لأعياد ميلادهم، وحتّى مرافقتهم إلى محكمة مخالفات السير! وعندما يكونوا غائبين في المدرسة يُسعدني أن يمرّ بنا أصدقاؤهم فقط ليزوروا "بوب" ويزروني. إنّها لقطعة صغيرة من الجنّة أن نعرف أن أصدقاء أولادنا هم أصدقاؤنا أيضاً، فهذا تأكيد على أنّنا فعلنا الصواب".

"ربّما لأنّنا أسرة فيها زوجة أب نجد أن نسبة كبيرة من أصدقائنا المقرّبين هم أيضاً من عائلات فيها زوج أمّ أو زوجة أب. لا شكّ في أن كون المرء من عائلة فيها زوج أم أو زوجة أب يشكّل تحدّيات لكلّ من أفرادها، ولكن على الأقلّ لديّ صديقات مقرّبات كثيرات هنّ زوجات آباء أستطيع التحدّث إليهنّ عندما أواجه مشاكل."

مع أحدهما الآخر (دون أولاد): إيلين روس ومايكل أولسن، من فريديريك، ماريلاند، متزوّجان منذ عشر سنوات، أي منذ أن كانت هي في الحادية والعشرين من عمرها وهو في الثالثة والعشرين. اختارا ألاّ يرُزقا بأولاد. يقول روس إنّ نمط حياتهما هذا يتيح لهما تسديد قروض دراستهما الجامعية، والمزيد من العمل التطوعي والسفر.

يتذكر روس أنّه سمع مؤخّراً برنامجاً إذاعيّاً حول المتزوّجين الذين لم ينجبوا أولاداً. ويقول روس: "لسوء الحظّ لقد بدوا بمعظمهم وكأنّهم كارهون للأطفال ومتطرفون، وهذا أزعجني لأنّني أعتقد أنّ معظم الذين لم ينجبوا ليسوا كذلك. أظنّ أنّهم قاموا بخيار واع للتركيز على أمور أخرى في حياتهم. أن يكون المرء أمّاً أو أباً هو مسؤوليّة كبرى ويتطلّب الكثير من الطاقة. وأنا لست واثقاً من إنّني سأرتاح لأن يكون لديّ هذا النوع من السيطرة (على الأولاد)."

الأسرة النواة (الأسرة الأساسية) وتحدياتها: تيري ويتني يبلغ من العمر 38 عاماً، يعمل بالكشف على الرزم في شركة يونايتد بارسل سرفيس، في دنفر، بولاية كولورادو، ويوجز المعضلة الشائعة التي تواجه أسرة الولد الوحيد. فيقول: "التحدّي الأكبر بالنسبة إلينا هو إيجاد الوقت الكافي لمشاطرته مع بعضنا البعض كأسرة، مع الأخذ بعين الاعتبار المنافسة التي تُشكلها وظائفنا، وكذلك النشاطات الإجتماعية والتطوعية. إنّه لتحدّ بحد ذاته أن تكون والداً في عالمنا اليوم عندما نعتبر كلفة توفير العناية النهارية للطفل، والطعام، والطاقة، والملابس."

العيش مع الانطوائيّة أو التوحدية: راشيل برينير، البالغة من العمر 11 عاماً، وأخوها دوف البالغ من العمر سبع سنوات، يشرحان كيف يكون العيش مع أخيهما مايكل الذي يكبرهما سنّاً ويبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة ويعاني من الانطوائيّة (أحياناً تسمى هذه الحالة التوحدية). (الانطوائيّة هي اضطراب نفسيّ يحول دون القدرة على التفاعل، وعلى الرغم من ذلك، في حالات كثيرة، يملك الأشخاص الانطوائيّون مواهب أو قدرات مميّزة).

وتقول راشيل: "أحياناً يكون الوضع صعباً عندما يكون في مزاجه الانطوائي ولا يعيرك أيّ اهتمام. لكن لديه المواهب التي تسلّي الجميع. العيش معه أمر غريب نوعاً ما ولكنّه مسلّ كذلك".

