المؤسسات الخيرية
| ||||||||||||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
|
عبر مُجمل تاريخ الولايات المتحدة، كان المواطنون يجتمعون طوعاً لتلبية الحاجات الحيوية لمجتمعاتهم. هذا الكرم، وهذه الإرادة للعمل معاً نحو هدف مشترك، هو طابع مميز للشخصية الأميركية. الأعمال الخيرية متجذرة بقوة في المعتقدات الدينية، في تاريخ المساعدة المتبادلة، في المبادئ الديمقراطية للمشاركة المدنية، في المقاربات التعددية لحل المشاكل، وفي التقاليد الأميركية للحكم الذاتي والحكومات المحدودة السلطة. إن المشقات التي واجهها المستوطنون الأوائل في أميركا الشمالية، عندما كانت الحكومة ضعيفة وبعيدة، أجبرت الناس على التضامن سوية لحكم أنفسهم بأنفسهم، لمساعدة بعضهم البعض، والشروع في الأعمال الاجتماعية، مثل بناء المدارس والكنائس ومراكز مكافحة الحرائق. نما من هذه الخبرات تقليد اتخاذ المواطن للمبادرة والقيام بالجهد الفردي لتعزيز الخير العام. دعم المهاجرون اللاحقون مجتمعاتهم عن طريق التبرع عبر الكنائس لمساعدة الفقراء وتشكيل مجموعات لمساعدة بعضهم البعض في وطنهم الجديد. سكان أميركا الأصليون والأميركيون الأفارقة كانوا يملكون أيضاً مبادرات عطاء متجذره بعمق. وكان القادة الدينيون يشجعون منذ أمد طويل أعضاء رعيتهم على إعطاء الفقير وعلى التبرع إلى الأعمال الخيرية لكنائسهم. فالعطاء للناس المحتاجين في مجتمعاتهم، إلى الفقراء في البلاد الأخرى، إلى ضحايا الكوارث الطبيعية، وإلى كنائسهم كان واجباً شعر به بقوة العديد من الناس، ولا زالت هذه المعتقدات الدينية تُشكِّل دافعاً هاماً للمشاركة في الأعمال الخيرية. بنجامين فرانكلين (1706- 1790)، المخترع ورجل الدولة في فترة الاستعمار الأميركي، كان من أوائل عاملي الخير. فقد أعطى لتحسين مجتمعه ولتوفير الفرص للناس لمساعدة أنفسهم. أنشأ منظمات مدنية محلية، مثل وحدة مكافحة الحريق التطوعية الأولى في فيلادلفيا، ومؤسسات مثل مستشفى بنسلفانيا، وجامعة بنسلفانيا، والمكتبة العامة في فيلادلفيا. لكن لم يبدأ الأفراد بوجه عام استعمال أعمالهم الخيرية حتى بداية القرن العشرين للسعي في سبل مكافحة المشاكل، وإجراء الأبحاث، وتعزيز العلوم. أحد أوائل المناصرين للأعمال الخيرية العصرية كان آندرو كارنيغي، رجل الأعمال الثري. فقد اعتبر أن الإنسان الثري هو نتيجة الانتقاء الطبيعي لقوى المنافسة. وبكسبه الثروة، يصبح هذا الإنسان وكيلاً للحضارة، وتصبح الأعمال الخيرية أداة لتحسين الحضارة وتحل كبديل عن الإصلاحات الجذرية. شملت الأعمال الخيرية لكارنيغي إنشاء المكتبات العامة والوكالات الأخرى التي يمكن أن توفر "المصاعد التي تمكن أصحاب الطموح من تسلقها". كارنيغي وعدة قيادات أخرى في قطاع الأعمال والمجتمع المدني، ومن ضمنهم جون دي روكفلر ومارغريت أوليفيا سايج، نظموا أعمالهم الخيرية في شكل جديد، شبيه بشركات الأعمال الكبرى، التي كانت ناجحة في حينها. وأيضاً في ذلك الوقت، أنشأ المصرفي فردريك اتش غوف المؤسسة الخيرية الأولى الاجتماعية في كليفلاند، بولاية أوهايو. هذه "المؤسسات الخيرية" الجديدة، الخاصة والمجتمعية، لم تكن مصممة لمساعدة أولئك الذين هم بحاجة مباشرة، فانشأوا بدلاً من ذلك أدوات للإصلاح وحل المشاكل، بحيث تعالج هذه الأدوات الأسباب الأساسية للفقر، والجوع، والمرض عن طريق إعطاء الأموال، والمعروفة "كمِنَح"، إلى أولئك الناس والمنظمات الأفضل تجهيزاً لمعالجة المشاكل المُعيّنة. وفكرة الأعمال الخيرية