عندما يأتي أصدقاء راشيل إلى بيت الأسرة في منطقة أبر نيويورك يسعى مايكل إلى لفت الأنظار، فيجلس إلى البيانو ويبدأ العزف بدون قراءة النوتة أو أيّ شيء آخر. يلعب الأولاد ألعاباً على الفيديو معاً ويذهبون معاً إلى السينما أو إلى لعب البولينغ. لكنّ دوف يشير إلى أنّ مشاهدة التلفزيون مع أخيه يمكنها أن تكون مسألة مزعجة للغاية. فيقول: "أحياناً يُقلّب قناة التلفزيون فيما الناس يشاهدون برنامجا مُعيّنا. أطلب إليه أن يعيد التلفزيون لما كان عليه لكنّه لا يصغي. وأحياناً عندما أكون نائماً معه ويبدأ بالكلام، أطلب إليه أن يتوقّف لكنّه لا يستجيب".

تتفهم ستيفاني برينير، والدة دوف، انزعاجه. فإذا تَرك دوف الكمبيوتر لدقيقة واحدة قد يأتي مايكل ويشغل برنامجاً آخر وهذا "يُحبط دوف كثيراً." وتضيف، "أنّ تلك هي الأمور التي تجعل العيش مع الانطوائيّة أمراً صعباً".

رغم ذلك، لا زال الأولاد يُظهرون نسبة صحيّة من التنافس الطبيعي بين الأخوة حين يشتركون في مشاحنات نموذجيّة تحصل في الأسر "العاديّة". ودوف يبدو نموذجيّاً عندما يقول إنّه لا يتّفق مع أخته مشيراً إلى أنّه "يتّفق نوعاً ما مع مايكل". تعترف راشيل بأنّها أحياناً تتوق إلى أن تحظى بالانتباه الذي يحظى به أخوها. وتوضح: "كنت جيدة في المدرسة، لم يضطرّ والداي يوماً إلى مساعدتي. لكن عندما كان دوف في أيّامه الأولى في المدرسة كان عليهما مساعدته. مايكل بحاجة إلى المساعدة يوميّاً في فروضه. لكن إن احتجت أنا إلى المساعدة، عليّ أن أنتظر".

وهي تشير أيضاً إلى أن الأسرة لا تستطيع أحياناً الذهاب إلى مكان ما أو القيام بأمور مُعيّنة بسبب مايكل. وتقول: "إنّه يصرف الإنتباه عني لكنّي لا أهتمّ. أنا قادرة على التعامل مع الوضع. ويمكنني إعطاء مايكل كلّ اهتمامي، لأنّه شخص رائع".

كلّ ما تحتاج إليه هو الحبّ: يعيش في بلدة مونرو، نورث كارولاينا، وكيل عقارات يدعى جيمس كير، يبلغ من العمر 34 عاماً، ومعه زوجته دانا البالغة من العمر 33 عاماً وابنهما ماكين البالغ من العمر ثلاث سنوات. وتقول دانا وهي أمّ ملازمة للمنزل: "نادراً ما نشاهد التلفزيون إلاّ عندما نشاهد برنامجاً إخباريّا".

وتضيف: "نقرأ كثيراً، وخصوصاً جيمس، وكلانا يقرأ لـِ ماكين. نفضّل الفنّ على الرياضة دوماً، كما من النادر ألاّ نتناول العشاء معاً".

دانا تظنّ أنّ الحبّ الذي تشاطره جيمس ساعد كثيراً في نموّ ابنهما. فتقول:"أظنّ أنّ علاقتنا أسلم وأقوى من معظم العلاقات. إنّنا صادقان مع أحدنا الآخر. نخطّط لتمضية الوقت معاً، ونستمتع بالضحك معاً. نفاخر بأنّ زواجنا ليس زواجاً عادياً. وأشعر بأنّ ابننا سيكون قويّاً. زواجنا قويّ. لقد تشاركنا في حبّنا لبعضنا البعض ومع ابننا. وهذا أقصى ما يتمنّاه أيّ إنسان".

نواة الأسرة: يبلغ نيكولاس فيتز من العمر 11 عاماً، وهو في الصفّ الخامس الابتدائي في مدرسة جون إيتون في منطقة كليفلاند بارك من واشنطن العاصمة. يقول إنّ العيش في المدينة أمر رائع وأنه يتيح للأسر فرصة القيام بأمور مسلّية كثيرة مع بعضها البعض. على الرغم من أنّ نيكولاس وحده يعيش مع أمّه وأبيه، لكن لديه أخا غير شقيق في الحادية والثلاثين من العمر يقطن في كاليفورنيا، ولديه أيضاً أخت غير شقيقة في السابعة والعشرين من عمرها تقطن شيكاغو، والاثنان أخواه من زواج والده السابق. لديه أصدقاء كثيرون لديهم أخوة غير أشقّاء أيضاً. والنتيجة هي أنّه يرى عائلته "عادية" وسط مجموعة رفاقه.

إنّه متعلّق بوالديه كثيراً. ويقول: "يمكنني القيام بأشياء كثيرة مع أبي، كالإبحار في زورق الكاياك، والذهاب في رحلات. إنّه حقّاً متفهّم. يمكنه التحدّث معي وكلّ ما يتصل بذلك. وأمّي تعرف تماماً كيف أشعر وماذا أريد. إنّها دائماً متواجدة من أجلي وتساعدني كثيراً".

أولاد ببرامج مزدحمة: إن مجرّد الاستماع إلى ستايسي روز-بلاس، البالغة من العمر 40 عاماً، وهي تصف لك يومها يجعلك تشعر بالإرهاق. فهي وزوجها جاي، البالغ من العمر 40 عاماً، يتقاسمان أوقات فراغهما بنقل ابنتيهما، البالغتين من العمر عشر وسبع سنوات، من وإلى دروس الرقص، وكرة القدم، وكرة السلّة، ونادي الكتابة، وجوقة الغناء، ودروس اللغة العبريّة. وتقول بلاس إنّها تتساءل عما إذا كانا مفرطين في أداء دور الوالدين، أو أنّهما يفرضان على بنتيهما الإنخراط الزائد في نشاطات كثيرة. والواقع أن بلاس وزوجها قد لجآ في فترة ما إلى مشورة متخصصة في المسائل الزوجيّة إلى أن أدركا أنّ ما عليهما إلا أن يمضيا المزيد من الوقت وحدهما معاً.

يعمل زوج بلاس مدير مشاريع في مجال البناء في ماريلاند ويذهب إلى العمل في الساعة الخامسة والنصف صباحاً. تجهّز ستايسي البنتين للذهاب إلى المدرسة قبل أن تذهب، في الثامنة، إلى وكالة حكوميّة حيث تعمل مديرة لبرنامج إقليميّ.

وفي ما يتعلّق بالإنتقال إلى العمل تقول: "عادة أمضي 45 دقيقة في السيّارة، وهذا أمر بدأت أحبّه لأنّه وقت الفراغ الوحيد الذي أملكه. الفتيات يذهبن إلى مركز الرعاية النهارية. وبعد انتهاء المدرسة، الساعة الثانية بعد الظهر، يمرّ والدهما ليقلّهما في طريقه من العمل إلى المنزل. عندئذ تبدأ النشاطات ويتقاسم الوالدان عملية نقل إبنتيهما، ومن ثم إعداد طعام العشاء كذلك.

وتقول ستايسي: "إعداد العشاء هو عادة مسؤوليّة زوجي. أنا فعلاً محظوظة بهذا لأنّ معظم صديقاتي لا يزلن مسؤولات عن إعداد الطعام والتنظيف وغسل الملابس".

إنجازات يقوم بها شخص بمفرده: كاثلين بويل هي موظفة في السلك الخارجي الأميركي وأمّ عازبة لابنتين بوليفيّتين، أعمارهما ثماني وسبع سنوات.