المنهجية والعلمية هذه كانت نتاج عصر التفاؤل والإيمان في قدرة العلم والمنطق على حل المشاكل الإنسانية. وهي الأساس المنطقي لمعظم المؤسسات الخيرية الأميركية في يومنا هذا. واليوم، ما تزال معظم الأعمال الإحسانية تُنفّذ أعمالها من أموال تُمنح بهذه الطريقة. العمل الخيري كتصميم هندسي يمكن اعتبار الأعمال الخيرية كتصميم هندسي للاستثمارات الاستراتيجية التي تُعزز الخير العام. ومثلها مثل المهندسين المعماريين المحترفين، تحلل المؤسسات الخيرية التحديات والحلول التصميمية الوظيفية لإتاحة الاستفادة القصوى من الموارد المتوفرة من طريق التركيز على النتائج. والمؤسسات الخيرية غير مُقيدة بهوامش الربح كالصناعة، وغير مُقيدة بسياسات الحكومة، ويمكنها تحمّل كلفة المخاطر لتنفيذ الأبحاث الهامة وأعمال التطوير المطلوبة لدراسة الهيكليات الاجتماعية، ومراجعة النماذج المعروفة، ومواجهة التحديات التي قد تؤدي إلى أزمات. المؤسسات الخيرية مُتوفرة بعدة أشكال: المؤسسات العائلية المرتكزة إلى موارد العائلة، والمؤسسات الاجتماعية المنظمة لتحسين نوعية المجتمعات، والمؤسسات المستقلة الموجهة نحو مهام معينة تضعها مجالس الأمناء. لكن هذا فصل واحد فقط من الأعمال الخيرية. فتبرع الشركات الكبرى هو عنصر أساسي آخر في جهودنا لإعادة ما أعطانا إياه المجتمع. المؤسسات الخيرية تجمع معاً خبرة الصناعة، والحكومة، والأكاديميا، والمجموعات المجتمعية، والأفراد لمعالجة المسائل الضاغطة وإيجاد الحلول الناجعة. وهو تماماً هذا النوع من التعاون، على سبيل المثال، الذي أدى إلى شراكة عامة - خاصة بين المؤسسات الخيرية ومكتبة الكونغرس الأميركي لإطلاق مبادرة بناء المكتبة الرقمية العالمية، التي ستجمع مواد أساسية مبعثرة من الحضارات العالمية المتنوعة في مواقع موحدة على شبكة الإنترنت لكل حضارة على حدة. فالمكتبة الرقمية العالمية تملك إمكانيات ضخمة لزيادة التفاهم العابر للحضارات. ومن خلال البصيرة، والإلهام، والابتداع، قدمت المؤسسات الخيرية مساهمات مهمة ودائمة في مجال الصحة، والتعليم، والبيئة، وتطوير الشباب، والفنون. كما كانت فعّالة في إعادة إحياء وتأهيل الأحياء الداخلية للمدن، والحفاظ على النسيج الاجتماعي للمجتمعات عبر الولايات المتحدة وعبر العالم. فمثلاً، العديد من المؤسسات الخيرية اليوم تُعالج مشاكل مرض الايدز/نقص المناعة المكتسبة، والمالاريا، والسل، وتُنفق ملايين الدولارات على الأبحاث والمشاريع لتوسعة برامج التلقيح التي تستهدف أمراض الأطفال في الدول الفقيرة في العالم. تُنفق مؤسسة بيل ومليندا غيتس الخيرية أكثر من مليار دولار سنوياً، تقريباً بحجم إنفاق منظمة الصحة العالمية، على جهود رفع الوعي العام واستئصال الأمراض السابقة الذكر. العديد يعتبر أن مؤسسة غيتس، إحدى أجدد وأكبر المؤسسات الخيرية التي دخلت قطاع الأعمال الخيرية، أصبحت المنظمة الأكثر تأثيراً في الصحة العالمية اليوم. التعليم أيضاً يشكل تركيزاً أساسياً للأعمال الخيرية، حيث تقوم العديد من المؤسسات الخيرية الأميركية بتوسيع التمويل والأبحاث لدعم التعليم العالي في سائر أنحاء العالم. لهذا الهدف، اجتمعت سوية مؤسسة جون دي. وكاثرين تي ماكارثر، ومؤسسة فورد، ومؤسسة روكفلر، ومؤسسة كارنيغي في نيويورك، ومؤسسة وليام وفلورا هيوليت، ومؤسسة أندرو دبليو ميلون في الشراكة للتعليم العالي في أفريقيا. قدمت هذه المؤسسات الخيرية مجتمعة أكثر من 150 مليون دولار وتعهدت إنفاق 200 مليون دولار إضافية