وتقول كاثلين: "في مجتمع السلك الخارجيّ لدى كلّ شخص أعرفه تقريباً ولد بالتبنّي. إنّه نمط حياة فريد يتيح للأولاد أن يتعلّموا أكثر بكثير عن العالم المحيط بهم". أخذت بويل الفتاتين معها إلى لاوس في مهمّة رسمية. والآن ينتظران في الولايات المتّحدة مهمّتها التالية. وتضيف بويل: "إنّهنّ مدركتان للعالم أكثر من سائر الأولاد في فرقة الكشّافة للفتيات."

كيت بويل هي أوّل فرد من عائلتها الإيرلنديّة الأميركيّة التي تتبنّى أولاداً من مجموعة إثنيّة مختلفة، لكنّ عائلتها المتمددة تقبّلت أولادها بشكل جيّد. وتقول: "المثير للاهتمام في هذا الأمر حقّاً هو مسألة الطبع مقابل التنشئة. الفتيات يشبهنني كثيراً في نواح عديدة واهتماماتنا متشابهة، كالتخييم والسباحة، وهي أمور أستمتع بالقيام بها. لكن ذرّيتي الطبيعية لا تستمتع بها، أما بناتي بالتبني فتستمتعان! وابنتي التي من أصل هنود الإنكا لديها جينات قومها، ولذلك يمكنها بناء أيّ شيء".

العيش في عالمين مختلفين: تقول نادين ليفيت سياك، البالغة من العمر 35 عاماً: "أنا يهوديّة من نيويورك، متزوّجة من صيني-ماليزيّ تلقّى دروسه في إنكلترا"، وهي تعمل كمحررة في صحيفة دولية. وتضيف: "ما زال لدينا منزل وسيّارتان ونعيش في الضواحي مع كلب. فلا أرانا مختلفين عن غيرنا. قد تكون تفاصيل حياتنا غريبة لكنّ صورتنا الإجمالية أميركيّة نموذجيّة."

وللتشديد على هذه النقطة، تردف قائلة: " إنّنا نشاهد التلفزيون ولا نمارس رياضات غريبة. زوجي مدمن على القهوة وأنا أحبّ الشاي. الشيء الوحيد الذي قد يبدو غريباً هو تركيزنا على الطعام، وهذا الأمر يبدو أنه صينيّ جدّاً ويهوديً جدّاً. ففي عائلتنا وجبات الطعام لها معنى أكبر ممّا هي الحال في الأسرة الأميركيّة العادية".

وتقول إنّ العيش في زواج مختلط لم يؤثّر على علاقتهما، ثم تتابع: "عندما تختلف آراؤنا أميل إلى التفكير في أنّه خلاف بين رجل وامرأة أكثر منه بين صينيّ-مسيحيّ، ويهوديّة-أميركيّة. وأظنّ أنّ من المفيد للغاية أن أتفهم وجهة نظره هو، أي وجهة نظره كذكر وكصيني، بالنسبة لكافة الأمور، الصغيرة منها والكبيرة، بدءاً من الانتخابات الرئاسيّة إلى كيفيّة ملء جلاية الصحون".

وتُسلّم نادين بأنّ محاولة فهم جوهر الأسرة الأميركيّة أشبه بمحاولة الإجابة عن السؤال التالي: "كيف يكون طقس الصين؟" والجواب؟ "في الواقع، إنه مكان كبير". إذاً كيف هي الأسرة الأميركيّة؟" إنّها كالطقس في الصين، إنّها أيّ شيء وكلّ شيء في آن معاً."


التحسينات المنزلية، بقلم لورا شاين كونينغهام

في صباح بعض الأيّام، في تلك اللحظات الرماديّة بين الحلم واليقظة، يلتبس الماضي والحاضر.

أسمع صوت فتاة صغيرة تبكي وتنادي أمّها، وللحظة، أخال نفسي أبكي وأنادي. لا تزال كلمة "ماما" تَستحضر في ذهني ذكرى أمّي وصدى النداء يذكرني بحاجة لم تلبّ يوماً. ولكن البكاء اليوم يصدر عن فتاتَي الصغيرتين، وأنا التي عليها أن توفّر الراحة وأن تقدّم الأجوبة.

أنزل إلى أرض الغرفة الخشبية في الظلمة، أركض شبه عمياء في عتمة ما قبل الفجر، دون عدساتي اللاصقة، إلى عالم الخوف الطفوليّ الملبّد. وفي هذا السديم تبدأ إشارات الإنذار تطنّ في عقلي اللاّواعي. من السهل تذكّر أسرة أخرى، ووقت آخر ونداء آخر للمساعدة. ولكن ابنتاي الآن هما في الثامنة والسادسة من العمر. عندما كنت في الثامنة كان كابوسي حقيقي، أمّي ماتت.

في تلك الظلال التي تحيط بنا، عدت بذهني إلى تلك الأوقات الماضية، إلى الشقّة في مدينة نيويورك، التي كنت أسكنها مع أمّي، ورحت أسكنها بعد موتها مع أخوتها، أي أخوالي. بقي أخوالي معي خلال السنين الثماني التالية. وكان هذا إنتقالاً كبيراً بالنسبة إلى أخوالي: كان كلّ منهم قد قضى فترة طويلة في حياة منفصلة ووحيدة، ولو متشابهة، في مناطق مختلفة من المدينة. خالي لِين كان قد أنشأ حوله هالة من الغموض. كان يعيش في فنادق وبدا وكأنّه يستعمل أسماء مستعارة ويلمّح إلى أنّه يعمل متخفّياً. على مدى سنوات حسبته جاسوساً. (عندما أصبحت راشدة استنتجت أنّه كان عالم إقتصاد وأحياناً ينتقل للعمل كتحرّ خاصّ). كان كذلك كاتباً يؤلف روايات بوليسية أبطالها مثله، رجال عمالقة يضعون قبّعات ومعاطف مترهّلة ويسافرون تحت أسماء مستعارة إلى مرافئ غريبة حيث يدعوهم الواجب.

كان لِين يسافر خفيفاً. يحمل، على حدّ قوله، ثيابه في ظرف من ورق مانيلا بني. عندما انتقل للعيش معي كان يحمل ملفّاً وليس حمولة من علب الكرتون. أخوه الصغير، غايب، الذي يصغره بسنتين ويبلغ من العمر 38 عاماً، لم يكن عندما انتقل للعيش معي مثل لِين. كان غايب يحبّ الغناء ولعب العاب الأولاد الصغار. كان يغنّي ليلاً نهاراً. لم يكن لديه أيّ معرفة بالحياة العائلية. كانت النساء في الجوار ينظرن إلى خاليّ على أنّهما غريبا الأطوار، ما لم نقل مجنونان. وبعد فترة قصيرة دخل هذه الأسرة فرد رابع، هو جدّتي إيتكا من روسيا. كانت في الثمانين من العمر وتقاسمت معها غرفة نوم أسميناها "غرفة الفتيات". وتقاسمنا كذلك ذعرنا الليليّ. إيتكا كانت أيضاً تستيقظ مشوشة من الأشباح وتبكي طالبة المساعدة. في بعض الليالي كانت جدّتي تتخيّل أنّها تضع طفلاً، وهي ذات خبرة سابقة بهذا، فقد سبق وأنجبت خمس مرّات. كما تتخيل أن الطفل ضاع في سريرها. وكان أخوالي يهرعون لتهدئتها.

واليوم، إن بكت إبنتاي بصوت مرتفع كفاية سوف توقظان خالاً من هذين الخالين. لِين يبلغ من العمر اليوم 84 عاماً ويعيش معنا. (وغايب الذي تزوّج منذ ثلاثين عاماً تقريباً يعيش في إسرائيل). لِين سوف يصرخ "هل كلّ شيء على ما يرام؟" مجرّد سماع صوته، الذي أراحني أثناء كوابيسي الطفوليّة، يهدّئنا جميعاً الآن.