خلال خمس سنوات لدعم جامعات منتقاة في غانا، وموزمبيق، ونيجيريا، وجنوب أفريقيا، وتنزانيا، وأوغندا، وكينيا، وهي جامعات تعتبر بأنها تشكل عناصر للتقدم الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي. الأعمال الخيرية في القرن الحادي والعشرين تتعرض حالياً طبيعة وممارسة الأعمال الخيرية في الولايات المتحدة لتغيير مذهل يُحركه بغالبيته نمو حجمه وتبدل طبيعته. فقد أدى الازدهار الاقتصادي إلى تكاثر درامتيكي في المؤسسات الخيرية. فمن بضعة الآلاف من المؤسسات الأميركية التي كانت تُقدّم المِنَح ما بعد الحرب العالمية الثانية ازدادت اليوم إلى أكثر من 65,000 منظمة في كامل أنحاء العالم، ما يشهد على النمو العميق في الأعمال الخيرية ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل على المستوى العالمي أيضاً. يبلغ مجموع موجودات هذه المؤسسات الخيرية الآن أكثر من 500 مليار دولار، مع تبرعات سنوية مرتفعة لا سابق لها قدرها 33.6 مليار دولار. فهذا، من نواح كثيرة، وقت التفاؤل والإبداع حيث يكتشف الناس أنظمة جديدة لإعادة الثروات الخاصة إلى المجتمع الذي استمدتها منه لفائدة الخير العام. تعيش الولايات المتحدة وتزدهر ضمن اقتصاد عالمي. ونتيجة لذلك، فإن الأعمال الخيرية الأميركية تصبح أكثر عالمية. وبينما تنمو الثروات في اقتصاديات السوق الجديدة، يتم التشديد على تقاليد العطاء. عالمياً، هناك العشرات من المؤسسات الخيرية الجديدة في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية وأوروبا. يقدر "تقرير الوضع العالمي للمؤسسات الاجتماعية لعام 2005 أن هناك على الأقل 1188 مؤسسة اجتماعية في 46 دولة خارج الولايات المتحدة، مع وجود 150 مؤسسة أخرى على الأقل قيد التأسيس حول العالم. الانخراط في ذلك المجتمع العالمي يجب أن يتضمن شراكة بنّاءة مع الزملاء في الأعمال الخيرية في كافة أنحاء العالم. أنشئ مجلس المؤسسات الخيرية، المنظمة الدولية التي يشارك فيها أكثر من 2000 عضو من المؤسسات والشركات التي توفر البرامج وتقدّم المِنَح، في العام 1949، وهو ملتزم بزيادة الامتداد العالمي التعاوني للأعمال الخيرية ويُنظم حالياً أحد أكبر تجمّع لقيادات مؤسسات الأعمال الخيرية في التاريخ. خلال هذه القمة، المقرر عقدها خلال عام 2008، سيدعو المجلس الزملاء الأميركيين والعالميين للتجمع في واشنطن العاصمة، للمشاركة في محادثات أساسية عبر كافة المسارات، لنتمكن من التعامل بشكل أفضل مع الدور الجوهري للأعمال الخيرية في القرن الواحد والعشرين. إن التحدي الذي يواجه الأعمال الخيرية هو إنجاز الأعمال التي هناك أمس الحاجة لها حيث لا يقدر أو لا يرغب الغير القيام بها: في أماكن التربة الصلبة حيث يتجذر العنف، في خضم الظروف المروعة حيث البطالة سائدة، وفي تلك المجازفات التي يصعب على الحكومات القيام بها بسبب الضغوط السياسية. يجب أن تركز الأعمال الخيرية أعمالها على الاتجاهات والميول التي تتوقع عناوين أخبار الغد. وقد يكمن الإرث الأكثر ثباتاً للأعمال الخيرية عبر العقود في مبادرة العطاء نفسها، في التبرعات التي تشكل مثالاً للغير، إن كان ذلك، عن طريق إنشاء مؤسسة خيرية، أو مساعدة منظمة إحسانية، أو تلبية حاجة إنسان. الثروات تنمو وتختفي، لكن يستطيع المجتمع الاعتماد دوماً على دوام ابتكارات الأعمال الخيرية، وتعاونها، والنتائج التي تحققها من أجل الصالح العام.
ان الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.
|
|||||||||||||||