حياتي اليوم لا تتكرّر كالانماط التي نُسجت خلال حياتنا العائليّة فحسب، بل تُعيد إحياء تلك الأنماط. الفارق الأساسيّ هو أنّ ما كان يبدو غريباً في آخر الخمسينات أصبح أقلّ غرابة اليوم. في زمن ولادتي لم تكن هناك في الطبقة الأميركيّة الوسطى عائلات تُشكّلها نساء بقين عازبات عن قصد.

أمّي سبقت الموجة السائدة اليوم، فقد كانت امرأة عاملة في الخامسة والثلاثين من العمر عندما رُزقت بي، وكانت أماً عازبة. في ذلك الزمن المتمسك أكثر بالتقاليد من الآن، كان عليها حياكة نسيج من الأكاذيب البيضاء لتتستّر عن أيّ حرج أو فضيحة.

لقد ابتكرت أسطورة المدعوّ لاري، أو أبي، "بطل الحرب" الذي قضى ما وراء البحار. كان الرجل الأكثر وسامة والجنديّ الأكثر بسالة، كان أبرع راقص، والطيّار الذي لم يُقلّد بالأوسمة مثله أي طيّار غيره. عندما ماتت أمي تخلّت عن الأسطورة وعن صورة هي معي الآن. ما زلت أحتفظ بتلك اللقطة الفوتوغرافيّة داخل ظرف أحاول ألاّ أفتحه أبداً. لم تكن الصورة واضحة أصلاً وبهتت وتشقّقت لاحقاً تماماً كإيماني بالشخص الظاهر فيها. اليوم لم أعد حتّى واثقة من أنّ هذا الرجل هو أبي. قد يكون شخصاً بديلاً، شخصاً ملموساً لتتمكن أمّي أن تقدّمه لي. على الرغم من هذا أنا أحبّ الصورة.

إبنتاي تبنّيتهما، وعلى الأرجح أنّهما ولدتا خارج إطار الزواج مثلي. الاثنتان يتيمتان بسبب أوضاع سياسيّة في البلدين مسقط رأسهما. في محيط أصدقائنا ومعارفنا تجد أولاداً كثيرين بالتبنّي بعضهم ولد في ظروف مماثلة. ربّما نحن نشكّل الأسرة "النموذجيّة" الجديدة، أمّ عازبة مع فتيات بالتبنّي من أعراق مختلطة. قد ينتمي البيت المتجانس كذلك إلى القرن المنصرم. وهذا التغيّر أدى إلى فتح حميميّة البيت لعيش لاجئين من الاضطرابات في الخارج. إنّ سيرة الفتاتين الذاتية هي كذلك تاريخ كل من وطنيهما.

ولدت إبنتي الكبرى ساشا في خضم ما تبع الثورة الرومانيّة. كانت الديكتاتوريّة قد حرّمت كلّ أشكال منع الإنجاب والإجهاض ممّا أدّى إلى آلاف من حالات الحمل غير المرغوب فيها، أطفال يولدون ويعرضون للتبنّي. إبنتى الصغرى ياسمين تنتمي إلى ناد حزين للفتيات في الصين، فهي من ثلاث مئة الف فتاة يُتركن كلّ عام بسبب سياسة "الطفل الوحيد" المطبقة في الصين. وهذا يؤدي الى تسليم الفتاة التي تولد أوّلاً إلى الميتم ريثما يولد الإبن الحبيب في الولادة الثانية.

ألفيت نفسي، في الثالثة والأربعين من عمري، أُمّاً غير متزوّجة، تماماً كأمّي. لقد طَلّقت بعد 27 عاماً من الزواج. لماذا؟ هل كان الأمر شخصيّاً؟ إلى حدّ ما، نعم. ولكنّنا كنّا كذلك جزءاً من ظاهرة واسعة، وهي انفجار "الأسرة النواة" أو الأساسية. والذي يؤالف بيني وبين تاريخي الممزّق، هو أنّ جهودي وجهود زوجي مجتمعة، أنقذت طفلتين من وضع أكثر خطورة بكثير من الوضع الذي وضعناهما فيه عن غير دراية منّا، وهو طلاقنا. فأنا أؤمن أنّ بيتنا المحطّم لا زال أفضل من أيّ ميتم.

بالطبع، إنّه أفضل ملجأ. والملجأ الوحيد الذي يمكنني أن أؤمّنه لهما. الفتاتان تنامان معاً تضمّ إحداهما الأخرى التماساً للدفء، ولا شيء يعكّر صفو عالمهما هذا. لكني أعرف، من خلال تجربتي وطفولتي، عندما فقدت أمّاً كانت ترقص ثم قضت في الأسبوع التالي لذلك، أنّ كلّ أمان هو مجرّد وهم. وحده الحظّ، وما هو إلاّ غشاء رقيق للغاية، يفصلنا في كلّ لحظة عن الكارثة.

فيما أسير متعثّرة لملاقاة كل نهار، أجمع فتَاتيَّ، أواسيهما، أسرع لإتمام روتين الصباح، أدرك أن خالي في آخر الرواق يستيقظ أيضاً، أو ربّما، وبعبارة أدقّ، ما زال مستيقظاً. يدّعي أنّه لا يغطّ فعلياً في نومه بل هو يرتاح وحسب. أذكر وضعيته عندما يجلس في كرسيّه الهزّاز منذ طفولتي. هذا ما نُطلق عليه: "مظهر تمثال لينكولن التذكاريّ"، تكريماً لبطله الرئيس الأميركيّ العظيم الذي لا يزال لِن يشبهه إلى حد ما.

أنا وفتاتاي إذاً لدينا بطلنا على جبهة المنزل، وهو يبدو أسطوريّاً كأبي، ولا يزال حتى في عامه الرابع والثمانين، يتدبّر أمره بشكل ما، بحيث يتمكن من التحرك بسرعة إن بكت فتاة من الفتاتين وهي تناديه. إنّه يمنح فتَاتَيّ ما سبق ومنحني أياه دائماً، الرضى والحبّ اللاّمحدود. يفيض وعيه بجدول من تعليقات الإطراء للثنائيّ الذي أسماه "الفاتنتان". فهما الأذكى والأجمل والأكثر موهبة. ترسمان مثل بيكاسو وتغنّيان كنجوم الأوبرا. ولديهما خالهما لِن المفتون بهما.

كلّ عائلة هي ثقافة بحدّ ذاتها. وعائلتنا تختلف بتفاصيلها عن البيوت الأخرى. لدينا لغة الحبّ الخاصّة بنا، لدينا عاداتنا وأغنياتنا. إلاّ أنّ هدف الأسرة يبقى واحداً وهو حماية الأولاد، وإشراك الجيل السابق، وتوفير الحاجة التي يشعر بها كلّ فرد إلى الآخر. وهكذا نَمضي في حياتنا: نُغنّي ونرسم ونزيّن جدراننا الداخليّة بتصاميم شخصيّة. تُقيم تحت سقف بيتنا ثلاثة أجيال، وهو تكرار لبيتي الأصليّ.

على الرغم من أنّ جدّتي كانت تتصرّف كأخت في عمر طفلة، فقد سرقت طقم جواهري، وحتّى ثيابي، لكنها علّمتني أيضاً أن أقول: "أحبّك" بالروسيّة. إنّنا نقتبس عنها كلّ يوم. كانت صغيرة وعيناها تبرقان كحبّات البنّ إلى أن غشى الضباب إحداهما بسبب إظلام العدسة. كانت أحياناً تُبصر من خلال الزمن وضباب العمر. ذات ليلة أمسكت بذراعي بقوّة، وقالت لي: "حياتي تَنقضي، حياتي مثل حلم". أفكّر في هذه الكلمات فيما اركض إلى غرفة ابنتي. أعدو سريعاً لكي أحضن خوفهما ولكي أمنحهما التعزية الوحيدة التي يسعني أن امنحهما إيّاها، التعزية الأبديّة لكلّ أمّ أو أب في كلّ زمان: "لا تبكيا، أمكما هنا."

**** المجلات الإلكترونية